10-سالَتْ دِمَاؤه

10-سالَتْ دِمَاؤه

11 0

كان «أمان» جالسًا يُلقي تركيزه لِمَا يفعل، فقاطعهُ ارتفاع صوتُ «عليّ» الذي يناديه، استدار بكرسيه ينظر إليه، فوقعت عينيه على شخصين يقفان وراءه، تفحَّصَه كلٌ

منهما بمجردِ اقترابه من مكان وقوفِهُما.

رمقهما باستفهام ينتظر أن يتحدث أحدهما، يخبره

ماذا يريدان منه!

تحدث «رائف» على عجلةٍ:

_الظاهر أنك متعرفش، بص تعالى نفهمك في

الطريق.

لم يستطع حتى فتح فمه والسؤال، فقد سحبه الآخر من معصمهِ يجره خلفه إلى الخارج.

تاركينَ «عليّ» واقفًا يحدِّقُ في أثرهم ببلاهة وعدم استيعاب.

في الخارج

فتح «رائف» الباب الخلفيّ للسيارة وألقى «أمان»

على المقعد....

حقًا لقد ألقاه وكأنه قطعة خردة.

والآخر اتسعت عيناه من الصدمة فباللهِ ما هذا العبث؟

استدار ذلك المجنون_ في نظرِ «أمان»_ ليستقلَّ مقعد السائق، وصعدَ جانبهُ رفيقهُ الذي لم ينبس بكلمةٍ حتى الآن.

نظرَ «قصي» في مرآة السيارة الأمامية، كادَ ينفجرُ ضاحكًا على الفتى خلفه، فقد توسعت أعينهُ وتبعثرَ شعرهُ الطويل على وجههِ إثرَ إلقائهِ في السيارة بشكلٍ مفاجئ.

رفع يسراه يعيدُ خصلاته إلى الخلف يحدِّجهُما بهدوءٍ

ظاهريّ، رفعَ «رائف» بنيتيهِ إليه ليقول ضاحكًا

باعتذار:

_sorry يا هندسة على الرمية دي، بس فعلًا

مفيش وقت نضيعه....

تحمحمَ ثمَّ أكمل بجدية:

_أنت بتفهم في الاختراق والأمن السيبراني مش كده؟

لم يفهم سببَ السؤال، عذرًا هو لم يفهم شيئًا من الأساس، لكنه أومأ موافقًا، فأضاف الآخر:

_تمام.......دلوقتي فيه حد بيحاول يخترق النظام الأمني للمخابرات الحربية وأحنا بقى محتاجينك عشان توقف الاختراق ده، هتعرف؟

أخذ دقيقةً ليستوعب ما استمع إليهِ ثمَّ تنهدَ قائلًا

بهدوء:

_إن شاء الله.

حدّقه «رائف» لجزءٍ من الثانية ثم أعاد رأسه للطريق

يزيد من سرعة السيارة، أما «قصي» فقد كان يراقب

كل حركة يقوم بها «أمان»، لماذا؟ لا يعلم، فيهِ شئٌ غريب يدعوه ليستكشفه، وبالطبع سيفعل.

كان موقنًا أن هذا الفتى الذي لا يعرفه سيستطيع

إيقاف ذلك الاختراق ولا يعلم أيضًا من أين اكتسب

تلك الثقة، لكنَّ حدسه لا يكذبُ أبدًا.

طوال الطريق كان الصمت يسود السيارة لم يتحدث أيٌ منهم مجددًا، استمر «رائف» في زيادة سرعة السيارة ،

حتى مرت ساعةٌ ونصف ليصفَّها أمام مبنى المخابرات الحربية.

دلفوا إلى المبنى، «أمان» في الخلف ويتقدمه كلاهما.

كان يمرر أنظاره على المكان حولهِ، الجميعُ يتحرك بآليةٍ

تامة، وجوههم جامدة، كلٌ منهم يصبُ تركيزهُ على ما يفعل، وكأنهم مجردُ آلاتٍ بُرمِجت على العملِ فقط.

قبل وصولهم كان «اللواء كرم» قد أخبر «اللواء رفعت»

_وهو المسئول الإداري عن مبنى المخابرات الحربية_

أنه أرسل مهندسًا ليساعدهم في حل تلك المشكلة

وهو في طريقه إليهم رفقة اثنان من أكفأ الضباطِ

لديه.

كان الآخر رافضًا بشدة، لكنه اضطر للقبول، فإن نجح ذلك الاختراق، فالدولة كلها في خطر!

دلفوا إلى داخل الغرفة ليكون الوضع كالتالي.....

الكثير من الضباط يعملون أمام الشاشات، كلٌ منهم يعلو

ملامحه التوتر والقلق، يوجد رجلين يبدو عليهما الوقار

يتابعان ما يحدث بتركيز، «شادي» يلقي التعليمات

للفريق يقف مستندًا لكرسي أحد الضباط، والذي يكون

«عبد الرحمن»، أما «وائل» فكان يتابع بصمتٍ من زاوية الغرفة.

كان «أمان» ينظر إلى شاشة العرض الكبيرة، هجومٌ متطور أي أنه سيتأقلم سريعًا مع الخوارزميات التقليدية التي يستخدمونها، يحتاجون شيئًا مختلفًا!

«قصي» كانت عسليتيه مرتكزتان على الشاشة، وجَّهَ حديثه إلى الأصغر جواره يسأله بخفوت:

_هتعرف تتصرف؟

رمقه الآخر بطرف عينه، ثم تفوه بهدوء:

_غالبًا.

رفع نظره من الشاشة يرمقه باستنكار لرده، وضع «رائف» كفه على كتف «أمان» يهمس له بغيظ:

_لأ مفيش غالبًا هو هتعرف، كلنا معتمدين عليك.

أمسك معصمه يجره خلفه حتى توقف خلف «شادي»،

ربَّتَ على كتفهِ بخفَّة فالتفت له الآخر، ثمَّ نقلَ نظره إلى «أمان»، تحدث «رائف» يوضح الأمر باستعجال:

_ده الباشمهندس أمان المهدي، خبير أمن سيبراني.

كاد ينطق لكن قاطعه حديثٌ ساخر خرج من فم «وائل» الذي كان يتفحص «أمان» من أعلاه لأسفله باستخفاف:

_خبير ايه، ده عيل!

طالعه «شادي» بغضب، في الحقيقة هو يغضب كلما

رآه أمامه!

عضَّ «أمان» طرف شفته الأيسر من الداخل، وهي حركةٍ تلقائية يفعلُها كي يُسكِتَ لسانه عن الرد.

اتجه نحو «عبدالرحمن» يطلب منه بأدب قائلًا:

_بعد أذنك؟

نظر له الآخر لوهلة، لكنه فعل ما يريد، ونهض تاركًا له

المجال.

همس «عبد الرحمن» يحدِّثُ «شادي» بخفوت ساخرًا:

_ما وائل عنده حق، ما هو عيل فعلًا. إذا كان أحنا مش عارفين نعمل حاجة، هو ده اللي هيجيب التايهة!

رمقه الآخر بطرف عينه يجيبه بجمود:

_هنشوف.

جلس «أمان» على الكرسي أمام شاشة الحاسوب، أدخَلَ معادلةٍ ما ليجد أن الأمر لا يجدي، الهجوم يقوم به شخصٌ عبقري، يستطيع نظامه التأقلم مع المعادلات التقليدية.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية، فهذا ما كان يتوقعه، استحالت عيناه إلى الأزرق مما يدل على حماسه المرتفع رفع القلنسوة يغطي بها خصلاته، وتلك حركة عادةً ما يقوم بها حين يعمل، رفع أكمام كنزته واقترب بكرسيه أكثر من الطاولة، لتبدأ أصابعه تتراقص على لوحة المفاتيح،

زرقاوتيه مركزتانِ على الشاشة.

كان يبدو وكأنه انفصل عن من حوله، لا يسمع أو يرى أي شئ.

كان «عبدالرحمن» مندهشًا من تلك المعادلات المعقدة التي يستخدمها و..... مهلًا ما تلك المعادلة، لم يرَ أحدًا يستخدمُها من قبل؟!

دار ذلك السؤال برأسهِ بعدما رأى «أمان» يُدخل معادلةٍ غيرُ مألوفةِ لعينيه! لم يكن وحده بل أن «شادي» و حتى «رائف» لاحظا الأمر.

ظل يتابعه بدهشة حتى أدرك شيئًا لم ينتبه له أحدٌ ممن حوله، ذلك الفتى يمكن أن يكون هو «ТЕН» المجهول

الذي يساعدهم.

كيف عرف ذلك؟ هو ليس متأكدًا بعد لكنه يشكُ فحسب فطريقتهما متشابهة إلى حدٍ كبير، سيتأكد من شكه إذًا

ولكن ليس الآن.

استمر «أمان» على هذا الوضع مدة لا تزيد عن نصفِ

ساعة، حتى أنتهى أخيرًا متمتمًا بعبارته المعتادة:

_Готово "جاتوفا"

'تم'

لم يسمعه أحد فقد كان الجميع يُحدِّقونَ بالشاشة

التي تُعلِن انتهاء المشكلة، اعتلت وجوههم ملامح

الارتياح ومنهم من زفرَ براحةٍ، ولكنَّ أحدهم قد اتخذ

قرارًا مهمًا وهو أن هذا الشاب كنزٌ لا يجبُ خسارته

وكان ذلك «عبدالرحمن».

ابتعدَ بكرسيهِ عن الطاولة قليلًا، ثمَّ التفَّ ونهض ينزع القلنسوة عن رأسه، ينظر لأولئك الذين عادوا للعمل بعد زفرة الارتياح وكأن شيئًا لم يكن!

تقدَّمَ «اللواء رفعت» من «أمان» واضعًا راحة يده على كتفه، ثمَّ تحدث مبتسمًا بوقارٍ يليقُ بهِ:

_أنا حقيقي بشكرك، لولاك كانت هتحصل كارثة.

بادله الابتسامة بمثلِها، متشدقًا باحترام:

_الشكر لله، ده شغلي.

خرج «أمان» رفقة «قصي» و «رائف» كي يعيداه إلى الاسكندرية.

صعدوا إلى السيارة، فتحدث «رائف» بتلقائيته

المعتادة:

_صحيح لحد دلوقتي متعرفتش علينا، أنا رائف رائد عمليات خاصة، وده قصي رائد بردو وقائد الفريق، تحب أوصلك البيت ولا أرجعك الشركة؟

أنهى جملته متسائلًا فأجابه الأصغر بابتسامةٍ صغيرة:

_لا الشركة بعد أذنك عشان حاجتي كلها هناك والعربية.

غمغم الآخر بصوتٍ لم يصل سوى لمسامع «قصي»:

_شايف الناس المحترمة مش زي ناس!

رماه الآخر بطرفِ عينهِ محذرًا بخفوت:

_ركز في الطريق يا رائف وعدي ليلتك ها.

رمقه ضاجرًا وأخذ يهمهم بكلامٍ غير مفهوم.

____________________________________________________________________________________________

أوقف «رائف» سيارته أمام الشركة التي يعمل بها الأصغر،

هبط «أمان» من السيارة شاكرًا الآخر ثم تركهما ورحل.

كانت الساعة السادسة مساءً، أي أن جميع الموظفين قد

رحلوا، دلف إلى الشركة واتجه إلى مكتبه، وجد حقيبته وحاسوبه كما وضعهما، وضع الحاسوب في الحقيبة،

ثم وضعها على كتفه الأيسر وخرج صاعدًا إلى سيارته.

كل ما يريده الآن هو الوصول إلى منزله لنيل بعض

الراحة، ليتَه يستطيع النوم دون كوابيس!

أوقف السيارة أمام العمارة التي يقطنها، دخل شقته

واتجه نحو الحمام، خرج والماء يَقطُر من شعره،

ولم يكلف نفسه عناء تجفيفه حتى، بل ارتمى على الفراش يغمض عينيه، هو يشعرُ بالتعب وأنَّ هناكَ شيئًا خاطئًا به، ولكنه لا يهتم سينام وليرى لاحقًا ما المشكلة!

_وعلى الناحية الآخرى_

صفَّ «رائف» السيارة أمام منزل «قصي» وهبط الأخير،

مستمعًا إلى قول رفيقه:

_همشي أنا بقى، عايز حاجة؟

_ما تدخل يابني!

أجابه بإرهاق:

_لا مش قادر، هموت وأنام.

ودَّعه ثم اتجه للداخل، ولج ليجد أنَّ الجميع قد رحل

ولم يبقى في المنزل سوى والديه وأخيه، وإن كان والده فقط من يجلس على الكرسيّ بالصالة.

تسائل «عز» قائلًا:

_ايه اللي حصل يا قصي؟ عملتوا ايه؟

جلس «قصي» على الأريكة مقابله، ثم بدأ يسرد له

ما حدث، أنهى حديثه قائلًا:

_وصلناه وبعد كده رائف وصلني وروَّح.

هزَّ «عز» رأسه، ثم تسائل مجددًا:

_أنت قولتلي الولد ده اسمه ايه؟

_أمان المهدي.

شرد الآخر للحظة، ثم استفاق على حديث «قصي»:

_ساجد المهدي!

نظر إليه بصمت ليكمل الآخر بتساؤل:

_مش ده المقدم اللي أتقتل في بيته هو ومراته؟ وقالوا أن

ابنهم اختفى بعد الحادثة! كان صاحبك صح؟

أماء برأسه متفوهًا بعد تنهيدة ثقيلة:

_الله يرحمه، كان معرفة يعني مكناش قريبين أوي،

بس كان شخص كويس جدًا، منهم لله اللي كانوا السبب

في موته، عرفت من كرم أنه سفر ابنه بره عن خاله، كرم

كان قريب أوي من ساجد وكانوا طول عمرهم مع بعض...

الله يرحمك يا ساجد.

قال الأخيرة بحزن حقيقي على شخصٍ غُدِرَ به في عُقرِ

بيته، ويُتِّمَ ابنه وما زال طفلًا في السابعة.

____________________________________________________________________________________________

صباح اليوم التالي

استيقظ «أمان» لكنه لم يذهب إلى عمله لشعوره بصداعٍ

ودوارٍ يحتلانِ رأسَهُ، جلس على الأريكة واضعًا راحة يده

فوق جبهته يدلكها بألم، حتى استمع إلى رنين جرس منزله.

عقد حاجبيه باستغرابٍ، نهض بتاكسل متجهًا نحو الباب،

فتح الباب ليقابله رجلٌ يبدو عليه الوقار، يغزو شعره

بعض الخصل البيضاء، يتضح أنه في الأربعينيات من عمره.

طالعه بتساؤل والآخر يرمقه بعينين يملؤهما الحنين، ثم وبدون مقدمات اختطفه بين ذراعيه، ليتصنم جسده بعدم استيعاب.

أبعده الآخر عنه بعد أقل من دقيقة، لينظر إلى وجهه يروي اشتياقه لرفيق دربه.

أردف بحزن:

_الله يرحمك يا ساجد، أنت شبهه أوي....

صمت ثم تسائل:

_أنت مش فاكرني يا أمان؟

حدَّقه المعنيّ بتشتت وقد تناسى ألم رأسه الذي يشتد

تدريجيًا، ابتلع غصةً عَلِقَت في حلقه إثرَ تذكره أحداث

ذلك اليوم، هو لم ينسَ من الأساس، لكنَّ رؤيته لجزءٍ

من الماضِ، جعلت الذكريات تضرب رأسه وكأنها كانت

بالأمس!

تحدَّث بابتسامة هادئة يواري خلفها انهياره الداخلي:

_لأ طبعًا فاكر، حضرتك عمو كرم صاحب بابا الله يرحمه.

_عمو كرم؟!

أردفها الأكبر باستنكار، ففي صغر «أمان» لم يناده بذلك

قط.

تَبِعَ كلمته مضيفًا بمرح، يحاول تلطيف الأجواء بعدما لاحظ

لمعة الحزن في عين الآخر:

_فاكر كنت بتقولي ايه وأنت صغير ولا أفكرك؟!

أنهى جملته يمازحه بابتسامة ساخرة، ليضحك «أمان» بخفة حالما تذكر مشاغبته للآخر في صغره.

شردَ «كرم» متذكرًا جلسته الأخيرة مع «ساجد» قبل الحادث بيومٍ واحد.

_منذ خمسة عشر عامًا _

كان «كرم» يجلس رفقة «ساجد» بردهة منزله، يتناقشان

في آخر مهمةٍ كانا بها معًا، والتي كانت منذ يومين.

حتى قاطعهم دخول «أمان» إلى المنزل بعد عودته من

المدرسة، وفور أن رأى والده ركض نحوه بسعادة، فهو

لم يره منذ أيام بسبب عمله.

صاح أثناء ركضه بفرحٍ:

_ســاســو!

تبسم «ساجد» يتلقفه بين أحضانه فقد اشتاق له كثيرًا،

أجابه بحنو:

_عيون ساسو، عامل ايه يا بطل؟

_الحمدلله.

التفت نحو «كرم» يرحب بهِ قائلًا بمشاغبة:

_كراميـلَّة! عامل ايه وحشتني.

قهقه «ساجد» على تعبيرات الآخر الحانقة لذلك اللقب

الذي ينعته به هذا الشقيّ.

رمقه ممتعضًا يتسائل بتذمر:

_أنت بتضحك على ايه؟

أجابه وسط ضحكاته:

_بص لنفسك في المراية وأنت تعرف.

أردف «كرم» يرمق الصغير بانزعاج:

_ولا، مسمعش كراميلة دي تاني احترمني شوية بقى ده

أنا قد أبوك.

تحدَّثَ «أمان» ببراءة مزيفة:

_الله! بدلعك يا راجل يعني أنا غلطان؟!

تهكم صائحًا:

_بقى أنا بيقف قدامي رجالة طول بعرض يضربولي سلام،

والشبر ونص ده يقولي يا كراميلَّة!

أجابه الصغير بمشاكسة:

_ما أنا مش أي حد بردو يا كراميلَّة.

رمقه باشمئزازٍ مصطنع ولم يَرُد، أبعد «ساجد» ابنه عنه آمرًا بهدوء:

_طب يلا يا أمان أطلع غيَّر هدومك.

أماء له بطاعة ثم لوَّح بمرح قائلًا ببراءة ومشاكسة:

_ حاضر، سلام يا كراميلَّة.

ركض صاعدًا الدرج ، فالتفت «ساجد» نحو «كرم» يردف متسائلًا بحذر:

_أنت بتضايق من أمان يا كرم؟

نظر له بدهشة هاتفًا بحنق:

_أنت أهبل يا ساجد! ده ابني! أنا وهو بننكش في بعض، وبعدين ما أنت كنت بتضحك دلوقتي!

قالها بسخرية ليقهقه الآخر بخفة مرددًا:

_ما بصراحة تعبيرات وشك لا تُقاوم.

هدَّأَ «ساجد» من ضحكاته، ثم أردفَ

بجدية:

_كرم، عايزك تخلي بالك من أمان، لو حصلي حاجة سفره

عند لويندو هناك أأمن.

نهره رفيقه بضيق:

_ايه اللي أنت بتقوله ده يا ساجد! بعد الشر عليك، مش يمكن أنا أموت قبلك!

_يا كرم أسمعني.... أنا مش مرتاح، حاسس أن فيه حاجة وحشة هتحصل قريب، قولي حاضر وريحني.

هو أكثرُ شخصٍ يعلم أن صديقه عندما يشعرُ بشئ يحدث

فحدسه لا يخطئ أبدًا، هذا تحديدًا ما أقلقه، فهل من الممكن أنه سيفقدُ رفيقَ دربه؟ من يعتبره أكثر من أخيه؟!

أومأ له مردفًا بخوفٍ بدأ يدبُ في قلبه:

_ماشي يا ساجد أوعدك، ابنك في عنيا.

وبعدَ موتِ «ساجد» نفَّذَ «كرم» وعده له، وقام بمهاتفةِ

«لويندو» ليأتي الآخر ويأخذَ الصغير ليتربى في كنفه.

_عودة_

عادَ «كرم» من تلك الذكرى ليحدِّقَ بالأصغر قائلًا بضيقٍ مصطنع:

_طب ايه يعني هفضل واقف على الباب كده كتير؟!

استوعب الأمر فحمحم بإحراج، تنحى عن الباب سامحًا له بالدلوف، جلس هو على طرف الأريكة والأكبر يقابله على الكرسي، كان «كرم» يتأمل الشبه بين الفتى أمامه وبين رفيقه الشهيد، فبالرغمِ من بعض الاختلافات كلونِ الأعين والخصلات، إلا أنه يشبهه بشكلٍ كبير.

أردف الأكبر متسائلًا:

_قولي بقى، أنت رجعت أمتى؟

_من حوالي 3 شهور تقريبًا.

وسَّعَ عينيه هاتفًا بصدمةٍ مصطنعًا الحزن:

_يعني بقالك 3 شهور في مصر ومفكرتش تسأل عليا، أخس!

كاد يفتح فمه مبررًا، فأوقفه الآخر والذي ابتسم بمرحٍ مضيفًا:

_يا بني بهزر معاك.....

صمت ثم أكمل بأسف:

_أنا اللى قصرت في حقك، بس غصب عني ده أأمن ليك.

كان ذلك ما قرره كلًا من «كرم» و «لويندو» ليخفيا «أمان» عن أنظار المافيا، وقد نجحا بالفعل، فأصبح من يبحث عن معلوماتٍ حوله وكأنه يبحث عن سراب!

هتف «أمان» يبستم له بهدوء:

_ولا يهمك يا عمو، أنا عارف أن حضرتك وخالو كنتوا عايزين تحموني، ومقدر ده.

ارتاح الآن من فكرة أن الآخر قد تفهم الأمر.

تفوه مستنكرًا:

_عمو! وحضرتك! لا لأ أنا مش متعود عليك كده يا أمان،

أتعودت على كراميلة. هي اه كانت بتعفرتني بس طلعت أحسن من عمو، متحسسنيش أني كبير ده هما يادوب 47 سنة.

ضحك «أمان» على ملامحه المنكمشة، شعر بألم رأسه ودواره يشتد فحاول مداراة الأمر، لينطق بمرح:

_خلاص هقولك يا كراميلة بس متزعلش بقى!

بارعٌ في إخفاء تعبه عن الآخرين! فكان يبتسم والمشاكسة ترتسم على محياه، بينما الألم يفتِكُ برأسهِ فتكًا.

استمر حديثهم لساعةٍ تقريبًا، حتى قرر «كرم» الرحيل، قبل

تأخر الوقت، فنهض قائلًا:

_همشي أنا بقى يا أمان عشان الوقت هيتأخر ولسه قدامي

مشوار سفر، بس هجيلك تاني وأنا معايا رقمك هبقى أكلمك على طول.

نهض هو الآخر ليردف بابتسامته الصغيرة:

_توصل بالسلامة...... شكرًا على الزيارة دي.

قال الأخيرة بامتنان، احتضنه الأكبر مودعًا ثم رحل، أقفل

«أمان» الباب خلفه متنهدًا، عاد يجلس على الأريكة يستند

برأسه للخلف مغمضًا عينيه، ثم فتحهما مرة أخرى، أمال رأسه قليلًا ينظر إلى يمينه، نحو تلك الصورة التي تجمعه بأبويه المتوفيين.

غامت عيناه واستوطنت الغصة حلقه، أردف بنبرةٍ عميقة متحشرجة:

_أنتوا وحشتوني أوي.

زفر بحرارة فكم يحتاج إلى والديه، يشتاق إلى أمه وحنانها

عليه، يشتاقُ إلى والده ومشاكساته الدائمة له.

أحمرت عيناه من حبسه للدموع، تحول لونهما إلى الرماديْ

ولمع الغضب بهما أردف بصوتٍ مبحوح متوعدًا:

_هانت واللي عمل كده هدفعه التمن غالي أوي.

رفع راحته يضعها على صدغه يدلكه بألم من ذلك الصداع الذي لا ينفك يفتك برأسه، أرجع رأسه إلى الخلف مرة أخرى

يغمضُ عينيه مقلصًا المسافة بين حاجبيه.

____________________________________________________________________________________________

فُتِحَ باب مكتبه ليدلف منه «عبدالرحمن» والذي أقفل الباب ثم اتجه إليه يجلس على الكرسي أمام المكتب بهدوء،

رفع عينيه تجاهه بعدما كان يتابع الأوراق أمامه، ليردِف بتساؤلٍ مصطنع:

_خير يا عبدالرحمن، فيه حاجة ولا ايه؟

تحمحم الآخر ناطقًا:

_كنت عايز أطلب منك طلب.

تصنَّعَ «شادي» عدم الفهم يكبِتُ ابتسامته، فهو يعلم جيدًا

مايريده الآخر.

هتف بابتسامة باردة أثارت استفزاز الآخر:

_أؤمر يا بودي.

ذمَّ شفتيه بغيظٍ من ذلك اللقب، صاح متذمرًا بضيق:

_شادي متنرفزنيش، أنت عارف أنا عايز ايه، وبعدين ايه

بودي دي عيب على سني يا جدع.

أجابه «شادي» يبتسمُ بسماجة:

_خلاص يا عم أحنا آسفين ، بس بردو مش فاهم

أنت عايز ايه؟

زفر بحنق ثم أردف يبادله الابتسامة بإصفرار:

_طيب، عايز الشاب اللي كان هنا ده يشتغل معانا، هينفعنا

كتير.

رفع حاجبيه بدهشةٍ مصطنعة:

_ايه ده، هو مش ده اللي عيل ووائل عنده حق، أنت عايز تشغل معانا عيال!!

_شـادي، خلاص عرفت أني غلطت لما حكمت عليه من شكله، عارف أن الموضوع ده بيستفزك بس معلش،

ياعم عيل وغلط..... أنا شايف أنه شخص المناسب وعنده خبرة ومهارة عالية، هــا بقى موافق؟

أنهى حديثه برجاء ينتظر إجابته، زفر الآخر ثم تحدَّثَ

بجدية:

_ماشي موافق، وكمان فيه حاجة شاكك فيها وعايز أتأكد.

لقد كان يشكُ هو أيضًا في أمر «أمان»، والمعادلات التي استخدمها، سأله «عبدالرحمن» عاقدًا حاجبيه باستغراب:

_حاجة ايه؟

نظر إليه برهة ثم ردد:

_لما أتأكد هقولك، المهم أنا هرفع الطلب للعميد زكريا،

متهيألي هيوافق لأن كلنا شوفنا أن لولا أمان مكناش هنعرف نوقف الاختراق.

_ايه ده هو اسمه أمان!

قالها ببلاهة، ليعلِّقَ الآخر بسخرية:

_أصلًا! اه ياخويا اسمه أمان، خد بالك أنت باين عليك سمعك بقى ضعيف عشان أنا كنت واقف جنبك لما رائف

كان بيعرفني عليه.

علَّقَ معترضًا:

_ يعني أنا هركز في المصيبة اللي كانت هتحصل ولا أركز في اسم واحد أول مرة أشوفه! ما علينا، أنت خلاص وافقت صح؟

تأفف بملل مقلبًا عينيه مردفًا:

_ايوه يا سيدي وافقت.

نهض مسرعًا ليهتف بحماس مقتربًا منه يقبِّلُ وجنته:

_أحلى شادي اقسم بالله.

دفعه باشمئزاز هاتفًا:

_أطلع بره يالا..... يا مـلـزق.

صرخ بالأخيرة ليصل صوته للآخر الذي ركض خارجًا من الغرفة يقهقه بعلوٍ لنجاحه في استفزازه.

____________________________________________________________________________________________

كان «أمان» قد استلقى على سريره بإنهاك، لا زال الصداع والدوار يلازمانه بل وازداد الأمر سوءً مع شعوره بارتفاعِ

حرارته.

شعر بالغثيان فنهض عن السرير يتجه نحو المرحاض، لكنه

توقف يستند إلى رُخامة المطبخ عندما شعر أن الأرض

تميدُ به، ليسقط الكوب الزجاجي على الأرض يتناثر

زجاجه فوق الأرضية يُصدِرُ صوتًا مدويًا، ابتلع ريقه

يحاول التماسك، زاغت عيناه ورؤيته أصبحت غير واضحة، شحُبَ وجهه وجفَّ حلقه يشعرُ بالألم في جميع أنحاء

جسده.

شعر برؤيته تُظلم فترنح جسده وأفلتت يده، سقط مرتطمًا بالأرض مستسلمًا لتلك الدوامة السوداء التي سحبته.

ولسوءِ حظه فقد سقط فوق الزجاج المتناثر ليخترق

معصم يده من الداخل جهة الشريان، سالت دماؤه تروي

البلاط الأبيض، تتساقط بغزارة وبسرعة فهو يعاني من.... السيولة!

____________________________________________________________________________________________

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الجانب الآخر

المؤلف Amosha Hussein
2025/10/30 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة