"أن العشق كالنار الأبدية لا يخمد لهيبة إلا بلقاء الحبيب "
تحت أشعة الشمس، وسط الحقول الخضراء، ورائحة الزرع تملأ الهواء، كانت نسمات الهواء تداعب شعرها الأسود الحريري وهي تغطي وجهها خجلاً بشالها ذي اللون المخملي.
عندما رأته يقترب منها حتى وقف أمامها، التقت أعين العاشقين.
ظل واقفًا أمامها للحظات يتأمل عينيها السوداوين الناعستين، ثم شرعت في المشي، فتبعها وسط الحقول.
بالرغم من عدم إمساكهما بأيدي بعضهما احترامًا للعادات، إلا أن قلوبهما كانت ملتحمة ببعض، يتجلى حبهما الطاهر من نظراتهما.
وقفت تحت شجرة توت ونظرت إليه وقالت:
انا عايزه توت يا بدر .
" بدر"
ضحكت فرحة ضحكة واسعة جعلت الغمازة التي تزين جانب وجهها الأيمن تظهر بوضوح.
نظر إليها بدر وهو معلَّق في الغصن، وقال:
أنا عندى إستعداد اطلعلك ٤٠ شجرة توت كل يوم لو هشوف الضحكه ديه.
لم يكمل جملته فانكسر الغصن الذي كان يقف فوقه، وسقط في قناة ماء صغيرة بجانب الشجرة وهو ما يزال ممسكًا بطرف جلبابه بيد، وبالأخرى يمسك بعض التوت، وسقطت عمامته في المياه.
ضحكت فرحة ضحكة عالية على منظره المضحك وصارت تُداري فمها بشالها المخملي.
خرج بدر من قناة المياه وهو مُلطَّخ بالوحل، ورشَّ المياه من القناة على فرحة وهو يضحك، ثم أمسك ببعض الوحل واقترب منها فجرت، فقال: "هنشوف مين اللي هيضحك دلوقتي يا فرحة".
تركها تجري وتظاهر أنه لا يستطيع اللحاق بها،
ثم وقف متظاهرًا أنه يلتقط أنفاسه.
وقال : خلاص انت تكسبى .
وقفت وامسكت بطرف شالها وتمايلت بتبختر وقالت وشعور الانتصار مسيطر عليها انا محدش يقدر يغلبنى .
غسل بدر يديه فى القناة وحاول تنظيف ملابسه ثم نظر إليها وقال كلها شهر وهتبقى في بيتى يا فرحة ساعتها هتهربى منى فين ،ثم ظل يضحك وهو يرى وجنتيها تكسوهما حمرة الخجل.
ضيَّقت ما بين حاجبيها ووضعت الشال على وجهها وهمَّت بالرحيل غاضبة. انزلقت قدمها فأمسك بها بدر قبل أن تقع. نظرت إليه شزرًا وهي محمرة الوجنتين، وقالت بحروف متقطعة من الخجل بسبب اقترابه:
منها اختشى وبعد يدك عنى انا لسه مبقتش على زمتك .
نظر لها بدر و تركها فوقعت فثنى جسده باتجاه فرحة واقترب منها ثم انفجر ضاحكاً وقال:
تستهالى كده نبقى خالصين.
نهضت وهى تنفض الغبار عن جلبابها الأسود .
بقى كده ماشى يا بدر انا همشى ،
ثم لفت نظرها جرح فى رأس بدر يبدو عميقا، لم تلاحظه من البداية لأنه كان يخفيه تحت عمامته فتحولت نظرات الغضب في عينيها إلى خوف وقلق عليه.
وقالت ايه الجرح ال فى رأسك ده اي ال حصل !
لم ينظر بدر فى عينيها بل أتجه نحو قناة الماء والتقط العمامة وقام بلف رأسه وهو يقول: "عادي
اتكعبلت وانا شايل شوال الدقيق راسى اتجرحت" .
أقتربت فرحة من بدر وقالت سلامتك يا روح الروح.
أي بس ال وداك المحطن النهارده .
ده حتى البلد كلها أجازه.
"بدر"
خلاص يا فرحة أنتى مكبره الموضوع ده جرح صغير وكمان القرشين ال جم من الشغلانه ده احسن من قلتهم، أنتى عارفة أننا محتاجين الفلوس دي .
"فرحة"
خلى بالك من نفسك يا بدر قولتك الف مرة متجيش على نفسك أنت أهم عندى من أى حاجة في الدنيا . " بدر"
لأجل عيونك السوده النعسانه دى عندى إستعداد أشتغل ليل مع نهار .
وأنا عند وعدى جهزتلك قوده في بيت أبويا جاهزه من مجميعه وهفرشهالك فرش متفرش لأى واحدة في البلد .
قال ذلك ونظرات الشوق والحزن يمتزجان في عينه وكأنه يحمل حمل ثقيل يريد أن يخفيه .
"فرحة "
أنت بس ال تهمنى يا بدر أنا مش عايزه من الدنيا غير أننا نتلم في بيت واحد ،ونفضل مع بعض طول العمر حتى لو هنام على حصيرة.
" بدر "
عارفة يا فرحة القلب أنك حياتي كلها .
ده أنا مربيكى على أيدى من أول يوم ما أمى الله يرحمها جبتك عندنا الدار ،تاخد بالها منك علشان أمك كانت تعبانة وجتلها حمه النفاس بعد ما ولدتك وأنا كل سنه ورا التانية بحبك اكتر وبقيت بحس أن أهلك هما أهلى ياما أبوكى وأبويا قسموا اللقمه مع بعض في الأيام الصعبه.
وحتى بعد موت أمى فى الفره ( الفره : مصطلح يطلق على الأوبئة المميتة ) وقراط الأرض ال حلتنا بار وأبويا خسر ال وراه وال قدامه.
أبوكى هو ال اتوسط لسيدى قادر علشان يشغله عنده.
و أنا لما حسيت أن الدنيا أسودت في وشى أنت ال كنتى مصبرانى
" يا فرحتي الوحيده
أنا علشانك أعمل أى حاجة
لو طلبتى قلبى ال بينبض باسمك هشق صدرى و أدهولك على طبق من فضة" .
دمعت عين فرحة وقالت
أنا بحبك يا بدر .
" بدر "
وأنا بعشقك يا فرحة القلب.
"فرحة "
أحكمت شالها على رأسها وقالت : أنا لازم أمشى دلوقتي
أتاخرت على أمى أنا هروح أساعدها .
ما أنت عارف النهارده العمده عامل وليمه لأهل البلد كلهم علشان إبن أخوه حمدان الله يرحمه رجع من بلاد الخواجات .
"بدر "
خلى بالك على نفسك يا فرحة والشال ميتشلش من على رأسك.
"فرحه"
كانك بتغير عليا يا بدر قالتها وهى تخفى وجهها بشالها المخملي .
"بدر "
أنا بغير ليبان ضلك لغيرى يا فرحه أنا أهد الدنيا لأجل عيونك .
أول لما تبقى فى بيتى أنا عايزك متخرجيش منه ابدا هخليكى زى الهوانم وكل طلباتك اجبهالك أنا . ضحكت فرحة وقالت هوانم كده مره واحده لا ده أنا أمشى بقى لأحسن أبويا يكسر دماغى لو اتاخرت اكتر من كده.
" بدر "
إستنى اوصلك أنتى نسيتي أن دارنا في جنينه بيت العمده وله أي
"فرحه "
لا لأحسن حد من اخواتى يشوفنا أنا هروح لوحدى "بدر "
بكره أتجوزك ومحدش يقدر يقولنا حاجه يا فرحتى.
ضحكت فرحه وجرت وهى تقوله أن شاء الله يا بدر .
وغادرت وهى تضحك بعد أن رفضت أن يوصلها.
( العادات كانت تحرم عليهم لقائهم العفيف بالغرم أن موعد زفافهم قد أقترب. تتميز القرى بالتحفظ الشديد مع سرعة نقل الأخبار)
فى الطريق لبيت قادر
تمشي تلك الغادة الحسناء ممشوقة القوام بملسها الفضفاض، مُحكِمة شالها المخملي على رأسها.
( الملس: لبساس تقليدى يرتديه النساء في صعيد مصر حتى الآن)
اقترب منها شاب قوي البنية، حسن الملامح، ذو ملابس مهندمة، يركب حصانًا، وسار وراءها.
قال: بقى الوش ال زى القمر فى ليلة كاملة ده مش ناوى يحن عليا بنظرة.
لم تنظر إليه فرحة وقالت له :
اختشى على دمك يا حيضر بدل ما أقول لبدر وهو هيعرف يوقفك عند حدك .
وتعالت ضحكته وقال :
بدر ال بتخوفينى بيه ده وله يسوى أنا لو دست رأسه برجلى هيقوم يبوس أيدى ،
أنتى ال عمله ليه سعر .
ده حته شيال لا راح وله جه عند أبويا فى المطحن المرمتون ده ميعرفش مقامك .
خليكى معايا وأنا أوزنك ذهب.
وكاد أن يضع يده على كتفها فبتعدت مسرعة وهى تصرخ أقترب بعض من غفر العمدة ومعهم والدها .
فغادر حيضر مسرعا قبل أن يصلوا.
" أبو فرحه"
مالك يا فرحة بتصرخى ليه اي ال أخرك كل ده كنتى فين انطقى يا بت .
فردت بصوت متقطع وهى تضع الشال على وجهها مفيش يابا ده حد كان راكب حصان كان هيخبطنى بس أنا كويسه أهو مفيش حاجة.
" أبو فرحه"
طيب همى ياله عند أمك والحريم جوه علشان تساعديهم .
" فرحة"
حاضر يابا.
فى غرفة الخبز
تجلس جملات أمام طبق عجين كبير وآثار دقيق على ملابسها وخدها تغنى وهى تشكل العجين على شكل دوائر لصناعة الفطير.
ثم لفت نظرها فرحة وهى قادمة نحوها ويبدو عليها الغضب .
" فرحة "
امال امى فين ؟ .
" جملات "
بتنظف الفراريج مع بيسمه في المطرح التانى.
(فراريج: دجاج ، مطرح : غرفة)
مالك دخله كده علينا زى القضى مش ترمى السلام .
" فرحة"
والنبى تسبينى في حالى يا جملات أنا ال فيه مكفينى .
جملات بنبره هادئة أي ال حصل وشك مخطوف كده ليه.
فرحة المخفى ال إسمه حيضر بيضايقتى في الراحة والجايه معندوش دم وله خشى .
قالت جملات وهى ترفع حاجبها ،حيضر ده يابختها ال يبصلها ده أبوه محلتوش غيره وهو ال ماسكله المطحن، وكله كوم وطوله وعرضه وحواجبه وعيونه اااه على عيونه .
" فرحة"
اتحشمى يا قليلة الحياء شكلك ندهتك النداهه وعقلك خف .
ردت جميلات برقاعه أنا بردوا ال عقلى خف ، هو في واحده تسيب حيضر وتروح لبدر ال من كتر شيل شوله الدقيق فى عز الشمس بقى شبه عود القصب الممصوص ، ومداسه الرقعه فيه اد عين الشمس. ( مداس : حذاء)
" فرحه "
بدر عندى أحسن من ألف حيضر يا جملات .
ده لو أخر مليم فى جيبه هيدهولى بنفس راضية، ويفضلنى على نفسه.
عمرها ما كانت بالفلوس يا جميلات .
ده أنا بعد الأيام علشان أفضل فى ضله العمر كله. ضحكت جملات ضحكه رقيعه وقالت باستهزاء:
شكلك متعرفيش ال الحصل امبارح انا هحكيلك .
Flash back
فى مطحن الدقيق
مطحنه كبيرة يدويه يشغلها العديد من الرجال فى كد مستمر .
مطحنة كبيرة يدوية يشغلها العديد من الرجال في كد مستمر.
وآخرون يقومون بتعبئة أجولة الدقيق ليضعوها على العربات التي تجرها الدواب.
"دخل المطحنة"
حيدر ومعه عصا ليشرف على العمل. ظل يتجول داخل المطحنة وينظر إلى العاملين باستعلاء، ثم وقف أمام بدر وقال له:
روح هاتلى كرسى أقعد عليه .
كان بدر يحمل جوال من الدقيق على ظهره .
رفع بدر رأسه ونظر لحيضر .
فقال حيضر : ايه البعيد مبيسمعش روح اتجر هاتلى كرسى أقعد عليه .
هم بدر ليضع جوال الدقيق على الأرض ليحضر الكرسى وهو يتجنب النظر إلى حيضر .
فقاطعة حيضر وقال : أنت هتحط الشوال فى نص الطريق اتجر هات الكرسى وأنت شايله .
ضغط بدر على أسنانه غيظ من ذلك المتكبر ، ورفع الجوال على ظهره مجددا ، وذهب ليجلب لحيضر كرسى .
غمز حيدر لأحد العاملين، فوضع العامل قدمه في طريق بدر، فتعثر بدر وأسقط جوال الدقيق وانسكب على الأرض.
فأمسك حيدر العصا وأخذ يضرب بها بدرًا حتى سالت الدماء من رأسه وهو يسبه ويستهزئ به ويقول:
شوال الدقيق ال أنت وقعته ده أغلى منك.
لو أنت مائع وملكش فى شغل الرجاله سيبه لغيرك.
وصار يضحك هو و بدوى
( العامل الذي جعل بدر يتعسر )
وقف بدر وهو يترنح بسبب ضربة العصا وهم ليمسك بحيضر فأوقف الشجار أبو حيضر الذى دخل المطحنة على صوت الشجار وقال:
اي ال بيحصل يا حيضر.
فرد حيضر جلوص الطين ده وقع شوال الدقيق وكمان عايز يطاول على أسياده ،ده لازم يطرد بعد ما يتأدب .
رد بدر
وهو يمسك بجرح رأسه النازف ده بدوى هو ال كعبلنى وحيضر هو ال أتشطر عليا أنا وسابه هو . فقال أبو حيضر بس كفاية انا مش عايز كلام كتير كل واحد يرجع على شغله وأنت يا بدوى روح هات المزين يربط رأس بدر. روح يا بدر كمل شغلك .
رد حيضر ده لازم يمشى من هنا .
فقال له أبوه بنبره حازمة حيضر تعالى ورايا أنا عايزك في كلمتين .
بلع حيضر ريقه وقال : أمرك يا بويا .
وقفا معا أمام المطحن وقال: حيضر بطل عميلك دي أنا فاهمها كويس .
ده مش أول مره أنت دائما حاتط نقرك من نقره .
بدر غلبان وفى حاله بس أتقى شر الحليم إذا غضب .
Back
" جملات"
هو ده ال حصل هو أنا هكدب عليكى يعنى ده حتى جمعه جوز البت عدلات ال شغال معاهم هو ال قالها وهى قالتلي ده البلد كلها سمعت شكلك أنت بس ال متعرفيش .
اندفعت فرحة نحو الباب مسرعة في اتجاه جنينة بيت العمدة، فأوقفها صوت أمها.
بت يا فرحة مالك وخاده فى وشك كده أجرى نادمى على ابوكى يا خد صواني الاكل جهزت .
"فرحة" حاضر ياما .
فى حديقة بيت العمده
خرجت فرحة إلى حديقة بيت العمدة لتبحث عن بدر، فلمحها بدر فتقدم نحوها وقال:
. فرحه بتعملى ايه هنا ايه ال خرجك من عند الحريم .
نظرت له فرحة نظره مطولة ،ثم قالت: مين ال فتح دماغك كده يا بدر .
لم ينظر بدر إلى عينها وقال ما أنا قولتلك أنى وقعت بشوال الدقيق.
" فرحه"
بص فى عينى يا بدر مكسرتش العصايه على دماغه ليه هو و بدوى .
نظر إليها نظره مغلوب على أمره وقال :
بدوى قالي أنه مكنش قاصد يوقعنى .
و الحج أبو حيضر وقف معايا .
" فرحة"
أنا مش عارفه حيضر ده حاتط نقره من نقرك ليه
ماتسيب ليهم المطحن ورب هنا رب هناك .
" بدر "
قاطعهما شعلان، والد فرحة، وهو يقول:
اي ال طلعك يا فرحة و أزاى واقفين الوقفة ديه .
ردت فرحة والخوف يظهر عليها أنا كنت بدور عليك علشان تاخد صوانى الأكل ،ثم نظرت لبدر حتى لا يكذبها .
فأكمل بدر وقال كانت بتسألنى عليك وأنا قولتها تدخل عند الحريم وأنا هقولك .
" شعلان" همى ياله عند الحريم ومطلعيش تانى .
"فرحة " حاضر يابا.
وأسرعت في خطواتها إلى حد الجري، فاصطدمت بالعمدة في طريقها للدخول وسقط الشال عن رأسها. لم يُصدر العمدة أي ردة فعل، بل ظل مثبتًا نظره عليها وهي تعتذر منه عما حدث، وذهبت من أمامه في لمح البصر، فنادى بأعلى صوته... يُتبع.
Shemaa Hisham