دهليز الاغواء
داخل غرفة الخدم ذات الحوائط الطينية والأرض المفروشة بفراء الماعز تقف تلك الفتاة مُمِيلةً خصرها وهى تضع يديها عليه. وآثارُ الدقيق تملأ جلبابها ووجهها. أمام باب الغرفة ذي الخشب الرديء تسترق السمع، فسمعت صوت صديقتها فَرِحةً وهي تقول:
أنا أسفه يا عمده وحياة سيدي القناوي مخت بالى .
اتسعت عينا جملات ونزعت الشال عن رأسها، مما كشف عن شعرها الغجري الأسود وفتحة صدر جلبابها المفتوحة بعض الشيء، التي يزينها كُردان ذهبي. وأخذت تنفض آثار الدقيق عن جلبابها. أمسكت بصينية ووضعت بها بعض الفطائر، وحملتها على رأسها، وأسرعت نحو دهليز السرايا حيث كان صوت صديقتها. خرجت فوجدت صديقتها تُسرع الخُطى نحو غرفة الخبز، وهي ممسكة بطرف شال رأسها كي تحكمه على رأسها.
نظرت لصديقتها وهي تهرول، ثم حولت نظرها للعم فوجدته ينادي بأعلى صوته على غفيريه حسنين، الذي هرول مسرعًا إليه. أخذت تسير بتبختر وهي تحمل صينية الفطائر على سجادة البهو الحمراء التي يزينها صورة لفرس عربي في منتصفها، ورفعت صوتها لتجذب الانتباه وهي تنادي على فرحة، باتجاه حمدان الذي يقف بجانب العمدة. وعندما اقتربت منهم، تظاهرت أنها تعثرت وسقطت على الأرض، فأسرع حمدان وأمسك الصينية منها.
رقّقت من صوتها وتظاهرت بالخجل وقالت: "يقطعى مكنتش أعرف أنك يا سيدي قادر هنا".
وقامت من الأرض وهي ممسكة بجلبابها وتعمدت كشف جزء من ساقيها، متظاهرة أنها لم تقصد، ثم أخذت تنفض جلبابها، ونظرت لقادر بعينيها البندقيتين ورققت من صوتها وقالت:
حمد لله على سلامه قاسم بيه .
( حسنين)
اتجرى يا بت على المطبخ وهى انتى هتتسامرى مع حضره العمده. لم تنظر لحمدان بل إنها لم تزح عينها من أعين العمده وقالت اتسامر ده ايه ، ده احنا خدامين العمده.
فلم يرد قادر، بل ظل ينظر إليها وكأنه ينظر إلى بضاعة رخيصة تُعرض في أحد الأسواق. ظلت جملات مثبتةً عينيها في عيني قادر، وقالت في محاولة ثانية لجذب أطراف الحديث معه:
تأمرنى بحاجة يا عمدة.
إبتلع قادر ريقه قال بصوت أجش:
اتجرى يا بت على المطبخ ومتخرجيش منه .وإياكى أشوفك بره المطبخ تانى لأحسن أخلى الغفر يلبوكى كرباكين يرجعولك عقلك .
" جملات" أمرك يا عمدة .
ثم لحقت بفرحة مسرعة تحت نظرات حسنين المتفحصة، وقلبها يرتجف من الخوف، فهي لا تعلم لِمَ تصرفت بهذه الطريقة مع قادر، وخاصة أنها تعلم مدى تعلقه بـ "عطيات"، زوجته التي ظل متمسكًا بها كل هذه السنوات بالرغم من محاولاتها الفاشلة لإنجاب أولاد لقادر. فبعد مدة زواج تزيد على ثلاثين عامًا، لم يعش لها غير طفل واحد، ومع ذلك لم يفكر حتى بالزواج عليها أو التخلي عنها.
فلم تستطع جملات فهم ما فعلته من حماقة لن تعود عليها بشيء، وقد يؤدي بها للعقاب في النهاية. لكنها ربما تريد أن تكون محط أنظار الجميع، وتصبح حلم كل رجل تقابله.
حتى أنها حاولت مغازلة خطيب صديقتها فرحة، الذي كانت تراه أنه بلا طائل، حيث كان فقيرًا و ليس بالوسيم. لكنه صدها ليس فقط لأنه يحب فرحة لحد العشق، بل لأنه كيف يترك تلك المتحفظة العفيفة ليغازل تلك المارقة المتاحة للجميع!
سأل قادر غفيره حسنين:
مين ديه يا حسنين ؟
رد حسنين وهو يحرّك حاجبيه.
ده جملات بنت لواحظ الدايه .
" العمده"
مش دي يا جلوص الطين ال كانت واقفة مع شعلان.
" حسنين "
اهاااا شعلان الاجرى ال بيشتغل في ارض جنابك ده بنته الكبيرة فرحة خطيبه بدر ابن الجنايني.
" قادر"
كبرت معقولة ده البت الصغيره ال كانت بتجرى في ديل امها فى اديها العسليه ! .
( حسنين )
نظر له نظره ذات مغزى وقال : اهى كبرت وبقت عروسة بنت ١٧ سنه انما ايه على الفرازه يا عمده .
" العمدة"
دَقَّ بعصاه الغليظة التي يتَّكِئُ عليها، وغلَّظَ من صوته وقال، وهو يضع يديه على شاربه الضخم ويَبْرُمُ أطرافه.
كده شعلان معندوش غيرها.
" حسنين"
ازاى يا عمده ده مراته عامله زى الأرنبه معاها ٤ عيال غيرها كرم وأبو العلا ،عبد الله ،والصغير محمد ،والكبيره فرحة.
أزاح قادر نظره بعيدًا عن حسنين، وأخذ يمشي بخطوات بطيئة نحو خارج الدوار، وتبعه حسنين، وقال:
شعلان عنده ٤ ولاد ! حسنين ايوا يا عمده والكبار منهم بيساعدوا ابوهم في الأرض والصغيرين مع امهم في الدار.
ربنا يخليلك عوض الصغير وتخاويه يا عمده .
قادر بنبرة غضب امشى يا جلوص الطين من وشى.
لم يُكثِرْ حسنين من الكلام، وآثر الذهاب في الحال من أمام قادر؛ لأنه أدرك أنه تخطى حدوده بالحديث عن ذريته.
وقف قادر في وسط حديقة بيته الفسيحة، ذات الأشجار العالية الخضراء، التي تَخْلُو من أي نوع من الزهور أو الثمار، وأحكمَ قبضته على عصاه، وقد تحول وجهه إلى اللون الأحمر. ثم نظر نحو نافذة غرفة عبد الجليل، ولده الوحيد، وقد شعر بغصة في قلبه؛ حيث إنه بالرغم من كبر سنه وطول فترة زواجه، لم يَعِشْ له ابن أو ابنة، إذ كانت تَخطفهم المَنيّة فور ولادتهم، ما عدا عبد الجليل ابنه الذي رُزِق به منذ عامين.
وبالرغم من حب قادر الكبير لعبد الجليل، واعتباره أمله الوحيد في أن يصبح أبًا، خاصة بعد أن أخبره الحكماء (الأطباء) باستحالة قدرة زوجته على الإنجاب مرة أخرى نظرًا لكبر سنها، فكان قادر يشعر بغصة في قلبه؛ لأنه يرغب بالمزيد من الأولاد ليكونوا عِزوةً له.
أكمل قادر طريقه إلى مجلس الرجال، وهو يخفي تلك الغصة المريرة في صدره، وعلى وجهه نظرة شموخ لا تُغادرُهُ كأشجار حديقته.
"فى غرفة الطبخ"
لحقت جملات بفرحة، فوجدتها تجلس أمام الفرن الطيني تُكمل تسوية الطعام، وبسيمة وأم فرحة تقومان بِرَصِّ صواني الطعام.
" أم فرحه" ما بدرى يا جملات
" جملات " كنت بودى الفطير لحسنين
" قالت أم فرحه بتهكم " لا يا حبيبتي بتتعبى بتودى الفطير قبل لما بيقيه الصوانى تجهز ! روحى كملى تسوية الاكل مع فرحه لما نشوف امك اتاخرت ليه هى كمان . قطع كلامها صوت ام جملات وهى تقول اهى امها جت . والله ليكى وحشه يا سعديه .
" ام فرحه"
طول عمرك اونطجيه ايه ال اخرك كده يا وليه .
" ام جملات" اعمل ايه من ساعه لما بسيمه بطلت تساعدنى الشغل كتر عليا ده بسيمه ديه هى ال حضرت معايا كل ولادات مرات العمده ونص ستات البلد معرفش بس ايه ال خالها تبطل تساعدنى .
ردت بسيمه وعلى ووجهها ابتسامتها المعتادة شكلك بس انتى ال كبرتى ومبقتيش حمل الشغل يا لواحظ .
"لواحظ " فاشر ده ال يشفنى يفتكرنى أخت جملات مش أمها.
ضحكت سعديه طيب أبقى حنى شعرك يا ختى لأحسن الشيب بدأ يظهر . رفعت ام جملات حاجبها وقالت : حال من بعضه يا حبيبتي.
ثم نظرت إلى بسيمه وقالت :
متفكرى ترجعى تساعديني في الشغل تانى يا بسيمة أنا خايفه ال حصل في ولادة إبن العمده عبد الجليل يحصل تانى ده الواد كان يتخنق لولا أنك لحقتيه . زاغت عين بسيمه وهى تتذكر ذلك اليوم .
Flash back
قبل عامين
في مساء ليلة، علت صرخات ملأت سرايا قادر، وجميع الخدم يجرون في كل مكان. في أيدي بعضهم أطباق كبيرة من الماء الساخن، والآخرون يجرون ليتحققوا من وصول الداية. ومن داخل الغرفة التي تصدر منها صوت الصرخات، كانت تقف بسيمة تحاول إسعاف عطيات زوجة قادر التي تلد، ويبدو أن ولادتها متعسرة على غير المرات السابقة، نظرًا لكبر سنها. وحولها اثنتان من الخدم لمساعدتها.
كانت عطيات تتصبب عرقًا، وصوت صرخاتها يملأ البيت، حتى أن قادر الذي ينتظر في الطابق السفلي اعتقد أن زوجته لن تنجو، ورغم أنه كان يظهر قلقه على زوجته، فإنه كان يعلم في قرارة نفسه أنه يريد أن ينجو ابنه الذي في أحشائها بأي ثمن.
وصلت لواحظ (الداية)، وأسرعت نحو الطابق الثاني حيث توجد عطيات، وهي تضحك وتقول:
اطمئن يا عمده خير بإذن الله اهى كلها ربع ساعة وانزلك بولى العهد .
" قادر "
همى بسرعه وهيبقى ليكى حلاوة كبيرة .
وما أن وصلت ورأت حاله عطيات حتى زالت الإبتسامة عن وجهها
وقالت :
استر يارب سعدينى يا بسيمة .
وبعد ساعة، تبدلت صرخات عطيات إلى بكاء المولود.
تركت لواحظ المولود لبسيمة لكي تُنظفه حسب المعتاد، ونزلت مسرعة إلى قادر لكي تبشره بأن زوجته قد وضعت الطفل بسلام وأنه بصحة جيدة.
تهلَّل وجه قادر، وأدخل يده في جيب جلبابه، وأعطاها رزمة كبيرة من المال، حتى أنها لم تصدق عينيها، وقال:
لها همى هاتى ليا الواد
و في هذه الأثناء، كانت تقف بسيمة أمام سرير عطيات التي كانت في حالة أشبه بفقدان الوعي، وهي تَقْطُرُ عرقًا، وبشَفَاهٍ بيضاء أَثَرَ النزيف الذي حدث لها أثناء الولادة، وكَفُّها يرتعش، تُجاهِدُ نفسها لتفتح عينيها لترى ابنها، وتقول لبسيمة بصوت متقطع: "بسيمة، هو عايش؟"
نظرت بسيمة للطفل الذي تحمله بين يديها، ثم نظرت لعطيات بتعبير وجه فارغ: "لا تقلقي يا ست عطيات، عايش."
عطيات، وهي تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تفقد الوعي:
مدخليش حد الاوضه خلى بالك منه يا بسيمة ثم نظرت للقمر الذى كان يظهر من ستار شرفتها وقالت أبنى زى قمر النهارده عوض ليا يا بسيمة.
هو عايش صح عايش؟
ظلت تردد كلماتها حتى غابت عن الوعى كلينا .
أمسكت بسيمة بقطعة قماش، ونظرت للطفل وعيناها غمرتهما الدموع.
فتحت لواحظ باب الغرفة.
وقفت مصدومة، وهي ترى المولود مغمض عينيه، ساكنًا في يد بسيمة، وهي مُمْسِكةٌ بقطعة القماش، فقالت:
نهار أسود الواد قاطع النفس بسيمة انتى بتعملي ايه
فظلت بسيمة تضرب على ظهر المولود، وهي واضعةٌ قطعة القماش تحت فمه حتى بكى.
ثم نظرت للواحظ وقالت:
كان شارب ميه من بطن أمه كان هيتخنق .
أخذت لواحظ المولود من بسيمة وهى تقول : الحمدلله الحمد لله
ده كان ممكن العمده يقتلنا وراه أنا هاخده للعمده و أنتى خلى بالك من الست عطيات .
خلى بالك العمده محرج على أى حد يدخل على الست عطيات أو يمسك الواد .
وقفت بسيمة وهي تنظر لقطعة القماش التي في يديها، وبكت بحرقة، بكاءً صامتًا، ووضعتها على قلبها، وباليد الأخرى أمسكت بطنها، وجلست في الأرض مُكَوْرَةً جسدها.
Back
أعدها من ذكريات ذلك اليوم صوت لواحظ وهى تقول ايه ده
بسيمه مالك ايه الدموع ديه انتى بتعيطى .
" بسيمه"
تداركت بسيمة الموقف سريعًا، ومسحت دموعها بطرف شالها، وقالت بنبرة تحاول أن تكون هادئة:
ده عينى وجعتنى من دخان الفرن طول النهار .
انا هخرج اغسل وشى وارجعلكوا .
" سعديه "
ما انا قولتك هتتعبى واستريحى شويه دايما كده تعبه نفسك يا بسيمة
" بسيمه"
متقلقيش انتى انا هخرج اشم شويه هوى واغسل وشوى وابقى زى الفل ثم غادرت الغرفة..
فى مجلس النساء
مع نسمات غروب الشمس، وسط تجمع كبير يضم نساء أعيان القرية وبناتهم، تتعالى الضحكات في الطابق الأول من بيت قادر. تجلس عطيات وهي تحمل ابنها الصغير الهزيل في حجرها، وهي تتبادل مع السيدات أطراف الحديث وتسألهن عن حياتهن، وتُبدي إعجابها ببعض الفتيات، التي كانت تخطط لأن تُزوِّجَ إحداهن لقاسم، ابن أخي زوجها، حيث كانت تراه كابن لها. وتتمنى هي وقادر أن يتزوج بإحدى بنات القرية ويستقر معهم، ولا يعود لإنجلترا مرة أخرى، ليعتني بأرضه وأرض عمه، حيث إن قادر قد كبر ولم يعد يستطيع أن يراعي أشغاله وحده، وابنها عبد الجليل ما زال صغيرًا يبلغ عامين من عمره.
لذلك قررت أن تقيم هذا التجمع بُغية أن تختار له عروسًا من بينهم.
" عطيات"
وأنتى ازيك بقى يا ام فردوس عاش من شافك بقالك كتير مختفية.
" ام فردوس"
وانا اقدر اتاخر عن ست مرات العمده ، انا بس مشغوله مع البيت والعيال .
" عطيات "
أما فردوس بنتك فين زمانها كبرت الا هى بقت عندها كام سنه
" ام فردوس"
ايوا كبرت ده بقت عروسه بنت ١٥ سنه .
بت يا فردوس تعالى سلمى على خالتك عطيات .
" فردوس " عامله ايه يا خالتى ؟
" عطيات " الله اكبر بقيتى زى البدر .
" ام فردوس بتفاخر " والله يا عطيات الخطاب مبيبطلش خبط على بابنا بس احنا بنقول لا يوم ما نجوزها يبقى لازم واحد الكل يتحاكى عنه
قالت ذلك وهي تنظر إلى فردوس، ثم نظرت إلى عطيات نظرة ذات مغزى، فهي ومعظم السيدات في المجلس كنّ يعلمن سر هذا التجمع، وإن لم يُفصِح أحد صراحةً.
ابتسمت عطيات وهي قد علمت ما ترمي إليه أم فردوس، وقالت:
و فردوس تستاهل ربنا يقدم ال فيه الخير بعد اذنكوا بقى يا جماعة هقوم أنيم عبد الجليل فى اوضته لأحسن ياخد لطشه برد.
فقالوا لها : اذنك معاكى يا حبيبتى
فقالت ام فردوس مجاملة ربنا يخليهولك ياحبيبتي وتخاويه .
حملت عطيات ابنها ومشت وهي تنظر إليه وتقول:
"ربنا يحفظه، وأشوفه يكبر وأزوجه. ده ثمرة صبري يا أم فردوس."
صعدت عطيات إلى غرفتها ووضعت ابنها على السرير وقبَّلت جبينه، ثم نادت على صابرين الخادمة، فأسرعت الخادمة تلبّي نداء عطيات.
" صابرين "أمرك يا ست عطيات
" عطيات "
سيدك عوض نايم تقعدى جنبه اوعى تتحركى من مكانك وله تدخلى حد عليه انا هنزل لمجلس الحريم شوية وهجيلك على طول.
" صابرين " أمرك يا ستى
"بعد ساعة"
" فى ردهه الطابق الثاني أمام غرفة عطيات "
" صابرين " يا عمه بسيمة يا عمه
" بسيمة"
مالك يا بت يا صابرين مش على بعضك ليه
والنبي يا عمه بسيمة خليكى جنب سيدى عوض لغاية لما أنادى الست عطيات علشان سيدى عبد الجليل سخن مولع.
نظرت إليها بسيمة بقلق وقالت:
روحى بسرعه متقلقيش أنا هقعد جنبه .
فى أثناء حديثهم وجدوا عطيات أمامهم وقالت: صابرين أيه ال وقفك بره وخلاكى تسبى سيدك عوض لوحده ده أنا هقطع خبرك .
" صابرين "
والله ياستى ده أنا كنت لسه هنزلك علشان سيدى عبد الجليل سخن وشكله كده عنده حمى وكنت هخلى بسيمة تقعد مكانى لغايه لما اجيبك .
" عطيات "
يالهوى أبنى ماله .
أسرعت عطيات نحو طفلها الذي يرقد على ذلك السرير النحاسي بجسده الهزيل، محمرَّ الوجنتين، فاتحَ فاه. صرخت عطيات وقالت:
أنتى يا وش الغراب عملتى أيه فى أبنى أنا كنت سيباه معاكى زى الفل .
"صابرين "
والله يا ستى ماعملت انا كنت جنبه فجأة لقيت وشه محمر قلت اجسه لقيته محموم.
" عطيات"
وقد غزت الدموع وجهها متسلله بين تجاعيده
انتى عارفه لو حصل لابنى حاجه مش هخلى هيطلع عليكى نهار .
"صابرين
وقد ارتجفت أوصالها من الخوف "
والله يا ستى ماعملت حاجه انا كنت جيالك .
" عطيات"
اخرسى أجرى هاتى مايه اعمله كمدات .
جريت صابرين مسرعه لتجلب بعض الماء فصتدمت بزواجها حسنين.
" حسنين"
مالك يابت بتجرى كان لدغك حنش كده . فوجدها تبكى
ما تنطقى يا بت ايه ال حصل .
" صابرين"
ابعد عنى دلوقتي يا حسنين ابن العمده جاتله حمى وست عطيات فكرانى انا السبب ولو حصله حاجه مش بعيد يدفوننا أنا وأنت صاحين .
" حسنين" يا خبر اسود
لم تنتظر صابرين أن يكمل حسنين كلامه، بل أسرعت لتجلب المياه وأعطتها إلى عطيات. وما إن فعلت حتى صرخت بها عطيات أن تخرج من الغرفة.
سمعت عطيات صوتاً ضعيفاً يصدر من فم ابنها الصغير يقول:
"ماما متنسيش علشان العو هياكلنى لو بعدتى عنى وهطلع فوق فى السماء ومش هشوفك تانى بس انا بحبك يا ماما ومش عايز اسيبك .
أنا خايف يا ماما أبعدى عنى العو" .
تحجرت الدموع في عيني عطيات، فاندفعت وأخذت ابنها في حضنها،
وهي تقول بقلب أم مكلومة:
متخفش يا عمر أمك مفيش حد هيقدر ياخدك من حضنى أنت هتفضل فى حضن ماما لغايه آخر نفس فيا .
أمسكت الكمادات بيد مرتجفة ووضعتها على رأسه الصغير
وهى تردد فى هلع
أنت هتعيش
هتعيش يا حته من قلبى ،
هتعيش .
نظرت صابرين إلى ذلك المشهد حتى كاد دمعها يسيل، لكنها كانت لا تعلم سبب بكائها؛ هل تبكي على ذلك الملاك الذي قد تخطفه المنية من بين أحضان أمه، أم تبكي خوفاً على نفسها.
همست صابرين من بين دموعها: "سأطلب من حسنين أن يذهب إلى الحكيم."
لم ترد عطيات وظلت محتضِنةً ابنها، وتضع على رأسه وجسده الكمادات، وتتضرع إلى الله أن ينقذه في همسات متتالية.
انصرفت صابرين بهدوء. كانت تتابع ذلك بَسيمة من بعيد.
وبعد مُضيِّ أكثر من منتصف الليل، شعرت عطيات أن درجة حرارة طفلها قد بدأت تنخفض إلى حد معقول، فبدأت تُقبِّل يديه وجبهته، وتضمه في حضنها، وبدأت تطمئن.
يُفتح باب الغرفة ببطء، فتدخل بَسيمة، وفي يدها قارورة، مع أصوات جلسة الذكر التي يقوم بها العمدة وضيوفه من الأعيان.
تقدمت بَسيمة نحو السرير وهي صامتة.
نظرت إليها عطيات وعلامات التعب بادية على وجهها، وقالت:
بسيمة فين الحكيم ؟
" بسيمة"
عنده شغل كتير ومقدرش يجى هيجى الصبح بدرى .
مدَّت إليها زجاجة الدواء وهي ترسم على وجهها ابتسامة برغم ملامح وجهها الجامدة، وقالت: "لا تقلقي، خذي أعطيه الدواء بيدك. سيرتاح بحلول الصباح."
أخذت عطيات الدواء بسرعة من يد بسيمة، وأعطته لابنها وهي تربت عليه بحنان، واتسعت البسمة على وجه بسيمة.
استدارت بسيمة ناحية الباب بعد أن أعادت إليها عطيات زجاجة الدواء.
وقالت وهي مغادرة:
الذنب مش ذنبك يا عطيات وأغلقت الباب .
أغمضت عطيات عينيها أخيرًا، لتنام بجانب ابنها الذي انخفضت حرارته بشكل ملحوظ، فطبعت قُبلة على جبينه، ونامت وهو في حضنها.
على ذلك السلم الرخامي الضخم، تنزل بسيمة ببطء وهي تنظر إلى الجدران المعلق عليها صور عائلة قادر، وكأنها المرة الأولى التي تراهم فيها. حيث إنَّ المنية أخذت معظمهم، فلم يبقَ إلا قادر وابن أخيه قاسم. الذي أخذه أبوه منذ ولادته، وغادر السرايا ليعيش هو وابنه بعيدًا عن سرايا العائلة بعد وفاة زوجة وهدان أثناء ولادة ابنها قاسم.
كانت صور العائلة مُعلَّقة على جوانب ذلك السلم، كانت تنظر إليهم بتدقيق، وعلى وجهها مرسومة ابتسامةُ رضا، حتى وصلت آخر سُلمة ووقفت تنظر إلى صورة قاسم، مع اختفاء تلك البسمة، وحتى لمعة الدمع في عينها لتتحول إلى نظرة متجمدة تكشف عن روح خاوية من الحياة.
سمعت صوت صابرين الذي اختلط بصوت التواشيح من جلسة الذكر وهي تقول: "عمَّتي بَسيمة، لقد قرب الفجر على الطلوع، والعمدة سيُنهي جلسة الذكر، والناس سيصلون الفجر ثم ينصرفون. هل تريدين مني شيئًا آخر؟"
ثم لاحظت صابرين أن بسيمة لا ترد عليها أو حتى تنظر إليها فقالت:
مالك يا عمتى وقفه كده ليه انتى تعبانه؟
طيب أعطيتى ستى عطيات الدوا وله لسه ؟
والبنى تكونى قولتلها كلمتين كويسين في حقى وأنى مليش ذنب فى تعب سيدى عبد الجليل أنا عارفه أن ليكى دلال عليها وأنكم صحاب من زمان .
أدارت بسيمة وجهها إلى صابرين وقالت:
"أنا قلت لكِ إنني سأنهي الموضوع."
ثم تركت صابرين وذهبت في اتجاه الباب الكبير المؤدي إلى مجلس الرجال.
وربّتت على كتف صابرين، وهي تنظر إلى الباب الذي كان خلف صابرين، وقالت:
متقلقيش الذنب مش ذنبك .
روحى كملى شغل ، وأنا لو أحتاجوا حاجة هعملها أنا متدخليش عليهم سبيهم يرتاحوا .
اقشعر جسد صابرين، فهي لم ترَ هذه النظرة أو حتى بَسيمة في هذه الحالة من قبل.
بعد انصراف الناس من صلاة الفجر، جلس قادر مع ابن أخيه قاسم، وقال له وهو ممسكًا عصاه ويضرب بها على الأرض، ويبرم أطراف شاربه الضخم، والابتسامة العريضة تملأ وجهه.
أظن يا ولدى بكفياك غربه لغاية كده أرجع أمسك أملاكنا وخلى بالك من مصالحنا عمك كبر ومحتاجك جنبه .
حاول قاسم أن يرد على عمه لاكن قام بمقاطعة قائلا: اسكت يا ولدى هتقطاعنى فى كلامى كمان واضح أن بلاد الغربة نستك تحترم عمك .
أنا وعمتك عطيات اخترنلك بت من خيره البنات علشان تتجاوزها عندها ١٥ سنه اهى تربيها على إيدك وتجيب لعمك عيال يملو عليه السرايا ويبقوا أخوات وسند لعبد الجليل . ايه رايك بقى يا ولدى تحب نعملك فرحك امتى ؟.
قال قاسم : بس أنا مستحيل اتجوز من طفله عندها ١٥ سنه وله حتى من أكبر منها .
عمى أنا متجوز ومعايا بنت قريبه منها في السن .
كان قاسم يتحدث مع عمه وهو يسعل باستمرار، والتعب بادٍ على ملامحه.
كانت في هذه الأثناء تقف بسيمة تراقب من بعيد، فلاحظها قادر، فقال:
تعالى يا بسيمة اعملي لينا شاى تقيل علشان دماغى بتدق فيها شواكيش من كلام الواد ده .
أبتسم قاسم وقال:
متنسيش تجيبى الكيك ال كنتى بتعمليه ليه وأنا صغير.
إبتسمت بسيمة وقالت:
من عيونى وذهبت لتعد ما طلبوا .
" قادر موجها كلامه لقاسم "
أتجوزت من ورانا كمان وهما فين بنتك ومراتك ديه ! مجبتهمش معاك ليه ؟
" قاسم "
جوليا مراتى و نورسين بنتي فى إنجلترا أنا نزلت لوحدى
بس أكيد هينزلوا مصر قريب .
قاطعه قادر وقال أخرس أنت أتجوزت خواجيه عا**ره وكمان جبت منها بنت .
أبوك وهدان لو كان سمع إلا أنت بتقوله ده كان دفنك بالحيا .
بص يا واد أنت.
أنت هتطلقها وترجع تعيش هنا وسط أهلك واختارلك
أنا ال تليق بعائلتنا وتصون شرفنا .
" قاسم " عمى أنا بحترمك وبعتبرك أبويا لكن عمرى ما هسمح ليك
أنك تقول الكلام ده على مراتى وبنتى .
أنا كونت عائلة وعمرى ما هتخلى عنهم بعد أذنك يا عمى أنا مضتر أمشى دلوقتي وبإذن الله أول لما يوصلوا مصر هجبهم بنفسى علشان تتعرف عليهم .
ثم ذهب في اتجاه السرايا ليُعدَّ حقائبه، وترك قادر مصدومًا ويغلي كالبركان مما سمعه منه، وغير مصدق كيف تجرأ في الكلام معه، وهو قادر العمدة صاحب الكلمة النافذة على الجميع، الذي لا يقدر أحد على معارضته في شيء.
وكان ذلك يحدث تحت أنظار بسيمة التي ذهبت لتُعدَّ مع قاسم الحقائب وهي تذكره بذكريات طفولته عندما كان يجلبه أبوه لسرايا العائلة ولعبها معه وشقاوته وحبه للمعجنات التي كانت تصنعها له، وعيناها تلمعان بالدمع.
كما أنها أصرت على مساعدته في حمل الحقائب لتوديعه.
أعدَّ قاسم حقائبه، وما كاد يخرج من باب السرايا،
حتى سمع صوت عمه الأجش وهو يقول:
عندك يا قاسم لو خرجت من بابا البيت ورجعت للخوجايه تانى عمرك ما هتدخله تانى وهبقى برىء منك
ولكزه بعصاه الغليظة في صدره وقال ليستعطفه ويذكره أنه دائمًا كان يراه كالابن له:
"وسأعتبر أنَّ ابني الكبير مات."
أمسك قاسم الحقائب من يد بسيمة وقال:
اسف يا عمى انا اخترت طريقى ومن حقى اختار الحياة ال تريحنى
وهمَّ بالمغادرة، ثم نظر إلى عمه وهو يحاول السيطرة على سعاله، وقال:
هستإذنك أنى هاخد بسيمة معايا .
صدمت بسيمة مما تسمع
فنظر إليهم قادر وقال ال بيخرج من البيت ده مبيرجعش وأنت عصيت يا قاسم ثم رفع رأسه بشموخ وأستدار وأمر بغلق بوابه السرايا في وجه قاسم وبسيمه.
" فقال قاسم بعد غلق بوابه البيت "
حتى لو قسيت ، إبنك الكبير هيفضل يحبك يا عمى .
تسمَّر قادر في مكانه، ورأسه مرفوع بشموخ، وأحكم قبضته على عصاه وقال بصوت منخفض، وهو يشعر بغُصّة في قلبه الذي ظن أنه متحجر: "أنت الذي عصيت يا ابن وهدان! وقادر مستحيل أن يتراجع عن كلمة قالها." ثم طرَق بعصاه على الأرض، واتجه نحو البيت.
وضع قاسم الحقائب داخل العربة التي تجرها الأحصنة، وركب وبجانبه بَسيمة، وأمر السائق أن يتحرك. بعد أن ابتعدوا عن سرايا قادر بمسافة ليست بالبعيدة، دخل قاسم في نوبة سعال حتى إنَّ منديله الذي كان يضعه على فمه تلطخ بالدماء إثر سعاله.
فقالت بَسيمة: "سيدي قاسم، أنت..."
فقاطعها قاسم وقال وهو يغمض عينيه ليغفو قليلًا:
أنا عندى بنت صغيرة متأكد أنها هتعشق معجناتك يا بسيمة
فبرقت عينا بَسيمة وهي تسأله عن اسمها فقال:
"اسمها نورسين."
وغفا قاسم.
وجاء إلى مسامعها صوت صراخ يكاد يُسمَع، فابتسمت وهي تنظر إلى الطريق من شباك العربة، وقالت بهمس: "نورسين."
في أثناء ذلك،
كان قادر يتجه إلى السرايا، فسمع صوت صراخ يهز جدران القصر.
فأسرع يجري هو والغفراء، وأخذ يصعد الدرج إلى غرفة زوجته وابنه ليرى الصراخ يملأ المكان، والخدم متجمعون في الغرفة. وما إن دخل حتى وجد زوجته عطيات مُمزَّقة ملابسها، وهي تلطم وجهها بهيستيريا، وهي محتضِنةً ابنها عبد الجليل وتصرخ. لم تقو قدماه على حمله، فسقط على ركبتيه، واستند على عصاه. فأمسكه حسنين الغفير من يده قبل أن يسقط كليًّا على الأرض وقال: "قوِّ عزيمتك يا عمدة... يتبع."
*هل تعتقدون أن موت الطفل عبد الجليل كان طبيعيًا أم لأحد يدٌ في موته؟
*وإن كان موته غير طبيعي، فلماذا يفعل أحد ذلك بطفل لم يتعدَّ العامين من عمره؟
شاركوني توقعاتكم.
ما زال هناك الكثير من الأسرار التي سوف تُكشف مع أطوار القصة.
Shemaa Hisham