استيقظ من نومه، أدَّي روتينيه اليومي، ثم خرج من غرفته فتقابل مع والدته والتي فور ما رأت وجهه شهقت بفزع، نطقت متسائلة وملامحها تنبض بالقلق:
_ايـه ده؟ ايه اللي عمل في وشك كده؟
ارتبك، بماذا يجيبها؟ بالطبع لن يخبرها أنه أُقحِمَ مع منظمة إجرامية تتاجر بالأعضاء ويطاردونه راغبين بقتله لأنه رفض العمل معهم!
قلب عينيه بتوتر ثم أجاب بابتسامة مرتبكة يحاول أن يطمئنها:
_م.. مفيش يا شموس ده.. ده... وقعت من على السلم أمبارح بليل لما جيت، كنت تعبان بقى ومش مركز فـ اتكعبلت وأنا طالع وقعت على وشي.
حسنًا تلك أكثر كذبة غير مقنعة، لكن العجيب حقًا أنها انطلت عليها!
فلما سيكذب؟ ماذا سيخفي مثلًا؟
رددت تلك الجملة في خاطرها تقنع ذاتها أن لا شئ يدعو للقلق.
اعتلى وجهها ملامح الارتياح، أردفت متنهدة:
_طب أبقى خلي بالك بعد كده يا حبيبي. أحضرلك تاكل؟
تسائلت فهز رأسه نافيًا مع قوله:
_لا متتعبيش نفسك أنا مش جعان.
أومأت وكادت تذهب لكن توقفت متسائلة حين رأته يجلس على الأريكة متنهدًا:
_أنت مش رايح المستشفى؟
تحدث بسخرية مضحكة:
_لأ، غيرت رأيي بما إن وشي بايظ أوي كده فبلاها النهارده، هقعد بقى استنى قصي لما ييجي.
«على الناحية الآخرى»
خرج «قصي» من المستشفى مستقلًا السيارة بجوار والده، خلف سيارتهم كانت تسير سيارة «رائف»، كان يقودها وبجواره يجلس «ريان»، خلفهم كلًا من «ليل» الذي يعبث بهاتفه دون هدفٍ واضح ويجاوره «سيف» يُسند رأسه إلى النافذة مغمضًا عينيه بإرهاق.
وبعد وقتٍ ليس بالكثير توقفت السيارتين أخيرًا أمام «ڤيلا المالك».
ولج «قصي» المنزل مستندًا على والده وخلفه رفاقه، فور ما وصلوا إلى ردهة المنزل توسعت أعينهم إثرَ رؤيتهم لوجه «زياد» الملئ بالكدمات، ترك «قصي» ذراع والده متناسيًا إصابته، اتجه نحو الأصغر متسائلًا بقلق:
_ايه اللي عمل فيك كده؟
وقف الآخر بسرعة أمسك ذراع «قصي»، تجاهل سؤاله مرددًا:
_اقعد بس أنت تعبان.
أجلسه والآخر لا يبعد ناظريه عن وجه «زياد»، وقبل أن يبتعد الأخير أمسك «قصي» رسغه يجذبه نحوه مكررًا سؤاله بحدة:
_ايه اللي عمل فيك كده يا زياد؟ انطق.
أتت والدتهما من الداخل مرحبة بأصدقاء ابنها، ثم التفتت إلى من ينظر لأخيه والقلق يعلو ملامحه، أجابته بغيظ:
_ما تتهد بقى يا قصي الله! ده أنت لسه مخدتش نفسك حتى، وما تقلقش يا سيدي هو وقع امبارح وخد السلم كله بوشه.
تشنج «ليل» هامسًا بسخرية:
_ليه هو وقع من على برج خليفة!
كتم «رائف» ضحكته بينما نغز «سيف» الآخر بمرفقه هامسًا له:
_أتلم يا ليل، أكيد فيه حاجة وهو مش عايز والدته تعرفها.
كان «قصي» يرمق أخيه باستنكار، فنظر له الأصغر راجيًا أن يصمت أمام والدتهما، رضخ له مع نظرةٍ تعني أنه بمجرد ذهابها لن يدعه وشأنه حتى يخبره بما حدث تفصيلًا من بعدِ إجمال.
غادرت «شمس» لتتركهم على راحتهم، فنظر «عز» لابنه الأصغر متسائلًا:
_أهي مشت. ايه اللي عمل فيك كده بقى؟ وعارف يا زياد لو كدبت ه...
قاطعه قبل أن يكمل مردفًا بضيق:
_مش هكدب، عشان كده كده لازم تعرفوا الموضوع كبر أكتر مما كنت متخيل.
صمت زافرًا بثقل ثم بدأ بسرد ما حدث معه بدايةً من عرض أولئك الرجال عليه ليعمل معهم ونهايةً بما حدث ليلة أمس، لم يذكر تفاصيل مقابلته بـ«أمان» بل لم يقل اسمه حتى فقط ذكر أن هناك شابٌ ساعده، وبالطبع لم ينسى «شادي» الذي أتى له بعد منتصف الليل ليُقلَّه من ذلك الشارع المظلم.
كان الجميع يرمقونه بإندهاش، هبَّ «قصي» واقفًا بانفعال شديد يظهر على وجهه، صاح بحدّة:
_وأنتَ أزاي تخبي طول الفترة دي؟ أزاي متقوليش؟
حاول «سيف» تهدئته قائلًا:
_أهدا يا قصي، مش مهم هو خلاص قالنا المفروض نفكر هنعمل ايه.
ردَّ الآخر بعصبية:
_يعني أنتَ عاجبك اللي هو عمله ده؟
أجابه بهدوء:
_لأ أكيد مش عاجبني، وهو غلطان بس اللي حصل حصل يبقى نهدى ونفكر هنحل الموضوع ازاي.
زفر «قصي» بضيق وجلس مرة أخرى ناظرًا نحو «زياد» بشرارٍ بتطاير من حدقتيه، والآخر هرب بعينيه بعيدًا عن أعين شقيقه.
يعلم أنه مخطئ لكنه لم يُرِد إقحامهم بالأمر، ظنَّ أن كل شئ سينتهي وسيمَلُّون من رفضه ويتركونه وشأنه، فأدرك الآن صدق من قال تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!
____________________________________________________________________________
يجلس «أمان» على كرسي مكتبه بالشركة، تتحرك أصابعه فوق لوحة المفاتيح بانسيابية، وعيناه تتابعان الشاشة بتركيز شديد، كان مندمجًا فيما يفعل وكأنه انفصل عن العالم حوله.
قُطِع اندماجه من قِبَل «علي»، رفيقه الوحيد الذي تعرَّف عليه منذ عمله بهذه الشركة، والذي صاح قائلًا بمرح:
_يا صباح الفل على أحلى مون في الدنيا.
رفع حدقتيه من الشاشة ولا زال ينظر نحو الأمام مبتسمًا بخفة، ثم رمق الآخر بطرف عينه مردفًا بحذر:
_عايز يا علي؟
_ايه يا أمان هو أنا لما أقولك يا مون أبقى عايز منك حاجة!
استدار له واضعًا قبضته أسفل ذقنه، رفع حاجبه يناظره بسخرية، حمحم الآخر وانمحت ابتسامته، ثم تحدث:
_أحم، واضح أنها مدخلتش عليك، حيث كده بقى....
جلس على كرسي بجوار أمان موجهًا نظراته نحوه، ثم أردف بهمس كي لا يسمعه أحد من حولهم:
_عندي ميتنج كمان ربع ساعة، المفروض فيه عميل مهم كنت بطورله البرنامج بتاعه وكنت خلصت وكل حاجة تمام وجاهزة على التسليم....
صمت مستجمعًا حديثه، ثم أكمل بانتحاب:
_جاي دلوقتي أفتح اللاب لقيت كل المعلومات بتاعت البرنامج اتمسحت من عندي وعشان أرجعها هتاخد مني على الأقل نص ساعة، ومفيش غيرك اللي هيعرف يرجعلي اللي اتمسح بسرعة قبل ميعاد التسليم، هتساعدني صح؟
أنهى حديثه متسائلًا برجاء، حدّق به «أمان» لوهلة وبالطبع وافق فبعيدًا عن كونه صديقه فهو الآن شخصٌ يطلبُ منه المساعدة وهو يستطيع فلما لا!!
أماء له بعينيه مع ابتسامته اللطيفة، تهللت أسارير «علي» واتسعت ابتسامته بفرح فهتف «أمان» بهدوء:
_ سيب اللاب بتاعك هنا وعشر دقايق بالظبط وتعالى خده.
نهض بسرعة مقبلًا وجنة «أمان» بسعادة مرددًا:
_ربنا يخليك ليا يا أمان يا عسل.
اشمئزت ملامحه قائلًا بتذمر:
_بس بقى مبحبش التلزيق ده. كل ده عشان هعملك اللي أنت عايزه!! يلا يا مصلحجي.
قال الأخيرة بصوتٍ مرتفع نسبيًا ليصل إلى الآخر الذي كان قد ابتعد عنه ذاهبًا ليعمل على شئٍ آخر.
وبالفعل بعد عشر دقائق أتى «علي» واستلم جهازه من «أمان» وقد كان انتهى من ما طُلِبَ منه، وبالرغم من علم الآخر بأنه سيفعل إلا أنه لم يمنع ذاته من التعبير عن انبهاره بعبقرية «أمان» قائلًا:
_طب وربنا أنت برنس، تسلملي دماغك يا جينيس.
قال الأخيرة مقبلًا رأس الآخر والذي تذمر مجددًا بضجر:
_يووه بطل بقى مبحبش كده قولتلك.
قهقه «علي» من تعبيراته المنزعجة وتركه ورحل مستمتعًا باستفزازه.
____________________________________________________________________________
«مبنى المخابرات الحربية»
كان «وائل» جالسًا في مكتبه، أمامه كومة من الأوراق يتطلع عليها، قاطعه طرقٌ على الباب فأَذِنَ للطارق بالدلوف.
دخل ضابط من المفترض إنه يعمل بالغرفة الرقمية، ملامحه يعلوها الجزع، نظر له «وائل» باستغراب متسائلًا:
_ايه يا عبدالرحمن فيه ايه!!
ابتلع ريقه بارتباك ثم تحدث ملقيًا ما في جوفه دفعة واحدة:
_ فيه حد بيحاول يخترق النظام يافندم.
اتسعت عينيه فزعًا وانتفض واقفًا بهلع مرددًا بعصبية:
_يـعـنـي ايـه الـكـلام ده؟ وأنـتـوا كـنـتـوا فـيـن؟!
صاح بها بغضب ثم اندفع خارجًا من مكتبه متجهًا نحو الغرفة الرقمية، يتبعه «عبدالرحمن» بسرعة.
دلف ليجد التوتر مسيطرًا على الأجواء، الجميع يصب جام تركيزه على الشاشات أمامهم، يحاولون ردع ذلك الاختراق، لكن من الواضح أن الأمر ليس بتلك السهولة.
نطق «وائل» متسائلًا بجدية يقطب حاجبيه بغضب:
_ايه الأخبار؟
أجابه أحدهم برسمية دون أن ينظر إليه:
_بنحاول يا فندم، المخترق متمكن بيستخدم خوارزميات النظام مش بيتأقلم معاها.
أما «عبدالرحمن» فقد انسحب ليهاتف «شادي» والذي يعتبر الرئيس المباشر والمسؤول عن الغرفة الرقمية.
____________________________________________________________________________________________
صفَّ سيارته أمام «ڤيلا المالك» ليهبط منها والديه، كاد «محمد» يدلف لكنه توقف عندما لاحظ أن ابنه لم يهبط من السيارة، عَلِمَ أنه لا يريد مقابلة «قصي» لكنه لن يتركه.
أردف يسأله بتعجب مصطنع:
_ايه مش هتدخل؟
نظر إليه ثم أعاد سوداوتيه للطريق مجددًا
يجيبه:
_لأ أنا جيت أوصَّلكوا بس، هروح بقى أشوف شغلي.
_مفيش الكلام ده، عيب تيجي لحد هنا ومتنزلش تسلم على أهل البيت. الشغل مش هيطير، يلا أنزل.
أنهى كلماته ثم تركه دون أن يعطيه فرصة للرد.
تنهد بثقل ثم هبط من سيارته متجهًا إلى الداخل، دلف فرأى «قصي» جالسًا يجاوره «عز» والذي نهض ليستقبلهم، وعلى الناحية الأخرى «زياد» ذو الوجه المتورم، وباقي أصدقاء «قصي» متوزعون على الأرائك والكراسي.
ألقى التحية ليجيبه «عز» بود، جلس يجاور والده ويقابل «قصي»، كلًا منهما يتهرب من نظراتِ الآخر.
أتت «شمس» من الداخل ترحب بهم، تحدثت بنبرة معاتبة توجه كلماتها إلى «شادي»:
_أنا زعلانة منك، بقى طول الفترة دي ومتجيش تسلم حتى، لا نشوفك ولا نسمع صوتك هو ده ينفع؟
حكَّ خلف عنقه بحرج مجيبًا بأسف:
_حقك عليا والله بس الشغل واخد كل وقتي.
امتعضت صائحة:
_كتك خيبة أنتَ وهو، أنا كل ما هكلم حد يقولي أصل الشغل!! ده ايه أصله ده!!
كانت تعني كلًا من «شادي» و«قصي»، تحدث «ليل» بمرحه المعهود:
_حقك عليا يا شموس، هما عيال متدلعة.
طالعه الاثنان باستنكار، همس له «ريان» بشماتة قائلًا:
_ألبس!
تبعه قول «سيف» الضاجر:
_ليلتك أسود من شعرك إن شاء الله! أحسن تستاهل عشان أنت عيل متربتش.
كاد أن يجيبه فقاطعه رنين هاتف «شادي»، نظر إلى شاشة هاتفه ليجدها تنير باسم «عبدالرحمن» تعجب قليلًا لكنه أجاب، لم يمهله الآخر ليلقي السلام حتى بل ألقى ما لديه باندفاع.
انتفض واقفًا مما استمع إليه، تحدث متسائلًا:
_أمتى حصل الكلام ده؟ وأنتو بتعملوا ايه يا عبدالرحمن؟
استمع للحديث من الطرف الآخر ثم أغلق معه المكالمة قائلًا بتعجل:
_طيب طيب أنا جاي.
تسائل «محمد» بقلق:
_فيه ايه يا شادي حصل حاجة؟
_كارثة يا بابا، فيه حد بيحاول يخترق النظام الأمني.
توسعت أعينهم بهلعٍ من المفاجأة، لم يعطهم «شادي» فرصة للتساؤل فلا وقت لديه ليضيعه، تناول مفاتيحه من فوق المنضدة وخرج مسرعًا، صعد سيارته وقادها بأسرع ما لديه، كان أشبه للطيران في الواقع!
____________________________________________________________________________
«مبنى العمليات الخاصة»
في مكتب «اللواء كرم» كان جالسًا يراجع ملفات المهمة الأخيرة، دلف العسكري الواقف أمام باب مكتبه بعدما تلقى أذن الدخول، قدَّمَ التحية العسكرية، تسائل «كرم» بتعجب:
_فيه ايه يا إبراهيم؟
_عرفت حاجة من شوية ياباشا وقولت لازم أبلغ سعادتك.
عقد حاجبيه ونطق قائلًا:
_خير يا إبراهيم، أتكلم.
_فيه هجوم إلكتروني، حد بيحاول يخترق النظام الأمني للمخابرات الحربية وبيحاولوا يصدوه بس شكل الموضوع صعب جدًا.
استقام بذهول، عيناه تدوران بقلقٍ بالغ
تمتم بضيق:
_يادي المصيبة!
زفر ثم تحدث:
_روح أنت يا إبراهيم، ولو وصلك حاجة تاني بلغني على طول.
_أوامرك يا باشا.
جلس مرة أخرى، ملامحه منكمشة يحاول البحث عن حل، حتى أنارت رأسه به.
أمسك هاتفه يبحث عن رقم صديقه «أمجد» والذي يملك شركة تطوير كبيرة أي أنه يعمل لديه الكثير من مهندسي البرمجيات ومن الممكن أن يجد فيهم واحدًا على الأقل يفيدهم في تلك الكارثة، يعلم أنه من الصعب أن يقبل أحدٌ من جهاز المخابرات بتدخل خارجي، لكنه سيحاول فقط.
رفع الهاتف إلى أذنه ينتظر إجابة الطرف الآخر، انتظر عدة دقائق حتى أتته الإجابة بترحيب من «أمجد» الذي قال بنبرة بانت فيها ابتسامته:
_السلام عليكم، أزيك يا كرم واحشني والله عاش من سمع صوتك يا راجل.
أجابه «كرم» بابتسامة محرَجة، يعلم أنه مقصِّر تجاه صديقه فهو لم يحادثه لأشهر:
_وعليكم السلام ورحمة الله، وأنت كمان والله واحشني بس الشغل بقى أنت عارف.
_كان الله في العون يا سيادة اللوا، ايه الإخبار عندك؟ كله تمام؟
تنهد بثقل ثم تحدث:
_الحمدلله، أهي ماشية...... أمجد كنت عايز أطلب منك طلب.
صمت في منتصف حديثه ثم أكمله بتردد.
قال الآخر يحثه على طلب ما يريد:
_وده كلام يا كرم، أطلب اللي أنت عايزه طبعًا ولو في إيدي مش هتأخر.
تحدث بجدية:
_متحرمش منك يارب، بص هو حصلت مشكلة كده وكنت محتاج مهندس برمجيات بس يكون بيفهم في الاختراق والأمن السيبراني والحاجات دي، أنا عارف أنك اللهم بارك صاحب شركة تطوير كبيرة وبيشتغل عندك مهندسين كتير فعايز استعين بحد من عندك بس يكون خبير.
صمت «أمجد» قليلًا يفكر، لكن لم يمهله عقله وفورًا أضاء اسم «أمان» برأسه فالجميع يعلم أن ذلك الشاب ورغم صغر سنه لكنه عبقري في كل ما يخص التكنولوجيا.
_طلبك عندي، شاب صغير شغال في الشركة بقاله كام شهر وبصراحة اللهم بارك عليه عبقري وسريع كمان، حصل عندي اختراق في نظام الشركة وهو الوحيد اللي عرف يوقفه لأ وعمل نظام حماية لو عفريت مش هيعرف يخترقه.
كان يمدحه وفي الحقيقة هو لا يُبَالِغ،«أمان» حقًا عبقري في هذا المجال ولدرجةٍ مرعبة _لا يعلمها غيره_.
نطق «كرم» بلهفة:
_هو ده بالضبط اللي محتاجينه، اسمه ايه الولد ده؟
_أمان المهدي.
لم ينتبه «كرم» للاسم كثيرًا كان كل تركيزه أنه وجد مَن مِنَ الممكن أن يكون حلًا للمشكلة.
تسائل مجددًا يطمئن من صديقه إن كان ذلك الشاب محل ثقة فلا وقت لديه للبحث بنفسه:
_طب وأنت واثق فيه؟
_طبعًا! لو مش واثق فيه مكنتش رشحتهولك من أساسه يا كرم. بس ده بالذات أنا أضمنه برقبتي، وعشان تطمن حبعتلك الملف بتاعه.
صمت قليلًا ثم تسائل بتعجب:
_بس مقولتليش أنت عايزه في ايه؟
تذكر أمر الاختراق فأجاب سريعًا ينهي المحادثة:
_هقولك كل حاجة بعدين أقفل دلوقتي وأنا هبعتلك ضابط من عندي هياخد أمان عشان يوصله ويرجعه تاني مكان ما يعوز بس أنت قولتلي اسمه أمان ايه؟
_أمان المهدي.
صُدِمَ هذه المرة، أيعقل أن يكون نفس الشخص؟
سيترك هذا الأمر الآن ويتأكد لاحقًا فالوقت ليس في صالحه.
أغلق المكالمة وشرد يفكر في صديقه المتوفى.
قاطع شروده رسالة وصلته من «أمجد» تحتوي على ملف «أمان».
قرأ الاسم «أمان ساجد زيدان المهدي» تأكدت شكوكه، كان محقًا هذا هو ابن صديقه، يا الله بعد كل تلك السنوات!!
لكن لا وقت للمفاجأة سينهي أمر تلك المشكلة ويعود بعدها لذلك الأمر.
أجرى اتصالًا بـ «رائف» بما أنه بدلًا من «قصي» المصاب.
____________________________________________________________________________________________
وعلى الجانب الآخر.
توترت الأجواء من الخبر الذي ألقاه «شادي» قبل رحيله والذي كان أشبه بصاعقة للجميع.
قاطع الصمت المطبق على الجميع، رنين هاتف «رائف» والذي أجاب فور ما رأى المتصل.
استمع إلى صوت «اللواء كرم» والذي أمره
_بعد التحية_بالذهاب لشركة معينة وجلب شابٍ ما والذهاب به لمقر المخابرات الحربية، قائلًا أن ذلك الشخص سيساعدهم في حل تلك المشكلة.
أغلق المكالمة، فنظر إليه «قصي» متسائلًا باستغراب:
_سيادة اللوا كان عايز منك ايه يا رائف؟
تنهد مجيبًا عليه بحيرة:
_بيقولي أروح شركة كده وأجيب مهندس برمجيات اسمه أمان حاجة..... بيقول يعني أنه هيقدر يمنع الاختراق، وهيبعتلي الملف بتاعه.
وكعادة «ليل» علَّق ساخرًا:
_يعني كل المهندسين اللي هناك واللي هما أصلًا ظباط مش قادرين على الاختراق وهييجي ده ويحله!! ليه معاه مصباح علاء الدين!!
ضحك الجميع بيأس فهو لن يتغير أبدًا «ليل» سيظل كما هو مهما حدث.
أردف «سيف» بنفاذ صبر:
_ياض أتلم بقى! نفسي تتكلم جد شوية.
أشاح له بيده ولم يُجِب، وصلت رسالة إلى هاتف «رائف» بها ملف «أمان» نظر إليه قليلًا لكن استوقفه عمره وهو ما جعله يرفع حاجبيه بتفاجئ.
تحدث «ليل» مرة أخرى متسائلًا بفزع من تفاجئ الآخر:
_ايه طلع تاجر أعضاء؟
صاح به «قصي» بضجر يقذفه بوسادة كانت على الأريكةِ جواره، قائلًا:
_بس يالا بقى.
أدار وجهه إلى الآخر المصدوم وسأله وقد
نَفِذَ صبره:
_وأنت مالك اتصدمت كده ليه؟
رفع رأسه إليهم قائلًا بدهشة:
_ده عنده 22 سنة!! ده عيِّل!!
نظر إليه «قصي» بجمود مردفًا:
_يعني كل الصدمة دي عشان عنده 22 سنة؟
أومأ له الآخر برأسه، فجزَّ على أسنانه وكاد ينهض من مكانه بغيظ قاصدًا تلقينه درسًا، لكن أمسكه «زياد» يمنعه من النهوض ضاحكًا بخفة من شقيقه سريع الغضب على أي شئ.
تحرك «رائف» مصطحبًا معه «قصي» والذي أصرَّ
على المجئ رغم رفض الجميع وإلحاحهم عليه بأن يستريح لإصابته، لكنَّ رأسه كالسيف.
اصطفت السيارة أمام الشركة، هبط كلاهما واتجها إلى الداخل.
وقفا في ردهة الشركة يبحثان عن هذا الـ «أمان»!
لكن لا أحد منهما يعرف شكله أصلًا.
مرَّ من أمامها شابٌ يبدو من هيئته أنه يعمل هنا، أمسكه «رائف» من ذراعه يسأله:
_بقولك لو سمحت، هو فين الباشمهندس أمان المهدي؟
تفحصهما «علي» باستغراب وأجاب سؤاله بسؤالٍ آخر:
_وحضرتك عايزه في ايه؟
أردف «قصي» بنبرةٍ جادة لا تقبل النقاش:
_معلش بس موضوع مهم لو تعرف مكانه قولنا هو فين عشان مستعجلين.
نظر إليه «علي» باستنكار، لما يتحدث هكذا؟
لم يجادل كثيرًا والتفت مناديًا رفيقه بصوتٍ عالٍ كي يسمعه:
_أمــان.
كان الآخر يصب جل تركيزه على الشاشة أمامه، استدار بكرسيه يرى لماذا يقاطعه!
ليقابله شخصين لم يرهما من قبل.... عذرًا هو فقط لم يتذكر بعد أين رأى كلاهما وبالأخص ذو العسليتين.
نهض من كرسيه ليقف مقابلًا لهما، بعدما أشار له «علي» أنهما يبحثان عنه!
تفحصه كلاهما، تمتم «رائف» بخفوت:
_طب والله عيل.
أما «قصي» فكان مركزًا على من أمامه، يتذكره؟ بالطبع يتذكره.....كيف له ألا يتذكر الغريب الذي لفت انتبهاهه؟!
تقابلت الأعين وتقاطعت الطرق ويبدو أن هذا اللقاء لن يكون الأخير.
________________________________________________________________________________________
Amosha Hussein