ولقد رأيتُكَ في منامي ليلةً
فنَسيتُ ما قد كانَ مِن أحزانِ
وحَسِبتُ نومي في حضوركَ يقظةً
حتى أَفَقْتُ على فراقٍ ثانِ
لو كنتُ أعلمُ أن الحُلمَ يجمعُنا..
لأغمضتُ طول الدهرِ أجفاني
نزار قباني
،،،،،،،،،،،،،،،،,,,,,,,,,,،،،،،،
أمام موقد من الطوب، وسط غرفة مصنوعة من الطوب اللبِن وبعض الأحجار الجيرية، تجلس بسيمة مرتدية جلبابها الأسود. أمام الموقد، تُسوّي ديكًا روميًّا، وخليلتها أم فرحة تجلس بجانبها بجلبابها الأصفر الزاهي، تقوم بنزع ريش البط لتعدّه للتسوية. وبجانبهما العديد من القدور النحاسية الكبيرة، يملأ معظمها أنواع مختلفة من الأطعمة الشهية، وفي البعض الآخر ماء مغلي، تقوم أم فرحة بوضع البط المذبوح داخله لتُسهّل على نفسها نزع ريشه وتنظيفه. بعض ماء التنظيف وقع على جلباب أم فرحة، فقالت غاضبة:
يادى الحوسه ده الجلبيه لسه جديده كنت جايبها احضر بيها حنه فرحة معرفش اي ال هفنى في دماغى وخلانى ألبسها النهارده هى كانت عزومه ابويا .
لم تُعقِّب بسيمة، بل اكتفت بالنظر والابتسام لصديقتها وهي تحاول تنظيف جلبابها الأصفر، وكانت غاضبة بشكل مضحك.
نظرت بسيمة للموقد وقالت
بسيمة"
محروسة من العين بنتك بقت بدر منور ربنا يفرحك بيها
"ام فرحة"
شالله تسلمى يا بسيمة ده خلاص ليليه فرحة الكبيرة بعد شهرين .
قالت ام فرحة ذلك ولكن فى قلبها كانت خائفة من العين فهى تشعر بقبضة في قلبها كلما تحدثت عن زواج فرحه ابنتها الكبرى ثم أكملت حديثها عقبال فرحك كده يا بسيمة ثم قالت ام فرحه يقطعنى اوعى تكونى زعلتنى منى.
"بسيمة "
ازعل منك ليه بس يا ام فرحة ده انتى عشرة سنين عمرى
" ام فرحة "
أغمضت عينيها وهى تقول :
آه يا بسيمة فكرتنى بأيام زمان
اتسعت عين بسيمة وهى تنظر لنار الموقد أمامها واحكمت قبضتها على طرف جلبابها وحاولت كبت أنفاسها المتسارعة.
اتسعت عينا بسيمة وهي تنظر لنار الموقد أمامها، وأحكمت قبضتها على طرف ثوبها، وحاولت كبت أنفاسها المتسارعة.
سرعان ما لاحظت أم فرحة ذلك. وضعت أم فرحة يدها على كتف صديقتها وقالت:
بعد العمر ده يا بسيمة لساتك منستيش
ابتلعت بسيمة غُصَّةً مريرة، ولم تُزِح وجهها الذي استحال لونه إلى الحمرة عن الموقد، وحاولت إخراج صوتها من أحبالها الصوتية التي شعرت أنها تجمدت،
ثم تحوَّلت نظرات بسيمة إلى سعدية التي كانت تقف على يسارها واضعةً كفَّها على كتفها.
وما زالت بسيمة مُحكمة قبضتها على طرف ثوبها، ونظرت إلى عين سعدية وقالت: "اِتْدَفَن من زمان يا سعدية، فاهمة!"
اقشعرَّ جسد سعدية من تلك النظرة التي رأتها في عين خليلتها؛ نظرة تكشف عن روح مُعذَّبة في قاع الجحيم يملؤها حُمَمٌ من الغضب. لم تشعر سعدية بنفسها من الصدمة فهزَّت رأسها بالموافقة.
وسرعان ما عادت لما كانت تفعله قبل ذلك، ودموعها تتساقط غصبًا عنها في إناء تنظيف الطيور أمامها؛ فهي لم ترَ تلك النظرة في عين صديقتها من قبل، حتى بعد كل ما حدث لها منذ أكثر من عشرين عامًا وهما في عمر الصبا.
Flash back
تتجمَّع فتيات القرية بجلابيبهنَّ الملوَّنة، مُحكِماتٍ أغطية الرأس على رؤوسهنَّ حول قناة مائية، كل واحدة منهنَّ تحمل بَلاصًا.
( بلاص : هو إناء من الفخار يستخدم في حفظ المياه أو العسل الأسود أو الجبن كان يستخدم قديما في الريف المصرى )
فوق رأسها مملوء بالماء، ويتبادلن الضحكات وحكايات البنات -كما يُطلِقن عليها- التي قد تكون نميمة على فتاة وصلت لسن الثامنة عشرة ولم تتزوج بعد، فأصبحت في مُعتقَدهنَّ عانسًا، أو عن شاب وسيم في القرية، أو عن خبر زواج فتاة أو حَمل فتاة ما. ولكن كانت أكثر الحكايات إثارة بالنسبة لهنَّ هي تلك التي يشوبها القيل والقال، مثل: "فلانة أحبَّت فلانًا"، فتصبح في نظرهنَّ مادة خامًا للهمز واللمز، ويكثر عليها الإشاعات، وتصبح منبوذة تُعامَل كما يُعامَل المهرطق أو الزنديق. لذلك كانت كل فتاة تحذر أن تقع في ذلك الشَّرَك المُغلَّف بالحلوى الذي يُدعى "الحب".
وكان من بين تلك الفتيات فتاتان في العمر نفسه تقريبًا. ولولا أن سكان القرية يعرفون بعضهم جيدًا، لظنَّ الجميع بأنهنَّ أخوات؛ من شدة تعلُّقهنَّ ببعض، حيث كُنَّ تقريبًا لا يُفارِقنَ بعضهنَّ.
ولكن شتان بين طابَع بسيمة تلك السمراء ذات الثياب الملوَّنة بألوان الربيع والمحبة للحياة، التي تنشر المرح والصخب حيثما تطأ قدمها، برغم يُتْمها وعملها هي وأمها في خدمة بيوت الأعيان بعد موت أبيها أثناء عمله في إحدى المَحاجِر، منذ سبعة عشر عامًا، حيث كانت لا تتجاوز الثلاثة أعوام من عمرها
أما سعدية، فهي صديقتها منذ الطفولة، وتصغرها بثلاثة أعوام. هي فتاة رقيقة هادئة، صفاء قلبها كلون عينيها التي تُشبه السماء الصافية.
وبرغم تجلِّي اختلاف طبائعهما، إلّا أن كان بينهما رابط غليظ من الألفة والصداقة المتينة.
في أحد الأيام، وأثناء إحضارهما المياه من القناة كالعادة، لاحظت سعدية سكون صديقتها الصاخبة على غير العادة، حتى أنها لم تشترك في الحديث مع الفتيات أو تستفزَّ إحداهنَّ بكلمة لكي تضحك الباقيات عليها من باب المزاح الحميد. حتى وهما في طريق العودة للبيت، كان السكون هو السائد.
" سعدية"
مش عوايد ام لسان ونص تبقى ساكته كده .
" بسيمة"
لم ترد عليها؛ حيث كانت شاردة الذهن.
وضعت سعدية يديها على كتف صديقتها، واليد الأخرى ممسكة ببلاص المياه الذي تحمله على رأسها، وقالت: "ما لَكِ يا بسيمة؟
توقفت بسيمة فجأة، وأنزلت بَلاص الماء عن رأسها، وضمَّت سعدية بقوة لدرجة أنَّ البَلاص الذي كانت تحمله سعدية وقع من على رأسها وانكسر على الأرض. لكنها لم تهتم، بل أخذت تربت على كتف صديقتها بحنان وقالت:
"ما لَكِ يا قلب أختك؟ أيش اللي يخلي دموعك الغالية تنزل؟ ما لَكِ؟"
لم تُخفِّف عن بسيمة كلمات سعدية، بل زاد بكاء بسيمة وشهقاتها، وهي تقول من بين شهقاتها:
"أنا وحيدة، أنا لوحدي، أنا خائفة، أنا ما ليش حد."
قالت سعدية بحروف متقطعة: "هو.. هو آثم زعَّلَكِ؟"
لم تجد سعدية الإجابة غير ازدياد انهيار صديقتها، فعلِمت أن كلماتها لن تُجدي في هذه الحالة، فظلَّت تربت على كتف صديقتها وهي تضمُّها، حتى بدأت تهدأ بالتدريج بعد نوبة طويلة من البكاء الشديد.
فرشت سعدية شالها على الأرض، وأجلست بسيمة عليه وهي بجانبها، صامتةً تمامًا، تنتظر الفرصة المناسبة للكلام، أو حتى أن تفتح لها صديقتها قلبها وتُخبرها عن ما يُؤلمها، كما يفعلان دائمًا. لكن ظلَّ الصمت هو السائد، مع بعض العَبَرات التي تسقط من عين بسيمة في صمت.
اختارت سعدية أن تكسر هذا الصمت مجددًا، وقالت وهي تنظر لبَلاص الماء المكسور:
فاكره يا بسيمة واحنا صغيرين اول يوم اشوفك فيه كنا بردوا بنملى مياه والبلاص كان تقيل عليا وانا ماشيه اتكعبلت ووقعت بيه واتكسر ، ورجلى اتعورت وانا قعدت اعيط وكنت خايفة لمرات أبويا تضربنى علشان كسرت البلاص .
سعاتها كل البنات ضحكوا على منظرى وكل واحدة كملت طريقا الا انتى وقفتى تشوفينى مالى وسالتنى بعيط ليه قولتك مرات ابويا هتضربى لو رجعتلها من غير المياه وكمان البلاص مكسور .
لقيتك فجأة بتنزلى بلاصك عن رأسك وبتغسلى رجلى مترح الجرح ال فى رجلى وساعدينى انى اقف وسالتنى أسمى ايه قولتك سعديه قعدتى تضحكى وقولتى مش باين يعنى انت كان المفروض تبقى حزنيه .
ساعتها انا استغربت كلامك وافتكرتك بتتريقى عليا فعيط تانى .
قولتلى انا بهزر معاكى متزعليش وسألتينى انا بيتى فين قولتك جنب ارض الحج حافظ بس انا مش قادرة ادوس على رجلى .
خلتينى أسند عليكى ووصلتينى لغاية البيت ولما مرات ابويا شافتنى وزعقتلى وسالتنى اتاخرت كل ده ليه والبلاص فين معرفتش ساعتها ارد وقولت خلاص اكيد هاخد علقه من علق مرات ابويا تانى بس لقيتك انتى ال بتردى عليها وبتقولى انى وقعت على رجلى وانتى جتى توصلنى .
نزلت دمعه على خد سعديه وسألت بسيمة
"فاكرة يا بسيمة؟" قالت: "إيه؟"
دمعت عين بسيمة، وأمسكت بيد صديقتها، فأكملت سعدية قائلةً:
ساعتها قالت لك :
ياريت كانت وقعت على رقبتها واتكسرت وخلصنا منها وكانت هتضربنى وبتقلى ضيعتى البلاص يا وش الغراب ساعتها قولتى ليها لا هى مضيعتهوش ونزلتى البلاص بتاعك واديته ليها وساعتها كدبتى عليها قولتها انك شلتيلى البلاص بتاعى لغايه البيت علشان رجلى اتعورت . ساعتها بصتلك وانا مصدومة. مرات أبويا ساعتها سألتك أنتى مين بقى يا أم نص لسان . قولتليها بل جراءه كان نفسى تبقى عندى زيها أنك بسيمة بنت إعتماد .
إبتسمت بسيمة وقالت لصديقتها :
ساعتها مرات أبوكى الحربايه قالتلى إعتماد ال بتخدم في دار الحج رشدان عرفتك يا مزغوده يالله يا بنت روحى لأمك وبطلى لماضه لأحسن أقول لأمك أنك بتتلكعى في الطريق اخليها تطين عشتك .
ضحكت سعديه وقالت :
يومها أنتى ال اضربتى لما روحتى من غير المياه و أتاخرتي.
" بسيمة"
واحنا من يومها مع بعض .
" سعديه"
علشان همنا واحد انتى وابوكى مات وانا وامى ميته طول عمرنا بنكمل بعض ومبنخبيش حاجه على بعض يابت ده ال يزعلك يزعلنى وطول عمرنا همنا واحد قوليلي بس أي ال همك و واجع قلبك.
نظرت بسيمة للأرض الزراعية الخضراء أمامها و ملئت صدرها بالهواء وقالت بصوت هامس آثم هيخطب بنت عمه الليلة .
" سعديه"
متزعليش مفيش حاجه تستاهل دموعك تنزل عشانها
ربنا هيرزقك بالى من توبنا هو من الاول مكنش ينفعك
" بسيمة بغضب "
مينفعش ، مينفعش انتى مش فاهمه حاجه
" سعديه"
هو إيه ال مش فهماه هو هيتجوز بنت عمه علشان ورثها ميرحش لحد غريب يعنى كلها مصالح
تقوقعت بسيمة على نفسها، وضمَّت جسدها كأنها تريد الاختباء بين أضلاعها، وقالت:
"أنا حامل."
Back
فصلها عن تلك الذكريات المسمومة دخول ابنتها فرحة.
" سعديه"
بت يا فرحة ناديتى على ابوكى علشان ياخد صوانى الاكل للرجاله وله لا
" فرحة" بتلعثم
ايوا ياما قولته
" سعديه"
اومال إيه ال اخرك كل ده والبت جملات فين علشان تساعدنا البت ديه عامله زى الزئبق محدش بيعرف يتلايم عليها شكلك بتوعومى على عومها انتى كمان .
" فرحة"
وحياه سيدى قناوى ابدا ما حصل انا بس كنت بدور على ابويا الدنيا زحمه بره والخلق كلهم اجتمعوا ، جميلات جايه ورايا دلوقتي.
فى أثناء حديثهم كانت بسيمة مازلت تجلس أمام الموقد الحجرى هادئة تمام كما أصبحت عادتها .
وجهت سعديه كلامها لابنتها ، اقومى فزى اقعدى بدل عمتك بسيمة ريحيها شويه.
" فرحه "
عنك يا عمتى بسيمة هسوى بدالك بقيه الاكل .
بسيمة بابتسامة ظاهرية هادئة لا تعبر عما بداخلها
لأ خليكى انتى الجو حر عليكى .
" سعديه"
الله يعنى حر عليها ومش حر عليكى ده أنتى من الصبح قدام الفرن. قومى إحنا نرص الصوانى عقبال شعلان ما يجى ياخدهم ، وفرحه والبت جملات يكملوا تسوية ال فاضل .
يتبع
"دهليز الاغواء"
Shemaa Hisham