استمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين يقول: مُذ قُطعت من الغاب، وأنا أحنُ إلى أصلي.
جلال الدين الرومي.
،،،،،،،،،،،،،،،،،
أخرج نورسين من شرودها صوتُ بسيمة الدافئ وهي تقول: "شكلُ أكما تُعجبه."
فنظرت إليها نورسين باسمةً: "ليس هناك أجمل من طعامك أبدًا يا دادة."
نورسين: "ماما تخبرني في الجواب أنها ستصل بعد شهر."
بسيمة: "أنا إذًا يجب أن أجعل القصر في أبهى صوره لكي نستعد لاستقبالها، ما رأيك أن نملأ كل فازات القصر بزهور النرجس؟ أنا قبل ذلك سمعت سيدي قاسم - رحمه الله - يقول إنها تحبها."
نورسين: "صحيح، بابا كان كلما غضبت منه ماما يحضر لها باقة كبيرة من النرجس."
ابتسمت نورسين ونهضت ومعها كتابها قائلة: "أنتِ طيبة جدًا يا بسيمة."
نظرت لها بسيمه وقالت: بس انتى مخلصتش طبقك وله حتى كلتى من الكيكه ال بتحبيها .
"نورسين" ومين قال بقى أنى مش هكلها أنا هاخد الكيكه كلها معايا في الجنينه الخلفية علشان أقرأ الرواية بمزاج
وأمسكت نورسين بالطبق بيد، وبالأخرى بالكتاب، وانطلقت.
نظرت إليها بسيمة وعيناها تلمعان بذكريات الماضي.
قبل سبع سنوات:
وصل قاسم إلى مصر بعد رحلة سفر طويلة بالسفينة، وأول شيء قام به هو زيارته لمسقط رأسه في الصعيد، وزار عمَّه "قادر" الذي قام بإعداد الولائم على شرف وصول ابن أخيه. أقام قاسم في منزل العائلة عدة أيام، وحرص على الاستمتاع بكل ثانية مع عمِّه وزوجة عمِّه "عطيات".
عمُّه قادر كان كبيرًا في السن، يتجاوز الستين من عمره، وكذلك عطيات زوجته، فهي تصغره بعشر سنوات. لم يُرزَقا بأبناء، فكان كلما أنجبت له عطيات ولدًا أو فتاة يموتون صغارًا، ما عدا ابنه "عوض" الذي رُزق به حديثًا، ويبلغ العامين من عمره. أسماه والده "عوض" ليكون عوضًا له عن الأولاد التسعة الذين تخطفتهم المنية وهم في المهد.
كان قادر يعتبر قاسم ابنه، وكان يحبه حبًا شديدًا، حتى إنه كان يرفض سفر قاسم للدراسة في إنجلترا، ولكن أخاه "وهدان"، والد قاسم، أصرَّ على أن يحقق رغبة ابنه الوحيد.
وحتى بعد موت وهدان، حاول قادر إقناع قاسم أن يبقى ولا يسافر، ولكن كان رد قاسم أن مياه هذه الأرض تجري في عروقه، وأنه مهما سافر سوف يعود لتراب موطنه.
وها هو قد عاد إليها.
اقترحت "عطيات" على زوجها قادر أن يزوِّج قاسم من إحدى بنات القرية بما أنه قد عاد. تحمَّس قادر لهذه الفكرة، وأمر "بسيمة" أن تُعِدَّ وليمة فاخرة، وعزَم جميع أعيان البلد ونساءهم.
كان يأمل أن تجد عطيات فتاة مناسبة لقاسم من بينهن. قامت بسيمة بإعداد وليمة ضخمة، وساعدها فيها خدم البيت والعديد من نساء القرية. ولكن بعد انتهاء الوليمة، اقترحت عليه عطيات عدة بنات من خِيرة بنات القرية ليتزوج من إحداهن. ولكن قاسم صدم عمَّه وعطيات عندما أخبرهم أنه لن يتزوج من أية امرأة على الأرض، وليس في القرية فقط، وذلك لأنه متزوج بالفعل من "جوليا" وعنده منها فتاة.
صُدِم عمُّه وقال:
انت متجوز خوجايه متعرفش لا حيا وله خشا لو مطلقتش الخوجايه ديه واتجوزت بنت من بلدنا وعوايدنا اعتبر انك ملكش اهل وهنتبرىء منك ليوم الدين.
"قاسم" اسف يا عمى بس مش هقدر انفذ ال انت عايزه جوليا هى ال قلبى اختارها وعندى منها بنت ومستحيل اتخلى عنهم .
"قادر" يبقى انت ال اخترت يا ابن اخوى .
غادر قاسم في الليلة نفسها، وطلب من بسيمة مرافقته، فوافقت؛ فهي قد قضت طول حياتها في منزلهم، حتى أنها لا يوجد عندها من تذهب إليه إذا تركها. كانت بسيمة مربية قاسم منذ ولادته، لأن أمه ماتت أثناء وضعها له / ولادته.
عندما سافر وتُوفي وهدان، رفض قادر التخلي عنها، وصارت تدير شؤون المنزل، كما أنها أفضل من يُعِدُّ الفطائر التي يعشقها قاسم. كانت لها معزة خاصة عنده، وكان من المستحيل أن يتركها في منزل عمِّه بما أنه قرر العودة والاستقرار في مصر.
كان يحكي لها باستمرار عن ابنته التي أخذت جميع ملامح والدتها الأوروبية، بشعرها الذهبي وعينيها التي تشبه زرقة البحر، ولكن بجميع طباعه هو، حتى أنها ورثت حب الفطائر والمعجنات، وحب القراءة والأدب، وأنه متأكد أنها يومًا ما سوف تأتي لتعيش معه في مصر. وكان يقول لها باسماً: "أُراهن إن تذوقت فطائرك يا بسيمة لن تترك مصر أبدًا."
عندما بدأ مرضه يسيطر عليه وساءت حالته، كان يوصيها بابنته.
ما زالت بسيمة تتذكر عندما تمكَّن منه المرض وأصبح لا يستطيع مغادرة الفراش، فقد ابتسم وهو يمد إليها يده برسالة إلى نورسين لترسلها لها بالبريد، وهو يسعل بقوة حتى نزف الدم من فمه.
ثم قال لها: "أرجو أن تصل قريبًا، عسانا نستطيع تناول فطائرك سويًا ونحن نقرأ أحد كتب الأدب، ربما لـِ ليفاندوفسكي، للمرة الأخيرة." عندها تدفقت الدموع من عينيها وعادت إلى الواقع وهي تقول: "هي فعلاً نسخة منك يا سيدي قاسم."
في الحديقة الخلفية...
تجلس نورسين على أرجوحتها، تُقلِّب صفحات كتابها وهي تَقضُم قطعة من الكعكة التي أعدتها بسيمة. أمسكت بمعدتها متألمةً، وكأنها تشعر أن نارًا اشتعلت بداخلها، فذلك كان عرضًا جانبيًا لأدوية مرضها. ورغم أنها كانت تأخذ في اليوم الواحد أكثر من عشرين قرصًا من الدواء، إلا أنها كانت تحاول أن تبدو متماسكة وتتحامل على إحساسها بالألم؛ فهي الآن في الحديقة الخلفية لقصرها بجانب:
"قبر والدها قاسم."
في أثناء قراءتها، رأت ظِلَّ شخص من خلف مبنى من مباني القصر قريب منها. وعندما قامت لترى من صاحب ذلك الظل، اختفى فجأةً.
وتكرر ذلك الأمر كثيرًا، حيث أنها تراه يوميًا أثناء وجودها في الحديقة، وكأنه يراقبها، وعندما تقترب يختفي فجأةً.
ولكنها كانت تترك له طبق الكعك بالقرب من المبنى قبل دخولها القصر في كل مرة، وعندما تعود تجد الطبق فارغًا.
في إحدى الليالي المُمطرة من يناير، مرضت نورسين وأصابتها الحُمَّى، وظلت ملازمة الفراش لعدة أيام. نظرت نورسين إلى النافذة التي برغم إحكام غلقها كان الهواء يُحرِّك الستائر، وقالت:
"يا تُرى كيف حال صاحب الظل الآن؟"
دخلت بسيمة عليها الغرفة لتعطيها الدواء، وقالت لها: "لقد استلمت رسالة أكيدة من الست جوليا والدتك."
فأمسكت بيدها المحمومة بالرسالة تقرأها على ضوء الشمعدان الذي تمسكه بسيمة، ثم ابتسمت وأعطته لبسيمة لتضعه على المكتب، وأغمضت عينيها وقالت: "جولييت هانم لم تأتِ هذا الشهر لأنها مشغولة في افتتاح مصنع زوجها الجديد."
ردت بسيمة:
كان لازم منخبيش على الست جوليت مرضك والحالة ال وصلتى ليها ،
"نورسين " متكبريش الموضوع يا دادة ده مجرد حرارة .
"فقالت بسيمة" بس مش ده التعب ال أقصده كان لازم نقولها علشان تفضل جنبك
"نورسين" ارجوكى يا داده انا مش عايزه اتكلم فى أى حاجه لو كانت عرفت كانت هتصر أنى أسافر معاها وهى خلاص أتجوزت وأختارت حياتها وأنا كمان من حقى أختار حياتي فجأة........ يتبع
Shemaa Hisham