"نورسين "
انا مش عايزه أتكلم فى أى حاجه يا دادة هى أختارت حياتها ،
واتجوزت من حقى أنا كمان أختار حياتى .
هلعت بسيمة عندما وجدت شفاه نورسين تتحول إلى اللون الأزرق برغم حرارتها المرتفعة، فسقطت نورسين فاقدة الوعي.
جرت بسيمة، وحملت جسدها النحيل ووضعته على السرير وهي تحاول إفاقتها. صارت تسكب الماء بيديها المرتعشتين على وجهها وتهزها في محاولات بائسة لجعلها تسترد وعيها، ولكنها لم تستجب. جرت بسيمة بسرعة على السلم وهي تنادي: "إسماعيل! إسماعيل!" حتى وصلت لحديقة القصر وصارت تلتفت حولها باحثة عن إسماعيل (بواب القصر) غير مكترثة للظلام الملتف حولها الذي لا يبدده "غير شعاع خافت للقمر في طور تربيعه الأول".
صارت تجري في الحديقة الواسعة المظلمة بأقصى ما استطاعت قدماها ذات المفاصل التي تفرقع مع كل خطوة، أثر تقدم العمر، وهي تنادي على إسماعيل حتى وصلت لغرفته حيث كان نائمًا بها.
استيقظ إسماعيل مفزوعًا من صرخاتها وقال:
ست بسيمة حصل اي . لم تجعله بسيمة يكمل كلامه وقالت أجرى روح للحكيم كمال (لفظ حكيم كان يطلق على الأطباء قديمًا في مصر )وجيبه معاك ست نورسين قاطعة النفس .
"اسماعيل" استر يارب استر يا رب .
أمسك إسماعيل بطرف جلبابه وشرع يجري، وأخذ "الكاليتة" (عربة ذات صندوق تجرها الأحصنة) وانطلق بها بأقصى سرعة. وصل إسماعيل إلى بيت الطبيب كمال الذي كان يبعد ساعة عن القصر، فدق بابه بأقصى قوة. خرج الطبيب وآثار النوم بادية على ملامحه ليرى من يطرق بابه بهذه الطريقة في ذلك الوقت من الليل، فوجد إسماعيل يقف أمام بابه بالكاليتة ومياه الأمطار تقطر من ملابسه. فزع كمال وقال له: "هل حدث شيء لنورسين؟"
رد عليه إسماعيل وهو يقول:
بسرعه يا حكيم مفيش وقت ست نورسين قاطعة النفس . اسرع كمال وأحضر أدواته وركب مع إسماعيل الكالته وهو ما زال بملابس نومه ليتجهوا نحو بيت نورسين بأقصى سرعة .
وصل الطبيب إلى نورسين، فوجد بسيمة جالسة بجانبها تبكي، وهي واضعة قطعة قماش مبللة بالماء فوق رأس نورسين عسى أن تنخفض حرارتها. أسرع الطبيب بإعطاء نورسين حقنة في وريد ذراعها، وعلق لها بعض المغذيات، وبقي بجانبها هو وبسيمة طوال الليل يدعوان الله أن تنجو حتى بدأت أعراض الحمى تختفي بالتدريج. لكنه ظل بجانبها بقية الليل حتى يطمئن أن حالتها مستقرة. نظر إلى المكتبة، ثم وقف أمام الشرفة، وحدث نفسه هامسًا: "سأحاول يا قاسم، سأحاول بكل طريقة أستطيع عليها". ولمعت عينه على إثر ذكرى صديقه قاسم.
Flash back
قطرات دماء تتساقط على رأس أولئك الجنود المتأهبين للنصر أو الخسارة. نظر كمال إلى عين صديقه فوجدها حمراء بلون الدم، تفيضان بالدمع الذي اختلط بالدماء التي تقطر من فمه وأنفه إثر سُعاله، فأدرك أنها ربما تكون ساعاته الأخيرة. ألقى قاسم ذلك اللوح ذا اللونين الأبيض والأسود على الأرض بجنوده الملطخين بالدماء، وألقى بنفسه أيضًا ليجلس على الأرض، مُنكسًا رأسه، ودموعه المُنهمِرة تختلط بدمائه. نظر إلى لوح الشطرنج المُلْقى على الأرض فأسرع نحوه كمال. فمد قاسم يديه نحو كمال في إشارة منه ليتوقف مكانه، ثم قال قاسم:
"هل تعلم أني لم أخشَ الموت طوال عمري، ولكن عندما أصبحت على أبوابه، أصبحت أفزع في كل ليلة أشعر بأنها ليلتي الأخيرة، حتى إني في بعض الليالي لا أستطيع إغماض عيني. أنا أشعر، أشعر أنه هناك المزيد مما يجب أن أعيشه، مع زوجتي وابنتي."
"لِمَ تلك الحياة قصيرة لهذا الحد؟"
"لا، بل لِمَ حياتي أنا قصيرة!"
"أنا أريد أن أعيش."
"بل أريد أن أكون خالدًا."
"أن أكون ملاكًا."
"أن أكون شيطانًا."
"أن أكون أبديًا."
نظر له كمال وهو مُتفاجئ وحزين، يرى صديقه في هذه الحالة من الضعف؛ فبالرغم من معرفته بتدهور حالته، وبأن صديقه قاسم أصبح تقريبًا لا يغادر الفراش، عندما طلب قاسم منه أن يأتي لزيارته ولعب الشطرنج معه، كان يعتقد كمال أن روح صديقه قاسم المقاتلة التي تأبى الاستسلام هي من تدفعه للتمسك بالحياة برغم آلامه، وليس خوفه من فقدان الحياة.
كانت كل كلمة تكلم بها قاسم هي عكس ما آمن به وردده طوال حياته. فهو قاسم الذي كان دائمًا ما يقول:
"إن العمر لا يُقاس بعدد سنوات حياتك، بل بمقدار الفارق الذي تصنعه فيه."
كان دائمًا الشجاع الذي لا يخشى المَنِيّة، مع فلسفته التي طالما آمن بها:
"بأن العمر نسبي، قد تعيش عامًا صالحًا نافعًا أفضل من أن تمكث مئة عام طالحًا."
أمسك كمال بيد صديقه وجذبه ليقف، ونظر إلى عينيه وقال بحزم: "انهض وكن قاسم الذي لا يهزمه البلاء! لا تجعل سوس اليأس يَنخُر روحك ليُسمِّم ما تبقى لك من أيام. انهض فلديك ابنة وزوجة على مشارف الوصول لرؤيتك! لا تدع ذكراك الأخيرة لهما هي جسد أهلكه يأسه قبل مرضه." ثم جذبه ليقف مستقيمًا وأعطاه منديلًا وقال له: "امسح الدماء عن وجهك، سأنتظرك بالخارج، بدّل ملابسك وامحُ عبَرات اليأس واخرج على هيئة قاسم ذي الروح الأبية الذي عهدته." قال كلماته تلك وهو يَهُمّ بإغلاق باب غرفة قاسم وراءه. فقال له قاسم وقد عدّل من وقفته ووقف مفرود الظهر قدر المستطاع، بنبرته المعتادة، وقد عاد لرشده:
"عِدْني يا كمال أنك ستُعلِّمها أن اليأس هو مقبرة الإنسان، وأنه كحيوان برّي جائع، لكنه يأكل الروح وليس الجسد. علِّمها أن تُسيطر عليه، بل احمِها منه كما فعلت أنت معي الآن. اجعل ابنتي في عهدتك حتى نلتقي في الحياة الأخرى."
Shemaa Hisham