تضيق الدنيا من حولها، وقد انقطعت أنفاسها، حتى كادت تفقد الوعي.
كان وجهها أقرب إلى جمرة مشتعلة، وقد تبخرت السعادة التي كانت تملؤها.
لم تعد ساقاها قادرتين على حملها أكثر. أمسكت بجوانب السلم بيديها المرتعشتين لتقلل من اصطدامها بدرجاته. لم تكن الكلمات التي خرجت من فمه مجرد كلام، بل كانت زلزالًا زلزل كيانها.
ها هي ذي تلك العيون قد انتبهت لحضورها، وظهرت بسمةٌ خبيثةٌ من أسفل شاربيه الكثيفين. كان يلف طرف شاربه بإحدى يديه، وباليد الأخرى يُخرج من جيب جلبابه قِردانًا ذهبيًّا، ثم قال:
ده لعروستنا الحلوه .
أمسك شعلان بالكردان ونظر إلى سعدية ،فقالت سعديه بغضب لقادر :
بس بنتى فرحها الاسبوع ال جاى على بدر يا عمده. نظر قادر لشعلان وقال :
من امتى الستات بيدخلوا في كلام الرجاله يا شعلان
شعلان وقد بدأ يتعرق من التوتر متأخذنيش يا عمدة بس البت مخطوبه وخلاص فاضل كام يوم على فرحها .
أقترب منه قادر وجلس وهو يقول :
متقعد يا شعلان احنا هنتكلم واحنا واقفين كده وبعدين مش هتقدموا ليا الشاى انتوا بخلاء وله ايه .
جلس شعلان وهى يقول لا ازاى يا عمده ده بيتك ومترحك .
قومى اعملى لينا الشاى يا أم فرحة
قامت سعدية وهي داخلها بركان يغلي من ذلك الرجل الذي كان سيقتل ابنتها أمس، واليوم جاء لطلب الزواج منها، برغم علمه
أنها أوشكت على الزواج بخطيبها بدر.
كانت تُعِدُّ الشاي وقلبها يرتجف، تخاف أن يُغْوِيَ ذلك الطاغية زوجها أو أن يَبْطِشَ به.
ولكن سرعان ما تحققت مخاوفها في أثناء ذلك، وتحت أنظار فَرِحَة الجالسة على إحدى درجات السلم في حالة أشبه بفقدان الوعي، برغم أن عينها لم ترمش.
كان "قادر" يجلس بجانب "شعلان" وفمه قريب من أذنه، يوسوس له بشيء لم تسمعه فَرِحَة. ربما يرجع ذلك إلى أن مئات الأصوات والأفكار والذكريات كانت تضرب عقلها في آن واحد، لكنها كانت ترى التعابير التي عَلَت وجه والدها وهو يبتلع لعابه الذي جرى، والابتسامة التي عَلَت وجهه بالتدريج. كانت تحاول أن تُكذِّب إحساسها بأن والدها سوف يستجيب لإغواء "قادر".
دخلت سعدية بصينية الشاي لتقدمه لـ "قادر"، فوجدته يُغادر وزوجها "شعلان" يوصله للباب، والضحكات تملأ وجهه وهو يدعو له بطول
العمر.
ظلت أعيُن فَرِحَة مفتوحة على آخرها، تصارع لأجل أن تحرِّك قدميها أو حتى أن تنطق ببعض الكلمات،
وهي ترى سعدية (أمها) تتشاجر مع شعلان وهي تقول:
يعنى ايه يا شعلان وافقت على جواز البت من قادر أنت شكلك اتجننت .
" اخرصى يا وليه أنتى ،بدل لما آدبك أنا راجل البيت وكلمتى هى ال هتمشى ".
صوت طَرْقَاتٍ على الباب. فتح شعلان الباب ووقف وقد تغيرت تعابير وجهه للجدية، وقال: "أيُّ اللي جابك دلوقتي يا بدر؟".
كان وقوع اسمه (بدر) عليها يكفي ليُطفئ الصراعات التي تدور في عقلها. وقفت وكل ذرة في فؤادها كانت مُتحفِّزة لرؤيته، ولسماع صوته وهو ينطق اسمها، ولنظرة حب طاهرة من عينيه التي أرهقها العمل، من أجل أن يغدوا معًا للأبد،
ليطمئنها أنها لن تكون لغيره.
لكن ما سمعته حوّل كل أمانيها إلى غبار.
" بدر "
اسف يا عم شعلان لو جيت من غير معاد بس أنا جبت توب القماش ده لفرحه تفصل منهم الهدوم ال تعجبها علشان الفرح مقدرتش استنى لبكره أول لما اشتريته قولت اجيبه افرحها بيه .
" شعلان بحزم "
خد الحاجات ال انت جايبها ديه يا بدر وامشى من النهارده فرحه ديه زى أختك .
رد بدر بصوت متقطع اختى !
اختى أزاى يا عم شعلان ده فرحنا الأسبوع ال جاى .
" شعلان "
أسمع يا بدر أنا بعتبرك زى أبنى.
أسمع نصحتى فرحه مش نصيبك روح شوف حالك يا بنى وياريت متجيش البيت ده تانى فرحه فرحها
الأسبوع ال جاى على العمده.
بدر بصوت عالى وقد قفد التحكم في أعصابه
أنت بتقول ايه عم شعلان فرحه ديه خطيبتي انا . ال هيفكر يبصلها أنا هقتله .
فجأةً، دخل اثنانِ من الغُفَرِ كان قد تركهما قادر لمراقبة البيت تحسُّبًا لأي ردِّ فعل. أمسكوا ببدر وقاموا بسحبه خارج البيت وهو يصرخ بأعلى صوته: "سيبوني! فرحة ديه حبيبتي، أنا مفيش حد يتجوزها غيري. هتبيع بنتك بكام يا شعلان؟".
" شعلان " اخرص قطع لسانك يا هلفوت دلوقتي طلعلك صوت كنت أتشطر على *** ال دايس على وشك فى المطحنه وأنت مقدرتش ترفع عينك فيه .
وأمسك شعلان ثوب القماش الذي أحضره بدر، وقام بإلقائه في وجهه خارج البيت. حاول بدر التملُّص من أيدي الغُفَر، لكنهم قاموا بسبِّه والانهيال عليه بالضرب بعصًا خشبية غليظة، حتى سال الدم من رأسه وبدأ توازنه يختل، فقاموا بأخذه
إلى سرايا "قادر".
جَرَتْ فَرِحَة وهي تصرخ: "ليه كده يابا؟
بدر! بدر!
سيبوه، حرام عليكم!".
أمسك شعلان بابنته فَرِحَة وأغلق الباب، وقال لها:
بصى يا بت انتى فرحك على العمده الأسبوع ال جاى انا مش عايز اسمع سيره بدر هنا تانى وخروج من البيت مفيش لغايه لما تروحى بيت جوزك .
ظلت تصرخ وهي تقول: "أنا مش هتجوز غير بدر! سيبوني، خلوني أروح له!".
"شعلان"
وهو ينهال على فَرِحَة بالصفعات: "يا فاجرة! أنا ما عرفتش أربيكي! أنا هموتك، بينك وبينه إيه يا بنت الـ**، علشان تقولي كده! انطقي!".**
ظل يضربها وهي تصرخ، وأمها تحاول تخليصها من بين يديه وهي تقول: "خلاص يا شعلان، البنت هتموت في إيدك، سيبها بقى، وكل اللي أنت عايزه هيكون".
حتى سقطت فَرِحَة فاقدة الوعي بين أيديهما.
فى سرايا قادر
" حسنين "
يا حضرة العمده الغفر جابوا بدر وحطينه في الاوضه الفاضيه ال وره السريا . عمال يزعق ويهفلت في الكلام جنابك .
" قادر "
علموه الادب عقبال لما اجيله .
نادى "قادر" على الخادمة "نفيسة": "حَضِّرِي الطعام". جلس على المائدة يأكل الطعام بِنَهَمٍ شديدٍ، وكأنه لم يأكل منذ سنوات، غير مكترث لصوت نَحِيب زوجته المحبوسة داخل غرفتها، أو صرخات تعذيب "بدر" التي وصلت السَّرايا برغم بعد المسافة. كان يأكل بشراهة ومعالمُ الفرحة تَعْلُو مُحياه.
بعد ساعتين
داخل غرفة مَصُونة من الطين، بها معدات بستنة قديمة، كانت أشبه بالمخزن، يتكور "بدر" على نفسه في إحدى زواياها بعد أن خارت قُواه، وأصبحت ملامحه لا تُرى من شِدة التعذيب. ويقف اثنان من غُفَرِ العُمدة على يمينه ويساره.
دخل "قادر" الغرفة وهو يقول: "ها، عقلك رجع لك ولا لسه يا بدر؟".
"بدر"
"هو أنت إيه؟ شيطان! عايز إيه؟ ما أنت عندك كل حاجة، جاه ومال! حاطط عينك على الحاجة الوحيدة اللي بأتمناها من الدنيا ليه؟".
نظر "قادر" إلى الغُفَر، فقاموا بضرب "بدر" بعِصِيِّهِم الغليظة على قدميه.
وقال موجِّهاً كلامه إلى "بدر": "فرحة من هنا ورايح مش عايزك تجيب سيرتها على لسانك. كانت خُطوبة وأبوها فسخها، هي دلوقتي هتبقى على ذِمَّتي أنا. هتبقى مرات سيدك قادر العمدة. يعني لو فكرت تجيب اسمها على لسانك هاقطعهولك، أنت فاهم؟".
وسط صرخات "بدر"، ظل "قادر" يكمل كلامه وهو يقول: "وكمان لو مش خايف على نفسك، خاف على أبوك اللي كَبِر ومابقاش حَمْل المرمطة، ومرات أبوك الست الغلبانة. واعمل حساب إن أنا لَمِتْكُوا من الشارع بعد ما أبوك مابقاش حيلته حاجة، وشغَّلْتُه عندي هنا في السرايا، ولَمَّتْكُم في بيت. اعمل حساب لأفضالي عليكوا."
ثم قال موجِّهاً كلامه للغُفَر: "كفاية كده، وقفوا ضرب. ها يا بدر، قلت إيه؟".
فقام "بدر" ببَصْقِ الدماء التي نزفت من فمه على وجه "قادر" وهو يقول: "لو آخر نفس فيَّ، أنا عمري ما هاسيب فرحة".
اشتعل وجه "قادر" من الغضب، وظل يضرب "بدر" بعصاه الغليظة على قدميه، وهو يَسُبُّه بأفظع الأوصاف حتى سمع صوت كسر عظام قدمه، وهو يقول: "أنا هاوريك يا جربوع إزاي تتطاول على سيدك قادر!". وأمر الغُفَر بالاستمرار في تعذيبه.
وغادر وهو يمسح أثر البَصقة عن وجهه، وذهب مسرعًا ليرسل خطابًا لأحد معارفه من ضُبَّاط المركز، يبلِّغ عن "بدر" على أنه سارق كان يسعى لسرقة السَّرايا.
في ذلك المساء، كان بيت "فرحة" صاخباً بنقاش أبيها وأمها بشأن ما حدث. كان صوت أمها جلياً، لكن سرعان ما أخذ في التناقص حتى اختفى تماماً. برغم أن صوت والدتها كان يعبِّر عن شجارهما، إلا أنه كان يعني لـ "فرحة" الأمل في عدول والدها عن تلك الزيجة، أو بالأحرى البيعة. وها هي الآن ترتجف خائفة من مصير مجهول.
كانت تخشى أن تقبل بالزواج من ذلك العجوز، فتترك حُبَّ عمرها، والرجل الوحيد الذي ترك بصمته على قلبها وروحها. وأيضًا كانت تخشى أن ترفض الزواج، فتخسر "بدر" للأبد، ويناله بَطْشُ ذلك الطاغية. لكن الأمل هو صوت دفاع "سعدية" عن سعادة ابنتها، ولكن حتى تلك القَشَّة انقطعت باختفاء صوت أمها. أدركت "فرحة" ما حدث، لكنها قررت أنها إن لم تستطع إنقاذ نفسها، فعلى الأقل سوف تنقذ "بدر".
"عند سعدية وشعلان"
كانت "سعدية" تجول في الغرفة ذهاباً وإياباً، وهي تغلي كالقدر وتقول:
شعلان أنت شكلك عقلك خف على كبر أنت ازاى تواقف تجوز بنتك لقادر ال سنه اكبر من سنك ومتجوز كمان ده لو كان عيل من عياله عاش كان زمانه اكبر من بنتك ، لأ وكمان تفسخ خطوبتها من بدر ال بنعتبره زى ابننا تمام ده احنا ال مربيونه لأ وكمان بتحدد الفرح فى نفس يوم ال كانت فرحة هتتجوز فيه بدر أنت عايز تكسر قلب بنتك .
" شعلان "
اسكتى يا وليه واعقليها دلوقتي قادر ال بتقولى عليه اكبر منى ده يبقى عمده البلد كلها وعنده اطيان العين متجبش اخرها و مراته اهى شكل عقلها خف اللهم احفظنا وهو لوه عنده عيل وله غيره يعنى لو أتجوز فرحه هتنغنغ فى العز ولو جابتله إبن هتبقى هى الكل في الكل هتبقى هانم الكل يعملها ألف حساب، وغير كده هينوبنا من الحب جانب هو قالى بعضمه لسانه أنه هيدينى كام قراط أرض أزرعهم وأبقى صاحب ملك بدل ما أفضل طول عمرى أجرى أنا وعيالك ونبقى نسايب العمده .
بدر أيه ده ال انتى بتكلمينى عليه؟ انتى غاوية فقر . لو أنت بومه وراضية بالفقر بصى لمصحله عيالك وبنتك ال هتبقى ست البنات كلهم
" سعديه " بسسس أنا بقول بردوا منتسرعش ده بنتنا يا شعلان
" شعلان "
خلاص اسكتى وقفلى الموضوع .
وأنتى فكرك لو قولنا لقادر لا احنا غاوين فقر و مش عايزين الجاوزه ديه هيسبنا في
حالنا ! ده مش بعيد يحبسنى ويشردك انتى وعيالك . اسكتى يا سعديه افرحى لبنتك والعز ال هتبقى فيه على أيدي قادر ونامى بقى خلى الليلة دى تعدى .
" سعديه "
"وكمان بتقول قادر كده على طول؟"
شعلان وهو يتثاءب ويُغمض عينيه: "طبعاً أقول قادر من غير ألقاب، مش خلاص كلها كام يوم ويبقى جوز بنتي ونسيبي؟ يعني خلاص الرؤوس اتساوت".
سعدية محدثة نفسها: "برغم أن قلبي مش مُطاوعني، بس كلامك صح يا شعلان. إحنا مش قد قادر لو رفضنا. ولو صَدَقَ وفعلاً كانت الجوازة دي هتجيب لـ "فرحة" الخير، هي وأخواتها، فإذا جَاءَكَ الغَصْبُ خُذْهُ بِجَمِيلِهِ". ثم غَطَّتْ في سُبات عميق.
بعد أسبوع
في ضوء الغروب الذهبي، تتسرب أشعة الشمس بين أغصان أشجار الجميز الكبيرة في حديقة سرايا "قادر". تتعالى ضحكات الخدم والعاملين في السَّرايا وهم يُعِدُّون لزفاف "قادر"، فهم في انتظار عطايا "قادر" لهم. أما بداخل السَّرايا، فكانت النساء يقِفْنَ على قَدَم وساق لأجل تجهيز ولائم الزفاف، ويتَهامَزْنَ عن مدى حظ "فرحة" السعيد الذي جعل العمدة يختار أن يتزوجها هي من بين جميع بنات القرية، بدلاً من أن تتزوج "بدر" عامل الطحين البسيط الذي كل رقعة في جلبابه أكبر من الأخرى. غطَّى صوت ضجيج النسوة على صوت أنين تلك المسكينة، التي كان جزاء صبرها كل تلك السنوات هو الحبس في غرفتها، حتى أصبحت كالدمية التي لا يتركها من يديها، وزواج زوجها عليها بفتاة تصغره بخمسة وأربعين عاماً.
على الجانب الآخر
في إحدى غرف السَّرايا، كانت تجلس "فرحة" مرتدية فستان الزفاف الأبيض، جَسَدٌ بلا روح، عَبَراتها مُتَحجِّرة في مُقْلَتَيْها. وتتعالى حولها ضحكات وغناء بنات من القرية، اللاتي جاء بعض منهن مُهنِّئاً، وآخرات أتين لإعدادها للزفاف.
دخلت الغرفة صديقتها "جمالات" وهي تُصَفِّق وتُزَغْرِد وتتمايل مع صوت غناء الفتيات، وقالت: "عقبال عندكم يا بنات. يالا بقى ما تأخذونيش، رُوحُوا أنتوا سَاعْدُوا في تحضير الأكل للمعازيم، عقبال لما أزَوَّق العروسة".
أخرجت "جمالات" باقي الفتيات وسرعان ما تحولت تعابير وجهها للجدية، وقالت: "أنا عرفت مكانه".
"فرحة": "طمنيني عليه يا جمالات. اديتيله الجواب؟".
ردَّت "جمالات" وقد علا وجهها ابتسامة لعوب: "ادتهوله، كان ممنوع حد يعرف مكانه أو يشوفه، بس أنتِ عارفة مفيش حاجة تصعب عليَّ، وحسنين أول لما رميت له الصنارة قال لي على مكانه على طول".
تساقط الدمع من عيني "فرحة"، وقالت: "هو عامل إيه يا جمالات؟ طمنيني".
"جمالات": "الصراحة، الكذب خيبة! كان شكله متبهدل خالص، ده حتى ما كانش قادر يمشي، كان بيجُر رجله".
تحولت الدموع في عين "فرحة" إلى بكاء شديد، وقالت: "أنا السبب في كل اللي حصله".
"جمالات" وقد ظهرت علامات الدهشة على وجهها: "طالما بتحبي بدر أوي كده، وافقتي تتجوزي العمدة ليه؟!".
وضعت "فرحة" يديها على قلبها ونكَّسَتْ رأسها وقالت وهي تحاول السيطرة على شهقاتها: "وافقت علشان بحبه يا جمالات".
وفي تلك اللحظة، فتحت "سعدية" باب الغرفة وهي تحاول التظاهر بالسعادة، وقالت: "مبروك يا عروسة، اتكتب كتابك".
لم تنطق "فرحة" بكلمة، فكان وقع الكلمات عليها كالخناجر المسمومة التي تطعن قلبها، وتساقط دمع عينها كالسيول.
"سعدية": "بتعيطي ليه بس؟ ده بكرة هتبقي ست الكل، وتبقى هانم عندك خدم وحشم وكل طلباتك مُجابة، ده من حقك ترقصي وتزغرطي، ده أي بنت تتمنى اللي أنتِ فيه دلوقتي".
نظرت "فرحة" إلى أمها نظرة كسر وخيبة أمل، ولم تُعَقِّب، اكتفت بدموعها.
"سعدية" حاولت تجاهل تلك النظرة، وقالت لـ "جمالات": "إيه يا جمالات؟ ما زوَّقتيش عروستنا ليه؟ ده الكل مستنيها".
"جمالات":
"حاضر يا خالتي، ثواني وتبقى جاهزة".
وضعت "جمالات" بعض مساحيق التجميل على وجه "فرحة" التي سَلَّمَتْها وجهها في استسلام تام.
"جمالات":
"أهي عروستنا جهزت".
"سعدية":
"الله أكبر، ما شاء الله. حَصْوَة في عين اللي ما يصلي على النبي. زغْرِطِي يا بت يا جمالات".
خرجت "سعدية" وفي يدها ابنتها وسط زغاريد "جمالات"، وهي ترسم ابتسامة على وجهها تحاول أن تُداري بها الصراع المحتدم داخلها.
كانت لا تعلم هل ما تفعله سيكون في صالح ابنتها، أم سيكسر قلبها. ولكن على كل حال، لقد تزوجت من العمدة "قادر" وانتهى الأمر. بعد تسعة أشهر، ربما تضع مولوداً وترث كل أملاك "قادر".
من المؤكد أنها سوف تنسى "بدر" عندما تذوق الثراء على يد "قادر". كما أن "قادر" سيعطي "شعلان" فداناً من الأرض ليزرعها، أي سوف يكون ضماناً لمستقبل إخوتها أيضاً.
كانت تحاول إسكات ضميرها بذلك الكلام الذي يدور داخل عقلها فقط، وهي تنزل الدرج مع ابنتها "فرحة" تتجه نحو مجلس النساء
جلست "فرحة" وسط مجلس النساء كَدُمْيَةٍ بلا روح، تتراقص حولها بنات القرية وتَعْلُو زغاريد النساء. وتقف على يمينها صديقتها "جمالات" هادئة عكس عادتها، فهي كانت دائماً تحب أن تكون مَحَطَّ أنظار الآخرين. أما اليوم، فهي حزينة على ما آلت إليه أحوال صديقتها، برغم ما كانت من قبل تَحُسُّ به من غَيْرَةٍ نحوها. لكنها برغم أي شيء، هي حقاً تحب "فرحة" كأخت لها.
وعلى جانب "فرحة" الأيسر، تقف "سعدية" أمها وهي تُصَفِّق وتُرَدِّدُ الأغاني مع نساء القرية.
على الجانب الآخر، كان "بدر" يمسك بخطاب "فرحة"، يتساقط دَمْعُهُ ويَعْتَصِرُ قلبه مع كل حرف يقرؤه.
"إلى حبيبي الوحيد بدر، في الوقت الذي تقرأ فيه رسالتي إليك سأكون قد غدوت لغيرك. أنا آسفة، فَبَطْشُ "قادر" أقوى من أن نكون سوياً. لقد ضحيت من أجلي كثيراً، وحان دوري الآن. في فجر اليوم القادم سوف يُطْلَقُ سراحك. أرجو منك أن تأخذ والدك وتُهاجِرَا تلك القرية. حبيبي بدر، حتى إن أصبح جسدي لغيرك قصراً، فروحي وعقلي لك يا عشقي الأول والأخير. الوداع."
كان يريد أن يُكَذِّبَ نفسه، ألا يصدق أن "فرحة" تتزوج الآن غيره، وأنها ستصبح مِلكاً لغيره في نفس اليوم الذي كان من المفترض أن يدعوَ كل منهما للآخر. وأنها آثَرَتْ أن تُضَحِّيَ بنفسها من أجل إنقاذه.
ظل يَدُقُّ على باب الزنزانة بكل ما أُوتِيَ من قوة، وكأن كل جراحه قد اختفت، حتى دخل عليه الغفير المُوَكَّل بحراسة المكان المحبوس فيه. لم يَشْعُرْ بنفسه إلا وهو يمسك برأس الغفير، يَصْدِمُهُ في الحائط مِرارًا بهستيريا، حتى وقع الغفير على الأرض مُفَارِقًا الحياة. لحسن حظه، كان الغفير يحرسه وحده، لأن الباقين مشغولون في زفاف "قادر"، حتى ضابط المركز وعساكره الذين أحضرهم "قادر" لترحيله إلى السجن كانوا جميعاً في الزفاف.
أخذ "بدر" المفتاح من جيب الغفير، ورَكَضَ بأقصى سرعة باتجاه بيت "قادر".
في سرايا "قادر"
وسط تجمع كبير من أعيان القرية والعوام داخل
حديقة سرايا "قادر"، تتعالى بينهم أصوات المزامير وطلقات الرصاص في جو يغلب عليه الفرحة والابتهاج، مع رقصات التحطيب.
يقف "قادر" ذلك الرجل المُسِنُّ في الستين من عمره، بجسدٍ مُعتدل قوي رغم تقدم السن، يرتدي جلبابًا ريفياً فاخراً من أفضل أنواع الكتان الرمادي الداكن، يرتدي فوقه عباءة سوداء منقوشة بالذهب على أطرافها، وقد لَفَّ على رأسه شالاً أبيض بطريقة توحي بالهيبة. وجهه مصقول بالتجاعيد، تحمل نظراته مزيجاً من الحكمة والصرامة، وعيناه ثاقبتان تَلْمَعان بثقة وعنفوان مكبوت. يمسك بيده اليمنى "نَبوتًا" (عصا غليظة من الخشب الداكن)، تستند إلى الأرض كما لو كانت امتدادًا لسلطته وجذوره. من ملامحه: أنف بارز، بشرة سمراء حِنطِيَّة، وشارب كثّ مُهذَّب.
كان ينظر إلى حفل زفافه بقدر كبير من الفرحة والانتصار. الانتصار على حُزْنِهِ، والانتصار على مصيره المحتوم. كان يُشير إلى المعازيم بـ "نَبوتِه" في إشارة منه أن الحفل أوشك على الانتهاء، وهذا هو وقت دخوله بعروسه. تعالت أصوات طلقات الرصاص (المُجاملَة)، وهو يتقدم نحو مجلس النساء برفقة "شعلان" والد "فرحة".
عندما وصلوا للمجلس، تقدم "شعلان" وأمسك بيد ابنته بحنو ليقدمها لعريسها "قادر"، وهو يبتسم وتلمع عيناه بدموع الفرحة.
ضَمَّتْها أمها وقَبَّلَتْها من جَبِينِها، وهي تدعو لها بالسعادة الدائمة. ثم حملها "قادر" ليصعد بها إلى غرفته وسط زغاريد النساء، ونظرات "جمالات" الحزينة ودموع "سعدية" التي كانت تحاول إخفاءها وسط زغاريدها.
أما هي فكانت كَتِمْثالٍ شمعي مَسْلُوبِ الإرادة.
كانت الغرفة يَبْدُو عليها الفخامة: سرير كبير من النحاس الأصفر اللامع مَفروش من الحرير، مُعَلَّقٌ فوقه صورة كبيرة لـ "قادر" بالأبيض والأسود. وأمامه مرآة كبيرة زُيِّنَتْ حوافها بخشب الأَبْنُوس، مُعَلَّقة فوق مِنْضَدَةٍ من نفس نوع الخشب، موضوع عليها صندوق صغير مَلِيءٌ بالمشغولات الذهبية. وزُيِّنت الغرفة بالشموع الحمراء.
يَكْسُو الغرفةَ سجادٌ مُزَرْكَشٌ فاخر، ودولاب كبير مَلِيءٌ بِشَتَّى أنواع الملابس.
كانت تنظر إلى الغرفة وتشعر كأنها سجن. عندما سمعت صوت إغلاق الباب ورأت "قادر" يتقدم نحوها بابتسامة عريضة وقد تَرَكَ لِعَيْنَيْهِ العِنَان، شعرت أن الدنيا تضيق بها، شعرت كأنها تُشْنَقُ عارية وسط الزحام. حاولت مقاومته بكل ما أُوتِيَتْ من قوة، إلا أنها أحسَّت أن أَوْصَالَها قد شُلَّتْ من هول ما أدركته. لقد أصبحت مِلْكاً لذلك الشيطان الذي دمَّرَ حبها ويغتصب روحها قبل جسدها.
لم تستطع غير الصراخ، الصراخ بأعلى ما تقدر وهي تُغْمِضُ عَيْنَيْها وقلبها يَنزِف من الكَمَدِ، فكل ذرة في كيانها الذي أراد وعَشِقَ "بدر" يرفض ذلك المسخ الجائع. صَرَخَتْ وصَرَخَتْ حتى اختفى صوتها تماماً، وبَقِيَتْ سُيُولُ دَمْعِها.
ابتعد عنها ذلك المسخ وهو يضحك كضحكة الشيطان بعد إغواء آدم. وفي يده مِلاءة بيضاء مُلَطَّخَة بِدَلِيلِ عُذْرِيَتِها المُنْتَهَكة. ارتدى ملابسه وخرج
من الغرفة لِيَتَبَاهَى بدليل عُذْرِيَتِها أمام جميع مَعَازِيمِ الزفاف.
فتحت عَيْنَيْها بعد سماعها لصوت إغلاق الباب. كانت تتمنى أن يكون كابوساً وليس حقيقة، ولكن هيهات! فالحياة ليست دائماً عادلة. وقفت أمام المرآة تنظر لجسدها العاري، وقد عَلِمَتْ أنه ليس بكابوس يمكن الاستيقاظ منه، بل هي داخل ثُقْبٍ أسود لا فِرَارَ منه. نظرت للهب الشموع، فرأت فيه وجه "بدر"، وهو ينظر لها بكل حُبٍّ ويُعْطِيهَا ذلك الشال المخملي وهو يقول لها: "أحبك يا فرحتي الوحيدة".
أمسكت بالشموع بكلتا يديها واتجهت نحو الشُّرْفَة، ووقفت لدقائق تتأمل أباها وأمها وأهل القرية وهم يرقصون حول "قادر"، وكأنهم يحتفلون بالظلم الذي وقع عليها. وهي صامتة تماماً، على وجهها تعابير جامدة، وفي عَيْنَيْها نظرة خاوية من الروح.
انْتَبَهَ لها أحد غُفَرِ العمدة، وجَرَى مسرعاً لِيُنَبِّهَ العمدة. صُعِقَ "قادر" عندما نظر إلى الشرفة فوجد "فرحة" تحرق نفسها عارية، وهي تنظر إليهم من الشرفة. تحوَّلَتْ أصوات المزامير والفرح إلى صَيْحَاتٍ وصرخات. كانت النار تَلْتَهِمُ السَّرايا وتَسْتَعِرُ بشكل جنوني، وكأنها لَعْنَةٌ نزلت عليها، وتريد تطهير نفسها بتلك النار المستعرة من ذلك الظلم الذي حدث بها تحت رِضَا الجميع.
كانت أَلْسِنَةُ اللهب تأكل جميع من تناله في القصر. كان منظراً يَشُلُّ الوجدان، نار مُوقَدة تخرج من جميع الشُّرَف. صرخات من تَأْكُلُهُم النار داخل القصر. منظر العروس التي تَتَفَحَّمُ عارية أمام الشرفة. بعض الخدم يَفِرُّون خارج السَّرايا والنار مشتعلة بهم، يصرخون ويَجْرُون في هستيريا. "شعلان" والد "فرحة" حاول الدخول لِيُنْقِذَ ابنته، فَابْتَلَعَتْهُ النار. "سعدية" كانت تنتفض وكأنها تَجَمَّدَتْ في مكانها، وهي مُعَلِّقَةٌ نظرها على ابنتها وهي تَتَفَحَّمُ.
في تلك اللحظة، وصل "بدر" السَّرايا ليجد عِشْقَهُ يَتَفَحَّمُ تحت أنظار الجميع. لقد رأى نظرة عَيْنَيْها الأخيرة وهي تُفارق الحياة. شَعَرَ أن تلك النيران تَسْتَعِرُ داخل قلبه. صار يصرخ بهستيريا باسمها وهو يتجه نحو السَّرايا. أمسك به بعض أهل القرية قبل أن يُلْقِيَ بنفسه داخل النار. ولكن تلك النيران أصبحت نيرانه الأبدية التي لم تَخْمُد أبداً.
في وسط الزحام، كانت "جمالات" تحاول الفرار من داخل ذلك السَّعير. كاد الدخان أن يُزْهِقَ روحها وهي ترى الجثث المتفحمة حولها في كل مكان. كانت سعيدة الحظ، حيث أُضْرِمَ الحريق في السَّرايا وهي كانت داخل الحمَّام. وعندما رأت النار حولها، غطَّت جميع ملابسها بالماء وحاولت الفرار. وفي أثناء ذلك، سمعت أنيناً داخل الغرفة المحبوسة فيها "عطيات"، فأدركت أنها ما زالت تتنفس. وجدت المفتاح مُلْقى تحت رُكَام من الأثاث المُحْتَرِق، ففتحت لها الباب. ولكن قبل أن تخرج، طالتها ألسنة النار، فَجَرَتْ مسرعة خارج البيت، وقد أمسكت النار بجميع ملابسها.
ترك أهل القرية "بدر"، وسارعوا يلقون عليها الماء حتى تمكنوا من إنقاذها بعد أن تمكَّنَتْ النار من حرق نصف جسدها ووجهها.
جَرَى "بدر" نحو "قادر" وأمسك برقبته وهو يَخْنُقُهُ ويَصْرُخ. فأمسكه الغُفَر، وقاموا بِجَرِّهِ خارج السَّرايا لترحيله إلى السجن، وهو يصرخ ويقول: "هَأَنْتَقِمُ منك يا قادر! هأنتقم منكم كلكم! لن يكفيني أكل قلبٍ حي!".
في وَسْط الدخان، لم يَنْتَبِهْ أحد لـ "عطيات" وهي تخرج من وَسْط الدخان، في يديها الدمية الرملية، تَجْرِي هاربة خارج السَّرايا. وفجأة، انفجرت السَّرايا بما فيها، وصار جميع المعازيم يَجْرُونَ في كل مكان هروباً من النار. أمسكت أم "فرحة" بندقية أحد الغُفَر الذين لَقُوا حَتْفَهُمْ إثر الحريق، واتجهت بصمت ناحية العُمدة، وضغطت الزِّنَاد لِيَقَعَ "قادر" قتيلاً، وقد اخترقت الرصاصة قلبه. فقام العساكر بإطلاق النار عليها لتسقط هي الأخرى.
مع بزوغ فجر اليوم التالي، لم تَعُدِ القرية كما كانت، ففي ليلة واحدة قد تغيرت كل الأحوال. تحوَّل الزفاف لكارثة كبيرة انتحرت فيها العروس عارية، وقتلت أم العروس زوج ابنتها وماتت على يد أحد عساكره. مات أكثر من نصف أهل القرية مُتَفَحِّمِينَ، ومن بينهم والدها. كانت الكآبة تَعُمُّ القرية.
منظر توابيت الموتى ورجال القرية يتجهون بها للمقابر، مع منظر النساء وهن قد اتَّشَحْنَ بالسواد، يَمْشِينَ وراءهم في صمت تام.
منظر "عطيات" وهي تجلس أمام شواهد قبور أبنائها التسعة، بملابسها المحترقة وشعرها الأشعث، ووجهها مغطى برماد الحريق، تمسك بيدها المحروقة دميتها الرملية.
منظر "بدر" بعد مرور عدة أسابيع، وهو يُحَاكَمُ على قتل الغفير ومحاولة قتل "قادر". وهو ينظر للقاضي بعينه التي أخذت إحداهما النار، وهو يُنْطَقُ بالحكم المُؤَبَّدِ عليه في إحدى غيابات السجون.
تحولت ملامح "بدر" للدهشة عندما رأى... يتبع
انتظروا الفصل الأخير من رواية "أطوار القمر" قريباً بإذن الله.
"كان كل ما مضى ظلاً للحقيقة... والآن، وقد لاحت أنفاس الفصل الأخير، آن للسرّ أن ينطق."
Shemaa Hisham