«القاهرة»
في أحد الأحياء الراقية، تتسلل أشعة الشمس الخافتة عبر النوافذ الزجاجية، لشقة ذات طابع عملي، تحتوي على أثاث بسيط، جدرانها من اللون الأبيض الباهت، أرضية سيراميكية رمادية اللون، أريكة ذات لون رملي هادئ، أمامها طاولة زجاجية صغيرة، يعلوها بعض الأوراق المتناثرة، وفناجين القهوة فارغة.
داخل أحدى الغرف، كان «قصي» جالسًا فوق كرسي مكتبه، يستند بظهره إلى الكرسي، عيناه مرتكزة على خاتم من الفضة يمسكه بين أصابعه، يحدّق به بنظرة حزن غائمة، قبض عليه بيده، أرجع رأسه للوراء، مغمضًا عينيه بتنهيدة ثقيلة، مرت أمام عينيه صور كثيرة، يسمع بأذنيه تلك الأصوات التي لا تفارقه، أصوات طلقات نارية، صورة دماء على يديه، جسد ثقيل يقع بأحضانه غارقًا بالدماء، وجملة قيلت بأنفاس متقطعة«خلي...بالك م..من نفسك يا قصي...هتوحشني يا أخويا»، لا زال يسمع صداها بأذنيه لم تفارقه منذ ذلك اليوم.
فتح عينيه، كان الأحمرار يحيط حدقتيه، نظرة الألم بعينيه امتزجت مع شرارة غاضبة خرجت منهما، فتح أحد أدراج المكتب، توقفت نظراته على صورةٍ ما، يراقبها بغصة عالقة بحلقه، وضع الخاتم مكانه فوق الصورة، ثم أغلق الدرج بهدوء.
نهض من مكانه، خرج من المكتب ومن الشقة بأكملها، قاد سيارته متجهًا لمقر العمليات الخاصة، وبداخله يقسم بالانتقام من كل من تسبب في معاناته وألمه الداخلي.
____________________________________________________________________________
«مقر العمليات الخاصة»
صفّ سيارته أمام مقر عمله، دخل المبنى خطواته واثقة، عينيه تنضح بالشموخ الذي لا ينكسر، كأنهما لم تكونا دامعتين منذ دقائق.
دلف إلى مكتب «اللواء كرم» بخطاه الثابتة، قدّم التحية العسكرية ولم يعر «شادي» الجالس علي يمين اللواء اهتمام، جلس على يسار «اللواء كرم» حيث تتواجه نظراته مع «شادي» والذي نظر إليه بابتسامة سمجة، فقابله بلامبالاة أثارت استفزاز الآخر.
قطع «اللواء كرم» تلك النظرات المتبادلة بقوله الجاد:
_دلوقتي هقسمكم فريقين زي ما قولت قبل كده، ثلاثة في المينا، وثلاثة على طريق السويس الصحراوي.
صمت لوهلة، وقلّب نظراته بينهم، ثم استردف:
_قصي وشادي وليل هيطلعوا على طريق السويس، رائف وريان وسيف في المينا.
وقعت كلماته عليهم كالصاعقة وبالأخص «رائف» الذي شعر أن «كرم» على وشك إشعال النيران في محطة وقود، همس ببكاء مصطنع:
_يا نهار غمقان، هي مهمة باينة من أولها، دول هيولعوا في بعض.
تبادل «قصي» و«شادي» نظرات تحمل الكثير، لم يفهم أي من الموجودين معنى ذلك التحديق، سوى «اللواء كرم» و«رائف» الذي مازال ينتحب على كارثة على وشك الحدوث.
تركهم «اللواء» مردفًا قبل خروجه من الغرفة:
_هسيبكم تدرسوا الأماكن كويس وتحطوا الخطة المناسبة، بس خدوا بالكم الغلط المرة دي بالذات مش مقبول، أي غلطة هتخسرنا كتير.
أنهى كلماته ورحل تاركًا معركة النظرات مستمرة بين «قصي» و«شادي»، حتى قطعها «ليل» محاولًا تغيير الأجواء بقوله المتعجب:
_بس الهاكر ده غريب أوي، نفسي أفهم هو مستفاد ايه من المعلومات اللي بيبعتها؟ يعني ولا حد يعرفه ولا بياخد فلوس ولا مركز ولا أي حاجة يبقى بيعمل كده ليه؟
ردد «رائف» اللقب بشرود:
_ТЕН يعني ايه؟ اللي نفسي افهمه بجد يعني ايه الاسم ده؟ يقصد ايه بيه يعني؟ اختصار لاسمه مثلًا.....
نطق «شادي» مقاطعًا حديثه بكلمة واحدة:
_تِن.
_ايه.
خرجت من فم «ريان» باستنكار، فأردف «شادي» بتوضيح رامقًا «ريان» بهدوء:
_من يومين المهندسين بتوعنا اكتشفوا أنТЕН كلمة روسية بتتنطق تِن، ومش اختصار اسم زي ما كنا فاكرين ده لقب معناه....... الظل.
____________________________________________________________________________
«الإسكندرية»
الغرفة مظلمة، لا يُسمع صوت سوى نقر أصابعه على لوحة المفاتيح، دائمًا ما يجلس في تلك الأجواء حين يود الانغماس في العمل.
كانت عينيه تحدقان بشاشة الحاسوب أمامه على الطاولة، ابتسم بانتصار، فقد سبق وخرّب صفقة السلاح السابقة التي كانت تخطط المافيا لها، والآن تلك الصفقة في طريقها لأن تخرب، وستكون ضربة قاضية بالنسبة لهم، فلن يتوقعوا في أسوأ كوابيسهم أن يتم الكشف عن صفقة المخدرات، فلا أحد يعلم بوجودها سوى الرجال الذين يعملون عليها، ولا يوجد ملف لها على نظامهم أي أنها سرية تمامًا.
ولكنه اخترق هاتف أحد رجالهم ذوي المكانة العالية، حين أخبره حدسه الذي لا يخيب أبدًا بفعل ذلك، وبالفعل توصّل إلى تلك الصفقة السامة، واستطاع معرفة جميع المعلومات التي تخصها، ومن ثمَّ أرسل المعلومات التي تحصّل عليها إلى قسم الاستخبارات الرقمية بالمخابرات الحربية والذي يُطلق عليه «فريق الأمن السيبراني التابع للمخابرات الحربية».
أغلق حاسوبه بهدوء، نهض عن كرسيه، وتمدد على فراشه، أغلق عينيه بتعب محاولًا نيل بعض الراحة والهروب من أفكاره، سقط في النوم ذاهبًا إلى رحلة مع كوابيسه التي لا تفارقه.
____________________________________________________________________________
«الميناء الشرقي لمدينة الإسكندرية»
الليل معتم، السكون يطغى على المكان، وفي ركنٍ مظلم، يقف رجل ملامحه أوروبية، ينتشر رجاله من خلفه، عددهم يفوق العشرون رجلًا، يقابله رجل يتشح بالسواد، يغطي وجهه بقناع من اللون الأسود، خلفه رجال يرتدون بذلاتٍ سوداء، يوازي وقفتهم سفينة ضخمة مصطفة إلى الرصيف.
كان الهواء ثقيلًا، قطع النظرات المتبادلة، والسكينة التي تقشعر لها الأبدان، قول الرجل ذو الأصول الأوروبية بلكنته الإيطالية مع ابتسامة ود باردة:
_تشرفت بلقائك سيد ساتيرن.
أجابه المعني ببرودٍ مماثل:
_وأنا أيضًا سيد موريتّي، واتمنى أن يعجبك العمل معي.
ابتسم المدعو «ڤاليريو موريتّي» والذي يعتبر من أكبر زعماء المافيا في إيطاليا، ثم ردد:
_بالطبع سيد ساتيرن، لقد سمعت عنك الكثير، وأعلم كم أنك ماهر بعملك.
بادله «ساتيرن» الابتسامة بسخرية مبطنة، قائلًا:
_إذًا سيد ڤاليريو، هل كل البضاعة جاهزة؟
أشار «ڤاليريو» لمساعده الواقف بجانبه، فهز الآخر رأسه، ثم نظر للرجال بإشارة يفهمها جميعهم، خلال ثوانٍ أحضر أحد الرجال سيارة شحن كبيرة، ثم فتح بابها الخلفي، ليظهر العديد من الصناديق الخشبية، اتجه «ڤاليريو» ليفتح أحد تلك الصناديق، مظهرًا عدد ضخم من الأسلحة والذخائر والقنابل الصغيرة.
أرتفعت شفتا «ڤاليريو» بجانبية، ثم أردف:
_ما رأيك سيد ساتيرن؟
ردّ «ساتيرن» بابتسامته الباردة:
_عظيم، لك ما طلبته.
ثم صفّق بإبهامه ووسطاه مصدرًا صوتًا حادًا، فأتى رجلان بحقيبتين ضخمتين، فتحها مساعده فإذا بمبلغ ضخم من المال يساوي مليوني دولار.
لمعت عيني «ڤاليريو» برضا، كاد يتحدث لكن قاطعه صوتٌ دوى عاليًا:
_مكانك أنت وهو، ولا حركة.
قالها «قصي» بحدّة وصوتٍ مرتفع هزّ أركان المكان، كان مشهرًا لسلاحه، مرتديًا بدلة قتالية سوداء، سترة واقية من الرصاص، تتدلى من أذنه سماعة أذن صغيرة، عيناه تشتعلان بنيران الغضب.
على يساره كان «شادي» بنفس هيئته، مصوبًا بسلاحه تجاه الرجال أمامهم، نظراته قاسية تلمع بغضبٍ دفين، وعلي يمينه كان «رائف» وملامحه لا تقل حدةً عنهما، ترتسم على وجهه ملامح الجدية على عكس طبيعته الحنونة والمرحة.
توترت الأجواء سريعًا، إذ بدأ رجال المافيا بإطلاق النار، فأصبحت الرصاصات تتطاير كالمطر، معركة جنونية تدور في الميناء الشرقي ولم يجرؤ أحد على التدخل.
أعلى أحد الحاويات كان «ليل» جاثيًا على بطنه، مغمضًا عينه اليسرى، مركزًا باليمنى على منظار بندقيته، يطلق النار باحترافية شديدة ويصيب أهدافه بدقة.
وعلى حاويةٍ أخرى تبعد عن«ليل» بأمتار ليست بالقليلة، كان«سيف» متخذًا نفس الوضعية، تنطلق رصاصاته لا تخطئ مرماها أبدًا.
كانت المواجهة طاحنة، امتلئ المكان بأصوات الطلقات النارية، امتزجت رائحة المياه المالحة برائحة الدماء، سقط العديد من رجال الشرطة وكذلك من رجال المافيا.
كان «قصي» متحصنًا خلف حاوية معدنية، يخرج ليطلق بمسدسه ثم يعود للاختباء، كان يقاتل بضراوة، لمح من بعيد شخص يستهدف «شادي» بمسدسه، اندفع دون تفكير مناديًا بعلو:
_شـادي، خـلـي بـالـك!!
التفت إليه «شادي» بسرعة رامقًا إياه متعجبًا من ركضه ناحيته، دوى صدى طلقة نارية تعرف هدفها جيدًا، سقط بين يديه وسالت دماؤه بسلاسة، نظر إليه الآخر بصدمة، لا يكاد يستوعب ما حدث.
ساد الصمت وانفصل عن العالم حوله، حتى انطلقت صرخة من أحدهم أفاقته من غفوته، حين صرخ «رائف»:
_قـصـي!!.
____________________________________________________________________________
Amosha Hussein