محاق

محاق

26 0

في إحدى الليالي،

تنام "نورسين" على سريرها الحريري، تطالع القمر المحاق بعينيها الزرقاوين الواسعتين من شباك غرفتها الخشبي، وهي تهمس:

"أنت مثلي أيها القمر، اختفى نورك ولكنه سيعود قريباً، أما أنا فسيختفي نوري إلى الأبد".

قالتها وهي تبتسم ابتسامة رضا رغم حزنها.

دخلت مربيتها (بَسيمة) لتُغلق الستارة وتُغادر، بعد مناظرة المراهقة الشابة بشفقة؛ تلك التي سُرقت منها أحلامها وآمالها، ومع ذلك تظل مبتسمة.

نظرت نورسين إلى مكتبتها، ثم أغلقت عينيها، وقالت مُتنهدة:

"ربما أملك بعض الوقت لقراءة معظم كتبك، وإن لم يكن جميعها. كان هذا شغف والدي - رحمه الله - ويبدو أني ورثت ذلك منه أيضاً."

"أم أني فقط أريد أن أجد أبي بين أوراقك العتيقة؟!"

"أعدك، سأحاول قبل أن تملأ العتمة عيناي."

في صباح اليوم التالي،

استيقظت نورسين على دقات بَسيمة على باب غرفتها، قائلة:

الفطار جاهز ، فى خبر أنا متاكده أنه هيسعدك .

مستنياكى على السفرة . أنا لو منك متاخرش. (نورسين) ياريت يا دادا يبقى خبر مفرح زي ضحتك .

اغتسلت نورسين وصففت شعرها الذهبي الطويل. ارتدت فستاناً كلون عينيها، ثم اختارت كتاباً قبل أن تنزل إلى الطابق السفلي لتناول الإفطار مع بَسيمة، التي أعدّته شهياً، إذ طهت المعجنات والفطائر المفضلة لها على أمل أن تأكل لو القليل.

منذ أن أخبرها الطبيب أن حالتها تتأخر، وأنها مسألة وقت وسيتمكن السرطان من إعتام نور عينيها، وهي لم تضع لقمة في فمها.

كما قال: إنها يجب عليها عدم إرهاق عينيها في قراءة الكتب.

كان رد فعلها:

"إنها ستُنهي قراءة كتبها حتى آخر ومضة من مُقلتيها، وإن كان آخر ما تريد رؤيته هو أحد كتب أبيها."

رمقها الطبيب، شاعراً بالأسى، ولاحت صورة صديق عمره قاسم في مخيلته.

كلما يحدثها يتذكر والدها الراحل، نفس العناد ونظرة التحدي والإصرار على ما يريد. أحياناً يراها فيه، رغم أنها ورثت ملامح والدتها، فالشخصية مسلوبة من أبيها.

كان شديد الحزن على ابنة صديقه الذي وافته المَنِيَّةُ في ريعان شبابه. كم تمنى أن تأتي إليه نورسين؛ يقرآن معاً. كانت ستحب الأعمال الخيرية التي كانوا يقومون بها في الخفاء. كم يتلهف لمساعدتها، يتألم لآلامها، ويريد فعل المستحيل لتشفى من المرض الخبيث الذي ينهش عمرها. أن تحيا مهما كلف الأمر!

ولكن كان للقدر رأي آخر، فذلك المرض الخبيث انتشر أسرع مما كان يتوقع، وفرصها في النجاة تكاد تكون معدومة. (فالسرطان في تلك الحقبة كان مرضاً حديث الاكتشاف، وفرص النجاة منه شبه معدومة).

في قصر نورسين،

جلست نورسين على السُّفرة واضعة الكتاب مفتوحاً أمامها، وترتشف بعض الرشفات من كوب الشاي بالحليب الذي صبّته لها بَسيمة، وهي تنظر للكتاب وتقول لبَسيمة: "صباح الخير يا أحلى بَسيمة."

ابتسمت بَسيمة وقالت: "عندي لكِ خبر حلو سيجعلك تأكلين السُّفرة كلها!" وقامت بإعطاء نورسين جواباً عَطِر الرائحة. أمسكت الجواب واستنشقت عَطْرَه الذي "أخذها معه لآخر ليلة".

"قبل عام،

كانت "جوليت" تجلس باكيةً، مُحتضنةً زوجها المُحتضَر، الذي ما أن عَلِمت بتدهور حالته حتى أسرعت بالعودة مع ابنتها لتطمئن على حُب عُمرها ووالد ابنتها.

ذلك الشاب العربي الوسيم،

الذي أسرها بعينيه السوداوين، ذات النظرات الثاقبة التي تُشعّ حُباً للحياة، وبشرته القَمحيّة، ورجاحة عقله وفلسفته الفريدة عن الحياة.

فقد مَلَكَ قلبها

منذ أن تقابلا في إنجلترا عندما كان يدرس هناك، ولم يمضِ وقت طويل حتى "اعترفت له بحبها" عندما أحرقت نار الغيرة قلبها."

Flash back

في إحدى ليالي يناير المثلجة في إنجلترا، كان هناك تجمُّع للأصدقاء في إحدى الحانات. كان صوت ضحكهم يدل على مدى أنس اجتماعهم.

دخلت "جوليت" الحانة وتقدَّمت نحو تجمُّع الأصدقاء، فوجدتهم مجتمعين حول شابٍّ يبدو على ملامحه أنه شرقي، ذو بشرة قمحية، وعينين سوداوين ذواتا نظرة واثقة. كان الأصدقاء يستمعون لحديثه باهتمام ويتبادلون الضحك اللطيف معه.

ألقت عليهم التحية وجلست، وكان استقبالهم لها حافلاً، فهي "جوليت" الجميلة، ابنة إحدى العائلات المرموقة ذات السُّلطة. ما عداه هو؛ فقد ألقى عليها التحية متحفظاً عندما عرّفهم صديقهم "مارك" على بعض.

جلست وَسْطهم، وكانوا جميعاً يتملَّقون لها عندما اشتركت في المناقشة الدائرة بينهم. ولكنه هو كانت آراؤه ثابتة وحُجّته قوية، حتى أنها هي التي حاولت لفت نظره بإظهار كثرة مداركها، حيث استطاع هو إظهار جانب آخر بها غير حُسنها أو منصب عائلتها رغم عدم محاولاته. ومنذ ذلك اليوم، وهي أقسمت أنه لن يكون لغيرها، رغماً عن استحالة زواجهما بسبب عائلتها.

أما قاسم، فقد أثَّرت قلبه من أول لقاء وحديث لهما، ولكنه لم يُظهر ذلك، حتى أنه كان لا يعلم أنها مُعجبة به، فهي أيضاً لم تكن تُظهر ذلك، بالرغم من عدم انقطاعها عن التجمُّعات التي يحضرها.

ولكن في إحدى تجمعاتهم، وجدت "ميليسا" تتقرب منه بشكل فَجٍّ، نظراً لأنها كانت مخمورة. أشعلت الغيرة قلبها وجعلتها تخرج عن طور الفتاة الأرستقراطية، حتى أنها دفعتها بعيداً عن "قاسم"، الذي بدوره كان سيُوقفها عند حدها. ولكنها لم تنظر لترى رد فعله، ووبَّخت "قاسم" وتركتهما وذهبت، ما جعل الجميع يتعجب.

جرى "قاسم" خلفها ولحق بها قبل أن تركب عربتها. وما أن رأته، حتى أكملت توبيخها لدرجة أنه رغم طلاقة لسانه وسرعة بديهته، عجز عن الرد عليها. ثم نظرت إليه وقالت بلغتها الأجنبية: "أنا بحبك يا قاسم"، ثم عدَّلت من وضع قُبَّعتها وركبت سيارتها، وأمرت السائق أن ينطلق بأقصى سرعة، تاركةً "قاسم" مذهولاً، كالذي صُعِق بصاعقة. حتى أنه كان غير مصدق ما سمعه منها في تلك الليلة. لم يستطيعا النوم، حتى وجد نفسه في الصباح الباكر أمام منزلها الفاخر، في يده باقة كبيرة من زهور النرجس التي تحبها، يطلب مقابلة والدها."

Back

"وتزوجها وبنى لها قصراً في وطنه، ولكن ظل قلبها مُعلَّقاً بإنجلترا. ومرَّت الأيام وهما يعيشان في سعادة في موطنه حتى أحسَّ ببوادر عِلّته، وتعاظم حنينه إلى وطنه أكثر، فطلب منها العودة معه إلى وطنه الذي طالما حكى لها ولطفلتهما عنه، والقصر الذي يتمنى أن يعيشوا فيه مطمئنين. ولكن مع رفضها ومرضه، قرر أن يعود لوطنه، لعل عودته تُروي اشتياقه وتُضَمِّدُ مرضه. حاولت "جولي" إثناءه عن ذلك، لكن حنينه لوطنه كان أقوى من أي محاولة إقناع.

وها هي الآن تراه على فراش الموت الذي سرقه منها في ريعان شبابه. فقال لها وهو ينظر لنورسين:

"لقد كانت الرحلة قصيرة، كم كنت أتمنى أن أبقى معكِ ومع ابنتنا أكثر. أعلم أني سوف أترككم وحدكم، ولكن تمسكوا ببعضكم. حاولي أن تحافظي على ابنتنا، لا تدعيها تستسلم."

ونظر إلى نورسين وقال:

"إياكِ واليأس يا صغيرتي! فاليأس هو هلاك الإنسان وليس مرضه. ابقي مُحارِبة كما عَهِدتُكِ دائماً. سمَّيتك نورسين ويعني ضوء القمر، حتى وإن كان مُعتِماً، فإن نوره هو الذي يُبدِّدُ ظلام الليل. لا تبكوا؛ فأنا سأظل معكم دائماً في قلوبكم، وإن كان جسدي سيواريه التراب، فلنا لقاء آخر في عَدْنٍ (الجنة)، في وسط الأرواح البيضاء، فيتبدل قصرنا الذي بنيته لنعيش حياتنا الدنيا بقصر زُمُرُّدٍ سنكون فيه خالدين. أُحبكم."

"وسيظل حبي لكم قُدسي المبارك في بَرْزَخِي. إلى اللقاء."

وكانت تلك آخر كلمات "قاسم" والد نورسين، الذي أخذه الموت بَغْتَةً بعد إصابته بِعِلَّةٍ في رئتيه، ورفضه البقاء مع زوجته "جولي" في بلدها بريطانيا بأجوائها المُتكلفة وسط الطبقة الأرستقراطية التي شتان بينها وبين الطبقة الكادحة.

كان يرغب في العودة لوطنه ليجد الطمأنينة في قلوب أهلها الطيبة التي لا تعرف الرياء، ووجوههم البشوشة التي تُشعرك كأنك أحد ذويهم.

فرفض البقاء أكثر في تلك الغُربة وآثر العودة والعلاج في وطنه، مُعلِّلاً ذلك بأن في بلاده أفضل أطباء العالم، وإن لم يتمكنوا من شفاء مرضه فلن يتمكن أحد. وأنه يفضل أن يُوارى جسده في تراب وطنه الغالي مصر. الآن هو يلفظ أنفاسه الأخيرة أمامها."

"بعد أن تم دفن والدها كما أوصى في حديقة قصره، استعدت "جولي" للعودة لموطنها، ولكن ما تفاجأت به هو رفض "نورسين" العودة معها. فقالت "نورسين":

"أنا لن أترك موطن أبي. سوف أعيش حيث تمنى أن نعيش معاً."

نظرت إليها "جولي" شزراً وقالت بلغتها: "تلك البلد هي من أخذت مني حُب عمري في ريعان شبابه. أنا لن أقضي فيها يوماً آخَر!"

فردت "نورسين":

"إنه قَدَرُ أبي، وليس للبلد علاقة بموته. يكفي أنه يعشق تُرابها. وعندما مرض، اختار أن يقضي آخر أيامه بين أحضانها مُطمئناً. أنا لن أُغادر معكِ، سوف أُكمل حياتي في موطن أبي وموطني."

"جولي": "أريدك أن تفهميني يا حلوتي، نحن لن نستطيع العيش هنا. موطننا هناك، وسط عائلتنا وأصدقائنا."

"نورسين": "تقصدين حفلات الشاي والسهرات؟ لطالما كره أبي تلك الأجواء، كان يحضرها لأجلكِ فقط."

Flash back

"أبي، كنت أبحث عنك. لِمَ تجلس هنا وحدك؟ الموسيقى رائعة، والحفلة ما زالت في مُنتصفها."

رد قاسم على نورسين:

"انظري حولك يا صغيرتي واختاري كتاباً."

استغربت نورسين إجابة والدها، ولكنها امتثلت لكلامه؛ عسى أن يوضِّح لها قصده، فهي - برغم صغر عمرها في ذلك الوقت الذي لا يتعدى الرابعة عشرة - كانت تُدرك فلسفة والدها وبُعد نظره للأشياء، ففي نظرها كان هو نموذجاً للمثالية."

"ثم قال قاسم: هل تعلمين أن هذا الكتاب الذي تحملينه بين يديكِ، وجميع الكتب التي ترينها الآن، هي حِصني وفي الوقت نفسه أجنحتي التي أُحلِّق بها؟ ليس داخل أماكن، بل أُحلِّق بها في سماء الفكرة من عقل لآخَر. هنا، في هذه المكتبة، أتحرَّرُ من التكلُّف الأوروبي الأرستقراطي، فلا أحد من هذه الكتب يرتدي قناعاً ليتملَّقَ لآخَر. في موطني لدينا قصر كبير بمكتبة كبيرة، سأحرص عندما نعود أن نملأها معاً. ستجدين هناك مَن يبتسم في وجهك ويحتضنك ليس لأي شيء. ستجدين الدفء والنفوس الشفافة، ستعشقينها."

Back

نورسين": "إن كنتِ لا تُريدين البقاء هنا يا أمي، فأنا أتفهَّمُ ذلك، ولكن أنا لن أُغادر موطن أبي، سأبقى حيث كان يتمنى أن نعيش معاً."

"جولي": "إذاً، هو قراركِ." وأشارت للخَدَم لحمل حقائبها. وقبل أن تخرج من الغرفة، استدارت وعانقت "نورسين" عِناقاً عميقاً، حتى أن رائحة عَطْر "جولي" ملأت رئتي "نورسين"، وقالت لنورسين: "اعتني بنفسكِ يا ابنتي، وإن أردتِ الرجوع عن قراركِ، فإني أنتظر.

أُحبكِ يا جوهرتي الغالية."

وغادرت. وظل التواصل بينهما عن طريق الرسائل الورقية بين حين وآخر، ولكن حتى بعد أن مرَّت أربع سنوات على موت "قاسم" والد "نورسين"، لم تطأ قدم "جولي" البلاد. ولهذا في البداية آثرت "نورسين" عدم إخبارها بمرضها، ولكن بعد إلحاح "بَسيمة" عليها، وبعد معرفتها بتدهور حالة "نورسين"، أخبرتها، ولكن قالت إن حالتها مُستقرة، وأن "كارم" صديق والدها هو الطبيب المُعالج لها، وهو من يعتني بها ويأتي لزيارتها دائماً.

بعد معرفتها بمرض "نورسين"، آثرت البقاء في إنجلترا. دعونا لا نُنكر محاولاتها لجعل "نورسين" تعود إليها، حتى يَئِسَت تماماً من إقناع تلك الشابة العَنِيدة، فأخبرتها أنها سوف تأتي لتطمئن عليها قريباً.

أخرج "نورسين" من شُرودها صوت "بَسيمة" وهي تقول: ... يتبع.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أطوار القمر

المؤلف Shemaa Hisham
2025/11/04 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة