«الميناء الشرقي بالاسكندرية»
اندفع «قصي» بلا تردد نحو «شادي» ليبعده عن فوهة مسدس متوجهة نحوه، دفعه بعيدًا ولكن قبل أن يبتعد هو، تلقى رصاصة في صدره، سقط أرضًا وسقط معه «شادي» الذي توسعت أعينه من الصدمة، صمت المكان حوله، لم يعد يسمع سوى صدى تلك الرصاصة، يحدّق في جسد «قصي» الغارق في الدماء أمامه بغير تصديق.
صرخ «رائف» وركض نحو رفيقه، هاتفًا اسمه بلوعة:
_قـصـي!
جثا بجانبه ينادي باسمه ولكن عبثًا، نظر «قصي» إليه بعينين شبه مفتوحتين، رفع يده بوهن ووضعها على يد «رائف»، يضغط عليها بقوى خائرة محاولًا طمئنته، أغرورقت عيناه بالدموع وهو يرى صديقه غارقًا بالدماء، أتى الباقون مهرولين وجميعهم تلبستهم الصدمة، تسمرت أقدامهم بالأرض غير قادرين على الحراك.
استغل «ساتيرن» و«ڤاليريو» هذا الوضع وفرّا هاربين برجالهما، وقد أخذ «ڤاليريو» المال و تسلّم «ساتيرن» السلاح.
كان «شادي» أول من أفاق من صدمته، تقدّم سريعًا نحو جسد «قصي» الذي فقد وعيه، وضع أصبعين على رقبته، النبض ضعيف ولكنه موجود إذن فلازال هناك أملٌ بإنقاذه، انحنى نحو أذن «قصي» هامسًا:
_قصي، اتحمل شوية، هتبقى كويس، أنا مش هسيبك.
أنهى جملته ثم نهض، تناول بيده ذراع «قصي» ووضعه على عنقه، ويده الآخرى يحيط بها خصره ليدعم جسده، نهض بعده «رائف» بسرعة ليساعده في إسناد «قصي».
كان «رائف» يقود سيارة المهمات المدرعة بسرعة هوجاء، وفي الخلف يحيط الأربعة رجال بجسد «قصي» الفاقد للوعي، كلٌ منهم يحدّقه بخوف حقيقي من فقدانه، أما عن «شادي» فكانت نظراته تائهة، يشعر بالخوف من خسارة قصي! ولا يمكنه تصديق أنه ضحى بنفسه لينقذه هو.
____________________________________________________________________________
واقفًا بشرفة منزله مستندًا إلى السور، يرتشف قهوته السوداء بهدوء، نظر أمامه ثم أفرجت شفتيه عن ابتسامة مشاغبة، شرد يتذكر ما حدث منذ يومين.
«منذ يومين»
بعدما غفى محاولًا تهدأة أفكاره استيقظ إثر حلمٍ داهمه، ولكن تلك المرة لم يكن ذلك الكابوس المزعج بل كان والده!
رأى آخر ذكرى له ووالده قبل يومين من الحادث، يجلسان في حديقة منزلهم في مدينة موسكو، يراقبان تساقط ثلوج شهر ديسمبر، نطق «ساجد» بنبرته الحنونة والمعتادة مع ابنه الوحيد:
_هقولك نصيحة تمشي بيها طول حياتك، ماشي؟
نقل «أمان» أنظاره إلى والده، ثم أجابه بابتسامة ونبرته المشاغبة:
_امم، سمعني وأحكم إذا كنت همشي بيها ولا هكرفلها.
رمش «ساجد» عدة مرات بصدمة مرددًا وقد تشنجنت شفته العلوية :
_تكرفلهـا!
صمت يحاول استيعاب من أين يأتى هذا المشاكس بتلك الكلمات؟ جزّ على أسنانه بغيظ ثم أردف:
_امم طب اسمع يا أمان باشا وشوف حضرتك تحب تعتمد النصيحة ولا تكرفلها.
سكت مجددًا متنهدًا، ثم استرسل بجدية هذه المرة:
_عايزك دايمًا تدور في بواطن الأمور، ركز في التفاصيل المستخبية ومتمشيش ورا اللي عينك تشوفه أو اللي ودنك تسمعه، عشان مش كل حاجة بنشوفها أو بنسمعها بتبقى حقيقة ساعات بتبقى فخ، وده عن تجربة يعني، أنا عارف أن دماغك كبيرة وسابقة سنك عشان كده هتفهم كلامي وهتستوعبه كويس.
كان «أمان» ينصت إليه بانتباه شديد، وما إن انتهى «ساجد» من كلامه حتى أردف هو:
_فاهمك يا بابا ومتقلقش أنت مخلف راجل مش عيل صغير.
ابتسم «ساجد» هاتفًا:
_ده أنا متأكد منه.
أنهى كلماته مداعبًا خصلات «أمان» المشابهة لخصلات والدته تمامًا، صمت كلاهما لحظاتٍ حتى نطق «ساجد» بتهكم مشيرًا إلى نفسه بتساؤل:
_بقى هتكرفلي أنا ياض يا شبر ونص أنت؟
أخد يقترب منه بشر، تحدث «أمان» بخوفٍ مصطنع:
_استهدى بالله بس يا ساسو، هفهمك.
انقض عليه مدغدغًا إياه وضحكاتهما تعلو بأرجاء المنزل.
أفاق من تلك الذكرى مبتسمًا باشتياق، لكنه سرعان ما أدرك أن هناك شئٌ غريب بصفقة المخدرات تلك، فكيف يعقل أن لا تحتوي أيٌ من حساباتهم بمعلومات عنها؟ ولما لا أحد يعلم بها؟ لحظة هل من الممكن أنها..
قفز من سريره متجهًا لحاسوبه، أخذت أصابعه تعبث هنا وهناك حتى توصل لطرف الخيط، هاتف يخص أحد مساعدي زعيم المافيا، استطاع اختراقه بسهولة، وبعد الكثير من البحث وجد رسالة مبعوثة لرقم مجهول مشفر، محتواها بضع كلمات
«الطعم جاهز والفار دخل المصيدة»
اتضحت الرؤية، تلك الصفقة لا وجود لها من الأساس، كانت مجرد فخ لتشتيت الشرطة، سيتسلم «ساتيرن» شحنة السلاح من زعيم مافيا إيطالي الجنسية يدعى «ڤاليريو موريتّي».
أسرع بإرسال تلك المعلومات لفريق الأمن السيبراني بالمخابرات الحربية، فبدورهم أسرعوا بإخبار «اللواء كرم» والذي عقد اجتماعًا طارئًا مع الفريق، غُيِّرَت الخطة فبدلًا من الانقسام سيتوجهون جميعًا إلى الميناء الشرقي بالإسكندرية.
«الوقت الحالي»
داعب خصلاته مرجعها إلى الوراء، غمغم بابتسامته اللعوبة التي أظهرت غمازتيه:
_بقى عايزين تلعبوا بيا أنا؟ عيب ده أنا ابن ساجد المهدي.
رفع عينيه إلى السماء، يتأمل ظلام الليل المقرب إلى قلبه، ثم تنهد بثقل مغلقًا عينيه، ينعم بنسمات الهواء الباردة، علّها تطفئ نيران قلبه.
____________________________________________________________________________
«المشفى»
أمام غرفة العمليات، كان «رائف» يقطع الممر ذهابًا وإيابًا بتوتر يكاد يفتك بأعصابه، «ليل» جالسًا يضع وجهه بين كفيه قلِقٌ على رفيقه الذي ينازع الموت بالداخل، أما عن «سيف» و «ريان» فكان كلاهما يقف بجوار الآخر يحاولان التماسك، «قصي» سيكون بخير هذا ما يحاولان إقناع نفسيهما به.
وفي زاوية بعيدة قليلًا، كان «شادي» يستند إلى الحائط مغمضًا عينيه، مشاعر كثيرة تعصف به، ندم، ذنب، خوف من الفقدان، حيرة، صفعه عقله بالحقيقة، هو لا يكره «قصي» هو فقط يلومه على ما حدث منذ خمس أعوام، هو من أساء الظن به نعم هو من أنهى صداقتهما التي كان الناس يحسدونهما عليها، لكنه لا زال خائفًا عليه، خائفًا من فقدانه.
قطع حبل أفكاره خروج الطبيب من غرفة العمليات، فاندفع الجميع نحوه، أوقفهم بيده ثم تحدث بجدية:
_متقلقوش الحمدلله قدرنا نخرج الرصاصة وتجاوز مرحلة الخطر بس الإصابة كانت قريبة جدًا من القلب فلازم يفضل تحت المراقبة في العناية المركزة 24 ساعة عشان نتطمن عليه أكتر.
سأل «رائف» بنبرة قلقة وصوتٍ مبحوح:
_يعني هو كويس يا دكتور.
استشف الطبيب خوفه، فقال مطمئنًا:
_إن شاء الله متقلقش هو اللهم بارك جسمه قوي وده ساعد في أن حالته مش خطيرة ودخوله العناية ده إجراء روتيني عشان نبقى متطمنين عليه أكتر وكمان هيفوق خلال يومين بإذن الله.
تنفس بقوة فقد اطمئن قليلًا على رفيقه من كلام الطبيب الذي رحل، أدمعت عينيه فاقترب منه «سيف» واحتضنه مربتًا على ظهره بلطف، الجميع يعلم أن «رائف» صاحبُ قلبٍ رقيق، يخاف على من حوله أكثر من خوفه على نفسه و «قصي» بالنسبة له أخٌ وليس صديق، أردف يحاول بثه طمئنينة يبحث عنها جميعهم في تلك اللحظة:
_انشف كده قصي هيبقى كويس، وأنت سمعت الدكتور بنفسك، أمسك نفسك عشان قصي مبيحبش يشوفك كده وأنت عارف.
ابتعد يكفكف دموعه، ثم تحدث بنبرة متحشرجة:
_قصي أخويا مش صاحبي يا سيف، كلكوا أخواتي ومش هستحمل أشوف حد فيكوا مأذي ولا هقدر في يوم اخسر حد منكم.
تقدم ليل مربتًا على كتفه، ثم هتف:
_كان نفسي اعيط بس أنا جعان ومبعرفش اعيط وأنا جعان.
حدّق به جميعم بصدمة، فنظر إليهم ببلاهة متحدثًا:
_ايه يا جدعان فيه ايه يعني المهمة فشلت وقصي اتصاب أموت من الجوع أنا كمان ولا ايه؟
صفعه «ريان» على رقبته من الخلف، ثم أردف من بين أسنانه بغيظ:
_يا أخي بقى قدر الموقف اللي احنا فيه، أنت مينفعش تتكلم جد أبدًا.
وضع يده على مكان الصفعة بألم، قائلًا:
_ايه يا عم ده؟ واحنا خدنا ايه من الجد يعني، وبعدين ما احنا اتطمنا على الواد اهو كويس وزي القرد.
رمقه «سيف» بصدمة مرددًا:
_بتقر على صاحبك!
نظر إليه بتشنج ثم علّق ساخرًا:
_أقر على مين يا عم ده قط بسبع أرواح وبعدين ملكش فيه صاحبي وأنا حر، ها هتأكلوني ولا ايه والله هقع منكوا عشان كده كتير.
أنهى حديثه بانتحاب، ابتسموا بغير تصديق فهذا الليل دائمًا ما ينجح في إخراجهم من حزنهم وخوفهم، يجيد رسم الابتسامة على أفواههم، كلهم يعلمون جيدًا أنه أيضًا خائفًا على «قصي» وربما أشد منهم، لكنه لا يحب أن يرى الحزن على وجوه أصدقائه.
____________________________________________________________________________
«مقر المافيا»
غرفة مظلمة يغلب عليها اللون الأسود، فوق كرسي جلدي فخم يجلس رجلٌ بقناعٍ أسود، يحدّق في الرجل الواقف أمامه باحترام، نظراته كانت باردة، جامدة، تبعث الخوف بمن يطالعها، نطق بتساؤل:
_ايه الأخبار يا فريد؟
أجابه المعني بجدية واحترام:
_مفيش فايدة يا باشا الواد مش راضي يشتغل معانا، عملنا كل اللي سعادتك قولته عرضنا عليه فلوس ومنصب رفض، هددناه بشغله وبأهله وبرضو رفض.
همهم بهدوء ثم تساءل مجددًا:
_قولتلي الدكتور ده اسمه ايه؟
_زياد عز الدين المالك.
أومأ بتفهم ثم قال ببرود جليدي:
_خلصوا عليه.
هزّ «فريد» رأسه بطاعة، فأشار له «ساتيرن» لينصرف، استدار بكرسيه يحدق بالحائط، عيناه تشتعلان بشرٍ وأفكارٍ سوداء.
همس بفحيح:
_ابنك عنيد زيك يا عز.
صمت ثم أردف وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة غير مطمئنة:
_معلش يا زيزو مكنتش عايز الموضوع يوصل لكده بس اعمل ايه أنت وعيالك أغبيا.
نهض من مكانه متجهًا إلى طاولة خشبية صغيرة موضوعٌ عليها عدة صور أمسك واحدة منهم وخطّ عليها بالأحمر بخطين متعامدين كعلامة "x" تأملها قليلًا ثم أخرج حداقته مشعلًا فيها النيران، أخذ يراقبها والنيران تنعكس على عينيه، ثم قال بحقدٍ دفين:
_سلام يا زياد هتوحش أبوك، بس متخافش أخوك هيحصلك قريب.
أنهى جملته ثم ألقى الصورة المشتعلة والتي كانت تخص «زياد» في سلة المهملات ورحل تاركًا النيران تأكلها.
____________________________________________________________________________
Amosha Hussein