أنهى «أمان» عمله في ساعة متأخرة، لقد تخطت الساعة منتصف الليل، ولأن سيارته معطلة فسيأخذ الطريق إلى شقته سيرًا، على أي حال هو يحب هدوء الليل الذي يشبهه وأجواء الشتاء الباردة التي يفضلها، إذن فلا بأس، أليس كذلك؟ حسنًا هو قرر تجاهل شعورهِ الذي يخبره أن شيئًا ما على وشكِ الحدوث.
سار بهدوء، يعلو كتفه الأيسر حقيبة سوداء أنيقة بداخلها حاسوبه المحمول وبعض الأشياء الخاصة بعمله، التقطت أذنه من بين سكون الليل صوت خطوات راكضة لشخص ما، يليه أصوات لخطوات أخرى متسارعة، التفت ينظر خلفه فلمح من بعيد كيان رجل يركض ويتبعه رجال يركضون خلفه ويحاولون الإمساك به، وكالعادة دفعه حدسه أن يساعد ذلك الشخص الذي لا يعرفه ولم يره بحياته قط، لكن لو أن نجاة أحدهم تعتمد عليه فلن يتردد لحظة في مساعدته.
دار بيعنيه في المكانِ من حوله فرأى على بعدِ خطواتٍ منه زقاق جانبي ضيق، فهرع إليه بسرعة يختبئ خلف الجدار، وفور مرور الرجل من جانبه أمسك برسغه جاذبًا إياه إلى الزقاق، كاد ذلك الرجل أن يصرخ بفزع إلا أنه وضع يده الأخرى على فمه ثم همس بأذنه مُطَمئِنًا:
_شش، أهدى أنا بحاول أساعدك.
استكانت حركته، انتظر «أمان» بترقب حتى مر الرجال من أمامهما حتى ابتعدوا ولم يروهما، أبعد يديه يحدّق في ذلك الغريب أمامه، ملابسه غير مهندمة وكأنه خرج للتو من معركة، وما أوضح ذلك هو وجهه الذي يحمل كدمة أسفل عينه اليمنى، وأخرى بوجنته اليسرى، ويوجد أثر للدماء بجوار شفاهه من الناحية اليمنى تسببت بها كدمة أخرى جانب ثغره.
استقام «زياد» بوقفته بعدما التقط أنفاسه رامقًا من أمامه بامتنان متحدثًا بصوتٍ مبحوح:
_مش عارف أشكرك ازاي بجد الناس دول لو مسكوني كانوا هيموتوني.
أردف «أمان» بتعجب وقد انعقد حاجبيه:
_يموتوك ليه؟ ومين دول أصلًا؟
كاد أن يجيبه لكن قاطعه صياح أحد الرجال:
_أهو أمسكوه.
نقل «أمان» عيناه باتجاه الصوت، فرأى ستة رجال يتقدمون نحوهما ووجوههم لا تبشر بخير، ثم نظر مرة أخرى ناحية «زياد» ليرى خضراوتيه المتسعتين بفزع، شعر «زياد» في تلك اللحظة أنها نهايته، اقترب أحد الرجال وأمسك بذراع «زياد» لكن «أمان» جذب «زياد» نحوه وقام بتسديد ركلة بصدر الرجل دافعًا إياه إلى الوراء، ثم أمسك بكف «زياد» وركض به داخل الزقاق، حتى خرجا منه.
ظلا يركضان بجوار بعضهما لمدة نصف ساعة، حتى تاها من أولئك الرجال، لحظة لقد تاها بالفعل، هما الآن في شارع واسع، مظلم، وفارغ تمامًا من البشر.
توقفا يلهثان من كثرة الركض، كان «أمان» يضع يديه بخصره ويحاول إلتقاط أنفاسه، أما «زياد» فقد كان واضعًا كفه الأيمن على صدره ناحية قلبه وأنفاسه متسارعة.
نظر إلى صاحب الأعين الغريبة والتي اتضحت أكثر أسفل ضوء القمر، ذُهِل من تلك الألوان التي تجتمع بعينيه لتصنع منظرًا خلابًا يجعلك تستعجب من خلق الرحمـٰن، نطق بانبهار:
_سبحان الله، عنيك غريبة بس جميلة أوي.
للحقيقة تفاجئ من ذلك التعليق اللطيف، فهو ليس معتادًا على أن يمدحه أحد، في صغره كان الأطفال يتجنبونه بسبب أعينه التي تتبدل ألوانها، لمعت حدقتيه باللون الأخضر الفاتح وتسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيه ثم تحدث مداعبًا خصلاته بخجلٍ طفيف:
_شكرًا.
أردف «زياد» بمرح لا يناسب الموقف الذي هم به:
_لا شكرًا ايه بس ده أنا اللي المفروض أشكرك، أنت لولاك كان زماني اتشخرمت.
رفع «أمان» شفته العلوية بتشنج، رمش عدة مرات ببلاهة هاتفًا باستنكار:
_ات....... ايه؟
أجابه الآخر بتوضيح:
_يعني اتشلوحت.
تشنج «أمان» أكثر:
_ايـه؟!
قال «زياد»:
_لا فاكس مش قادر اشرح.
هزّ الآخر رأسه، ثم تسائل وقد وصل فضوله لأقصاه:
_مين دول بقى؟ وليه عايزين يقتلوك؟
تنهد «زياد» ثم تحدث بضيق:
_بص هو بصراحة أنا معرفش هما مين بالظبط بس اللي أقدر أقوله أنهم ناس مفيش في قلوبهم رحمة، بيتاجروا في الأعضاء وكانوا عايزيني اشتغل معاهم، مش عارف ليه أنا بالذات بس هما جولي من حوالي شهر وطلبوا مني اشتغل معاهم وأنا طبعًا رفضت حاولوا معايا كتير وبكل الطرق مرة يعرضوا عليا فلوس ومنصب ومرة يهددوني بشغلي وبأهلي بس أنا مش فارق معايا عشان مستحيل أكون جزء من جريمة بشعة زي دي.
تسائل «أمان» مرة أخرى:
_ومخوفتش على أهلك؟ مخوفتش يموتوك ولا يخسروك شغلك؟
أجاب الآخر بقلة حيلة:
_بالنسبة ليا ولشغلي فبصراحة مش فارق معايا المهم أني مأذيش حد، أما بقى أهلي فأنا مستودع ربنا فيهم وعارف أنه هيحميهم، عشان ربنا ميرضاش بالظلم.
ابتسم «أمان» بعذوبة وقال:
_ونعم بالله، وربنا أكيد مش هيخذلك.
بادله «زياد» الابتسامة مردفًا:
_وده أنا متأكد منه. أنت بتتكلم مصري كويس بس ملامحك أجنبية، أنت منين بقى عشان دماغي لفت؟
أنهى حديثه بسؤالٍ مرح، فضحك «أمان» ثم أجابه:
_والدتي الله يرحمها كانت روسية وبابا الله يرحمه كان أسكندراني فلما اتجوزوا طلع الميكس اللي قدامك ده، وأنا أصلًا عيشت في روسيا 15 سنة ولسه راجع مصر من شهر.
تمتم الآخر بأسى:
_الله يرحمهم.
صمت لحظة ثم تسائل بتردد:
_هو ممكن أسألك سؤال غلس شوية؟
نظر «أمان» إليه وقد فهم ما هو سؤاله، لذا أجابه بهدوء لكن حدقتيه فضحت حزنه الدفين، حين استحال لونهما إلى الأزرق كلون البحر:
_ماتوا من 15 سنة واه أنا عايش لوحدي.
اتسعت عينا «زياد» بدهشة فكيف عرف ما يود السؤال عنه لكن شعوره بالحزن على ذلك الشاب الذي فقد والديه في سن صغير ويعيش وحده أيضًا غلب دهشته فتسائل:
_طب وعايش لوحدك ليه؟ ملكش قرايب، أخوات، أي حد ياخد باله منك؟
رمقه «أمان» وقد شعر بغضة تحتل حلقه لكنه أخفاها خلف ابتسامته وتحدث بثبات:
_لا مليش أخوات ومعنديش غير خال واحد عايش في روسيا، وبعدين أنا مش صغير عشان أبقى محتاج حد ياخد باله مني أنا عندي 22 سنة.
أردف «زياد» بسخرية محاولًا تلطيف الأجواء:
_يعني محسسني أن عندك 60 سنة ده تلاقيك لسه بتدرس.
ردّ الآخر بحنق:
_لا مش بدرس يا سكر أنا مهندس برمجيات ومحترف كمان والكلاينت بيطلبوني بالاسم.
قهقه «زياد» بخفة ثم هتف بمرح:
_طب يا عم المحترف آسفين لسيادتك، ممكن تليفونك بقى عشان أكلم أي حد ييجي ياخدنا من الصحرا اللي أحنا فيها دي؟
لم يجبه بل أخرج هاتفه ثم ناوله له، أخذ الهاتف من يده لكن تردد قليلًا فبمن سيتصل، في وضعٍ عادي كان سيهاتف أخيه لكن «قصي» مصاب وبالمشفى لن يستطيع مهاتفته كي لا يقلقه أكثر، وكذلك والده يكفيه قلقه على شقيقه لن يقلقه عليه هو الآخر، لم يخطر بباله سوى شخصٌ واحد يعلم أنه بالرغم من كل شئ سيأتيه بلا تردد، أدخل الرقم وبدأ المكالمة منتظرًا إجابة الطرف الآخر.
____________________________________________________________________________
«منزل محمد الألفي»
يجلس «شادي» مع والده بالشرفة نسمات الهواء الباردة تلفح وجهيهما، أمامهما طاولة زجاجية صغيرة موضوعٌ عليها كوبين من الشاي الساخن مع وريقات النعناع الخضراء، يتبادلان أطراف الحديث في جو من الهدوء والدفئ.
صاح «محمد» بدهشة:
_ قصي اتصاب! طب وهو عامل ايه دلوقتي؟
تنهد ثم أجابه:
_كويس والله، أنا مش فاهم بتقلقوا عليه كأنه هو اللي ابنكم مش أنا.
قالها بحنق فضحك والده محركًا رأسه يمينًا ويسارًا ثم أردف:
_ما أنت زي القرد أهو والواد خد الطلقة مكانك، وبعدين يالا هو مش صاحبك متصاب ايه اللي رجعك البيت، ده أنا يوم ما حد من صحابي كان يتصاب كنت أفضل معاه لحد ما أروحوا بيته.
شعر بالضيق من كلماته فنطق بنفاذ صبر متحكمًا في نبرته كي لا تعلو فبالنهاية هو يحادث والده:
_بابا قصي مش صاحبي وعمره ما هيبقى صاحبي.
هتف والده بحيرة منفعلًا من ذلك التغير الغريب بعلاقتهما:
_ليه؟ هو مش ده قصي صاحبك وأخوك؟ مش ده اللي كنت معاه أربعة وعشرين ساعة؟ طب فهمني على الأقل ايه اللي حصل يخليكوا مش طايقين بعض بعد ما كنتوا أكتر من أخوات!
نهض من مقعده واستند على سور الشرفة ثم ردّ ببرود:
_محصلش حاجة لو عايز تعرف روح أسأله هو عمل ايه وياريت بعد أذنك نغير الموضوع عشان مبحبش اتكلم فيه.
زفر «محمد» بقلة حيلة وقال:
_ماشي يا شادي براحتك، بس هعرف برضو.
ساد الصمت لبضع لحظات قبل أن يقطعه رنين هاتف «شادي»، التقط هاتفه من فوق المنضدة، نظر إلى شاشته التي تضيئ برقمٍ غير مسجل، عقد حاجبيه باستغراب فمن الذي سيتصل به في هكذا وقت متأخر، ضغط زر الإجابة ورفع الهاتف على أذنه قائلًا :
_السلام عليكم.
أجابه الطرف الآخر في لهفة:
_وعليكم السلام يا شادي أنا زياد، شادي أنا في مصيبة ومفيش حد غيرك أقدر ألجأله دلوقتي، ممكن أبعتلك لوكيشن وتجيلي؟
ألقى «زياد» كلماته دفعة واحدة، نبرته يشوبها الإحراج، فهو لم يعتد طلب المساعدة من شخصٍ غير شقيقه فماذا إن كان يطلب منه أن يأتيه في الواحدة بعد منتصف الليل؟
رمش «شادي» عدة مرات إثرَ دهشته، لما يتصل به «زياد» من هاتف غير هاتفه؟ وأين هو الآن؟ أيُ مصيبةٍ تلك التي يتحدث عنها؟
دارت كل هذه الأسئلة في خلده لكنه لم يُفصح عنها، بل قال بهدوء محاولًا طمئنة الآخر فقد بدت نبرته متوترة بعض الشئ:
_طيب طيب أهدى، أبعتلي مكانك وأنا هجيلك حالًا، بس هو أنت كويس؟
أنهى حديثه بتساؤله القلِق فمهما حدث بينه وبين «قصي» سيظل «زياد» بمثابة أخٍ صغير له.
جاوبه الآخر بابتسامة وقد كان متأكدًا أنه لن يخذله:
_متقلقش أنا كويس، عايزك بس تيجي تاخدني من المكان المهجور ده.
_تمام مسافة السكة وهكون عندك أبعتلي اللوكيشن بس.
أغلق المكالمة ثم استدار ليقابله وجه والده القلِق، نطق متسائلًا:
_فيه ايه يا شادي، مين اللي كان بيكلمك؟
لم يرد إخافته لذا هتف بكذب أتقنه:
_مفيش ده واحد صاحبي عربيته عطلت على الصحراوي فهروح أجيبه، مش هتأخر هوصله وأجي على طول.
قالها وانصرف سريعًا دون أن يعطي والده فرصة للإعتراض، ضرب «محمد» كفٌ بالآخر، لا يعجبه تصرفات ابنه فهو غامض ولا يفصح عن أي شئ يخصه، متأكدٌ أنه يكذب بشأن صديقه ذاك لكن سيتركه على راحته فهو لم يعد صغيرًا بل إنه رجل ناضج مسئولٌ عن تصرفاته.
____________________________________________________________________________
ناوله هاتفه بعدما أنهى مكالمته مع «شادي»، متمتًا بشكر:
_شكرًا يا.... ايه ده صح أحنا بقالنا ساعة بنرغي ومتعرفناش، أنا زياد المالك وأنت؟
قالها ماددًا يده بابتسامة، نظر «أمان» إلى يد «زياد» الممدودة ثم رفع يده مسلمًا عليه وبادله الابتسامة قائلًا بخفة:
_أمان... أمان المهدي.
علّق مرددًا الاسم بإعجاب:
_أمـان، حتى اسمك مميز.
ابتسم «أمان» ولم يُجِبه.
مرت نصف ساعة حتى توقفت سيارة سوداء أمامهما، هبط منها «شادي» التف حول السيارة ووقف أمام كلٍ منهما محدّقًا «أمان» بتفحص من رأسه لأخمص قدميه، قابل «أمان» تلك النظرة رافعًا حاجبه الأيسر بتعجب، نقل «شادي» سوادوتيه إلى «زياد» يتفحصه ثم سأل:
_ايه اللي حصل؟ وايه اللي جابك هنا أصلًا؟
تنهد الآخر ثم سرد له ما حدث بدايةً من خروجه من المستشفى ومطاردة الرجال له مرورًا بضربهم له وهروبه راكضًا وحتى مساعدة «أمان» وركضهما سويًا حتى وصلا إلى هذا الشارع المظلم.
صُدم «شادي» مما سمعه، منذ متى كان «زياد» متورطًا مع أناسٍ خطيرون هكذا؟
تحدث بحزم ممزوج بعصبية خفيفة:
_وأنت ازاي تخبي حاجة زي دي كل ده؟ ازاي متقولش لحد؟
حك «زياد» خلف رأسه بإحراج مردفًا:
_مكنتش عايز أشغل حد بمشاكلي كنت مفكر أن الموضوع خلص، لأنهم أختفوا فترة مكنتش أعرف أن الموضوع هيوصل أنهم يحاولوا يقتلوني.
تشنج «شادي» وهتف ساخرًا بتهكم:
_امال كنت مستني يطلعوك رحلة المالديف يا روح أمك.
انعقدت ملامحه بإنزعاج ثم تمتم بضيق:
_لا يا خفيف بس كنت فاكر أنهم لما يلاقوني رفضت هيبعدوا عني.
_أنت أهبل يالا، دول تجار أعضاء لما ترفض تشتغل معاهم هيموتوك عشان متفضحهمش.
قالها بنفاذ صبر، فهتف «زياد» بتعب:
_خلاص بقى يا شادي أنت هتقعد تقطمني أهو اللي حصل بقى، مشيني من هنا بقى عشان جسمي كله بيوجعني.
رمقه بضيق ثم قال:
_ماشي أتفضل اركب، بس مش هسكت يا زياد عشان تبقى عارف، وهقول لأبوك على فكرة.
ردّ «زياد» بنفاذ صبر وقد اشتد ألم جسده:
_يا عم والله أنا كده كده هقوله بس مش دلوقتي لما قصي يتحسن هبقى أقولهم هما الاتنين، يلا بينا بقى عشان قسمًا بالله ما قادر أقف أكتر من كده.
أشفق عليه، هو يلومه لأنه يعتبره أخيه ليس إلا، صعد ثلاثتهم السيارة بعد إلحاح من «زياد» على «أمان» كي يوصلوه في طريقهم إلى منزله، كان معترضًا في البداية، لكن «شادي» قاطع اعتراضه بنبرة حازمة لا تقبل النقاش:
_أركب وكفاية رغي كتير، المكان مقطوع ومش هتلاقي أي مواصلة هنا وأنت أصلًا متعرفش المكان فتعالى أوصلك وكفاية اعتراض.
تنهد بقلة حيلة وأومأ برأسه ثم صعد في الكرسي الخلفي للسيارة، أخبر «شادي» عنوان منزله وكان قريبًا إلى حدٍ ما.
طوال الطريق كان الصمت هو سيد المكان، «زياد» مسندًا رأسه للكرسي خلفه ويغمض عينيه وقد تمكن منه الإرهاق، «شادي» يعطي كل تركيزه للطريق أمامه، و «أمان» يعقد ذراعيه أمام صدره وحدقتاه تتابعان الطريق من النافذة بجواره.
توقفت السيارة أمام العمارة التي يقطن بها «أمان»، فرّق «زياد» بين جفنيه مطالعًا الطريق حولهم بتعجب ، نظر إلى «شادي» متسائلًا:
_أحنا وقفنا هنا ليه؟
أجابه «أمان» ببساطة تزامنًا مع هبوطه من السيارة:
_عشان أنا ساكن هنا.
رفع حاجبيه بدهشة، رمش بعينيه عدة مرات ثم تحدث بغير تصديق:
_بتهزر! أنت ساكن في المكان المقطوع ده لوحدك!!
هزّ «أمان» رأسه يحاول وأد ابتسامته من تعبيرات «زياد» المذهولة، لم يعطه فرصة ليسأل مرة أخرى بل قال بابتسامة هادئة:
_شكرًا على التوصيلة، خلي بالك من نفسك بقى يا دكتور ومتنساش تعالج وشك عشان متبهدل خالص، سلام.
قالها ثم أشار بيده مودعًا واختفى داخل العمارة متوجهًا إلى شقته، ظل «زياد» يحدق بطيفه، حتى تحركت السيارة، قطع «شادي» الصمت المحيط بهم متسائلًا بتهكم:
_أنا شايفك واثق في الواد ده أوي وبتتكلم معاه بعشم كأنك تعرفه من زمان!
حدّقه الآخر بضجر ثم تحدث بسخرية:
_بقولك ايه يا شادي مش عشان أنت عندك تراست إيشوز يبقى كل الناس زيك، أنا واحد اجتماعي بحب آخد على الناس بسرعة وهو شكله بسكوتاية أصلًا وشخص عسول كده.
قهقه الآخر ضاربًا كفًا بالآخر بذهول:
_يا بني أنت كل الناس بالنسبالك عسولة أصلًا وبعدين بسكوتاية ايه ده عنيه بتقول أن وراه حكاية كبيرة.
سخر منه «زياد» مرة أخرى قائلًا:
_وأنت بقى خبير في كلام العيون ولا ده شغل المخابرات وجاي تطلعه عليا.
_لا شغل مخابرات وجاي أطلعه عليك، ليك شوق في حاجة؟
قال الأخيرة بتهديد فأجابه بخوف مصطنع:
_لا يا معلم براحتك.
ضحك كلاهما بخفة ثم ساد الصمت مرة أخرى، حتى اصطفت السيارة أمام منزل «زياد»، شكر «شادي» وهبط من السيارة، ولج الڤيلا بهدوء ولحسن حظه أن والدته نائمة بعدما أقنعها «قصي» أنه سيعود غدًا فلا داعي أن تبقى معه، أما والده فهو بالمشفى كي لا يبيت «قصي» بمفرده.
تسلل إلى غرفته بحذر، اغتسل بماءٍ دافئ يزيل أثر أحداث اليوم الكارثية عن عاتقه، خرج من الحمام ثم ارتمى على فراشه حدّق في السقف وتنهد مطولًا، ثم أغمض خضراوتيه وغاص في سُباتٍ عميق.
____________________________________________________________________________
كان «قصي» متمددًا على السرير في غرفة المشفى المظلمة لكنه لم يكن نائمًا، بل كان يحدّق بسقف الغرفة، ما حدث له ذكره بالحادث منذ خمس أعوام، ذلك اليوم المشؤوم حين بدأ كل شئ أو..... انتهى!
«منذ خمسة أعوام»«ڤيلا عز الدين المالك»
في صالة المنزل، يجلسون في جو عائلي هادئ، رجلان يتحدثان وعلى بعدٍ منهم يجلس أربعة شبان، تحدث «قصي» بضيق مصطنع:
_أنا مش فاهم أنت لازق في كل حاجة كده! ده مش اختصاصك أصلًا أنت مخابرات مالك أنت ومال مهمة زي دي.
كان يوجه الحديث إلى «شادي» الذي يجلس على الأريكة أمامه، أعطاه «شادي» ابتسامة مستفزة مردفًا:
_وأنت مالك يالا القرار جه من جهة عليا يعني ليا فيه غصب عنك.
ضحك «بدر» وقد كان جالسًا بجوار «قصي» يحتسي قهوته بهدوء، تحدث بين ضحكاته:
_ما تبس بقى ياض أنت وهو بتحسسوني أنكوا ضراير.
قهقه «زياد» على كلماته تحت نظراتهما الحانقة، أردف «شادي» بتذمر:
_يا بدر ما هو اللي بيتدخل في كل حاجة.
صاح «قصي» بغير تصديق:
_أنـا يابني، كل الحكاية بس أني مستغرب أنت ايه لازمتك ا... قصدي ايه مهمتك يعني في الليلة دي.
حدّقه «شادي» بنظرات نارية وقد علت قهقهات «بدر» و«زياد» مرة أخرى، ونظرات «قصي» الذي يتصنع البراءة، نهض «شادي» متجهًا إلى «قصي» والذي استقام بدوره يركض من براثن ذو النظرات الحارقة.
ركض «قصي» وخلفه «شادي» يحاول الإمساك به، حتى وقف «بدر» أمام «شادي» وخلف ظهره يختبئ «قصي»، نطق بدر بعدما سيطر على ضحكاته:
_خلاص بقى أنت وهو كفاية لعب عيال، وفروا طاقتكم دي لبكرة عندنا مهمة ربنا يعديها على خير.
كان «شادي» يشعر أن تلك المهمة لن تمر مرور الكرام لا يعلم لما لكن شعورٌ بالاختناق يداهمه لم يكن يعلم أن «قصي» يشاركه ذلك الشعور، هتف «شادي» بضيق:
_هتعدي إن شاء الله زيها زي غيرها.
أيحاول إقناعهم بما لا يقتنع به هو؟
أحاط «بدر» كتفي كلًا منهما بذراعيه وخطى بهما للأريكة مرددًا:
_اقعدوا بقى خليني أشبع منكوا قبل بكره، مش يمكن متشوفونيش تاني.
نهره «قصي» بحدة:
_ايه اللي أنت بتقوله ده يا بدر؟ بعد الشر عليك، بإذن الله هنرجع كلنا كويسين.
_يا عم يارب يرجع الفريق كله يرجع بخير بس احنا أصلًا بنطلع وعارفين أن ممكن منرجعش، يبقى نقعد مع بعض أطول فترة ممكنة عشان منرجعش نقول ياريت.
دبّ الخوف قلب «زياد» لكنه أردف مغيرًا مجرى الحوار في محاولة لتلطيف الأجواء الصامتة والمتوترة إثرَ كلمات «بدر»:
_طب بقولكوا ايه تيجوا نخرج؟
جاراه «بدر» مجيبًا بحماس:
_حلو ده، نخرج فين؟
_لا أختار أنت، عايز تروح فين؟
قالها «زياد» ففكر الآخر قليلًا ثم قال:
_لا بصوا أحنا ننزل ومكان ما رجلينا تودينا نروح.
أتفقوا معه فما أجمل الأشياء العشوائية غير المرتبة!
وهذا ما يقتنع به «بدر».
أخبروا من بالمنزل أنهم سيخرجون ثم انطلقوا لوجهة غير معلومة.
مروا من أمام مطعم شعبي فنظر إليهم «بدر» قائلًا:
_تاكلوا كشري؟ وعلى حسابي.
أجاب «شادي» بمرح:
_لا طالما على حسابك ف أنا موافق طبعًا.
حدقه باشمئزاز متمتمًا:
_مادي حقير.
وضع يده على صدره معلقًا بغرور مصطنع:
_حبيبي تسلم.
ولجوا إلي المطعم، تناولوا الطعام في جو لا يخلو من المرح ومشاكسات «قصي» و «شادي» التي لا تنتهي.
خرجوا بعد انتهائهم فتحدث «قصي»:
_قصب؟
_ده كده كده.
قالها «بدر» فاتجهوا نحو محل العصائر، ابتاعوا العصير ثم اتجهوا لسور البحر، استنشق «بدر» نسيم البحر المنعش وأردف باستمتاع:
_ياه يا جدعان والله ما في أحلى من اسكندرية، مستعد ادفع عمري كله بس مخرجش منها.
علّق «زياد» مترجيًا:
_طب طالما أنت بتحبها أوي كده ما تنقل شغلك وخليك جنبي بدل ما أنتوا التلاتة سايبيني لوحدي كده ومش بشوفكوا غير في الإجازات.
كانت نبرته يشوبها العتاب، فتحدث «بدر» بقلة حيلة:
_غصب عني والله يا زيزو، النقل ده مبيحصلش غير لو فيه مبرر قوي جدًا وغالبًا بيترفض أصلًا.
تنهد الآخر بيأس، فتحدث «قصي» بمرح:
_فكك يالا، أنا هقدم معاش مبكر وأقعد جنبك.
ضحكوا على كلامه العبثي، واستمرت جلستهم بين الضحك والمشاكسة والسخرية، ثم عاد كل منهم إلي منزله، متمنين أن تمر مهمة الغد بخير ودون خسائر.
وفي اليوم التالي، تجهز الثلاثي لمهمتهم، ودَّعوا أهلهم وانطلقوا يمضون في طريقهم ولا يعلمون أيٌ منهم سينجو ومن سيفقدون.
وصلوا للمكان المنشود وهو استراحة مهجورة في «الكيلو 21» أتخذها بعض الإرهابيون مقرًا لهم، واحتجزوا رهائن من نساء، أطفال، شيوخ، وشباب، وقد كان هدف المهمة القبض على أولئك المجرمين وتحرير الرهائن، كان من المفترض أن العملية سرية وأن هجومهم ذاك مفاجئ، لكن حدث ما لم يكن بالحسبان فبمجرد وصول سيارات الدفع الرباعي التي تحتوي على الفريق، إنهال عليهم وابل من الرصاص، دوى صوت اصطدام الطلقات النارية بهيكل السيارات ونوافذها المضادة للرصاص، تناثرت الرمال أسفل الإطارات، تفرقت السيارات تختبئ خلف الكثبان الرملية والتلال، هبط الضباط منها متتابعين، هدر «بدر» بانفعال:
_ده كـمـيـن، الـعـمـلـيـة اتـسـربـت.
استمر الاشتباك العنيف بين الطرفين، لا يُسمع في المكان سوى دوي الطلقات، أصيب بعض العساكر وكذلك سقط من الإرهابيون الكثير.
تسلل «قصي» و تبعه «بدر» إلى وكر العدو لتحرير الرهائن، كان المقر عبارة عن استراحة قديمة هُجِرَت منذ سنوات، تتكون من طابقين، الأرضي وبه ثلاث غرف أبوابهم من حديد تغطيه طبقة رفيعة من الصدأ، والطابق الثاني به غرفتين واحدة تحمل المؤن والذخيرة والأخرى لا يوجد بها سوى مكتب له كرسي من الجلد وخزانة صغيرة من الخشب.
كانا يمشيان متجاورين، نظراتهما ثاقبة تتفحص المكان، خطواتهما حذرة، لحسن الحظ كان المكان فارغًا يبدو أنَّ الجميع بالخارج مما سهل مهمة تحرير الرهائن، وقفا أمام إحدى الغرف، أطلق «قصي» من مسدسه على القفل ففُتِحَ الباب، دفع «بدر» الباب ببطء وقد كان شاهرًا مسدسه تحسبًا لأي هجوم.
وخلف الباب كان يقبع الرهائن المطلوب تحريرهم، عددهم عشرون فردًا، كانت حالتهم رثة، ملابسهم ممزقة، غير مرتبة، وقد غطتها الأتربة وبعض الدماء الجافة إثرَ التعذيب الذي تلقوه، وإذ فجأة ركلة قوية أطاحت بمسدس «بدر» أرضًا، ليظهر رجلين ضخمي الجثة اشتبكا معهما.
أنقض أحدهما على «بدر» دافعًا إياه نحو الجدار يحيط عنقه بيده، كاد أن يتدخل «قصي»، لكن منعه ذلك الذي سدد له لكمة قوية، ضرب «بدر» الرجل الذي يخنقه بين ساقيه لينحني الآخر من الألم، ثم أعطاه ضربة بسيف يده في رقبته بمكانٍ معين جعله يفقد الوعي، اندفع نحو «قصي» والذي كان يشتبك مع الرجل الآخر سدد له لكمة فردّ عليه بمثيلتها ثم اندفع به إلى الجدار وصدم رأسه عدة مرات حتى أفقده الوعي.
زفر كلاهما يلتقطان أنفاسهما، لكن لا وقت للراحة فاندفعا للغرفة حيث المحتجزين، قاما بفك وثاقهم تحت نظرات الترقب من المدنيين، فأردف «بدر» يحاول بثَّ الطمأنينة لقلوبهم المذعورة:
_متقلقوش، بإذن الله هتخرجوا من هنا بخير.
كانت ابتسامته العذبة هي ما طمأنتهم، كان بشوش الوجه ذو بشرة برونزية اكتسبها من عمله تحت أشعة الشمس الحارقة، عيناه سوداء اللون، جسده مغطى بالعضلات وذو طولٍ فارع.
خرجا من المكان مصطحبين معهم المدنيين وكان «شادي» ينتظرهم ليؤمِّن خروجهم ومعه ضابطٌ آخر، خطوا بحذر واصطحب «شادي» والضابط الآخر المدنيون ليوصلوهم إلي مكانٍ آمن بعيدًا عن الطلقات النارية التي مازالت مستمرة رغم سقوط أغلب الإرهابيون لكن بقيَّ منهم القليل، لمح «بدر» أحدهم يستهدف «قصي» ببندقيته فدفعه ليتلقى هو رصاصة اخترقت صدره وفي نفس اللحظة كان أحد الضباط أصاب ذلك المجرم في رأسه ليلقى حتفه بلحظة.
سقط بدر فالتقطته أحضان «قصي» والذي اتسعت عينيه من هول الصدمة، أفاق سريعًا إثرَ أنين «بدر» المتألم، وضع راحته يكتم دماء رفيقه التي تسيل بغزارة، تجمعت الدموع بعسليتيه لا يصدق، هل سيفقد من اعتبره شقيقه؟
رفع «بدر» يده الغارقة بالدماء ووضعها على وجنة «قصي» ثم نطق بوهن:
_مت... متعيطش فاهم.... مش عايز أشوف دموعك.
سكت يلتقط أنفاسه الهاربة ثم أكمل بابتسامة متعبة:
_مش قولتلكوا عايز أقضي معاكم وقت عش... عشان لو مرجعتش....
قاطعه «قصي» وقد أغرقت الدموع وجهه يتحدث بصوتٍ مبحوح:
_متقولش كده يا بدر، أنت هتبقى كويس، إسـعـاف.
صرخ بالأخيرة مستغيثًا لإنقاذ صديقه، فردد «بدر» بتعب، صدره يعلو ويهبط بسرعة، أنفاسه متقطعة:
_اسمعني يا قصي..... مف.. مفيش وقت... عايزك تخلي بالك من نفسك ومن شادي.. وقول لماما وبابا أني بحبهم أوي.. قو.. قول لماما أنها كانت حبيبتي الأولى والأخيرة.. ع.... عارف أن كان نفسها تجوزني بس معلش... تجوز شادي وتعتبر عياله هما عيالي... ما أنا وهو واحد.. وقول لبابا أنه كان صاحبي وقدوتي... قولهم ميزعلوش مني ويدعولي كتير... وزياد.... أخويا الصغير..... قوله يخلي باله من مذاكرته ويشد حيله..... خلاص فاضله سنتين ويتخرج...ويبقى أحلى دكتور.... عايزك أنت وشادي تبقوا في ضهر بعض على طول... أوعوا حاجة تفرق بينكم و... وقول لشادي أنه مكانش أخويا هو كان... ابني اللي مخلفتوش... قوله أني بحبه وأنه هيوحشني أوي.... وأن.. وأنت كمان....كنت بعتبرك أخويا الصغير وابني.......أنت غالي عندي زي شادي ..... هتوحشني.. خل... خلي بالك م... من نفسك... يا أخويا..
سقطت يده وانقطعت أنفاسه، أغلق عيناه وأعلن القلب استسلامه فتوقف عن النبض.
رفع «قصي» رأسه نحو السماء ورأس بدر مستقر على قدميه، صرخ بقهر ودموعه تهبط كالشلال:
_بــدر!
أخفض رأسه يحتضن رأس «بدر» الذي فاضت روحه إلى خالقها.
جاء «شادي» راكضًا إثرَ سماعه لصراخ «قصي» باسم شقيقه فرأى ما جعل قدماه تتجمدان بالأرض، هل ارتوت الرمال بدماء شقيقه؟ هل رحل وتركه في هذه الحياة بمفرده؟ لم يكن شقيقه وحسب بل كان عالمه، دائمًا ما كان يأخذ منه النصيحة حين يشعر بالتيه ممن سيأخذها الآن؟ كان لا يحكي أسراره لأحدٍ سواه، لا يشكو حزنه لغيره لمن سيحكي ويشكو بعد رحيله؟
اقترب ببطء من شقيقه وجثا على ركبتيه أخذ جسد شقيقه من بين يدي «قصي» واحتضنه يهزه ويضرب على وجهه بلطف قائلًا بصوت مرتجف:
_بدر لا لا رد عليا متسبنيش عشان خاطري بـدر.
هبطت دموعه ممتزجة بدماء شقيقه المهدورة، صرخاتهما وصلت عنان السماء ولم يكن يُسمع سوى صوت الشهقات.
«بعد أسبوعين»
ظل «شادي» حبيس غرفته لا يغادرها، يقضي معظم وقته نائمًا لا يتكلم مع أحد ولا يأكل من الطعام سوى القليل، ولم يختلف حالُ «قصي» كثيرًا فقد كان متعلقًا بـ«بدر» وبشدة.
وفي يومٍ ما وصلت رسالة إلى هاتف «شادي» وكانت عبارة عن صور لملفات تحتوي على معلومات المهمة التي اُستُشهِدَ بها شقيقه ومرفقٌ تحتها رسالة تقول:
_صاحبك هو الجاسوس اللي سرب معلومات المهمة، وعلى فكرة أخوك مات بسببه، الرصاصة كانت قاصداه هو بس هو زق بدر نحيتها وبدر خدها مكانه، بيمثل الحب والصداقة قدامكم بس هو شيطان من وراكم، ولو مش مصدقني الملفات عندك اهيه دليل على خيانته.
لم يكن ليصدق لولا أنه رأى الملفات بأم عينيه تلك الملفات من المفترض أنها مع «بدر» و «قصي» فقط ولا يحملها شخص آخر.
كان «شادي» متأثرًا بوفاة شقيقه وعندما إستلم تلك الرسالة اشتعل الغضب في قلبه فاتجه نحو بيت «قصي».
لم يكن هناك أحد بالمنزل فوالدا «قصي» مع والديه يواسونهما و«زياد» لديه تدريب بالمشفى ولم يستطع تأجيله، ولج غرفة «قصي» كالإعصار، نهض الآخر بفزع، نظر إليه متسائلًا بتعجب من هيئة الآخر الغاضبة:
_فيه ايه يا شادي؟
صاح به بحدة:
_يعني أنت مش عارف عملت ايه؟
أجابه «قصي» وقد انفعل من صوته المرتفع:
_ما توطي صوتك وأنت بتتكلم! فيه ايه؟ ولا مش عارف عملت ايه، عملت ايه أنا؟
رفع هاتفه موجهًا شاشته نحوه قائلًا ولا زال على انفعاله:
_ايه ده؟
قطب حاجبيه ورمق الهاتف بطرف عينه متسائلًا باستنكار:
_ايه ده؟
ناوله الهاتف بحدة وهتف:
_خد شوف.
أخذ منه الهاتف بتعجب، فحص الصور يحدّق بها باندهاش، كيف وصلت تلك الصور لهاتف «شادي»؟
أفصح عن سؤاله بتيه:
_أنت.... أنت جبت الصور دي منين؟
فأجابه بسؤالٍ، كانت أعصابه منفلتة يرجو أن يكون مخطئًا في شكه:
_يعني كانت معاك؟
_أيوة كانت معايا بس.....
قاطعه قبل أن يكمل ساحبًا هاتفه، يحدجه باشمئزاز ناطقًا:
_بس مش عايز أسمع حاجة، واضح أن بدر كان غلطان لما وثق فيك وآمنك على معلومات زي دي، وأنا كمان كنت غلطان لما قولت عليك صاحبي وأخويا.
صمت قليلًا ولم يعطي لمن يطالعه بعينٍ غير مصدقة فرصة للدفاع بل استرسل بغصة استوطنت حلقه ونظراته يعلوها الخذلان المشوب بالاشمئزاز:
_أنت طلعت زبالة يا قصي وأنا مش عايز أعرفك تاني.
تركه ورحل، والآخر يحدّق في ظهره بعدم استيعاب، ثم اندفع خلفه يهرول ليوقفه عن الرحيل قبل أن يفهم هو ما يحدث، صاح يناديه:
_استنى يا شادي، فهمني فيه ايه؟ أنا مش فاهم حاجة.
قالها وجذبه من ذراعه واقفًا أمامه يمنعه من الرحيل، نفض «شادي» ذراعه من بين يدي «قصي» ثم دفعه مردفًا بضيق:
_أبعد عني يا قصي أحسنلك، أنا مش عايز أسمع صوتك ولا عايز أشوفك تاني.
اقترب منه يكمل من بين أسنانه المصطكة:
_واحمد ربنا أني مش هبلغ عنك وهراعي العيش والملح اللي بينا، بس يستحسن تبعد عني وتنساني خالص وده لمصلحتك.
وضع كفه على كتف الآخر وأبعده عن طريقه حتى كاد «قصي» أن يقع لكن ألتقطته يدا «رائف» الذي وصل لتوه ورأى «شادي» يُبعد «قصي» ويرحل.
نظر إلى«قصي» وتسائل باستغراب:
_هو فيه ايه؟ ماله شادي؟ أنا شايفه طالع وعفاريت الدنيا بتتنطط في وشه!
ابتلع «قصي» ريقه، يرمق «رائف» بأعينه الحمراء ونظراته التائهة والتي لم يلاحظها «شادي» من شدة غضبه، أجابه بعدم فهم:
_مش... مش عارف فيه ايه، جه يوريني صور لملفات المهمة اللي فاتت وعمّال يقول كلام غريب مش فاهم منه حاجة.
ضحك بسخرية مريرة وأضاف:
_تخيل... تخيل بيقولي مش عايز يعرفني تاني، بعد كل السنين والعشرة اللي بينا جاي يقولي مش عايز أسمع صوتك ولا أشوف وشك تاني، هو حتى مش مديني فرصة أستوعب ايه اللي حصل ولا أدافع عن نفسي.
كانت عسليتاه دامعة يحيطها الإحمرار، حزن «رائف» لأجل رفيقه فاحتضنه يربت على ظهره ويخفف عنه بكلماته:
_متقلقش ده أكيد سوء تفاهم، هو بس شادي زعلان على بدر أنت عارف ده كان بالنسباله ايه.
صعد «قصي» إلى غرفته، وتوجه «رائف» إلى «شادي» أوقفه أمام منزل «قصي» وحاول جعله يتحدث لكنه كان يرفض وفي النهاية وبعد إلحاح «رائف» أخبره بما وصله من رسائل، فنهره «رائف» منفعلًا وقد شعر في تلك اللحظة بمدى غباء «شادي»:
_أنت اتهبلت يا شادي. بتشك في قصي! صاحب عمرك بعد كل السنين دي رسالة عبيطة من حد مجهول تخليك تنهي علاقتك بيه؟ أنا مش قادر أصدقك والله.
لم يكن «شادي» يريد الإنصات لأي شخص فغضبه على موت شقيقه قد أعماه، لم يعد يميز الصواب والخطأ، تحدث بضجر:
_بقولك ايه يا رائف أنا مش عايز أسمع حاجة، الموضوع خلص فكك مني بقى.
رأى أنه لا فائدة من الحديث فهو كأنه يلوح لشخصٍ أعمى، هز رأسه بإيجاب وهتف:
_تمام يا شادي براحتك، بس خليك فاكر أن أنت اللي خسرت قصي، وخسرتني أنا كمان، ما زي ما شكيت في صاحب عمرك هتشك فيا أنا كمان.
قالها متهكمًا، ثم نطق بحزن:
_سلام يا شادي.
عاد «رائف» إلى «قصي» ورحل «شادي» إلى منزله، لم يكن سعيدًا بما آلت إليه الأمور لكنه أيضًا غير مقتنع أنه مخطئ بل وأقنع عقله أنه على حق وأن «قصي» خائن ولا يستحق أن يحزن عليه.
وهكذا انتهت صداقتهما، لكن ظل «شادي» على تواصل مع أهل «قصي» بما فيهم «زياد» الذي لا يعلم حتى الآن بما حدث بين الاثنين.
لم يكونا يلتقيان سوى صدفة ودائمًا تنتهي المقابلة بنظرات نارية بين الطرفين وبعض العبارات اللاذعة.
«عودة»
أفاق من ذكرياته، فرت دمعة من عينه اليمنى يبكي شقيقًا فقده وصديقًا خذله.
____________________________________________________________________________
«منزل وائل المحمدي»
يجلس بغرفته المظلمة يضع هاتفه على أذنه منصتًا للطرف الآخر، ثم ينطق ببرود:
_متقلقش بعد اللي حصل عمرهم ما هيرجعوا صحاب تاني.
ابتسم بسخرية يتهكم قائلًا:
_ده شادي عك الدنيا خالص يعني حتى لو اكتشف أن قصي معملش حاجة التاني مش هيسامحه عشان شك فيه، اهدى وفكك من الحوار ده عشان هو أصلًا خلصان.
استمع للحديث الآتي من الطرف الآخر، ثم أجاب بثقة مع نبرة مستهزئة:
_تقصد الهاكر اللي بيسرب المعلومات؟ هجيبهولك برضو يعني هيروح مني فين مسيره هيظهر وساعتها هسلمهولك مربوط بفيونكة، ركز أنت بس في شغلك وسيبني أنا أعمل شغلي، سلام.
أغلق الخط ينظر أمامه ببرود، ثم أخفض حدقتيه نحو ملفٍ ما وكان يحتوي كل الرسائل التي تسلموها من «ТЕН» الهاكر المجهول _بالنسبة لهم_حدّق بالتوقيع في أقصى اليسار ثم علّق:
_حلو الاسم... مش بطال.
قال الأخيرة مع ابتسامة جانبية علت شفتيه، لا ينوي خيرًا إذا وقع هذا المجهول بين يديه فإما سيعمل تحت إمرته أو.... سيلقى حتفه على يديه.
____________________________________________________________________________
Amosha Hussein