فتح باب الغرفة برفق، ليدخل ثم يغلقه من خلفه، خطى بهدوء ليقفز متمددًا جانبه على السرير، رمقه «قصي» بطرف عينه ولم يعيره اهتمامًا، يولي تركيزه لمن يحادثه على الهاتف.
تحدث بهدوء:
_خلاص تمام هاته وأنا هوديهوله بس ابعتلي عنوانه عشان
معرفوش.
صمت يستمع إلى «رائف» على الطرف الآخر، لينهي معه الاتصال بعدما اتفقا أن يأتي إليه الأخير خلال نصف ساعة.
أغلق الهاتف يضعه بجانبه، لينظر إلى «زياد» الذي لا زال
يُحدِّقُ به، تشدق من بين أسنانه يسأله بجمود:
_نعم؟!
ابتسم الآخر بتوسع يجيبه ببراءة:
_أنعم الله عليك يا حبيبي.
تشنجت ملامحه ليصيح به بغيظ:
_زيــاد، إخلص عايز ايه؟
تلاشت بسمته ليقترب من أكثر هاتفًا بترجي:
_خلاص طيب متزعلش، عارف أني غلطت بس مكنتش أعرف أن الموضوع هيكبر كده.
ردَّ عليه «قصي» بغضب وقد انفعلت نبرته:
_لأ أنت مش عيل صغير عشان تقول مكنتش اعرف، دي مافيا، يعني مش هيسموا عليك لما ترفض تشتغل معاهم.
صمت قليلًا، ثم أكمل ساخرًا:
_مشوفتهاش دي في فيلم ولا مسلسل قبل كده؟!
_خلاص بقى يا قصي قلبك أبيض يا جدع. وعد مش هتتكرر تاني، أي حركة مش تمام هبلغك على طول.
رفع حاجبه يرميه بشرار من عينيه، ثم تشدق محذرًا يجز
على أسنانه بغيظٍ مكتوم:
_قسمًا بالله يا زياد لو اتكررت لأزعلك، ما هو أنا مش مستغني عنك.
عادت بسمته تتوسع، فأردف بدلعٍ مصطنع يغمز له بعينه:
_بتخاف عليا يا قُصقُص.
حدَّجه باشمئزاز، ودفعه عن الفراش متمتمًا بتشنج:
_غور يالا، كتك القرف!
كاد يسقط إثرَ دفعته لكنه تمالك نفسه، عاد يقترب منه ليحتضنه قائلًا وسط ضحكاته:
_خلاص بقى، ايه مبتهزرش؟
سكت لحظةً ثم استرسل بتساؤل:
_صحيح كنت بتكلم مين وبتقوله هوديهوله؟ هو ايه ده وهتوديه لمين؟
_ده رائف، بيقولي أن الباشمهندس أمان نسى تليفونه في عربيته، راحله الشركة الللي شغال فيها قالوله خد إجازة، وهو جاله استدعاء لاجتماع في المخابرات مش فاهم ليه ولاهو يعرف، بس المهم يعني أنه مش هيعرف يروحله فقولتله أنا أوديه بما أني إجازة ومش هروح الاجتماع.....
هو أنا بحكيلك ليه أصلًا أنت مالك؟!
انكمشت ملامحه باستنكار في نهاية حديثه، تجاهل «زياد»
تذمره وتحدث بحماس:
_خلاص هاجي معاك.
تشنج للمرة التي لا يعلم عددها مستنكرًا:
_تيجي معايا فين؟ هي رحلة!
زمَّ شفتيه يترجاه باستعطاف:
_عشان خاطري يا قصي.
تأفف بحنق مردفًا بنفاذ صبر:
_يارب صبرني، تعالى.
قالها ينهض من فوق الفراش ليتجهز، فوجد شقيقه يقفز
عليه يحيط عنقه ثم قبله على وجنته بقوة قائلًا:
_حبيبي أنت يا قُصقُص وربنا.
صاح به بضيق:
_أمشي يالا أطلع بره.
أنهى حديثه دافعًا إياه خارج الغرفة يغلقها خلفه بقوة، ليستمع إلى صياح الآخر المغتاظ من خلف الباب، يهتف بتوعد:
_بقى كده ماشي يا قصي!
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، تنهد بثقل ناظرًا إلى صورةٍ على مكتبه تجمعه بشقيقه، هو يحبه ويخاف عليه
كأنه ابنه وليس شقيقه، ليسا مجرد أخوين وبالنسبة له
جميع من بالعالم في ناحية وذلك «الزياد» في ناحيةٍ أخرى.
مرت النصف ساعة سريعًا، دلف «رائف» المنزل فوجد صديقه في انتظاره وبعد تبادل التحية، تحدث «رائف»
بنبرة عادية:
_بص الموبايل أهو وهبعتلك العنوان.
قالها أثناء إخراجه للهاتف من جيب بنطاله يمده للآخر،
لفت نظره «زياد» الذي يهبط الدرج يرتدي ملابسه مستعدًا
للخروج.
أردف ببسمة مرحبة:
_رائف، ازيك عامل ايه؟
_الحمدلله تمام، أنت ايه أخبارك؟ ايه رايح المستشفى ولا ايه؟
أجابه الأصغر مستندًا على كتف «قصي» الذي ناظره بطرف عينه:
_لأ، رايح مع قصي.
رمش بأعينه ببلاهة من حماسة الآخر ليُعلِّق:
_رايح مع قصي فين؟
_عند أمان.
كانت الإجابة مصاحبة لبسمة واسعة بلهاء شبيهة لخاصته،
فنظر الآخر تجاه «قصي» بتساؤل غير منطوق، ردد الأخير بقلة
حيلة:
_شبطان زي العيال الصغيرة اعمله ايه!
رمقه بحنق ليهتف بترفع:
_مش هرد عليك عشان أنت الكبير بس.
ارتفع طرف شفته بسخرية مرددًا:
_لا والله!
هزَّ رأسه بإيجاب، نطق «رائف» باستعجال:
_طب أنا همشي بقى عشان متأخرش، سلام.
حرك يده مودعًا ثم رحل سريعًا، بعد دقائق قليلة انطلق كلاهما في سيارة «قصي» متجهيْن إلى منزل «أمان»،
مرَّ الطريقُ بسرعة فلم تكن المسافة كبيرة، صفَّ «قصي» سيارته أسفل العمارة التي يقطنها المعنيْ.
تحرك كلٌ منهما نحو العمارة، صعدَا الدرج ثم توقفَا أمام الشقة المقصودة، كاد «زياد» يرفع يده ليطرق على الباب،
فأوقفه صوتٌ مرتفع لتهشم شئٍ زجاجي تلاه بثوانٍ صوتُ
اصطدامٍ قوي.
توسعت أعينه بتفاجئ ينظر إلى أخيه ليجده قطب حاجبيه، ثم اقترب يطرق الباب بقوةٍ قليلًا، مرة واثنتان وثلاثة ولا يوجد رد، ابتعد عن الباب ساحبًا «زياد» إلى الخلف،
ثم وبحركةٍ سريعة قام بركل الباب حتى انكسر وفُتح.
دخل كلاهما بحذر يتفقدان أرجاء الشقة الساكنة بهدوء،
تسمر جسديهما للمشهد أمامهما، كان «أمان» ملقى على الأرض، دماؤه تسيل على الأرض بغزارة، قطع الزجاج متناثرة حوله بفوضوية.
هرع «زياد» نحوه سريعًا، رفع رأسه يحيط وجهه الشاحب بيديه يربت عليه برفق، ينادي باسمه بقلقٍ:
_أمان، أمان رد عليا!
لم يجد ردًا منه بل صمتٌ ثقيل وشحوب وجهه فقط، وضع إصبعيه على عنقه يقيس نبضه، ليجده ضعيفًا، يخفت
تدريجيًا، نظر إلى جُرح يسراه الغائر وقطعة الزجاج العالقة في يده، لينهضَ بسرعة باحثًا عن شئٍ يساعده.
تحدث «قصي» يراقب وجه الأصغر الشاحب ودمه
الذي لا يتوقف عن الانهمار:
_بتعمل ايه يا زياد؟ لازم نوديه المستشفى.
أجابه الآخر بتعجل:
_لازم أكتم الدم الأول وألف الإزاز اللي في إيده عشان ميتحركش ممكن يكون صاب الشريان مينفعش نشيله غير في المستشفى.
أخذَ يبحثُ في أدراجِ المطبخ وأخيرًا وجد بكرةً من الشاش الطبيْ، عاد إلى الغائب عن الوعي، ركع جانبه ليطلب من
«قصي» أن يُعدِّلَ وضعيته قليلًا، بدأ في لف الشاش حول قطعة الزجاج يثبتها جيدًا كي لا تسقط أو تتحرك، لم يستغرق منه الأمر طويلًا، فهو بالنهاية جراحٌ ماهر، رفع يد «أمان» فوق مستوى قلبه بحرص، ثم نظر إلى «قصي» مردفًا بتعجل:
_يلا بسرعة لازم نلحقه.
حمله الأكبر بحذر وركض به إلى السيارة، وضعه في المقعد الخلفي وجاوره «زياد» يُسند جسد الآخر إليه.
انطلق «قصي» بسيارته يقودُ بسرعةٍ عالية، حدَّقَ «زياد»
إلى «أمان» ملاحظًا الشاش الذي تحول لونه إلى الأحمر القاتم، ولا زال الدمُ يتدفق.
تحدث بارتباك:
_قصي، بسرعة شوية ده ممكن يكون عنده سيولة، الدم
مش عايز يقف ولزوجته غير الطبيعي، لو أتأخرنا هيموت.
زاد من سرعته أكثر، الموقف يربك أعصابه بشكلٍ خانق،
يتذكرُ بدر وهيئته المحاطة بالدماء، لم يستطع إنقاذه وقتها،
لكن الأمر الآن مختلف، لن يسمح بموتِ أحدٍ آخر أمام عيناه،
سينقذه مهما حدث!
____________________________________________________________________________________________
كانا في طريقهما لغرفة الاجتماعات بعدما تم إبلاغهما باجتماعٍ طارئ، أردف «عبدالرحمن» يتسائل:
_عملت ايه في اللي قولتلك عليه؟
جاؤه الرد من الآخر الذي قلب عينيه بملل مجيبًا:
_بعتته للعميد ومستني موافقته، ممكن تبطل زن بقى!
تشدق بضيق:
_فيه ايه يا شادي، الله بتطمن يا عم.
ابتسم له ابتسامة صفراء قائلًا:
_واتطمنت!
تأفف من سخريته، ثم صمت ولم يجبه، توقفا أمام الغرفة المقصودة، طرق «شادي» الباب برتابة، ليدخل كلاهما بعدما
استمعا لإذن الدخول، تفاجآ بوجود «رائف» وباقي الفريق
_باستثناء «قصي»_.
أردف «اللواء رفعت»_الذي كان يترأس الطاولة بيضاوية الشكل _ بجدية:
_أتفضلوا اقعدوا.
جلسا وملامح الاستغراب تعلو وجهيهما، ولم يكن الباقين
أقل منهم حيرة، ازدادت حيرتهم أكثر حين دلف «اللواء كرم» وجلس إلى «اللواءرفعت» .
مرت ثوانٍ حلَّ فيهم الصمت على الجميع حتى قطعه «اللواء رفعت» مردفًا بجدية:
_احنا قدرنا نوصل أن اللي ورا محاولة الاختراق هما
مافيا التايغا.
صمت ليكمل بعده «كرم» بنفس الجدية:
_واللي أحنا ماسكين قضيتهم من سنين ومات بسببهم ناس كتير، سواء ظباط أو مدنيين، وآخرهم كانت إصابة الرائد قصي قائد الكتيبة 21.
عاد «رفعت» يهتف:
_عشان كده قررنا نوحد الفريقين لأنها دلوقتي بقت قضيتنا كلنا.
كان جميعهم يتابعون حديثهما بإنصات، لم يجرؤ أيٌ منهم على الاعتراض، ولكن همس «رائف» إلى «سيف» الذي يجاوره يَسخرُ بغيظٍ مكتوم:
_بيحطوا النار جنب البنزين ومش عايزين تقوم حريقة، يلا ما هي كده كده خربانة.
همس له الآخر من بين أسنانه:
_بطل ندب بقى، أما نشوف آخرتها.
_آخرتها! ما هي باينة يا ابني ببساطة جدًا قصي وشادي هيولعوا في بعض وخلصنا على كده.
قالها بسخرية لاذعة يتصنع الجدية، فصمت الآخر
يتابع حديث «عبدالرحمن» الذي أردف بتساؤل:
_طب وبالنسبة لموضوع العضو الجديد يا فندم؟
نظر له «رفعت» مجيبًا بهدوء بعد تذكره:
_اه تقصد أمان! والله أنا معنديش مانع بس دي إجراءات ولازم تتم، يعني هي مسألة وقت مش أكتر، تقدروا تتفضلوا.
استقاموا خارجين من الغرفة، وبمجرد خروجهم تحدث «كرم» متسائلًا بتعجب:
_أنت هتعين أمان في الغرفة الرقمية؟
تنهد الآخر مجيبًا بهدوء:
_النقيب عبدالرحمن قدم طلب بتعيينه وشايف أن وجوده في فريقه بمهاراته دي هيبقى مفيد لينا وكلنا شوفنا أنه كان سبب رئيسي في أننا نوقف الاختراق، وبصراحة أنا مش شايف سبب للرفض!
ابتلع ريقه فبالطبع هو لا يريد أن يحتك «أمان» بتلك المنظمة الإجرامية بأي طريقة، هتف باعتراض:
_ايوه بس ده شاب صغير ومدني، المفروض نحميه، أحنا كده بنعرضه للخطر، وبعدين مش كنت رافض مساعدته من الأساس! دلوقتي عايز تعينه كمان؟
_ وهو حد قالك أني هعينه بالعافية! أنا معنديش سبب للرفض، بس هو ممكن يرفض وساعتها ولا كأن حاجة حصلت.
رمقه قليلًا ثم أماء له رأسه بتفهم رغم عدم اقتناعه، نهض
مصافحًا له ثم خرج من المبنى بأكمله، الأمرُ الآن متروك
بيد «أمان»، يتمنى أن يرفض ليرتاح قلبه، ويطمئن أنه بعيدٌ
عن طريق أولئك الذين تسببوا في مقتلِ والده.
____________________________________________________________________________________________
يقف الاثنان أمام غرفةٍ ما بقسم الطوارئ، مرت نصفُ ساعةٍ
تقريبًا وهما ينتظران أن يخرج الطبيب من الداخل ليطمئنا
على «أمان»، صدح رنين هاتف «قصي»، فأجاب يستمع إلى
«رائف» على الطرف الآخر، ثم أردف:
_الحمدلله تمام، فيه حاجة ولا ايه؟
تلعثم قليلًا، لكن لا مفر من معرفته بما حدث، قصَّ عليه أمر اتحاد فريقهم للعمل مع المخابرات.
كان صامتًا يستمع إلى حديث رفيقه، شعر بالضيق، ولكن لا يمكنه فعل شئ فهذا قرار من رؤسائه، أماء وكأن الآخر أمامه هاتفًا بهدوء:
_تمام يا رائف، هعمل ايه يعني ده شغل.
تسائل الأخير بتعجب من الأصواتِ حوله:
_ايه الصوت اللي عندك ده، أنت فين؟
_في المستشفى.
أردف بقلق:
_مستشفى! ليه؟ أنت تعبان؟
_لأ مش أنا... ده أمان.
رمش بأهدابه مندهشًا، سأل مرة أخرى بحيرة:
_ايه اللي حصل؟
توسعت عينيه من ما يسرده الآخر، قطب حاجبيه بتعاطف متحدثًا:
_طب وهو عامل ايه دلوقتي؟
_لسه مستنيين حد يطلع يقولنا.
استمر حديثهما لدقائق قليلة ثم أُغلق الخط، أرجع هاتفه لجيب بنطاله، ثم رمق أخيه الواقف بقلق على من بالداخل،
تحدث مستنكرًا:
_مالك قلقان عليه زي ما يكون قريبك!
هزَّ كتفيه بعدم معرفة ناطقًا:
_يمكن عشان لولاه كان ممكن أموت!
كاد أن يتحدث الآخر فقاطعه خروج الطبيب، اقترب «زياد»
يسأل بقلق عن حال الأصغر، ليأتيه الرد من الطبيب برسمية:
_ لو أتأخرتوا شوية كان ممكن منلحقهوش، الجرح كان عميق شوية بس الحمدلله سيطرنا على الوضع، بس المشكلة أنه مريض سيولة وده خلاه يفقد دم كتير، ده غير إن عنده سوء تغذية حاد ونقص فيتامينات، هيحتاج راحة تامة ولازم يتغذى كويس، ربنا يطمنكم عليه عن إذنكم.
مرت ساعتين كان هو يعتلي الفراش، مغمض العينين، يتصل بيمناه محلول مغذي بينما رسغ يده اليسرى يلتف حوله شاش طبي بعدما تم خياطة جرحه، يظهر على وجهه الإرهاق الشديد.
فتح أعينه بتروٍ ليغلقهما مرةً أخرى بانزعاج من ضوء الغرفة، فعل ذلك عدة مرات حتى اعتاد عليه، طالع المكان حوله بتيه يحاول تذكر ما حدث.
كان «قصي» قد رحل لأنه يجب عليه أن يتجهز كي يكون في عمله بالقاهرة صباح الغد، انتبه «زياد»_والذي كان يعتلي الكرسي المجاور للسرير_ لاستيقاظ «أمان» فهبَّ يقترب منه قائلًا بلهفة:
_أمان، أنت سامعني؟
نظر إليه بوهن مومئًا بخفوت ولا زال متعجبًا ويحاول استيعاب أين هو وما الذي حدث!
وقف الطبيب بعدما استدعاه «زياد» يفحص المستلقي بإنهاك، اعتدل في وقفته ثم تحدث بعملية مع ابتسامة خفيفة موجهًا حديثه نحو «زياد»:
_الحمدلله الحالة مستقرة بس زي ما قولت، راحة تامة وتغذية ويلتزم بالفيتامينات عشان تعوض النقص اللي في جسمه.
نظر نحو «أمان» ليردف مؤكدًا على كلماته:
_ألف سلامة عليك وياريت تلتزم باللي بقوله وتهتم بصحتك شوية.
أماء له بخفوت ثم أردف بتسائل بوهن:
_أنا ممكن أخرج؟
أجابه الطبيب بهدوء:
_ممكن بس على بليل عشان يكون جسمك أرتاح شوية.
ألقى كلماته ثم استأذن وخرج من الغرفة، اقترب «زياد» منه قائلًا:
_حمدلله على سلامتك.
نظر إليه ثم ابتسم بخفة مجيبًا:
_الله يسلمك.
صمت لوهلة ثم تسائل بحيرة:
_هو ايه اللي حصل وأنت ايه اللي جابك هنا؟
تنهد الآخر ثم اعتلى الكرسي مرة أخرى يخبره بما حدث باختصار، أنهى حديثه مستفسرًا:
_أنت بقى ايه اللي حصل معاك وصلك لكده؟
رمش «أمان» بعينيه عدة مرات فورما تذكر عبثية ما حدث حين يُسرد، لكنه أخبره على أي حال، فكانت ردة فعل الآخر أنه حدَّقَ به ببلاهة وابتسم رغمًا عنه قائلًا باستنكار:
_ده فيلم هندي على الضيق! أنت بتتكلم جد؟
زمَّ شفتيه يمنع ابتسامته محركًا رأسه إيجابًا بخفة، علَّقَ الآخر بنزق:
_طب خد بالك بقى يا هندسة ومتلعبش في الإزاز تاني.
عقد حاجبيه متذمرًا بضيق من سخرية الآخر منه معلِّقًا:
_على فكرة أنت ممكن تكون شايف الموضوع عبثي بالنسبالك عشان سمعت اللي حصل ببساطة بس هو عادي جدًا.
_يا عم خلاص متزعلش، أنا بس استغربت يعني تخيل أنك كنت هتموت بسبب كوباية إزاز وقعت من فوق الرخامة!
صمتٌ حلَّ على الغرفة لدقائق ليقطعه الأكبر مخرجًا هاتف «أمان» من جيب سترته يمده إليه قائلًا:
_موبايلك أهو، ممكن تكلم أهلك عشان أكيد قلقانـ......
بتر حديثه حين تذكر أنه سبق وأخبره أنه لا يملك أحدًا وأنه يعيش بمفرده، قضم شفتيه بندم ملاحظًا حزن الآخر الذي طفق يظهر في عينيه الرماديتين.
تدارك الأمر سريعًا مردفًا:
_آآ أنا عرفت أن أنت اللي حليت مشكلة الاختراق اللي كانت في المخابرات، طلعت شاطر بجد بقى!
قال الأخيرة يمازحه، فهم أنه يحاول تغيير الموضوع فجاراه قائلًا بغرور مصطنع:
_ طبعًا أمال أنت فاكر ايه!
لا يعلم لما أرتاح له وكيف يتحدث معه كأنه يعرفه منذ زمن، لكنه فقط يفعل، استمرا يتحدثان قليلًا حتى انتبه «أمان» أن الآخر جلس معه كثيرًا ، فأردف خوفًا من أن يثقل عليه:
_ممكن تروح أنت عشان الوقت أتأخر وكمان أهلك أكيد هيقلقوا عليك.
قطب حاجبيه متحدثًا برفض:
_لأ طبعًا، أنا مش هسيبك غير لما أرجعك بيتك واتطمن عليك، ولو على أهلي فـ قصي روَّح وأكيد هيقولهم، متشغلش بالك أنت.
لم يعلم بما يجيبه لكنه حقًا ممتنٌ له، فأسوأ ما قد يحدث هو أن يجد نفسه وحيدًا في مرضه فتتكالب عليه رأسه وذكرياته!
____________________________________________________________________________________________
وصل «قصي» إلى منزله ليجد والدته في انتظاره، أردفت مستفسرة بقلق:
_ايه يا قصي روحتوا فين؟ وفين أخوك ؟
ابتسم على قلقها الدائم بشأنهما وكأنهما أطفالها الصغار وليسوا رجالًا ناضجين!
اقترب يجلس أمامها، ليردف مطمئنًا:
_متقلقيش يا ست الكل، حصل حاجة كده وعدت على خير الحمدلله.
_حاجة ايه؟ ما تفهمني يا ابني أنت هتنقطني بالكلام!
تنهد مطولًا ثم قصَّ عليها ما حدث مضيفًا في النهاية:
_واعملي حسابك أن زياد هيفضل معاه يعني هيتأخر.
انكمشت تعابيرها بحزنٍ على ذاك الشاب المسكين، لتهتف بعاطفة:
_لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يشفيه يارب.
آمن على دعائها ثم تحرك من موضعه تزامنًا مع قوله:
_طيب أنا هقوم بقى أجهِّز نفسي عشان لازم أكون في الإدارة بدري، عايزة مني حاجة يا شموس؟
نفت بصمت، وتابعت رحيله من أمامها متنفسة بيأس، تود أن يكون بجانبها، تود ردعه من المغادرة لكن ما باليد حيلة فرأسهُ الصلب صعبٌ إقناعه.
____________________________________________________________________________________________
كان الشباب قد أنهوا اجتماعهم مع «اللواء كرم» لمناقشة ما قيل في مبنى المخابرات ومعلومات القضية، خرجوا من المبنى يتجهون نحو سياراتهم، هتف «ليل» بتذمر:
_هي القضية دي مبتخلصش ليه؟ عمالة تكبر تكبر لما هتنفجر في وشنا.
قلب «سيف» عينيه بملل معلقًا:
_هو أنت لازم تعترض على أي حاجة وخلاص! ما تكبر يا ابني بقى!
تشنجت شفتيه هاتفًا بحنق:
_أنت مالك مش طايقني ليه يا سيفو؟ يا عم بعبر عن نفسي بدل ما يحصلي حاجة، الله! وبعدين أنا مقولتش حاجة غلط.
هتف «ريان» بأسف:
_هو للأسف عنده حق، القضية فعلًا بتكبر أكتر مش بتتحل! وبقى فيه شريك معانا كمان.
_شايف الناس اللي بتفهم.
قالها «ليل» مخاطبًا «سيف»، ليتنهد الأخير ناظرًا نحو «رائف» والذي كان صامتًا منذ البداية، رآه يعبر الطريق ومن الواضح أن ذهنه كان شاردًا، فلم يلحظ السيارة التي تتقدم نحوه بسرعة!!
تحولت ملامحه للذعر، فاندفع سريعًا نحو الآخر، أبعده بقوة عن السيارة ولم يكد هو أن يبتعد، لتصدمه السيارة بقوة رافعةً إياه في الهواء تلقيه بعيدًا عدة أمتار، ليسقط على الأرض غارقًا في دمائه، أغمض عينيه وسكن جسده معلنًا استسلامه.
لم يتوقف السائق بعد ذلك، بل رحل سريعًا كان الأمرُ برمته..... مقصودًا!!
____________________________________________________________________________________________
أراح «أمان» ظهره على الأريكة بعدما أوصله «زياد» إلى منزله، ابتسم بسعادة، نعم هو سعيدٌ لاهتمام الآخر به، ممتنٌ لعدم تركه بمفرده، فهو ورغم عيشه بمفرده لسنوات إلا أنه حقًا يخافُ الوحدة، يخاف أن يمرض وحيدًا فلا يجدُ من يرعاه، أن يتألم بمفرده ولا يجد من يواسيه، يخشى أن يموت ولا يشعر به أحد.
نفض تلك الأفكار من ذهنه، ثم استقام دالفًا غرفته يلقي بجسده أعلى السرير بإنهاك، كان اليوم غريبًا كليًا، بل اليومين الفائتين كانا أغرب ما مرَّ به، عذرًا ومنذ متى كان يعيش حياةً طبيعية؟!
غرِقَ في نومٍ عميق يريح رأسه وجسده المنهكين، لم يستيقظ سوى في اليوم التالي على صوتِ رنين هاتفه.
تحرك يلتقط هاتفه ليرى اسم رفيقه «علي» ينير الشاشة، فتح الخط مجيبًا بحشرجة:
_السلام عليكم.
صمت يستمع لحديث الآخر والذي أخبره بحدوث مشكلةٍ كبيرة ويتوجب عليه الحضور سريعًا، لم يفهم تمامًا ما حدث فالآخر لم يخبره غير أن السيد «أمجد» مدير الشركة أمر بحضوره فورًا.
نهض على عجلة وتجهز سريعًا، وصل إلى محلِّ عمله، ودخل إلى الشركة فوجد الجميع يحدُّق به والهمسات الهمهمات تتعالى من حوله، استنكر ما يحدث لكنه لم يبالٍ كعادته.
لمح رفيقه فاتجه إليه يستفسر منه قائلًا بحيرة:
_فيه ايه يا علي؟
رمقه الآخر بأسى ثم أردف:
_مستر أمجد عايزك، أدخله وهو هيفهمك.
ازدادت حيرته وعقد حاجبيه، تحرك نحو غرفة المدير، طرق الباب فأتاه إذن الدخول سريعًا، دلف ليجد تعابير «أمجد» مشدودة ويبدو عليه الغضب.
هتف باحترام يتسائل:
_خير يا فندم حضرتك طلبتني؟
لم يجبه الآخر، بل حدَّق به وكأنه... يلومه! بدت نظراته مخذولة، ساد الصمت للحظات حتى قطعه «أمجد» مرددًا بعتاب:
_مكنتش أتوقع منك كده خالص يا أمان، أنا كنت معتبرك ابني، بس الظاهر أني كنت غلطان عشان وثقت فيك.
كان يرمقه الآخر وكأنه برأسين، لم يفهم حقًا عن ماذا يتحدث، ماذا يحدثُ هنا؟
كاد يتسائل مرة أخرى، فقاطعه قول الآخر الذي هتف منفعلًا بعدما انتصب واقفًا:
_مش عايز أسمع صوتك، أنا حقيقي اتخدعت فيك، بس زي ما قولت أنا اللي غلطان.
أطلع بره ومش عايز أشوف وشك تاني، أنت مرفود، واحمد ربنا أني مبلغتش البوليس، بـــره!
صرخ بالأخيرة فاهتز جسد «أمان» إثرَ صوته المرتفع، ابتلع ريقه بصعوبة، ثم استدار بسرعة خارجًا من الغرفة ولا زال لا يفقهُ شيئًا مما يحدث، غير أنه طُرِدَ من عمله للتو.
اتجه نحو مكتبه يلملم أشياؤه، التقطت أذنيه حديث أحد زملائه الذي تحدث بسخرية منه يوجه حديثه لآخرٍ بجانبه:
_وعاملِّنا فيها الشاب العبقري وطلع في الآخر حرامي.
بالله ماذا يقول؟ من ينعت بالسارق! نظر إليه بصدمة جلية على ملامحه، حوّل أعينه إلى «علي» الذي كان قد اقترب منه، سأله بعدم فهم:
_هو فيه ايه أنا مش فاهم حاجة؟ وايه اللي بيقولوه ده؟
زفر الآخر ثم أخذ يسرد عليه ما حدث قبل ساعتين من حضوره وبدا عليه الحزن لأجله:
_من ساعتين اكتشفنا أن حساب الشركة فيه حد اخترقه، وسرق مبلغ كبير، حاولنا نعرف مين عمل كده وعرفنا فعلًا بس لقينا حساب المخترق........ باسمك.
اتسعت عينيه بعدم تصديق، من فعل ماذا؟ هو..... سارق!
____________________________________________________________________________________________
Amosha Hussein