"ظننتُ أن النسيان خلاص، وأن الصمت نجاة... لكن رمادها ما زال في صدري يتوهّج. الآن فقط، آن للحقيقة أن تُقال... مهما أحرقت ما تبقّى."
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
حبر، أقلام، ورق، عَبَرات
يدها الملفوفة بالضمادات البيضاء
تصارع من أجل إنهاء كل كلمة في ذلك الخطاب، ووسط ارتجاف يدها تحاول أن تسيطر على أنفاسها التي تخرج من صدرها بثقل الجبال. كانت تحكي فيها الفاجعة التي لم تقتصر على تشويه نصف جسدها، بل فناء صديقة عمرها، ومحو عائلتها من الوجود، ولعنة النيران التي التهمت أكثر من نصف أهل القرية، وظلمات السجون التي سوف تبتلع بدر بلا رجعة. كانت تتمنى أن يُشكِّل ذلك الخطاب فارقاً.
كانت صورة صديقتها وهي تلتهمها النيران العارمة لا تفارقها، تلك النظرة التي رمقتها بها مع ابتسامتها الباهتة وهي تسير إلى حتفها لا إلى غرفة زوجها. أدركت الآن أنها كانت تودعها للأبد.
اختارت فرحة تقديم نفسها قرباناً لحبها لبدر. لم تدرك أن ذلك القربان كان بداية لعنة نالت الجميع. كانت تكتب الجواب وفاءً لذكرى حبها الصادق، وصديقة عمرها فرحة. كانت ترغب في إكمال ما لم تستطع صديقتها فعله، وهو إنقاذ بدر.
وجهته للإنسانة التي تعلم أن في يدها إقناع آخر أفراد عائلتها القادر على أن ينقذ بدر.
كل ذلك تحت أنظار أمها التي، من شدة الحزن على ما حدث لابنتها، أضيف أعوام وأعوام إلى عمرها. كانت تشعر بالريبة لطلب ابنتها كتابة جواب وهي في تلك الحالة، كما أنها لا تعلم لمن سوف ترسله، لكنها استجابت لطلب ابنتها شفقة منها على حالها.
جاء صوت الممرضة لـيُعلن عن موعد انتهاء الزيارة في المستشفى.
فمدَّت جملات يديها المرتعشتين إلى أمها لتعطيها الجواب كي ترسله ، دون أن تنطق بكلمة واحدة. ثم نظرت إلى ضوء الشمس البرتقالي الذي يتسلل من شرفة المستشفى، معلناً عن غروب ذلك اليوم. لمعت عيناها وهي تنظر لذلك الغروب، وأخذت نفساً عميقاً وهي تغمض عينيها على ذكرى ذلك اليوم وهي تقول:
"لم تغربي وحدك أيتها الشمس، بل غربت هي وغربت أنا، وسيبقى طيف الأحزان يحوم حول أطلالنا سقطت القارورة الفارغة التي كانت تخفيها من يديها، ثم أغمضت عينيها آخر مرة إلى الأبد
برغم أن الغرفة التي كانت بها كان يوجد بها الكثير من أَسِرّة المرضى، والعديد من الممرضات اللواتي يشرفن عليهن، كانت عين واحدة منهن هي من تتابع ما يحدث بصمت، وتعابير الخوف بادية عليها. لكنها تقدمت ببطء نحو فراش جملات، وأخذت القارورة الفارغة من الأرض، وأخفتها داخل جيب ملابسها، وغادرت العنبر في هدوء. وهي تتذكر وجه جملات، تلك الفتاة الفاتنة التي التهمتها النيران، ودموعها التي لم تجف، وصوتها وهي تترجاها أن لا تتركها تتعذب بذلك الشكل، وأن تعطيها رصاصة الرحمة. وقد كان. .
في قاعة المحكمة.
على إثر صوت القاضي وهو يحكم بالسجن المؤبد على بدر، كانت بسيمة تجلس بهدوء تستمع لذلك الحكم وهي تدس الخطاب في ملابسها. مع صوت المطرقة المُعلن عن نهاية المحاكمة، توجهت إلى القفص وعلى وجهها ابتسامتها المعهودة. نظر إليها بدر في دهشة وهو يهمس: "خالتي بسيمة!"
بسيمة: "موت قادر يُطْفِئ نارك!"
بدر: "نار قلبي عمرها ما تهدأ،" قال بصوت متقطع. "أخذوا فرحتي مني."
فنظرت إلى يده اليمنى فوجدت آثار الجروح والقروح المهملة التي تظهر من خلال تمزقات جلبابه، وقد بدأت تتعفن. ثم نظرت في عينيه وهي تمد يدها إليه بورقة صغيرة مكتوب عليها عنوان، وهي تقول: "ثأرك لم ينتهِ بعد."
ثم غادرت في هدوء وتركته والذهول على وجهه، ونار انتقامه الأبدية تغلي داخله.
بعد ست سنوات
داخل ميناء لندن المطل على نهر التايمز، كانت جوليا تستعد لركوب السفينة المتجهة نحو ميناء الإسكندرية، للذهاب لزيارة ابنتها نورسين برفقة زوجها فرانك الذي أصر على السفر معها وأن يكون بجانبها في مرض ابنتها.
أثناء مغادرة السفينة الميناء، كانت جوليا تمسك بقبعتها البيضاء الكبيرة المزينة بحجر الفيروز بسبب اشتداد الرياح التي تجعل فستانها الحريري يرفرف. ولكن حتى مع رياح البحر العليلة ، لم تستطع إزاحة شعور الضيق الذي يخنق أنفاسها منذ علمها بمرض ابنتها. ضمها فرانك بين ذراعيه وهو يقول: "لا تقلقي حبيبتي جوليا، لن نعود إلى الديار هذه المرة إلا ونورسين برفقتنا."
في قصر قاسم (داخل الحديقة الخلفية)
تتقدم بسيمة بخطى ثقيلة، مستندة على عكاز، نحو شواهد قبور قاسم وابنته نورسين. برقت عيناها عندما رأت الكتاب الذي كانت تقرأه نورسين في ذلك اليوم، وجدته ملقى على الأرض مُلطخاً ببعض الطين، وعليه قطرات من دمها الذي أُرِيق بالأمس. أمسكت بالكتاب وضمته نحو قلبها وجلست أمام شاهد قبرها وأخذت تبكي بكاءً مريراً وهي تقول:
"لم يكن ذنبك يا أكثر حاجة أحببتها، ولكن كان لزاماً عليهم أن يدفعوا الثمن. ثمن القهر، ثمن الظلم، ثمن حياتي التي ضاعت، ثمن ابني الذي لم يُكتب له أن يرى النور."
أمسكت حفنة من تراب قبرها وأخذت تضغط عليه وهي تجهش بالبكاء
"بس أنا سأخبرك، سأخبرك يا حبيبتي ماذا فعلوا، وأنتِ بالتأكيد ستسامحينني، أليس كذلك يا نورسين؟"
Flash back
وسط الأراضي الزراعية الخضراء ونسيم هواء الربيع يداعب شعرها الأسود الذي انزلق عنه شال رأسها الفيروزي، تجلس بسيمة متقوقعة على نفسها أسفل شجرة الجميز الضخمة.
وتخبئ وجهها. لا تريد أن تواجه نظرات سعدية المصدومة، بسبب ما تفوهت به. وظهر صوت سعدية جَلِيّاً وهي تشهق من الصدمة وتقول: "حامل إزاي يا بسيمة! يا نهار أسود، هتتصرفي إزاي دلوقتي؟ حامل من مين؟ ردي عليَّ."
رفعت بسيمة رأسها ببطء وهي توجه نظرها للأرض، وقالت: "حامل من آثِم."
"وده حصل إزاي؟ عقلك كان فين؟" ثم لطمت سعدية خدها وقالت: "يا نهارك الأسود يا بسيمة، ده النهاردة خطوبته على كوثر بنت عمه. أنتِ عرفتيه ولا لأ إنك حامل؟"
بسيمة: "مش عارفة أوصله، حتى المكان اللي كنا بنتقابل فيه مبقاش يجي ناحيته."
سعدية: "الندل عمل عملته وبيتهرب. طيب وايه العمل دلوقتي؟ لازم نشوف حل ونخليه يصلح غلطته قبل ما بطنك تكبر. قوليلي أنتِ عرفتي إنك حامل من إمتى؟"
بسيمة: "من تلات شهور."
سعدية: "تلات شهور وأنتِ ساكتة، إزاي كل ده؟"
بسيمة: "كنت كل ما أبعتله يجي، يهرب مني ويقول إن عنده مشاكل بين عمه وأبوه على الورث مش هيعرف يقابلني."
سعدية: "بتبعتي ليه مع مين؟"
بسيمة بتردد: "ببعتله مع صاحبه قادر. هو كان عارف إننا بنحب بعض، وكان بيخلينا نتقابل كمان في الخُوص في جنة الفاكهة بتاعة أبوه."
(خُوص: هو كوخ مصنوع من البوص يوجد في الأراضي الزراعية لاستراحة العمال)
سعدية باستنكار: "قادر يا بسيمة؟ قادر اللي أنتِ وأمك شغالين في بيت أبوه! ما خفتيش إنه يقول لأبوه ويطردكوا من البيت؟"
بسيمة: "لا، قادر عارف إني أنا وآثم بنحب بعض، وهو كان وعدني إننا هنتجوز قريب أول ما المشاكل اللي كانت بين أبوه وعمه على الورث تتحل."
سعدية: "وأنتِ صدقتيه بالسهولة دي يا بسيمة؟ آثم ده عامل زي الحَيَّة، ياما حذرتك منه." انهمرت دموع بسيمة وهي مُنَكِّسة رأسها وقالت: "كنت بحبه."
سعدية ضمت صديقتها بين ذراعيها وقالت: "ما تخافيش، أنا معاكي. إحنا لازم نقابل قادر ونقوله إنك حامل، ولازم يقول لصاحبه علشان الموضوع يلحق يتلم. يالّا يا بسيمة قومي معايا بسرعة قبل ما قادر يروح الخطوبة."
في سرايا سعفان والد قادر.
ارتدى قادر جلبابه الفخم الذي اشتراه خصيصاً لهذه المناسبة، وعطَّرَه بالعود، وارتدى خاتمه الفضي ذا الحجر الكريم. وانطلق ذلك الشاب الفتيُّ ذو الخمس وعشرين عاماً، وهو يدندن، عازماً الذهاب إلى خطوبة صديقه آثم. في الطريق سمع صوتاً أنثوياً ينادي عليه بصوت منخفض. التفت ليرى، فوجد سعدية ومعها بسيمة تقفان في الخفاء، وسعدية تشير له بالاقتراب.
استغرب في بداية الأمر، ولكنه ذهب إليهما ليعلم ماذا تُردان.
قادر: "عايزة إيه يا بت منك ليها؟"
سعدية: "أنت عارف كويس إحنا عايزين إيه، وإن صاحبك خدع بسيمة وعشمها بالجواز، وبعد كده اتهرب منها ورايح يخطب بنت عمه. لازم تقوله إنه لازم يصلح غلطته وإن بنات الناس مش لعبة يتسلى بيها."
ضحك قادر وقال بلا مبالاة: "وأنتِ بقى الأفوكاتو بتاعها؟ بصي يا شاطرة، مفيش حد ضرب صاحبتك على إيدها أو خلاها تعمل حاجة غصب عنها." ثم نظر إلى بسيمة وقال:
"وبلاش كلام كتير في الموضوع ده، علشان سمعتك أنتِ اللي هتتضرّ، وصاحبي راجل ما يعيبوش حاجة. الدور والباقي على اللي كانت بتجيله بكيفها." ثم نظر لها نظرة ازدراء.
لم تستطع بسيمة السيطرة على دموعها، فخبَّأت وجهها داخل كفيها. فقالت سعدية بغضب: "وابنه اللي في بطنها ده، لازم يصلح غلطته معاها.و إلا
هنروح نقول لسيدي سعفان كل حاجة، وتبقى خراب على الكل، وهو كبير البلد بقى اللي يتصرَّف."
انصدم قادر مما سمعه، وحاول أن يداري تلك الصدمة وهو يقول: "على العموم أنا هقوله، بس كتر كلام في الموضوع ده مش عايز."
ثم ذهب مسرعاً وعقله يكاد ينفجر من تلك المصيبة التي تورط فيها.
فى بيت كوثر *
صوت المزامير والطبول يصدح في المكان وسط تجمع كبير من القرويين الذين تجمعوا حول عازف الربابة.
ما أن وصل قادر حتى أخذه آثم بالأحضان ولكنه لاحظ تعابير وجهه الجامدة.
"آثم بضحك": مالك يا قادر؟ ألم تفرح لصاحبك ولا أي؟
همس قادر في أذن آثم بشيء، فاصفرَّ وجه آثم مما سمع، وأمسك بذراع قادر واتجه به إلى مكان هادئ خلف البيت ليتحدثوا بحرية.
"آثم": أنت بتقول إيه؟ هذه مصيبة.
"قادر": مش بس كده، الفتاة التي اسمها سعدية هذه بتهدد بأنك لو لم تتزوج بسيمة هتاخدها وتروح تقول لأبويا. أنت عارف يعني إيه؟ يعني أنا وأنت هنقع في مصيبة وأبويا مش هيسمي على حد.
"آثم": بص، أنا عندي فكرة. أنت تقول لها إني هديها فلوس وتنزل ما في بطنها.
"قادر": ولو لم توافق؟
"آثم بابتسامة ماكرة": يبقى تقول لها إني مستنيها لوحدها في المكان الذي نتقابل فيه.
"قادر": أنت ناوي على إيه؟
"آثم": سنسقط حملها.
"قادر بصدمة": أنا إلى هنا وكفى، وأنا ماليش دعوة بالحوار ده.
"آثم": هو أنت فاكر لو قالت لأبوك أنها حامل مني وأن أنت كنت عارف وكمان بتخلينا نتقابل في أرضكم، الحاج سعفان هيطبطب عليك؟ ده مش بعيد يتبرأ منك ووقتها أخوك وهدان الطيب هو اللي هيكوش على كل حاجة. فكر صح يا قادر، مفيش غير الحل ده.
في اليوم التالي
داخل سرايا سعفان
"بسيمة": قُمتِ ليه بس ياما من السرير؟ أنت لسه تعبانة.
"أم بسيمة": التعب طال يا بنتي ومفيش تحسن، وأنا سايبة شغل البيت كله عليكي. أنت مش شايفة وشك بقى أصفر إزاي؟
"بسيمة": أنا كويسة، ومفيش حاجة. أهم حاجة أنت ترتاحي يا ست الكل.
"أم بسيمة": ربنا يرزقك بابن الحلال يا بنتي علشان أطمن عليكي قبل لما أموت.
"بسيمة": بلعت لعابها بصعوبة وقالت: جواز إيه بس ياما؟ أنا عايزة أفضل معاكي على طول، أو هل أنت زهقت ونفسك ترتاحي مني؟
"أم بسيمة": أزهق منك هذا إيه؟ ده أنت بنتي الوحيدة ومليش غيرك.
"قادر": أم بسيمة، حضري الفطار وخلي بسيمة تجيبه ليا في الحديقة.
"أم بسيمة": مش هتستنى سيدي سعفان لما يصحى؟
"قادر": جرى إيه يا أم بسيمة؟ أنت بقى كلامك كتير ليه؟ اعملي ما بقولك عليه من غير وجع دماغ.
"أم بسيمة": أمرك يا سيدي قادر.
أخذت بسيمة صينية الفطور لقادر، فقال لها:
"تاخدي كام وتنزلي ما في بطنك؟ ونقول لا من شاف ولا من درى".
"بسيمة": ولا كنوز الدنيا تخليني أقتل ابني بيدي. قول لآثم إني مش هسكت.
"قادر": خلاص يبقى تحلوا الموضوع ده مع بعض.
"بسيمة": قصدك إيه؟
"قادر": هو مستنيكي النهارده المغرب في المكان اللي بتتقابلوا فيه لوحدك. فاهمة؟ لوحدك يا بسيمة علشان تحلوا بقى المشكلة أنتوا مع بعض.
شعرت بسيمة بقبضة في قلبها، ولكن قررت أن تذهب إليه، فلم يعد أمامها حل آخر.
عند غروب الشمس
دخلت بسيمة الخُصَّ حيث يتقابلان فوجدت آثم ينتظرها في داخله.
ابتسمت وقالت: آثم، أنا حامل. أوفِ بوعدك واتجوزني.
"آثم": تاخدي كام وتنزلي ما في بطنك يا بسيمة؟
"بسيمة": أنت عايز تقتل ابنك؟
"آثم": وأنا إيه اللي سيثبت لي أن ما في بطنك ابني؟ مش يمكن عايزة تُلبسيه ليا؟ زي ما سلمت لي عادي يعني ممكن تكوني سلمت لغيري.
"بسيمة": اخرس، قطع لسانك! أنت عارف كويس أن أنا شريفة وأن ده ابنك. غلطتي الوحيدة إني صدقت حيوان زيك، بس أنا مش هسكت. هقول لسيدي سعفان وهروح أقول لعمك وهطربق الدنيا على دماغك.
غلى الدم في عروق آثم، وزين له الشيطان، وخبطها خبطة قوية في بطنها أدت لسقوطها على الأرض واصطدام رأسها في حجر.
تجمد آثم في موضعه وهو يرى رأسها تنزف وهي شبه فاقدة الوعي. فجأة وجد قادر يدخل الخُصَّ وظل يسدد ركلات متتالية في بطن بسيمة، وصوت صراخها بدأ يعلو، فأمر آثم أن يغطي عينها ويكمم فمها. ونفذ آثم ما قاله، ثم أمسك بغصن شجرة غليظ وأخذ يضربها على بطنها وظهرها حتى أصبحت تنام في بركة دماء. وما أن هما بالرحيل حتى وجد وهدان أخو قادر أمامهما.
"وهدان": إيه اللي بيحصل ده؟ أنا لازم أقول لأبويا.
"قادر": لو قلت يا وهدان هروح في داهية ومش بعيد أبوك يقتلني.
"آثم": عايز تبقى سبب في قتل أخوك يا وهدان؟
تردد وهدان وقال: بس هذه كده هتموت.
"قادر": تعالى بس واحنا هنقولك على كل حاجة.
وبالفعل أخبراه، ولكن قال آثم في منتصف الكلام: "بس لو عقلك وزّك وقلت اللي حصل لأي حد هنقول أنك كنت شريك معانا وابقى اثبت بقى عكس كده".
فقال وهدان بقلة حيلة: "الله يسامحكوا يا أخي على اللي عملتوه".
فرد آثم: قصدك يسمحنا كلنا يا وهدان.
"وهدان": أنا مش هسيبها تموت، أنا هجيب لها الداية.
"قادر": أنت عايز تودينا في داهية؟
"آثم": خلاص يا قادر، خليه براحته. بس اعرف أننا ملناش دعوة، ولو الداية اتكلمت هَنلبسها ليك أنت.
"وهدان": أنتوا إيه؟ شياطين!
اِمْشُوا، أنا مش هيفرق معايا الكلام ده، أنا مش هسيبها تموت، كفاية اللي حصل.
في ذلك الوقت، قد حل المساء ولم تعد بسيمة للبيت.
كما أن سعدية شعرت بالقلق عليها لأنها لم تقابلها اليوم كالعادة ليحضروا الماء معًا. لذلك قررت سعدية أن تذهب لبيت سعفان حيث تعمل وتعيش لتراها، ولكنها فوجئت بأن أمها لا تعلم مكانها. فوجدت نفسها تركض نحو المكان الذي أخبرتها عنه بسيمة أنه حيث كانت تلتقي بآثم.
ما أن وصلت حتى وجدت ما جمَّد الدماء في عروقها: صديقتها مُلقاة على الأرض، مُربطة يداها، وملفوف حول عينيها قطعة قماش كي تمنعها من الرؤية. يبدو على ملابسها آثار الاعتداء، شاحبة الوجه، استحالت شفتاها إلى البياض، ملابسها ملطخة بالدماء، ويبدو أنها فقدت الجنين. وأمامها لواحظ، مُولِّدة القرية، تحاول إنقاذ حياتها.
صرخت سعدية وهي تقول للمولدة:
"أنتوا عملتوا فيها إيه يا كفرة؟ أسقطتيها يا لواحظ؟"
لواحظ وهي ما زالت تحاول إنقاذ بسيمة: "أنا أسقط بسيمة؟ ده أنتوا عشرة عمري. أنت عايزة تلبسيني تهمة وأنا جاية أجري بكل ما أملك علشان ألحقها؟"
"سعدية": مين اللي عمل فيها كده يا لواحظ؟
"لواحظ": مفيش وقت للكلام. بسرعة ساعديني قبل ما تموت بين أيدينا.
حاولت لواحظ إنقاذ بسيمة بأدواتها البسيطة البدائية بمساعدة سعدية. وفجأة توقفت، وعلى ملامحها الرعب. وقالت وهي تنظر لبسيمة التي تصارع الموت: "النزيف مش راضي يوقف يا سعدية".
بكت سعدية وقالت: "أنا هروح أجيب ليها دكتور من البندر أو حتى أخلي شعلان جارنا يجيب العربية الكارو ونوديها للمستشفى."
ردت لواحظ بنفس التعابير على وجهها: "عقبال لما توصل للمستشفى هتكون ماتت يا سعدية."
لطمت سعدية خدها بيدها المُلطَّخة بدماء صديقتها، وقالت: "يعني إيه؟ خلاص كده هنسيبها تموت؟"
نظرت لها لواحظ وهي تقول بتردد: "أنا ممكن أحاول أعمل حاجة، لو نجحت هتنقذ حياتها."
قالت سعدية بلا تردد: "ومستنية إيه يا لواحظ؟ اعملي كده."
"لواحظ": "بس أنا لو عملت كده، بسيمة عمرها ما هتقدر تخلف تاني."
تراجعت سعدية بضع خطوات للخلف من الصدمة، وعمَّ الصمت بينهما للحظات. ثم قالت بنبرة حازمة: "ابْدَئي يا لواحظ شغلك قبل فوات الأوان."
وبالفعل، في خلال ثلث ساعة، خف النزيف من حدته بشكل ملحوظ وبدأ في التوقف. ثم تنفست لواحظ الصعداء وقالت لسعدية: "أنا لازم أروح، الوقت اتأخر قوي وأنا مش قايلة لحد أنا فين. هجيلك الصبح ومعايا جُلابية نظيفة لبسيمة."
أمسكت سعدية بذراع لواحظ: "استني هنا! أنت مش هتمشي من هنا من غير ما تقولي إيه اللي حصل، وأنت عرفت منين أصلاً مكان بسيمة؟ مين اللي عمل فيها كده؟ انطقي!"
نظرت لواحظ لسعدية وقد بدا عليها القلق، وقالت لها: "هقولك على كل حاجة، بس أنا ماليش دعوة بالموضوع ده خالص، ومحدش يجيب سيرتي بحاجة.
أنا كنت قاعدة، لقيت سيدي وهدان بيخبط على الباب وبيسأل على أمي علشان فيه ست تعبانة وشكلها بتُسقِط. ساعتها أمي كانت عند واحدة بتولِّدها وأنا ما روحتش معاها علشان كنت تعبانة. فـقُلت له إنها مش موجودة. قال لي: 'طيب اتصرفي، وهديكي أكتر مما بتاخدي خمس مرات'. قُلت له إن أنا أقدر أروح معاه، هو بس يقول لي البيت فين. قال لي: 'أنا هوديكي، مفيش وقت'. الصراحة خفت لما لقيته داخل وسط الجناين، فقلت له: 'لو ما قُلتليش احنا رايحين فين بالظبط ومين الست التعبانة ديه أنا مش هروح معاك'. قال لي إنه وهو ماشي بالليل سمع صوت واحدة بتصوَّت، جرى على الصوت لقى بسيمة الشغالة عندهم واقعة وبتنزف، بس هو ما يعرفش مين اللي عمل فيها كده، وقرر إنه يساعدها. الصراحة أنا كنت خايفة من الموضوع، بس لما سمعت أنها بسيمة قُلت إني هتوكَّل على الله وأروح. وغير كده، سيدي وهدان عمر ما حد سمع عنه كلمة وحشة، ودايماً جَدَع وبيساعد كل اللي بيلجأ ليه."
أخرجت لواحظ صُرَّة كبيرة من المال وقالت: "إدّاني دول وقال لي: 'ساعِديها وما تجيبيش سيرتي في أي حاجة. أنا بعمل خير، وأنت كمان عارفة كلام الناس كتير'."
وقبل ما يمشي، قُلت له: "وأنا إيه اللي يضمن لي أنك مش أنت اللي عامل فيها كده؟" رد بحزم: "لو أنا اللي عملت كده، هجيب حد يساعدها ليه؟ علشان لما تفوَّق تقول إني أنا اللي اِتَّهَجَّمْت عليها؟ فكري بعقلك يا لواحظ. أول لما تفوَّق رجعيها البيت على طول علشان أمها ما تحسش إنها مش موجودة. وياريت ما تفتحيش بُقَّك بأي حاجة من اللي حصل. ابقي قولي لو حد سألك إنها كانت عندك في البيت بتساعدك."
"أنتِ عارفة إن أمها ست كبيرة ومش حِمل خبر زي ده، ممكن يجيب أجلها."
لم تُعقِّب سعدية، فهي تعلم من الذي فعل ذلك، أنه آثم بالتأكيد، ولكن ما تجهله هو ما السر وراء تورط وهدان في ذلك الأمر.
قطع الصمت صوت لواحظ وهي تقول: "أنت كنتِ عارفة إن بسيمة حامل يا سعدية؟ أنتِ اللي معاكِ السر كله، وإلا كنتِ عرفتِ منين مكانها أنت كمان؟"
ارتبكت سعدية وآثرت ألا تخبرها بما تعلم، وقالت:
"أنا ما أعرفش حاجة، كل اللي قالته إن واحد ابن حرام اعتدى عليها، وهي خافت تقول، أنت عارفة
ألسنة الناس ما بترحمْش. ممكن يكون خاف لـتقول لحد فعمل فيها كده. على العموم يا لواحظ، أول لما تفوَّق بإذن الله هنعرف كل حاجة."
خافت لواحظ أن يُذكر اسمها، وتَنغمس في هذه الكارثة أكثر، فقالت:
"بصي يا سعدية، أنا كده عملت اللي عليَّ، ومش عايزة أعرف ولا أفهم إيه اللي حصل. كل اللي أنا عايزاه إن محدش يجيب سيرتي في أي حاجة، وأنا مش هفتح بُقِّي، وربنا يستر على عباده."
"سعدية": "حقك يا لواحظ، بس أنا ليا عندك طلب أخير. خليكِ قاعدة جنبها عقبال لما أجيب ليها هدوم نظيفة، وأحاول أجيب حد يوصلها معايا عند أمها."
فكرت لواحظ لثوانٍ ثم قالت: "ماشي كلامك، بس ما تتأخريش. أنا ما أقدرش أغيب عن البيت أكتر من كده."
أسرعت سعدية وتسللت نحو غرفتها وأحضرت جُلَّابية، ولكن قبل أن تفتح باب بيتها لتغادر وجدت أخاها الصغير قد استيقظ من نومه وشاهدها. تسمَّرت مكانها، ثم رسمت ابتسامة زائفة على وجهها وقالت: "حبيبي، أنا رايحة أجيب عَسَلِيَّة. عايزني أجيب لك واحدة معايا؟"
"الطفل": "بس احنا بالليل، مفيش حد بيبيع عَسَلِيَّة بالليل."
"سعدية في محاولة خداع ذلك الطفل الذي لم يتجاوز الأربع سنوات:"
لأ لأ، فيه واحدة بتبيع عَسَلِيَّة كبيرة وفيها سوداني كمان. إيه رأيك أجيب لك اتنين تاكلهم لوحدك؟"
وافق الطفل بكل براءة واستجاب لما تقوله له أخته الكبيرة، وأكمل نومه دون أن يوقظ أحدًا.
أمسكت سعدية بحَجَر صغير وألقت به على شباك جارها شعلان. لم يفتح، فألقت بحجر ثانٍ، ثم ألقت بحجر ثالث بكل ما أوتيت من قوة، تزامناً مع فتحه للشباك، ليستقرَّ الحجر في رأس شعلان.
نظر شعلان وهو يستشيط غضباً. كان يعتقد أنهم بعض الصبية الأشقياء، ولكنه فوجئ بسعدية تقول له: "انزل بسرعة يا شعلان، أنا قاصدَاك في خدمة."
نزل شعلان ليعرف ما يحدث بالضبط. طلبت منه مساعدتها في نقل بسيمة إلى بيت سعفان حيث تعيش، لأنها مريضة ولا تستطيع المشي، ولكن دون أن يعلم أحد. كان شعلان قلقاً، ولكنه وافق على ذلك بسبب إعجابه المسبق بسعدية، ورأى أنها فرصة لكي يلفت انتباهها ويظهر بصورة الشهم.
وأخذ عربة والده الكارو بهدوء، وغادروا بسرعة قبل أن يلاحظ أحد.
(عربة كارو: هي عربة خشبية يجرها حمار، تُستخدم لنقل بعض المحاصيل في المناطق الريفية).
في الطريق
كان يرى شعلان القلق بادياً بوضوح على وجه سعدية. فلم يرد أن يزيد من توترها، وآثَرَ السكوت في الوقت الحالي.
عندما وصلوا الخُصَّ الذي توجد به بسيمة ولواحظ.
قالت له سعدية: "خليك أنت هنا لغاية لما أناديلك."
وأسرعت إلى الداخل فوجدت لواحظ يكاد القلق أن يقتلها."لواحظ": "كنتِ فين كل ده؟ أنا لازم أمشي دلوقتي."
"سعدية": "خلاص أنا اتصرفت. ساعديني نغيِّر ليها هدومها."
وبعد انتهائهم، نادت سعدية على شعلان ليدخل وساعدهم على حملها على العربة، وانطلقوا بسرعة حتى قرب بيت سعفان. أوقفت لواحظ العربة وقالت:
"أنا لحد هنا وكفاية، أنا هروح بيتي، وأنتِ زي ما قُلتلك يا سعدية: لا أنت شفتيني ولا أنا أعرف حاجة." ثم غادرت مسرعة.
وهنا قال شعلان لسعدية: "أنا ما رضيتش أسألك على أي حاجة، بس الموضوع شكله كبير. إيه اللي يخلي بسيمة تروح حتة مقطوعة زي دي؟ وإيه اللي حصل لها بالظبط؟ أنا عايز أعرف كل حاجة. أنتوا شكلكوا كده هتلبسوني مصيبة."
نَكَّسَت سعدية رأسها وتساقط دمع عينيها وقالت: "أنا هقولك على الحقيقة كلها يا شعلان، وأنا واثقة إنك هتصون السر وهتِستُر عليها."
ثم قالت له كل ما تعرف عن ذلك الموضوع.
صُدِمَ شعلان مما سمع، وبدأت قطرات العرق تظهر على جبينه، وقال: "بس أنت كده هتدخَّلي نفسك وهتدخَّليني في موضوع كبير قوي. ولو قُلتِ لسيدي سعفان، آثم هينكر وهيقول إنها بتتبلَّى عليه، والفضيحة مش هتطول غير بسيمة، وأنت كمان سمعتك هتتوسخ بذنب أنتِ ما عملتيهوش. ده مش بعيد أبوك يموتك!"
"سعدية": "طيب كنت عايزاني أسيبها تموت؟ أنت ما تعرفش بسيمة دي عندي إيه، ديَّ أكتر من أختي."
سكت شعلان لدقائق ثم قال بصوت متقطع: "أنا عندي حل. أنتِ دلوقتي تنزلي وتروحي بيتك، وأنا هحط بسيمة في أقرب مكان وسط الزرع، وفي الفجر وأنا رايح أنقل البرسيم هَلِمّ الناس بأعلى صوتي وأقول إني شفت واحدة ميتة. فالناس هيتجمعوا وهيتعرَّفوا عليها، ويرجعوها لأمها، وساعتها تبقى تقول إنها وهي كانت رايحة تقعد معاكِ زي عادتكم، وفي الطريق حد مغطي وشه اِتَّهَجَّم عليها. وتبقى خرجتِ أنت من الموضوع خالص."
كانت سعدية محتارة، ولكن كانت تبدو فكرة شعلان أقرب إلى العقل. فلن يصدقهم أحد إذا أخبروهم بالحقيقة، وسوف يجنون حصاد مصيبة آثم وقادر. لذلك وافقت على مضض.
قبل أن تغادر، نظرت لشعلان وقالت:
"بس أنت بتعمل كل ده ليه؟"
فابتسم شعلان وقال لها: "علشانك يا سعدية."
احْمَرَّ وجه سعدية من الخجل وغادرت مسرعة.
وفي الفجر، نفَّذ ما خطط له شعلان، وجاء بعض القرويين يحملون بسيمة إلى بيت سعفان، ومعهم سعدية التي تظاهرت بالصدمة مما حدث لصديقتها. وتجمعت كل عائلة سعفان، وجرت أم بسيمة نحوها وهي تصرخ:
"بنتي! إيه اللي حصل لبنتي؟"
فرد أحد القرويين: "لقيناها مرمية في الزرع."
"شعلان": "شكل واحد ابن حرام اِتَّهَجَّم عليها."
ظلت أم بسيمة تصرخ وتلطم خدها حتى شحب وجهها، وأمسكت بقلبها، فسقطت مفارقة الحياة.
استأذنت سعدية من أبوها لتبقى مع صديقتها في هذه الظروف حتى تفيق مما هي فيه. فوافق؛ فوالد سعدية يعلم مدى تعلق ابنته ببسيمة، كما أنه أشفق أيضاً على ما تعرضت له تلك الفتاة المسكينة. فهي الآن فاقدة الوعي، لا تعلم أنه بعد استيقاظها ستجد كل شيء قد ذهب: أمها توفيت وأصبحت وحيدة، غير السمعة التي لن تفارقها حتى إن كانت ضحية، فتلك القرية تهوى القيل والقال.
في المساء، بعد رجوع عائلة سعفان من دفن أم بسيمة، كانوا يتناقشون على مائدة الطعام حول مصير بسيمة.
"سعفان": "أنا شايف أنها لما تفوَّق هأعطيها قرشين وتروح تشوف حالها في مكان تاني. أنا مش عايز سمعتي تتهز في البلد."
قال قادر، وملامح الارتياح على وجهه لأنه كان يعتقد أنها لم ترَ ما فعله بها لأنه كان يضع لثاماً على وجهه: "مسكينة، اللي حصل لها مش قليل، بس أقول إيه؟ ولاد الحرام بقى. أنا باقول إننا نشفق عليها ونخليها زي ما هي تخدم هنا في البيت بدل المرحومة أمها، بدل ما نسيبها تتلطم في الشوارع."
"سعفان": "الله يبارك فيك يا ولدي. شهم زي أبوك."
لم يستطع وهدان أن يتحمل ما يسمع من نفاق أخيه الذي كان سبباً مباشراً هو وآثم فيما حدث لتلك المسكينة، فنهض مسرعاً إلى الحمام ليتقيأ كل ما في معدته، وهو لا يعلم من أين جاء أخوه الكبير قادر الذي كان قدوة بالنسبة له بكل تلك القسوة والظلم.
لكنه اضطر للسكوت، حتى لا يشعل حرباً لن تُثمر إلا بالخراب.
بعد أسبوعين
فتحت بسيمة عينيها فوجدت صديقتها سعدية بجانبها تضمها بين ذراعيها. فقالت بصوت متقطع: "سعدية! إيه اللي حصل؟" كانت تأمل أن يكون كل ذلك كابوساً، وأنها استيقظت منه، لكن تعابير وجه
سعدية وملابسها السوداء كانت توحي بغير ذلك.
"سعدية": "ارتاحي أنت بس دلوقتي، ولما تقومي بالسلامة هقولك على كل حاجة."
شعرت بسيمة بآلام شديدة أسفل بطنها فصرخت وهي تقول: "قُولي لي حصل إيه؟ وفين أمي؟"
بكت سعدية على كل ما حدث لصديقتها التي تحطمت حياتها من أجل شيطان أوقع بها تحت اسم شَرَك الحب.
حكت سعدية لبسيمة كل ما حدث لها حتى تلك اللحظة، وهي تنهار من البكاء مع كل كلمة. لكن الغريب هو ردة فعل بسيمة، حيث لم تنطق بكلمة ولم تسقط دمعة واحدة من عينيها، بل رأت في عينيها نظرة جثة فارقت الحياة وكأن جسدها أصبح وعاءً بلا روح، ومرآة عينيها الخاوية من الحياة.
شعرت سعدية أن أوصالها تجمدت من أثر تلك النظرة، حتى دمع عينيها قد جف، وظلت صامتة تماماً على ذلك الوضع حتى أشرقت الشمس ولم تُغمض أعينهما.
أخيراً قالت بسيمة: "آثم فين؟"
"سعدية": "بعد اللي حصل لك بأسبوع، اتجوز بنت عمه. وبعد ما خلص الفرح، سمعنا صوت ضرب نار جاي من بيته. لما راحوا أهله يطمنوا عليهم، لقوا مراته ميتة وهو انتحر."
انتفضت بسيمة من أثر الصدمة. ثم طلبت من صديقتها أن تتركها وحدها.
فاستحمَّت وبدَّلت ملابسها، ثم ذهبت لـلواحظ لتطلب منها أن تعمل معها كمولِّدة. ولم تفتح معها أي حوار فيما حدث سابقاً، مما جعل لواحظ تتعجب، لكنها وافقت على كل حال. ثم عادت، وبدأت في ممارسة عملها في البيت، مع الاكتفاء بالرد على أي أحد يكلمها أو يسألها سؤالاً بالتجاهل، أو بابتسامة تُخفي خلفها روحاً معذبة، تحرقها نار الانتقام.
Back
كانت بسيمة تمسك بشاهد قبر نورسين وتبكي بكاءً محمومًا، وهي تقول: "الموت أخذه مني قبل ما أحنِّي إيدي بدمه. عارفة يا نورسين قتل مراته وانتحر ليه؟ علشان عرف إنها مش عذراء، وكمان قالت له إنها على علاقة بواحد غيره وبتحبه، بس أبوها رافضُه علشان فقير، وأن أبوها خلاها تتجوزه علشان هو كلب القرش اللي هيوافق وهيسكت علشان الورث، وإنها بتكرهه وبتقرف منه. وهددته إنه لو ما طلقهاش بعد شهر أو فكر يقول حاجة، هتفضحه وهتقول إنه هو اللي عمل كده في بسيمة هو وقادر، وإنها سمعتهم لما كانوا بيتكلموا مع بعض في الخطوبة. عارفة عمل إيه؟ فضل يخنق فيها لغاية لما روحها طلعت في إيده، ولما ما عرفش يتصرف ضرب نفسه بالرصاص.
شوفتي يا نورسين؟ كلهم كانوا عارفين الظلم اللي وقع عليَّ وعارفين سبب تدمير حياتي وخسارتي لشرفي وأمي وابني قبل لما يشوف النور. بس كله قرر إنه يسكت ويتفرج على المسرحية من بعيد.
بس أنا قُلت لأ، مش هضيَّع الفرصة تاني. أصرَّت بسيمة على أسنانها وقالت: "كل واحد هياخد جزاءه."
"وحكمت على قادر إنه زي ما قتل ابني، يفضل عايش ويشوف كل عياله بيموتوا قدام عينه. عطيات ملهاش ذنب، بس ذنبها الوحيد أنها اتجوزت اللي دمَّر حياتي. كنت بأمسك بـإيدي رقبة كل طفل تولده، ما أسيبهاش غير وروحه طالعة في إيدي. قتل كل ابن من التسعة. عيال قادر كنت بأقتلهم، كان بيطفيء جزء من النار المولعة في روحي. بس ده مش كفاية، لازم الكل ياخد جزاءه. كنت عايزة أعمل كده كمان مع وهدان، اللي شاف الظلم بعينه وسكت عليه. بس أول لما اتجوز، خد مراته ومشى من البيت، حتى ما جابش خدم يخدموها. كان دايماً ما بيفارقش أبوكِ قاسم، كان خايف عليه من كل حاجة، حتى لما كان بيجي في بيت قادر قبل ما ابنه ياكل حاجة كان بياكل قبله. وفي الآخر سافر بلاد الخواجات."
صارت تضحك بهستيريا وسط بكائها: "شكل جدك وهدان كان عارف إني أنا اللي بأقتل عيال أخوه، بس اختار إنه يسكت زي ما عمل زمان."
أخرجت بسيمة لفافة من ملابسها وصارت تفكها، وأخرجت منها خنجراً وقالت: "ده بقى الخنجر اللي كنت هأغرِزه في قلب أبوكِ، بس لما خدني أعيش معاه هنا لقيت إن فُرْجتي عليه وهو بيموت بالبطيء بمرضه أمتع من إني أقتله. بالذات لما عرفت إنك هتيجي. كنت ناوية أقتلك أنت بالخنجر ده. كل يوم كنت بحاول أغرِزه في قلبك، بس حاجة كانت مانعاني. كل يوم أقول لنفسي: خلاص، طفِّي نارك بدم آخر سُلالة الظلمة اللي دمَّروا حياتك. كنت كل لما أحاول أقتلك أحس إني بـاتشلّ في مكاني وما أقدرش. كل لما أشوف ضحكتك أو البراءة في عينك كنت بأكرهك لأنك خلتيني أحبك. بس أنا مش هفضل مستنية لغاية لما الموت ياخدك مني أنت كمان، قبل ما أطفي ناري."
"هنا جه قدامي بدر. اللي بسبب ظلم أهلك ليه، هو كمان بقى مَسخ بلا روح. هو يقدر يعمل اللي ما قدرتش أعمله لسنوات وأنتِ قدامي. قدر يهرب من السجن وهما بيرحَّلوه وجالي وعمل اللي ما قدرتش أعمله."
ثم بكت وصرخت وهي تمسك تراب قبر نورسين وتضعه على رأسها: "بس ليه النار بتاكل روحي أكتر؟ ليه ما ارتحتش وأنا خلاص خدت حقي من كل اللي ظلموني؟" وقالت وهي تصرخ: "رُدِّي عليَّ يا نورسين!"
سمعت خطوات قدم تمشي بتثاقل على الأرض وسمعت صوته. فجففت عينيها من الدموع وقالت: "أنا عرفت ليه النار لسه بتاكل في قلبي. ديَّ نار فقدانك أنت. بس أنا هريحك دلوقتي وآخد حقك."
ثم جرت باتجاه بدر وغرزت الخنجر في قلبه، وظلت تطعنه طعنات متفرقة في كل أنحاء جسده المتهالك، وهي تصرخ بأعلى صوت:
"رجَّعْها لي! رجَّعْ لي نورسين! رجَّعْ لي النور الوحيد اللي كان في حياتي، وأنا نار الانتقام كانت مُعمية عيني ومش شايْفاه!"
صارت تصرخ وتطعنه بهستيريا وهي تقول: "رجَّعْها لي، رجَّعْها لي، رجَّعْها لي!"
وفي تلك اللحظة دخلت جوليا أم نورسين لتجد ذلك المنظر الهستيري المحموم، تلك المرأة العجوز وهي تطعن ذلك الشخص أو الشيء بهستيريا، وتناثر الدماء على شواهد القبور، من بينها قبر ابنتها نورسين. ظلت جوليا تصرخ بأعلى صوتها، فجرت نحوها بسيمة بفستانها الرمادي الذي صُبِغَ بدم بدر، ووجهها الملطخ بالدماء، وفي يدها الخنجر. تسمرت جوليا مكانها وأغمضت عينيها وهي تصرخ، ثم فتحت عينيها على صوت طلقة نارية خرجت من مسدس فرانك زوجها لتستقر في قلب بسيمة ليتوقف قلبها للأبد.
النهاية...
Shemaa Hisham