---
"وفي الصباح استيقظت ليان وهي مستعدة لأنَّها تعلم أن الرحلة لن تكون بالهينة بسبب ما يحدث في هايتي، وصلت الفجر بحسب توقيت تلك المدينة.
وبعد وقت قد انتهت من كل شيء، ليان وهي تودع أمها: «سلام يا ماما... هتوحشيني...»
ونظرت إلى أبيها الذي كان ينظر لها: «ومش هوحشك أنا كمان».
ردت ليان وهي تحتضنه: «وده كلام يا بابا... أكيد هتوحشني».
أخرجها فؤاد من حضنه ومسّد على خديها بحنان: «خلي بالك من نفسك يا حبيبتي... على فكرة أنا اللي هوديكي المطار».
فرحت ليان: «بجد... احسن عشان الحق أقضي معاك شوية وقت».
وبالفعل قام بتوصيلها إلى المطار بعد أن ذهبوا وأخذوا كلير معهم.
وركَبَتْ على متن الطائرة التي ستنقلهم إلى ميامي بسبب ما يحدث في هايتي؛ فلا يوجد أي مطار بها يستقبل أي رحلات مباشرة، فلهذا سيقومون بالنزول في ميامي، ومن هناك سيقوم الترانزيت بالنقل إلى هايتي، ومنها إلى تلك الأحياء في Delmas. وبعد رحلة دامت لأكثر من تسع ساعات قد وصلوا إلى وجهتهم: مقر استغاثة في Delmas، حيث ستمكث هناك كأنها متطوعة، ورحب رؤساء تلك المنظمة بها لأنها دكتورة كيمياء دوائية وستساعدهم على الوصول لحل.
وقام رئيس تلك المنظومة بالترحيب بها: «مرحبًا دكتورة ليان... يشرفنا أن تتطوعي إلى منظومتنا».
ليان وهي تحدثه برسمية: «إن الشرف لي، سيد أدريان روساس».
رد وهو يشير إلى إحدى العاملات بتلك المنظمة: «سيدة ماري ستدلّك على مكان خيمتك».
هزت رأسها بحسن.
وتوجهت هي وكلير إلى حيث توجد خيمة كل منهما، وكانتا بجانب بعضهما.
نظرت ليان إلى الوضع فوجدته في حالة لا يُرثى لها؛ فهي لا تصدق أنه توجد بمثل تلك الأحياء الفقيرة.
فقد كان هناك أطفال يمسكون بأطباق ينتظرون أن يأخذوا الطعام، وأشكالهم مبعثرة.
كيف لا يتحدث عنهم أحد ولا يساعدهم؟!.. ولكن لحظة... من المفترض ألا تستغرب؛ فالعرب متخاذلون أيضًا، فهناك أبشع من هذا يحدث مع اخواننا في فلسطين ولم يُذْكَرْهم أحد، وقلما يتحدث عنهم احد ، كأنهم ليسوا موجودين في هذه الحياة.
أدمعت عيناها بسبب ما رأته وما تذكرته.
تنهدت بحزن عند وصولها إلى خيمتها فسترَتاح وتباشر عملها من الغد.
ــــــــــ في خيمة كلير ــــــــــ
تأكَّدت هي من نوم ليان، وخرجت، لكنّها وجدت الحراس في كل مكان.
كلير محدثة نفسها: «كيف سأخرج من هنا مع كل هؤلاء الحراس؟»
فلم تجد أي طريقة للخروج، فدخلت خيمتها بخيبة أمل.
ــــــــــ
وفي الصباح استيقظت ليان وصلت الفجر، وانطلقت بعد الصلاة لترى الأجواء هناك.
لم يكن أحد مستيقظًا فالوقت مبكر، ولكنها رأت إحدى الشاحنات الكبيرة آتية، وينتظرها السيد أدريان.
استشفت هي من خزانات المياه أن هذه شاحنة المياه فلم تُعطِ للأمر اهتمامًا، ولكن سمعت شيئًا غريبًا.
هي لا تعلم من يتحدث، لكنه يتحدث إلى السيد أدريان: «حسنًا يا سيد أدريان، هذا خزان المياه الذي يوجد به Ventor (فينتور)». هي لم تفهم عن ماذا يتحدثون.
ولكنها رأت أن هناك أربع خزانات مياه.
وعندما شعر بها السيد أدريان التفت إليها: «ما هذا، سيدة ليان؟ لماذا أنتِ مستيقظة منذ الصباح الباكر؟»
نظرت هي له بشك، لكنها جاوبته بلا اكتراث: «أنا معتادة على هذا» وذهبت وتركته.
ولكنها شعرت بالريبة حيال هذا الرجل. وهي في طريق العودة إلى خيمتها وجدت ماكس.
فأسرع إليها: «سيدتي، لماذا خرجتِ من خيمتك؟ وكيف لم يركَ أحد؟»
نظرت هي له: «لا تخف، فأنا بخير... ولكن هل خرجت كلير؟»
نظر هو إلى خيمة كلير: «لا يا سيدتي، ولكن شعرت بها كانت تحاول أن تخرج».
تكلمت هي وفي عقلها شيء: «اتركها تخرج... ولكن عليك مراقبتها».
وذهبت إلى خيمتها وهي تفكر: «ما هذا Ventor الذي كانوا يتحدثون عنه وفي أي خزان مياه يوجد؟»
وبعد مرور ثلاث ساعات قد استيقظ الجميع فذهبت ليان لترى ماذا يحدث.
رأت مجموعة من الناس يقفون بالترتيب لأخذ الماء؛ فلم تكترث للأمر فهذا عادي.
ولكنها وقفت في الطابور لتأخذ الماء.
فجاءها أحد الحراس: «سيدتي، إن كنتِ تريدين الماء فيوجد معنا ماء».
قاطعته: «لا، أنا أريد من هذا الماء» وشاورت بأصبعها على مكان الخزان.
فقال الحارس: «سيدتي.. والدك وماكس قاموا بالتأكيد علينا أن لا يجب أن تشربي من هذه المياه».
فردت وهي تتحرك إلى الأمام بعدما خرج أحدهم من الطابور، منهية الحديث: «أعلم هذا، ولكنني أعلم ماذا سأفعل... وانتهينا».
ولكن جاء ماكس وفهم من الحارس أنها ستقف في الطابور، فقال لها: «سيدتي، إن كنتِ تريدين أن تقفي في الطابور وتأخذي من هذه المياه فدعيني أنا أقف مكانك وسأأخذ منها».
هزت رأسها موافقة على كلامه.
فذهبت هي لترى ما يحدث حولها، ولكنها رأت كلير ذاهبة إلى مكان.
فرجعت إلى ماكس: «ماكس... كلير ذاهبة... اذهب اليها بسرعة، لكن لا تدعها تراك».
رد عليها ماكس: «حسنًا، سيدتي».
وقد نادى على أحد الحراس ليقف مكانه.
ــــــــــــــ قبل هذا بوقت ــــــــــــــ
استيقظت كلير، فخرجت لتعرف هل أحد من الحراس واقف أمام خيمتها فلم تجد: «حسنًا، هذا وقتي... أعلم أنها مخاطرة، ولكن حسنًا».
ذهبت بسرعة قبل أن يأتي الحراس.
كانت متجهة إلى مكان غريب، لكن ماكس كان خلفها: «ترى إلى أين هي ذاهبة؟»
فقد كان الحي مُدمَّرًا كثيرًا، وهناك بقايا بيوت، ولكنها توقفت خلف إحدى البنايات المتهالكة، والتي أيضًا لم تكن كاملة بسبب ما يحدث من الزلازل.
بعثت كلير رسالة نصية إلى أحد ما: «أنا أَنتَظِرك في مكاننا المعتاد، فتعالِ بسرعة».
وبالفعل لم يمر سوى عشر دقائق حتى أتى شخص.
كان ماكس مختبئًا كي لا يراه أحد.
كلير وهي تنظر إلى أخيها جاك وهو ينزل من السيارة، عندما رآها جاك أسرع باحتضانها، لكنها أوقفته بإشارة من يديها، فقال وهو يعبث بشعرها: «أوه يا أختي الصغيرة... أما زلْتِ حزينة؟»
فنظرت إليه وهي تدفش يديه التي كانت موضوعة على رأسها: «ابعد يديك عني أيها الحقير... فأنا لن أنسى أنك كنت السبب في كل هذا».
نظر هو لها ببراءة: «السبب في ماذا يا متعجرفة؟»
تكلمت كلير وهي تصرخ: «لا تنكر، أنت السبب في تلك الفوضى التي تحدث هنا...» وأكملت وقد اختنقت بالبكاء، ومسحت دموعها التي أغرقت وجهها: «فأنا لن أسامحك مهما حدث... وإن لم تتوقف عن ما تفعله ستندم».
ظل مستمعًا لها ببرود ولم يعِرها اهتمامًا: «لماذا تريدين أن تأخذي دور الضحية... أنتِ حية»... وأكمل بكلمات أقسى: «انا لم أصفعك على يديك لتكوني معي... أنتِ من عملت معي بموافقتك».
تكلمت هي وهي تعلم أنها مذنبة: «لكن لم أكن أعلم أن هذا ما سيحدث...» فتحدثت بصوت ضعيف: «لم أكن أعلم أن أخي سيموت بسبب ما نفعل».
مسح هو دموعها: «صغيرتي كان يجب أن يموت... ولم يمت بسبب ما فعلناه، بل مات بسبب مبادئه اللعينة؛ فهو كان سيذهب إلى الشرطة ويخبرهم عن Ventor، وللأسف كان معه أدلة».
فهمت هي أنه السبب في موت أخاهم لويس: «ماذا... أنت السبب في موته؟! كيف تدعو نفسك أخاه أيها الحقير؟» وكانت ستصفعه ولكنه أمسك بيديها وأدارها خلف ظهرها وهمس بصوت مرعب: «لم يكن أخي ولم أعتبره هكذا».
وقام بدفعها فوقعت على الأرض وذهب وركب سيارته وانطلق.
ولكنها ظلت جالسة في مكانها لم تتحرك.
وقد كان كل هذا على مرأى ومسمع ماكس، وكانت تسمعهم من الجهة الأخرى ليان.
ولكنه عندما رأها لم تتحرك وتبكي، ذهب إليها وأوقفها. تفاجأت هي من وجوده، لكنه تكلم بايجاز: «السيدة ليان تريدك».
وقام بسحبها خلفه.
أما هي فعلمت أن ليان لن تسامحها.
ـــــــــــــــ في المخيم الذي توجد به ليان ــــــــــــــ
كانت تفكر ليان بكل ما سمعته: «كده الحكاية وضحت: كلير متورطة في كل اللي بيحصل ... ومش بس كده، ده أخوها كمان.
وأيه حكاية Ventor ده؟ وأكيد أدريان دة متورط معاهم».
حسنًا، فهي لن تترك كلير حتى تشرح لها كل شيء.
قامت بمهاتفة ماكس لكي تقابله هو وكلير خارج المخيم.
وبالفعل وصلت ليان بالسيارة حيث كان ماكس مع كلير.
ليان وهي تتجه لكلير: «أريد أن أتحدث معك في السيارة».
تحركت كلير إلى حيث أشارت ليان.
ووجهت حديثها إلى ماكس: «أريدك أن تقف وتحيط بالسيارة ولا تجعل أي أحد يقاطعنا».
هز هو رأسه: «حسنًا». وكانت عيناه متعلقة بتلك الفتاة.
ركبت ليان السيارة وجلست بجانب كلير: «الآن أريد أن أفهم ماذا يحدث... ولا تكذبي».
كلير وهي تنظر إلى الفراغ، فهي بعدما علمت أن أخاها هو من قتل أخاهم الأصغر لكونه من أب غير أبيهم وأيضًا من أب مسلم.
فهي تعلم أن أخاها يكره المسلمين؛ لهذا كان يكره أخاه، ولكنها لم تعلم أن يصل به الأمر إلى أن يقتل أخاه.
ليان عندما رأت أنها ليست معها، نادت عليها ووكزتها في يدها: «كلير».
كلير بعد أن عادت إلى واقعها وجدت ليان تنظر لها: «حسنًا، سأخبرك... عندما تطوعت إلى منظمة الاستغاثة هنا لأساعد الناس، بعد أيام أتى لي أخي يخبرني أنه يريدني في شيء».
جاك وهو يأتي إلى كلير في المخيم: «كلير، كلير، أريدك في شيء».
نظرت له بعد فهم: «ماذا تريد جاك؟»
نظر لها: «أريدك بالخارج». ذهبت كلير معه، لكنها رأت رجلين معه بالخارج. نظرت هي لأخاها بعدم فهم، هز لها رأسه: «ستفهمين كل شيء».
جلست مع أخيها والرجلين، وتحدث أخوها: «كلير، نريد أن نفاتحك في موضوع... بما أنك تعملين هنا نريد منك أن تفعلي شيئًا».
نظرت له: «وماذا تريد؟»
مد لها الرجل يده بزجاجة بها شيء لونه أخضر، فلم تفهم، ليكمل أخاها: «نريدك أن تضعي محتوى الزجاجة بخزان مياه أولئك الناس».
فنظرت له بعدم فهم: «وماذا يوجد بداخل الزجاجة؟ لماذا تريدين مني أن أضعها في خزانات المياه؟»
نظر الرجلان إلى جاك، فقال جاك: «افعلي ما قلته لك فقط وسنعطيك ما تريدين».
فوقفت هي مغادرة: «كلا، فلن أفعل... وأيضًا لا أعلم ماذا يوجد بداخل الزجاجة وما فائدتها».
أمسك بيديها جاك وأجلسها: «اجلسي، لم ننهِ الحديث بعد».
وسألها: «لماذا أنت تعملين هنا؟»
نظرت له بعدم فهم، ليكمل: «أنت تعملين هنا لتساعدي الناس، صحيح؟... ونحن هنا لمساعدتهم».
فتكلمت كلير بسخرية: «وكيف ستساعدهم يا ترى؟»
رد هو بجدية: «سنخلصهم من حياتهم المأساوية».
ففهمت هي ما يرمي إليه، فهبَت واقفة لتترك المكان فأمسك بها مرة أخرى: «اجلسي فقط، عليك سماعي للنهاية».
فنفضت يده عن يدها: «أتريد منِّي أن أقتل أناسًا أبرياء؟» وكانت ستذهب، ولكن جاك وقف وأمسك بيديها وأوقفها عن الذهاب: «انتظري، انتظري... انظري حولك: هل أولئك الناس أحياء؟ انظري إنهم يموتون في اليوم ألف مرة بسبب المعاناة. وبسبب ما يحدث لهم، صدقيني، نحن فقط سنساعدهم؛ نحن فقط سننهي حياتهم بسرعة، سنخلصهم من كل تلك المعاناة. حسنًا، ساعدينا وسنعطيك ما تشائين من المال».
فَنَظرت هي حولها، شعرت بأن كلامه صحيح بعض الشيء، وفجأة سمع الجميع صوت رئيس المنظمة: «أنتم هناك!»
ظنت كلير أن السيد أدريان لن يسمح بهذا، لكنها صدمت عندما سمعت رده: «أنا سأعمل معكم». وقف الرجلان وتكلم أحدهم: «ومن أنت؟»
رد السيد أدريان: «أنا أدريان روساس، رئيس تلك المنظومة... اجلسوا... اجلسوا، علينا أن نتحدث». وبالفعل جلس الجميع، وأيضًا كلير، ووجه أدريان حديثه إلى كلير: «لماذا لا توافقين على رأي أخيك يا كلير؟ فهو معه حق». ونظر حوله: «أولئك الناس موتهم سيكون بمثابة مساعدة لهم، وافقي، وأنا سأُسهّل لكِ الأمور».
وافقت كلير بعدما رأت أن السيد أدريان وافق، فهي كانت تظنه معه حق وأن لديه قلب.
وبالفعل وافقت على عرضهم وكانت تأخذ أموالًا كثيرة.
وهي لا تعلم لماذا، ولكن بعد أيام اتضحت الأمور: فقد أصيب بعض الأشخاص، ولكنهم لم يموتوا مثلما ظنت.
ولكنها علمت المصيبة الكبرى عندما رأت أنهم يأخذون الأشخاص المصابين إلى مكان لا يعلمه أحد.
وفي إحدى المرات سمعت اخاها جاك يتحدث مع أحدهم: «هل أعضاؤهم سليمة؟»
«كنت أظنها لم تعد سليمة بسبب السم...»
هكذا إذًا، هذه فائدة Ventor؛ فهو يشل دماغهم فقط، وكانهم ماتوا ولكنهم بخير.
عندما سمعت كلير كل شيء فهمت أنهم يستغلونها... وتساعدهم في سرقة أعضاء أولئك الناس الأبرياء.
وبعدما أنهى حديثه، وجد أخته خلفه تنظر له بخذلان وندم، وذهبت.
أما هو فلم يكترث؛ فهي مورطة معه في كل شيء.
ولكنها بعد سماعها هذا لم تكن تضع ذلك السم (Ventor) في المياه.
ولكن بالطبع استمرت الإصابات بسبب أدريان الخائن.
وبعد أيام كان لويس يبحث في المنزل عن أوراق في غرفة أخيه لأنه كان بحاجة إليها، وقد أخبره أنها بالغرفة، ولكنّه رأى درجًا خفيًا في السرير.
فتحه، ورأى أوراقًا ظنّها التي كان يريدها، ولكنه تفاجأ بسبب ما يوجد بداخلها.
فقَد رأى أموالًا محولة في حساب أخيه عن طريق شركات وهمية، وأيضًا هناك أسماء غريبة: Ventor، وأسماء أشخاص.
وأيضًا كان هناك نسخ أوراق لتجارة الأعضاء.
فجلس على السرير وهو لم يستوعب ماذا يحدث وبماذا اخاه متورط .
ـــــــــــــ
Ebtisam Esmail