بِالأَصْلِ كَانَتْ خِدْعَة!

بِالأَصْلِ كَانَتْ خِدْعَة!

10 0

دفعه بعيدًا، ولسوءِ حظه كانت السيارة تندفعُ بسرعةٍ عالية، فلم يملك فرصةَ الابتعاد، صدمته بقوة، فارتفع جسده فوقها وهبط مرتطمًا على الأرضية بعنف، ارتمى جسده على الإسمنتِ الصلب، بدأت الدماء تتدفق من رأسه ببطء، شعر أن أطرافه شُلت ولم يعد قادرًا على تحريكِ إصبعٍ واحد، اعترته رغبة عارمة في إغماض عينيه فلم يقاومها، بل استسلم لها تمامًا يُغلقُ بنيتيه، سكن جسده وارتخى، ولا زال دمه يسيل أرضًا من أسفله.

اتسعت أعينهم جميعًا وحلَّ عليهم الذهول، اجتمع الملأ من حولهم منهم من يشاهدُ بصمت ومنهم من اقتربَ يحاولُ المساعدة، هرع «ليل» إليه يجثو بجانبه، رفع جسد الآخر بأيدٍ مرتجفة، تجمعت الدموع بحدقتيه، أردف اسمه بتلعثم واهتزازٌ في نبرته:

_سـ.... سيف!

لم يستعب بعدُ ما حدث، كان يشاكسه للتو، وفي طرفةِ عين أصبح مُلقًا أمامهُ لا يعلمُ إن كان على قيدِ الحياةِ أم فارقها!!

نظر «ريان» في أثرِ السيارة التي لم يتوقف سائقها، ولم يكلف نفسه عناء إلقاء نظرة على ذاك الشاب الذي دعسه بلحظة، أما «رائف» فتثبتت مقلتيه على صديقه، لقد كان هو المراد، ودافع عنه الآخر، سيموت رفيقه....... بسببه؟

قال أحدُ الرجال الواقفين:

_يا ابني لازم يروح المستشفى قبل ما يحصله حاجة لا قدر الله.

استوعبوا الأمر أخيرًا، فأسندوه ثلاثتهم داخل سيارة «ليل» واتجهوا نحو أقرب مشفى، وخلال دقائق كان «ليل» يوقف السيارة، لم يصفَّها حتى بل أسرع يساعد الآخران في إسناد «سيف»، دلفوا المشفى، ليصرخ «رائف» مناديًا:

_دكـتـور بـسـرعـة.

اقترب منه الممرضون يلتقطون المغشي عليه، دالفين به إلى إحدى الغرف، مرت عليهم ساعةٌ يقفون كلٌ منهم تتآكل أعصابه، تنتفض قلوبهم ذعرًا على صديقٍ بمثابةِ أخٍ لهم.

خرج الطبيب من الداخل فاندفع ثلاثتهم نحوه، أشار لهم بيده ثم تحدث يطمئنهم بقوله الجاد:

_واضح أن الحادثة كانت شديدة، سببتله ارتجاج شديد في المخ، وكسر في القدم اليسرى ده غير الكدمات والرضوض المتفرقة في جسمه، الحمدلله أن مفيش نزيف داخلي، هننقله العناية المركزة دلوقتي وهيفضل تحت الملاحظة لحد ما نتأكد أن الحالة مستقرة.

استأذن الطبيب بعد إنهاء حديثه ورحل، أما هم فكان القلق ينهشُ قلوبهم، وقف «رائف» في زاويةٍ بعيدة عن البقية، يُحمِّلُ نفسه ذنبَ ما حدث، ضاق صدره واحتلتِ الغصة حلقه، عيناه زائغتان وعقله يعيد المشهد أمامه كشريطٍ لا ينتهي.

______________________________________________

______________________________________________

نزل عليه الحديث كالصاعقة، يتهمونه هو بالسرقة!

لم يستطع التحدث، وكأن لسانه عُقِد، وحتى لم يعطه أحدٌ حق الدفاع عن نفسه.

التقط حقيبة ظهره، والتفت سريعًا يهرب من نظرات الجميع حوله، استقل سيارته وقادها نحو منزله، طوال الطريق كان يفكر، كيف حدث هذا ولما هو بالطبعِ هو لم يفعل ذلك، فمن يكونُ إذًا ولماذا قد يفعل أحدٌ ذلك معه، هو لم يؤذِ أحدًا بحياتهِ قط.

دخل شقته بحملٍ ثقيل وحزنٌ سيطر عليه واتضح في رماديتيه القاتمتين، ألقى الحقيبة على الطاولة بإهمال،

جلس أرضًا مستندًا بظهره إلى الأريكة، مدَّ ذراعه الأيسر فوق ركبته المنثنية، شرد في كل شئ، حياته مع والديه، موتهما أمام عينيه، حياته وتشتته بعدهما، والآن ينعتونه بالسارق! تنهد بحرارة يُغلق عينيه بقوة، يريد البكاء لكن لا يستطيع، حتى هذا يَصعُب عليه!

أفاقه طرقٌ على بابِ شقته، نهض يمشي بترنح بعدما داهمه دوارٌ مع شعوره بحرارة جسده ترتفع، فتح الباب فوجد «زياد» أمامه ويحمل حقيبة بلاستيكية متوسطة الحجم، تبسم الأخير فور أن رآه، وسرعان ما انمحت ابتسامته من ملامح الآخر، يبدو شاحبًا، حزينًا و.... مريضًا.

دلف معه يضع ما بيده على الطاولة، جلس على الأريكة المقابلة له، ثم تحدث يسأله بترقب:

_أنت كويس؟

اغتصب ابتسامة صغيرة لم تصل لعينيه، يومأ له موافقًا ثم يردف بصوتٍ بدا باهتًا:

_ الحمدلله.

لاحظ أن هناك ما يزعجه، لكنه لم يرد أن يتطفل عليه، فأردف بمرح:

_أنا جيت اتطمن عليك وهقرفك بقى، خلاص عرفت عنوانك.

ابتسم بخفوت ولم يجبه، تحديدًا هو لم يستطع أن يجبه، قطب الآخر حاجبيه، ثم وبحركة خاطفة نهض يقترب منه واضعًا يده على جبين الآخر، تراجع «أمان» للخلف كرد فعلٍ تلقائي لاقتراب الآخر المفاجئ.

تفقد «زياد» حرارة الآخر فوجدها مرتفعة إلى حدٍ ما، فعقد حاجبيه بضيق وأردف:

_حرارتك عالية، ازاي سايب نفسك كده؟

لم ينتظر إجابته، التفت يفتح الحقيبة فوق الطاولة وأخرج منها شريطَ دواء، عاد يلتفت له قائلًا:

_ده خافض حرارة، خد حباية دلوقتي عشان الحرارة تنزل.... استنى أنت كلت حاجة ولا لأ؟

هزَّ رأسه نافيًا، ضغط الأكبر على أسنانه بغيظ، وأردف يهدر في وجهه من خلف أسنانه:

_ليه إن شاء الله؟ هو مش الدكتور قال تتغذى كويس عشان عندك سوء تغذية حاد!

_هو يقول اللي هو عايزه وأنا هعمل اللي أنا عايزه، بسيطة.

تشنج وجهه ليهتف ساخرًا يحذره:

_الله، ده أنت لمض كمان! حلو ده، بص بقى يا سكر، أنا جايبلك أكل بالذوق كده هتاكله وتخلصه كله عشان متزعلش مني.

رفع حاجبه الأيسر وها قد ظهر جانبه العنيد، تحدث بتحدٍ:

_أنا مبخافش على فكرة، هتعمل ايه يعني!

عضَّ على شفته اليسرى، يرمقه بشر أثناء اقترابه منه ببطءٍ مخيف، انحنى يقترب بوجهه من الآخر ليهمس بهدوء خطير:

_هـطـفـحـهـولـك يا مون.

ضيق عينيه مرددًا بتساؤل مستنكر:

_أفهم بس مون دي ايه موقعها من الإعراب؟

_ولا متستفزنيش، ده أنت طلعت لمض بجد، مش باين عليك يعني!

أجابه وقد ضحك بذهول:

_ما أنت اللي طريقتك غريبة، جاي تتعصب عليا في بيتي؟!

ضربه على عنقه مرددًا بحنق:

_يالا أنت كنت بتفرفر إمبارح وأنا اللي أنقذتك، في بيتك برضو.

قال الأخيرة يسخر منه، أما «أمان» فرفع يده يضعها على جانب عنقه حيث تلقى الضربة، وقد فرغ فاهه باندهاش، فبحياته لم يسبق أن ضربه أحدٌ قط ولا حتى على سبيل المزاح، حسنًا هو لم يملك من يمازحه، لكن المهم أنه لم يُضرب مسبقًا.

اتسعت عينيه بذهول وانقشع عنها اللون الرماديْ، فامتزجت ألوانها الفريدة، قهقه الآخر على مظهره بعدما كاد يبتلعه لعناده، أردف بين ضحكاته:

_كسرت غرور معاليك! أنا آسف.

_غرور!!

هتفها ردًا عليه باستغراب، ليجيبه الآخر بابتسامة عذبة:

_يعني اللي يشوف هدوئك من بعيد كده يقول أنك شايف نفسك، مهندس بقى وكده يعني.

زاد استغرابه فسأل مجددًا بحيرة:

_ايه علاقة المهندسين بالغرور؟

_اه، لأ أنت واحد أجنبي بقى وهتتعبني، بص مش مهم هبقى أقولك بعدين، كُل بقى ومتتوهش في الموضوع عشان أنا مش هتحرك من هنا غير لما تخلص كل الأكل ده... وأدي قعدة.

قال حديثه أثناء إخراجه للطعام يضعه أمام الآخر، ثم جلس إلى جانبه مربعًا قدميه، يشير له بعينيه محذرًا أن يتناول الطعام.

في تلك الدقائق القليلة تغيَّرَ مِزَاجُه كليًا، بعدما كادَ ينهارُ حُزنًا باتت ترتسمُ على وجههِ بسمةٌ هادئة، يمتنُ لخالقهِ ولأنه سخَّرَ له ذلكَ الشخص، ممتنٌ لحاسَّته ولتلك الليلة التي ألتقاه بها، وحتى إصابته أحبَّها لأنها جعلت الآخر يجلسُ بجانبه ويهتم به وكأنه أخيه أو أحد أقربائه، هو من فرضَ الوحدةَ على نفسه، لكنه يكرهها مع ذلك، ويسعدُ لوجودِ أيُّ أحدٍ يؤنسها.

لطالما كان يعاني من فقدانِ شهيتهِ منذُ حادثةِ والديهِ، لكنه بدأ بتناولِ الطعامِ خضوعًا لرغبةِ الآخر، وخوفًا منه أيضًا فمنِ الواضحِ أنه سريعُ الغضب عكسَ وجههِ اللطيف!

____________________________________________________________________________________________

هبط درجَ المنزل ينوي الخروج، أردفت «شمس» بعدم رضا:

_يا ابني طب هتسافر دلوقتي ازاي؟ أنت لسه تعبان.

وقف أمامها مقبلًا رأسها، يردف بحنو:

_حقك عليا يا ست الكل، أنا فاهم أنك مش عايزاني أمشي بس ده شغلي، وبالنسبة لتعبي فمتقلقيش عليا أنا زي الفل، أهم حاجة تبقي راضية عني ومش زعلانة!

ابتسمت بقلة حيلة تجيبه:

_قولتلك قبل كده مش بزعل منك، أنا بس صعبان عليا أنك تبقى بعيد عني، وياريتك بتغيب فترة وترجع، أنت ممكن تقعد بالشهور مش عارفة أشوفك وساعات مش عارفة أكلمك كمان.

أردف يعدُها بقوله:

_لأ، أوعدك هكلمك على طول ومش هتأخر أول ما ألاقي نفسي فاضي هاجي على طول.

حركت رأسها توافقه بخيبة أمل، ليقبِّل هو جبينها ثم يبتعد راحلًا من المنزل، لتطالع هي أثره بحزن، ثم تدعو الله أن يحفظه ويوفقه في عمله.

في طريقه إلى القاهرة كان يهاتف «رائف» وحينما أجابه الآخر، لاحظ نبرة صوته المتغيرة فسأله متعجبًا:

_مالك يا رائف؟ فيه حاجة حصلت؟ أنت فين أصلًا؟

تنهد الآخر بثقل، نطق مفسرًا باختناق وقد خرج صوته مبحوحًا:

_إحنا في مستشفى ****، سيف......... سيف عمل حادثة وفي العناية.

ضغط على الفرامل فتوقفت السيارة بحدة مصدرةً احتكاكًا عاليًا بالطريق، اتسعت حدقتيه بصدمة، تسائل بعد أن تسلل القلق إلى قلبه:

_حادثة ايه؟ ايه اللي حصل؟

كاد أن يجيبه الآخر لينغلق الاتصال فجأة، أبعد «قصي» الهاتف عن أذنه ليجد أن شحنه قد انتهى، ألقاه جانبًا بضيق، وأدار سيارته ينطلق بسرعةٍ كبيرة، كلما يقطع مسافة كلما يزداد الخوف بداخله، وينتفض قلبه ذعرًا من أن يكون قد خسر رفيقه، برغم صلابته الظاهرة إلا أن أكثر ما يخشاه هو فقدان أحد أحبائه.

وصل أخيرًا بعدَ قيادةٍ متهورة كادت تودي به عدة مرات، دلف المشفى يستفسرُ من موظفة الاستقبال لتخبره بمكانِ المقصود، اقترب منهم مهرولًا، توقف أمام «رائف» يسأله وصدره يعلو ويهبط بنهيج:

_ايه اللي حصل؟ سيف ماله؟

تهربَ بنظراته يحاولُ التماسك، أجابه ورغمًا عنه خرجت نبرته مهتزة:

_ك.. كنا ماشيين وكان فيه عربية جاية بسرعة ناحيتي، هو زقني وخبطته مكاني، هو حصله كده بسببي.

كان حديثه غير مرتب، يوحي بضياعه فتفهمه الآخر وحاول احتوائه قائلًا بثبات عكس القلق الذي يختلجه:

_مفيش حاجة حصلت بسببك يا رائف، ده قدر الحمدلله أنك كويس وسيف إن شاء الله هيبقى كويس، أهدى ومتحمِّلش نفسك ذنب مش ذنبك.

لطالما كان «رائف» أكثرهم عاطفية، جميعهم جامدون فيما يخص العمل، الرجلُ منهم وحشٌ لا يُقهر، لكن لكل منهم جانبٌ آخر، و«رائف» هو أكثرهم حنانًا وعاطفة، يخشى عليهم ويخشى فقدانهم، يفزعُ إن تأذى أحدهم أو أُصيبَ بخدشٍ صغير، فماذا إن كان بسببه؟!

____________________________________________________________________________________________

منطقةٍ خالية تكاد تكون شبه مهجورة، ڤيلا كبيرة تتضح عليها الفخامة والرقيْ، هبط من سيارته يطالع ضخامتها من وراء نظارته الشمسية، فُتِحَت بوابتها الكبيرة أمامه، وغل يدور بنظراته في المكان متفحصًا، مُلِئَت الحديقة بحراسٍ منتشرون في كل مكان، حين دلف إلى الڤيلا نفسها وجد نفس الشئ، حراسٌ في كل مكان، كاميراتُ المراقبة ترصد كلَّ ركن.

قاده «فريد» إلى غرفةٍ ما، طرق بابها ثم تركه واختفى عائدًا أينما كان، سمع هو إذن الدخول، دلف ليقف بمنتصف الغرفة يقيمها، أعاد نظراته إلى من يقف مطالعًا زجاج النافذة يوليه ظهره، نطق متعجبًا:

_خير؟ قولتلي في موضوع مهم، مش قولتلك مينفعش نتقابل كتير عشان متكشفش!!

التفت له الآخر، يسأله متجاهلًا حديثه:

_تشرب ايه؟

قلب عينيه وأخرج صوتًا من حلقه ينمُّ عن ضجره، أردف بحنق:

_ساتيرن، خلصني، برود أعصابك ده بينرفزني.

قهقه بخفة يجلس على مقعده خلف المكتب، يشير للآخر بالجلوس، ثم تحدث:

_ما ده المطلوب! المهم قولي ايه آخر الأخبار عندك؟

_ولا حاجة مفيش جديد، بس سمعت أن هيبقى فيه اتحاد بين فرقة قصي وفريق الخبراء اللي بيديره عبدالرحمن، معرفتش تفاصيل بس ده اللي وصلي.

حرك رأسه بتفهم، تسائل «وائل» فجأة وكان سؤاله مقرِرًا أكثر منه لاستفسار:

_أنت اللي بعت العربية اللي خبطت سيف صح؟

ابتسم الآخر بتلاعب وأراح ظهره على الكرسيْ قائلًا:

_أنت ايه رأيك؟

رفع حاجبه بتهكم مرددًا:

_حركة متطلعش من غيرك، بس ليه؟ أنت عايز قصي ايه لازمة الحوار ده يعني؟

_اللي كان مقصود أصلًا كان رائف بس التاني عمل فيها المضحي واتضرب مكانه، بس وماله مش هيضر برضه المهم أني حرقت دمهم، سواء ده أو ده الاتنين يهموا ابن عز الدين.

ألقى كلماته بأعين قاتمة، شاردة، تلوح بها رغبة انتقام، ضيَّق «وائل» بين حاجبيه، يسأل باستغراب:

_هو أنت فيه ايه بينك وبين أبو قصي مخليك عايز تنتقم منه؟

رفع عينيه يرمقه بشرود مردفًا:

_كله بأوانه يا وائل وقت ما أحب أعرفك هعرفك، عايزك زي ما أنت أي حاجة تحصل تبلغني.

أماء له موافقًا، ولا زال يتعجب العداوة والكره الشديد الذي يكنه الآخر لـ «عز الدين»، ما الذي يجعل شخصًا يريد تدمير شخص آخر لهذا الحد!!

____________________________________________________________________________________________

جلس «أمان» متربعًا على الأريكة بعد رحيل «زياد»، لن يمرر ما حدث في الشركة مرور الكرام لا بد أن يعرف ماذا حدث، وكيف أضحى هو سارقٌ في نظرهم!!

كان يضع حاسوبه المحمول فوق قدميه، يحدِّق بشاشته بحيرة، لا يعلم من أين يبدأ، بعثر خصيلاته، وقرر أن يتسلى قليلًا وتسليته تلك عن طريق اختراق إحدى الأنظمة المجهولة، لا يهم ملك مَن، المهم أنه سيستكشفها للحصول على بعضِ المتعة!!

وقبل أن يغوص فيما نوى، قاطعه جرس الباب، أغمض عينيه بغيظ وزمَّ شفتيه، قطب حاجبيه وضيَّق عينيه باستغراب همس لنفسه مستنكرًا:

_هو الباب بقى بيخبط كتير ولا أنا بيتهيألي؟

نحَّى حاسوبه جانبًا، وثب واقفًا ثم تحرك نحو الباب يفتحه، قابله وجهٌ أخذ وقتًا ليتذكره، إنه ذاك الشرطيْ في الغرفة الرقمية، لا يعرف اسمه لكنه الشخص الذي أخذ هو مكانه، أردف «عبدالرحمن» يلقي التحية متحدثًا بابتسامة:

_أتمنى مكونش أزعجتك، بس عايزك في موضوع مهم جدًا.

هزَّ رأسه إيجابًا، يفسح له مجالًا للدخول، ثم طالع ظهره بحيرة، دلف خلفه يجلس كما كان مقابلًا للآخر، والذي أردف دون مقدمات:

_بص من غير مقدمات كتير، أولًا أنا النقيب عبدالرحمن وأنت شوفتني قبل كده فملوش لازمة التعريف، ثانيًا وده الأهم أنا عايزك تشتغل معايا.... في فريقي، قدمت طلب بده وأتوافق عليه وفاضل موافقتك بس، ها ايه رأيك؟

ألقى الحديث في وجهه دفعةً واحدة، أما هو فزادت حيرته ورفع حاجبيه متفاجئًا، مَن أمامه يتحدثُ ببساطةٍ شديدة ويطلب منه أن يعمل في المخابرات!!

لملم شتات أفكاره وتسائل بهدوءٍ حائر:

_و... لو رفضت ايه اللي هيحصل؟

حرك كتفيه بخفة مجيبًا ببساطة:

_ولا حاجة كأن مفيش حاجة حصلت.

صمت قليلًا يتفحص ملامحه، يرى حيرته وتشتت تعابيره، أردف بجدية:

_مش لازم ترد دلوقتي، أنا مقدر حيرتك، هسيبلك رقمي وهستناك ترد عليا بكره، وأتمنى يجيلي رد يعجبني، عن إذنك.

استقام واقفًا بعدما أنهى حديثه، أوصله الآخر وأغلق الباب خلفه، عاد إلى مكانه يفكر فيما قيل له بتشتت، نطق محدثًا نفسه:

_هييييح، هي شغلانة جاية في وقتها بس..... مخابرات! صعبة دي وتبقى العين عليا بقى وبتاع ياختااااي.

نظر إلى الإطار الزجاجي الصغير أعلى الطاولة المجاورة للباب والذي كان يحمل صورة لوالده مبتسمًا بإشراق، أردف يسأله وكأنه سيجيبه:

_أنت ايه رأيك يا والدي؟ عارف أنك أكيد هترفض..... بس أنا بقى هوافق عشان أنا محدش يمشي كلامه عليا يا ساسو.

يشاكسه! هو ليس موجودًا معه، لكنه يريد أن يشعر بوجوده، يمزحُ ويسخرُ ويشاكسُ حاله، يملأُ فراغهُ ووحدته بنفسه، أسندَ ذراعه إلى ركبته يضع راحته على خده، يمطُّ شفتيه بضجرٍ، تحدث مجددًا بتفكير:

_هتبقى فرصة حلوة عشان أبقى قريب منهم أكتر، بالذات أنهم كانوا ورا الاختراق، ده معناه أن فريق الضابط اللي كان هنا ده ماسك قضيتهم ودي فرصة متتعوضش، وكمان أنا اتطردت وقاعد زي الكلب الذليل لسه هدور على شغل، يلا ما هي خربانة خربانة هخسر ايه يعني!! أنا قايم أعمل قهوة بلا هم كتكوا القرف كلكوا تـعـبـتـولـي أعـصـابـي........ آآآه.

ضرب بيده على ركبته متناسيًا إصابته فآلمه رسغه، أمسكه متألمًا بعلو، ثم أبعد يده ينظر إليها متنهدًا، استقام من مكانه ناهضًا يتجه نحو المطبخ، توقف أمام صورة والده قائلًا:

_عاجبك أنت الجنان اللي أنا فيه ده، بكلم نفسي بدل ما دماغي تشت من الصمت اللي أنا عايش فيه، سيبتني وخلعت بدري وكنت محتاجك معايا يا ساجد.

تهدج صوته في نهاية حديثه، غامت رماديتاه وغشتها الدموع، في كل لحظةٍ يقضيها بمفرده، يزداد احتياجه لوالديه وبالأخص والده، لقد كان له صديقًا وأخًا قبل أن يكون أبًا، كان يقضي معه يومه كله ويظل ملتصقًا به مادام موجودًا بالمنزل، ويعترضُ ويتذمر إن رحل وابتعد عنه ولو لفترةٍ وجيزة، والآن أين هو، وَارَاهُ التراب، ابتعد كثيرًا وبشكلٍ مفجع، سابقًا كان ينتظره ويعلم أنه عائد، لكن الآن هو يوقنُ أنه لن يعودَ أبدًا، يعلمُ أنه غيابٌ لا رجعة.

____________________________________________________________________________________________

أتى إلى المشفى فور معرفته بما حدث، تقدم نحوهم، يسأل «ريان» بلهفة:

_ريـان، ايه اللي حصل؟ وسيف عامل ايه دلوقتي؟

أجابه الآخر يسردُ عليه ما حدث باختصار، وقد كان وجهه مقتضبًا بحزنٍ على رفيقه، جاء «قصي» يقفُ أمام «شادي» يهتفُ بغضب:

_أنت ايه اللي جابك هنا؟

نظر إليه باستنكار، يهتف هو الآخر بحدة:

_وأنت مالك! جاي اتطمن على سيف.

تهكم يردد بسخرية لاذعة:

_ والله! لأ متشكرين أوي، أتفضل مستغنيين عن خدماتك.

قال الأخيرة يربت على كتف «شادي» بقوة، فنظر الأخير إلى موضع يده برفعة حاجب، دفعه عنه بقوة قليلة أدت لتراجع «قصي» بضع سنتيمترات إلى الخلف.

ردد بحنق:

_إيدك خليها جنبك يا بابا، أنا همشي يا ريان وهبقى آجي اتطمن على سيف لما الكائن ده يبقى مش موجود.

غادر المكان بضيق، أما «قصي» فكان يشتعلُ غضبًا لدفع الآخر له، تحرك من المكان راحلًا بعصبية، يكره أن يتطاول عليه أحد.

خرج من المشفى، فرأى «شادي» أمامه، تقدم منه يسحبه خلفه إلى أحد الأركان المتوارية عن الأنظار، ألصق جسد الآخر في الحائط، يرميه بشررٍ من عينيه، هتف في وجهه بغضب:

_بتمد إيدك عليا أنا يا حيوان!!

نظر إليه مردفًا بحدة:

_أنت ازاي تمسكني كده أنت اتجننت؟

ارتفعت شفتيه بتشنج يردف بتهكم:

_أنت هتستعبطني يالا، التمثيلية دي مش عليا.

ارتخت ملامحه ليقهقه بمرح، وسرعان ما ابتلع ضحكاته حين رأى اشتعال الآخر أمامه، تحدث يحاول تهدأته:

_الله ما تسيبني أتقمص الدور يا قُصقُص مش كده يا راجل، وبعدين ما أنت زعقتلي وخبَّطت على كتفي جامد وأنا متكلمتش.

جذبه نحوه من ياقته يردف بحنق مغتاظًا:

_إيدك متتمدش عليا تاني يا شادي الكلب بدل ما أقطعهالك.

أبعده عنه يعدِّل ثيابه ناطقًا باستخفاف:

_خلاص يا عم أنت هتعيش الدور عليا، ما أنت لسه قايل تمثيلية، لأ بس ايه رأيك في تمثيلي مقنع صح!

تمثيل!! هذا كله خدعة!! هما ليسا عدوين، ولم يستطع أحدٌ تفريقهما، كان كله من تدبيرهما، خططا ونفذا، ليكونا أمام الناس ألدُّ عدوين، وهما بالأصل أعزُّ صديقين والأمر كله..... خدعة.

____________________________________________________________________________________________

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجانب الآخر

المؤلف Amosha Hussein
2025/10/30 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة