الأحدب المتزايد (ليلةٌ تَنطَفِئُ فيها الشمسُ. )

الأحدب المتزايد (ليلةٌ تَنطَفِئُ فيها الشمسُ. )

19 0

تتصاعد أنغام الموسيقى والضحكات داخل البهو الكبير لذلك القصر ذي التصميم الفيكتوري. العديد من النساء ذوات الفساتين الملونة المنقوشة، وقصات الشعر المُنَمَّقة والمُزَيَّنة بالجواهر والرِّيْش، يرقصن مع رجال بملابس شديدة الأناقة تزيّنها الأحجار الكريمة. كان تبدو السعادة على الجميع، بل أكثر من ذلك، كانت تبدو عليهم النشوة. كانوا لا يَكُفُّون عن التمايل مع كل نغم موسيقي يعزفه أولئك الموسيقيون الذين تسحرهم ألحانهم فتأخذهم إلى عالم النغم.

برغم تلك الأجواء، هو فقط مَن تركها ليبحث عنها، وكأنه لا يريد أن يرى سِوَاها. فتح باب غرفتها فوجدها جالسة بفستانها الحريري الأسود الملتف حول جسدها ممشوق القوام، تكتب خطابًا وهي شاردة الذهن. لم يُصدِر صوتًا، بل اقترب منها ببطء، ووضع يديه يتحسس عنقها الطويل المزين بعقد من الفيروز، وطبع قُبلة عليه.

وقال بلغة إنجليزية: "جوليا، جميلتي، لِمَ أنتِ قاعدة هنا وتاركة الحفلة؟ مع أنكِ أنتِ مَن قرَّرَتْ أننا نعملها بمناسبة اكتشافي لمنجم الألماس."

"جوليا" نظرت إليه وابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت: "فرانك، أنا حاسَّة أني أخطأتُ عندما تركتُ نورسين تعيش في بلد ثانية بعيدًا عني، وحتى الجواب الذي استلمتُه قالت فيه إنها مريضة، قلقني أكثر."

أخذ فرانك وردة من مزهريتها المفضلة ووضعها بين خُصلات شعرها الحريري، وقال:

نورسين مش طفله هى اختارت حياتها مكنش ينفع تجبريها .

والخطاب ال بعتته زى ما قالت إنها مريضة طمنتك وقالت إن مفيش حاجة خطر .

أكيد وحشتيها وعايزة تشوفك مش اكتر.

ضمته جوليا وقالت تفتكر أن ده صح .

"فرانك" اكيد .

كمان علشان تتطمنى اكتر بعد ما أخلص إجراءات الشغل في المنجم والتأكد أن الشغل فيه تمام هسافر معاكى نطمن عليها .

" جوليا "

لا خليك أنت تابع شغل المنجم أنا هسافر ليها بكره. " فرانك " خلاص وأنا هحصلك أول لما أخلص شغل .وعادا معا إلى الحفله.

في غرفة نورسين

في صباح اليوم التالي، بدأت أعراض الحُمَّى تختفي بالتدريج.

فتحت نورسين عينيها بصعوبة، ثم نظرت إلى مزهريتها التي زيّنتها بَسِيمة بزهور أمها جوليا المفضلة. ثم نظرت إلى المكتبة وتنهدت وهمست لنفسها: "يبدو أنه لم يَحِن موعد لقائنا يا أبي، لكني أشعر أنه قد اقترب. لكني لن أستسلم حتى آخر نبضة ينبض بها قلبي الذي تسكنه."

حاولت أن تقوم بصعوبة، ووقفت أمام المكتبة وأَسْنَدَتْ ظهرها عليها، وهي تقف بصعوبة. صارت تتحسس الأرفف وأمسكت كتاب "البستان".

(كتاب "البستان" من تأليف ابن القيم الجوزية يتحدث عن الحياة الأخرى)

ارتدت فستانها الوردي المفضل ونزلت الدَّرَج، ولكن بصعوبة، حيث أصبحت ترى بصعوبة أكثر من السابق. فمن الواضح أن الحُمَّى قد أثرت عليها بشكل كبير ودَهْوَرَتْ من حالتها.

الْتَفَتَتْ بَسِيمة إليها فوجدتها تقف بفستانها الوردي أعلى الدَّرَج تكاد أن تَسْقُط من عليه. جَرَتْ بَسِيمة لتحاول الإمساك بها قبل أن تقع، وأمسكت بها بالفعل.

وقالت:

ست نورسين أي بس ال نزلك وانت لسه تعبانة لازم تستريحى زى ما قال الحكيم (نورسين)تعبت يا داده عايزة اشم هوا عايز اتكلم مع بابا شويه وهو اكيد زعلان مني بقالى اسبوع مزرتهوش (بسيمة)طيب اسندى عليا .

"الحديقة الخلفية"

حيث قبر والدها.

اعدت بَسِيمة نورسين وأجلستها على الأرجوحة. نظرت نورسين خلف البناية التي كانت ترى عندها الظل، وطلبت من بَسِيمة أن تُحضر لها بعض الكعك.

وافقت بَسِيمة مبتسمة وذهبت لتُحضِره لها.

بالرغم من أن بَسِيمة كانت غير راضية عن ترك نورسين غرفتها، وخاصة أن الطبيب أوصاها بذلك قبل أن يغادر لصنع جُرعة جديدة من الدواء بعد أن اطمأنَّ إلى أن حالة نورسين قد استقرت؛ لكن بَسِيمة لم تُرِد أن تُحزن تلك الشابة الصغيرة، فحسبُها ما بها من حزن وألم.

بحثت نورسين بعينيها مرة أخرى ناحية البناية التي كانت ترى الظل عندها، ولكنها لم تَرَ أي أثر له، لكنها كانت تشعر أنه قريب منها.

أحضرت بَسِيمة طبقًا من الكعك لنورسين وأخبرتها أنها يجب أن تذهب لتجلب لها الدواء من عند الطبيب، وربما تتأخر، وطلبت منها أن تساعدها لكي تذهب لغرفتها لكي ترتاح.

لكن نورسين قالت إنها تشعر بتحسن، وطلبت منها أن تذهب هي ولا تقلق عليها، وأن تأخذ معها إسماعيل (بَوَّاب القصر) لكي لا تذهب بمفردها، خاصة أن الطقس يُنذِر بأمطار غزيرة.

رفضت بَسِيمة لكي لا تترك نورسين وحدها بالقصر، لكن نورسين أَصَرَّتْ حتى إنها قالت: "إن لم يذهب معكِ، لن تذهبي." ويَرجع إصرار نورسين على ذلك إلى أن بَسِيمة لم تخرج وحدها من القصر منذ مجيئها من القرية التي كانت تعيش فيها، كما أن الطريق ما يزال عليه أثر الليلة المُمطرة التي سبقتها، والتي تظهر بوضوح على معالم الحديقة.

ولكن يبدو أن الطبيب أخبرها بضرورة هذا الدواء؛ لذلك بَسِيمة مُصِرَّة على الذهاب في هذا الطقس.

وافقت بَسِيمة على مضض، وقالت: "امرأة إسماعيل قادمة اليوم من البلد، زمانُها على وصول. الوداع يا ست نورسين."

وضعت يديها على كتف نورسين ونظرت لها نظرة غير مفهومة يغلب عليها الحزن، ثم تركتها وذهبت لإسماعيل بعد أن نظرت للبناية المجاورة التي نظرت إليها نورسين، ثم أَسْرَعَتِ الخُطى نحو الخارج.

"عند بوابة القصر "

" اسماعيل"

لزمته أيه بس تيجى معايا عند الحكيم وتسيبى ست نورسين خليكي أنتى معاها وأنا هروح اجيب الدوا من عند الحكيم .

"بسيمة" أبدا رجلى على رجلك وبعدين يا إسماعيل انت مش قولت أن مراتك جايه النهارده.

" إسماعيل"

ايوا قولتك بس أنتى عارفة أنها هتيجى على المغربية ، مالك يا ست بسيمة شكلك مش مظبوط أنتى تعبانة.

" بسيمة" فى أيه يا اسماعيل أنت بتسأل كتير كده ليه ياله بينا علشان منتأخرش.

" إسماعيل" على كيفك ثم تحركا بالكاليتة

(لأن العربيات في تلك الحقبة الزمنية لم تكن منتشرة حيث كان يملكها فقط عدد قليل من أبناء الطبقة الأرستقراطية)

"عند نورسين "

أكملت نورسين قراءة الكتاب الذي بحوزتها، فسمعت صوت مُواء ضعيف، فنظرت بتفحُّص ببقايا الضوء في عينيها (قدرتها على الإبصار)، فوجدت قِطَّةً صغيرة تختبئ خلف شاهد قبر والدها. توجهت إليها فوجدتها تنتفض من البرد ويبدو عليها الجوع والمرض، فنزعت نورسين الشال عن كتفها و غطَّت به القِطَّة.

تحركت نورسين بخطوات ثقيلة نحو الأرجوحة لكي تُحضر قطعة من الكعك تُطعم بها القِطَّة.

وظلت تنظر للقِطَّة وهي تأكل قطعة الكعك، وتبتسم للقِطَّة الصغيرة التي ما إن أنهت قطعة الكعك حتى اختبأت داخل الشال وغطَّت في النوم.

استدارت نورسين وهي ممسكة بطبق الكعك في يد، وفي الأخرى رواية "البستان"، وجسدها تسري فيه رعشة من أثر البرد وضعف جسدها.

فشاهدت الظل!

ولكن هذه المرة رأت شخصًا يقف مختبئًا خلف البناية وليس ظله، ولكنها لم تكن ترى ملامحه بوضوح.

وبدأ صاحب الظل في التقدم نحوها ببعض خطوات

بطيئة، فمدَّت يديها المرتعشة إليه بطبق الكعك وقالت له: "تفضل، من الأكيد أنك جائع."

لم تُكمل جملتها، فهجم عليها ذلك الشخص:

الأعرج،

مبتور اليد اليمنى،

أعور العين،

الذي يبدو كبقايا إنسان!

هجم عليها بشكل وحشي واعتدى على جسدها الهزيل من أثر المرض الذي يأكل فيه رويدًا رويدًا.

اعتدى عليها بكل دموية ووحشية، حتى أنه كان يَغرِز أظافره الطويلة العفنة في جسدها الضعيف. ظلت تصرخ صراخًا كاد أن يُمزِّق أحبالها الصوتية، عسى أن يُنقذها أحد أو تُوقظ صرخاتها ضميره، ولكن هيهات! فذلك الضمير يبدو أنه مات منذ زمن، فذلك الوحش بلا قلب أو ضمير.

جَرَتِ القِطَّة التي كانت تموء مُواءً هيستيريًا لا يَصدُر من قِطَّة صغيرة هزيلة تكاد لا تُرى، وكأنها تحاول أن تجد من يساعد تلك الفتاة التي أنقذتها من الموت جوعًا وبردًا منذ لحظات.

لم يكتفِ ذلك المَسْخُ باعتدائه عليها، بل أمسك عنق نورسين وصار يَخنقها بكل قوته.

فتحت عينيها على آخرهما لتلتقي نظراتهما ببعض: نظرة بريئة تُفارقها الحياة، ونظرة من قعر الجحيم مُصاحِبة لوجه مَسْخ يضحك بجنون.

أدارت نظرها نحو شاهد قبر والدها ومدَّت يديها نحوه وكأنها تستنجد به، ثم سكنت صرخاتها إلى الأبد.

ذلك المَسْخُ لم يوقفه سكونها، بل ظل كما هو حتى شعر بتكسُّر عظام عنقها وقدميها، فابتعد عنها وظل يضحك ويبكي في هيستيريا وهو يراها غارقة في بركة من الدماء، وهو يقول بلسان ثقيل وأنفاس لاهثة: .......يتبع

الكثير من الأحداث المشوقة في طريقها إليكم في الفصول القادمة.

لا تصدق كل ما ترى، فأنت لا تعلم من هو الظالم والمظلوم.

"اليوم هدأت نيراني الأبدية."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أطوار القمر

المؤلف Shemaa Hisham
2025/11/04 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة