«الإسكندرية»
يجلسُ «أمان» في غرفتهِ المظلمة، يحدِّقُ بشاشةِ الحاسوب، حيثُ يقع ذلك الاسم في أقصى اليسار، شردَ بذكرياته، يتذكر كيف بدأ كل شئ.
يتذكر حين كان صغيرًا، مهووسًا بالتكنولوجيا والإلكترونيات، بدأ يتعلم البرمجة منذ أن كان في العاشرة.
كان يحملُ داخله دافعًا خفيًا: الانتقام لوالديه.
وحين بلغ السادسة عشر، أصبح ماهرًا في هذا المجال،فقرر أن يخترق نظامًا أمنيًا يخصُ إحدى منظمات المافيا الدولية، ونجح في ذلك، لكن ما رآه كان لا يُحتمل، صفقات واتفاقيات لتجارة غير مشروعة، يعملون في كافة المجالات في السلاح، في الأعضاء، والمخدرات، وحتي..... البشر!
استطاع الوصول لمعلوماتٍ عن بعض أعضاء المافيا، قرر أنه لن يصمت، لن يكون مجردَ مشاهدٍ صامت، أقسمَ أن يكونَ كابوسًا لأولئك الحثالة.
ومنذ حينِها أصبحَ «ТЕН»، المجهول الذي يساعد الشرطة، ولا أحد يعرفُ من هو.
كان الخطرُ يزيد من حصاره يومًا بعد يوم، لكنه لم يكن يهتم، لا يهمه سوى أن ينال أولئك المجرمون جزاءهم، وأن ينتقم لوالديه، ولكل شخصٍ تأذى مِن قِبَلِهم.
عاد من ذكرياته، تنهد بثقل، ثم أغلق حاسوبه ونهض، تمدد على فراشه، وحدّق بسقف الغرفة بشرود، تنفسَ بعمق، ثم أغمض عينيه، محاولًا الهروب من أفكاره بالنوم.
____________________________________________________________________________
«القاهرة»
بخطواتٍ واثقة، دخل «شادي» الغرفة الخاصة بفريق الأمن السيبراني، بمقرِ المخابرات الحربية، وقف بمنتصف الغرفة، عيناه تتفحصان الشاشات بدقة، أردف بنبرة متسائلة:
_ايه الأخبار، وصلتوا لحاجة؟
أجابه مهندسٌ تقنيْ، نظراته متركزةٌ على الشاشة، أصابعه تتحرك بانسيابية على لوحةِ المفاتيح، حاجباه معقودان، يتحدثُ بجديةٍ كبيرة:
_وصلتنا رسالة جديدة، فيها معلومات عن شحنة السلاح اللي المافيا ناوية تدخلها مصر عن طريق المينا، المعلومات بتقول أن فيه مخدرات مع السلاح بس هتدخل من مكان تاني.
حوّل عينيه جهة «شادي»، ثم أكمل:
_كانوا بيشغلونا بشحنة السلاح عشان يعملوا صفقة مخدرات ضخمة، بحيث لو فشلوا في إدخال الشحنة، ينجحوا في إتمام الصفقة.
عضّ «شادي» على شفتيه، وضرب على الطاولة أمامه بانفعال، صارخًا:
_يا ولاد ال*****.
زفر بقوةٍ، ثم أضاف سائلًا:
_وعرفتوا مكان وميعاد الصفقة دي ولا لسه؟
أجابه شخص آخر مردفًا بابتسامة إعجاب جانبية:
_ربنا يخليلنا ТЕН بقى يا فندم، بعت كل المعلومات عن الصفقة، هتتم في نفس اليوم وفي نفس الميعاد بس الاختلاف المكان.
جزّ «شادي» على أسنانه، ثم رمق المتحدث بغيظ قائلًا بسخرية:
_طب وهو حضراتكوا لازمتكوا ايه بقى؟ طالما هو اللي بيساعد، وهو اللي بيبعت المعلومات، انتو بتعملوا ايه.
صمتٌ ثقيل خيّم على الغرفة للحظات.
حتى أجابه أحدهم بقلة حيلة:
_يا فندم هو مخلينا نعمل حاجة، هو مش مدينا فرصة، سريع بشكل رهيب، محدش عارف هو مين أو بيوصل للمعلومات دي ازاي بالسرعة دي.
رمقه «شادي» بطرف عينه، ثم نظر أمامه بغموض معلّقًا:
_بكرة نعرف كل حاجة، ماهو مش هيفضل مستخبي للأبد.
____________________________________________________________________________
«الإسكندرية»
جالسًا على أريكةِ منزله، الساعة الآن الثامنة مساءً، يضع هاتفه على أذنه، يستمع للطرف الآخر، ثم يرتفع طرف شفتيه بخفة، مظهرًا غمازتيه، تمتم بروسيةٍ متقنة:
_لا تقلق يا خال أنا بخير.
صمت مستمعًا للطرف الآخر «لويندو جريغوري» خاله الروسيّ، ثم أردف بهدوء:
_نعم أتناول دوائي بانتظام، وبالنسبة للطعام فأعدك سأحاول أن آكل جيدًا، لا داعي للقلق أستطيع تدبر أمري بمفردي.
أنهى المكالمة، ابتسم بامتنانٍ لخاله الحنون الذي يهتم لأمره كثيرًا، فمنذ أن ترك العيش معه وقرر الاستقلال بمفرده حين بلغ الثامنة عشر، وخاله يقلق عليه كثيرًا.
كان خاله برغم عمله في المخابرات الروسية، رجلًا حنونًا مع أسرته، وبالأخص ابن أختهِ المتوفاة «إليزاڤيتا جريغوري»، فبعدَ وفاتها، تولى هو رعايةَ «أمان»، إذ إنه الوصيّ القانوني عليه، فهو لا يملك أيُ أقاربٍ آخرين غيره.
لكنَّ«أمان» كان حساسًا، فكلما كبُرَ كلما شعر أنه عبءٌ على خاله، بالرغم من أن خاله لم يُشعره بذلك مطلقًا، بل كان يبذل قصارى جهده، كي يشعره أنه جزءٌ من العائلة، كان يعامله كابنه «روسلان»، وكذلك كان «روسلان» يعامل «أمان» كأخيه الأصغر، وحتى زوجة خاله «ميلانا» كانت تعامله كابنها، لكنه رأى أن من الأفضل ألا يُثقل عليهم، ويعيش بفرده.
انتظر حتى أتمَّ الثامنة عشر، حيث يصبح مسئولًا عن نفسه وتصرفاته، ثم أخبر خاله أنه يريد الرحيل، يريد أن يستقل ويعيشَ بمفرده، وبعد إلحاحٍ كبير من «أمان» ورفض أكبر من «لويندو» وافقَ أخيرًا، وعاش «أمان» بمفرده.
مع ذلك رفض خاله رفضًا قاطعًا أن يعملَ مع دراسته، قائلًا بنبرة حازمة، ولكنه لم يستطع إخفاء القلق الظاهر في عينيه:
_لم يكن روسلان يعمل مع دراسته، فلن أسمح لك بذلك، يكفي أنك تعيش بعيدًا عني، فلا تطلب المزيد.
عاد «أمان» من ذكرياته، مبتسمًا بحنانٍ وتقدير كبير لخاله، ثم تغيرت نظرته للغموض، لقد ابتعد أيضًا كي لا يورِط خاله فيما يفعل، وليستطيع تحقيق مسعاه بحرية.
____________________________________________________________________________
«القاهرة»«مقر العمليات الخاضة»
داخل غرفة الاجتماعات، يجلسُ «اللواء كرم» يترأس الطاولة، على يمينه يجلس «قصي» بجواره «رائف» يليهما «سيف»، وعلى يساره يجلس «ليل» وبجوارهِ «ريان».
يتحدثُ «اللواء» َ بجدية:
_المعلومات اللي جت بتقول أنهم هيعملوا صفقة مخدرات ضخمة في نفس الوقت اللي هتدخل فيه شحنة السلاح، عشان كده لازم تتقسموا مجموعتين، تلاتة هيروحوا المينا، وتلاتة هيروحوا طريق السويس الصحراوي اللي هتتم فيه صفقة المخدرات.
عقد «قصي» حاجبيه باستغراب، متسائلًا:
_يافندم بس احنا خمسة بس ازاي تلاتة وتلاتة؟
تحمحم «اللواء»، ثم أجابه:
_لا ماهو فيه حد معاكوا في المهمة دي.
تسائل «سيف» بحذر:
_مين الحد ده يافندم؟ حد نعرفه؟
كاد«اللواء» أن يجيبه، لكن طرقٌ خفيف على باب المكتب قاطعه، أذِنَ«كرم» للطارق بالدخول.
دخل«شادي» بخطواتٍ ثابتة ملقيًا التحية العسكرية على «اللواء»، سيطرت الصدمة على الفريق عندَ رؤيته.
اتسعت عينا «قصي»، انتفض واقفًا، يحدق به بنظرات نارية، سائلًا بانفعال:
_أنت بتعمل ايه هنا؟
ارتفعت شفتا«شادي» بابتسامةٍ جانبية، نظر إليه قائلًا بنبرة تشوبها السخرية:
_ايه هو المقر مكتوب باسمك ولا ايه؟
الجو كان متوترًا بينهما، الجميع يعلمُ أن علاقة ِ هذان الاثنان ليست على ما يُرام، ينقلون أعينهم بينهما بترقب.
أردف «اللواء» يقطع النظرات الدائرة بين الجميع قائلًا بجدية:
_اتفضل اقعد يا شادي.
نظر إلى «قصي» مكملًا بحدة:
_أهدى أنت كمان واقعد.
زفر «قصي» بضيق، ثم جلسَ ولا زالت نظراته الحارقة متركزة على «شادي»، بينما الأخير يحدِّق به ببرودٍ لا يخلو من تسلية.
تنهد «اللواء» قائلًا بنبرة جادة لا تقبل النقاش:
_اسمعوا أنتو الاتنين المهمة دي هتتم ولازم تكونوا مع بعض، مشاكلكم الشخصية تبعدوها عن الشغل، مفهوم.
أردف «شادي» ببراءة مصطنعة:
_والله يافندم أنا معنديش مشكلة، هو اللي حاططني في دماغه.
رفع «قصي» حاجباه باندهاش مردفًا:
_أنا! وأنا هحطك أنت في دماغي ليه؟
ضرب«اللواء» على المكتب بقوة، زاجرًا بصرامة:
_بس أنت وهو. أحنا مش بنلعب هنا، شغل العيال ده تعملوه بره.
قال «قصي» محاولًا السيطرة على انفعاله:
_تمام يافندم، أنا معنديش مشكلة، المشاكل اللي بيننا ملهاش علاقة بشغلنا.
أومأ «اللواء» برضا:
_تمام، قدامكم يومين راحة تودعوا أهلكوا وترجعوا على التدريب قبل المهمة، أتفضلوا.
نهض الجميع من أماكنهم مؤدين التحية العسكرية، ثم خرجوا.
تجنب «قصي» الالتقاء ب«شادي»، واتجه لسيارته، وقبل أن ينطلق بها فُتح الباب المجاور له، صعد «رائف» قائلًا:
_هاجي معاك يلا أطلع.
ابتسم «قصي» داخله بامتنان لصديقه الذي لايدعه لغضبه وأفكاره التي تهلكه.
انطلقا بالسيارة متجهين للإسكندرية.
____________________________________________________________________________
«الإسكندرية»
كانت السماء غائمة، الشمس على وشك الغروب، نسماتُ الهواء الباردة تُضفي السكينة إلى القلوب، تثير الارتعاش بالأجساد.
يقف «قصي» مستندًا بظهره إلى سور الكورنيش الحجري، مركزًا نظراتهِ على السماء، كان شاردًا في ذكرياته، أغمض عينيه وزفر بقوة، محاولًا طرد الأفكار المتزاحمة من رأسه، فتح عينيه ناظرًا أمامه، أدار رأسه نحو اليسار، استوقفه شابٌ يقفُ على بعدِ مسافةٍ منه.
كانت ملابسه بالكامل سوداء، بشرته بيضاء، شعره أسود فحمي، وبه خصلاتٍ رمادية.
يقفُ بثبات واضعًا يمناه بجيبِ بنطاله، ويده اليسرى تعبث بهاتفه، قدمه اليسرى تستند إلى السور خلفه، ويرتكز باليمنى على الأرض الأسفلتية أسفله.
شعرَ بنظراتٍ تراقبه، فرفع عينيه ببطء وأدارهما لليمين، تقابلت عينيه بخاصة «قصي» الذي لم يزح عينيه، بل ثبتهما يراقبه بفضول.
لم يكن يعلم لما لفتَ هذا الشاب انتباهه، لكن هناك شيء غريب به، ثباته، ملابسه السوداء، ملامحه الأوروبية المميزة، لا يعلم لما لكنه شعر أن هناك سرٌ خلف ذلك الشاب.
رفعَ «أمان» حاجبه الأيسر باستغراب، نظراته تقول «هل بي ما يثير الانتباه ؟ لمَا تحدّق بي هكذا؟».
أما «قصي» فكانت نظراته فضولية، وكأنها تقول«من أنت؟ ما قصتك؟».
قطع النظرات بينهما مجئ «رائف» الذي حدّج «قصي» بغيظ، قائلًا:
_يا بني عمّال أدور عليك، اختفيت من جنبي ليه.
أشاح «قصي» بوجهه بعيدًا عن «أمان»، ناظرًا إلى «رائف» ناطقًا بهدوء:
_معلش بس حبيت أقف على البحر شوية، فيه حاجة ولا ايه؟
أجابه «رائف» بهدوء:
_لا مفيش بس الشباب كلهم متجمعين ومستنينا عشان نخرج كلنا.
ردّ «قصي»بعدم اهتمام:
_تمام شوفوا عايزين تروحوا فين وأنا معاكوا.
قفز «رائف» صارخًا بمرح:
_أيوه بقى وهنخربها.
رمقه «قصي» باشمئزاز ناهرًا إياه:
_يالا ما تعقل بقى، أنا عايز أفهم أنت بقيت رائد ازاي؟
لاعب «رائف» حاجبيه بمشاكسة، مردفًا:
_بالحب، وبعدين أنت بتستهين بقدراتي، ده أنا خبير أمن سيبراني مفيش مني اتنين، أنتو تقدروا تستغنوا عني؟
أنهى كلماته بغرورٍ مصطنع.
أجابه «قصي» مبتسمًا بسخرية:
_لا طبعًا، منقدرش.
أدار وجهه للناحية الآخرى، فلمح ذلك الشاب يغادر، ظل يتابعه بعينيه حتى اختفى عن ناظريه.
كان يسأل نفسه «لما أنا مهتم بذلك الفتى، لا أعرفه، لا شأن لي به».
أفاق من شروده على «رائف» الذي يحرك يديه أمام وجهه صارخًا:
_أنت يابني، أنا مش بكلمك! روحت فين؟
نظر إليه قائلًا:
_ايه فيه ايه.
رفع «رائف» حاجبيه قائلًا:
_أنت اللي فيه ايه؟ بقالي ساعة بتكلم وأنت مركز مع الواد اللي كان لابس أسود ده، أنت تعرفه؟
أنهى كلماته سائلًا باستغراب.
حرك«قصي» كتفيه بخفة قائلًا:
_لا معرفوش ولا عمري شوفته قبل كده، بس مش عارف ليه حسيت أنه فيه حاجة غريبة، حاسس أني عايز أعرفه، مش فاهم ليه بس حاسس أن وراه سر.
رمش «رائف» بعينيه، ماططًا شفتيه، ثم أردف:
_سر آه، يعني أنا بقالي ساعة بكلمك، وأنت مركز مع واحد دي أول مرة تشوفه؟! طب يلا يا شيرلوك هولمز زمانك عشان العيال مستنينا بقالهم نص ساعة ولو أتأخرنا أكتر من كده هيسيبونا ويمشوا.
قالها ساحبًا «قصي» خلفه، دون أن يدع له فرصة للاعتراض.
على الناحية الآخرى، كان «أمان» يسير بهدوء، يديه بجيب بنطاله الأسود، عينيه على الطريق أمامه.
كان مستغربًا «لما ذلك الضابط كان ينظرُ إليّ هكذا»
نعم يعلمُ أنه شرطي، من وقفته، عضلاته الناتجة عن تدريبٍ شاق، بشرته التي اكتسبت القليل من السُمرة
نتيجة تعرضه لأشعة الشمس، وأيضًا كان هناك انتفاخ بسيط عند خاصرته، يوحي بحمله لمسدس.
طالما كان «أمان» منذ صغره يهتمُ بالتفاصيلِ الصغيرة، ويستطيعُ تمييز طبيعة الأشخاص ومعرفة عملهم من خلالها.
____________________________________________________________________________
Amosha Hussein