حادث مدبر

حادث مدبر

17 0

---

وفي مساء يوم الجمعة، في مدينة بالتيمور بالولايات المتحدة الأمريكية، كانت عائلة ليان تستعد للخروج للعشاء معها.

قالت والدة ليان مريم:

"عزمتي جمانة يا ليان عشان نطلع نتعشى مع بعض برة."

ردت ليان بابتسامة:

"ايوة يا ماما… قولتلها وهي خلاص بتجهز وهنروح ناخدها من بيتها."

قالت أمها:

"خلاص… هنسبقك على العربية احنا."

هزت ليان رأسها لها:

"تمام."

دعَت ليان صديقتها جمانة لكونها وحيدة في هذه المدينة، وليس لديها عائلتها هنا، فكانت تعتبر عائلة ليان هي عائلتها، وأيضًا والدا ليان اعتبروها ابنتهم الثانية.

ظلت ليان تفكر:

"هي ليه مش بترد عليا رغم اني مأكدة عليها… يا الله."

نزلت خلف أمها وأبيها ليركبوا السيارة ليذهبوا لجمانة، وبعد نصف ساعة تقريبًا وصلوا إلى مكان منزلها.

نظرت مريم إلى باب البناية:

"هي مش واقفة ليه على الباب زي كل مرة؟"

ردت ليان بحيرة:

"مش عارفة يا ماما… حتى هي مش بترد على موبايلها."

قال فؤاد:

"ممكن تكون  لسة مجهزتش… روحي شوفيها يا ليان."

ردت ليان وهي تفتح باب السيارة:

"تمام يا بابا."

نزلت ليان واتجهت إلى شقة صديقتها، ورنت جرسها:

"جمانة… افتحي… هذا أنا، ليان."

ولكن لم ترد عليها. كررت مرة أخرى:

"جمانة… جمانة… هذا أنا، ليان."

ولكن حصلت على نفس النتيجة. لم يكن أمامها حل سوى فتح باب الشقة بالمفتاح الذي معها. عند دخولها، شعرت أن هناك شيئًا خاطئًا بسبب الفوضى، فصديقتها ليست فوضوية بهذا الشكل.

وجدت الصالون بحالة لا يرثى لها، وكأن إعصارًا هب هناك؛ الكثير من الفازات مكسورة، وبقايا الحطام على الأرض، والأريكة ووسادتها مرمية بشكل عشوائي.

نادت ليان على جمانة وهي خائفة:

"جمانة… جمانة… أين أنتِ؟ ولم كل هذه الفوضى؟"

دخلت إلى حجرة صديقتها، وجدتها مبعثرة أيضًا. قالت لنفسها:

"يا ترى… إيه اللي ممكن يكون حصل لها… يارب استرها."

خبطت على باب الحمام:

"جمانة… جمانة!"

ولكن كالعادة، لم يأتِ رد، ففتحت الباب ولم تجدها. بحثت في كل أرجاء الشقة ولم تحددها أيضًا. قالت لنفسها:

"أنا لازم أقول لبابا… هو هيتصرف."

أسرعت للنزول إلى والدها وركبت المصعد وهي متوترة كثيرًا. وعندما فُتح باب المصعد، وما إن وصلت إلى الطابق الأرضي، سمعت صوت اصطدام كبير. لحظة صمت مرت عليها وهي تدعو ربها ألا يصيب والديها مكروه.

---

في أسفل البناية، حيث كانت سيارة والد ليان، كانت مريم تتحدث مع فؤاد:

"جمانة ملتزمة بمواعيدها… مش عادتها إنها تتأخر يا فؤاد… أنا خايفة يكون حصل لها حاجة."

رد فؤاد وهو يربت على يديها ليطمئنها:

"متخفيش يا مريم… إن شاء الله خير… ومش هيكون حصل لها حاجة."

بعد عدة دقائق، كانت هناك شاحنة كبيرة آتية بسرعة، وكان هدفها سيارة فؤاد. اصطدمت الشاحنة بالسيارة، وبعد لحظات صمت، استوعب الحراس ما حدث، فأمر ماكس، مدير الحرس:

"حسنًا، أيها الأغبياء… التحقوا بتلك الشاحنة… وأنت يا ليو، اطلب الإسعاف بسرعة!"

---

خرجت ليان من البناية وهي تدعو أن يحفظ والدتها ووالدها وجمانة، ولكن لحظة… ماذا يحدث؟ رأت مجموعة من الحراس ملتفين حول سيارة والدها يحاولون إخراج والديها من السيارة المهشمة.

هرولت نحو السيارة:

"بابا… ماما… إيه اللي حصل لكم؟"

تحدثت إلى ماكس:

"ماذا حدث لهم؟ أخبرني… وكيف حدث؟"

رد ماكس:

"لا نعلم، سيدتي… كنا جالسين وفجأة اصطدمت شاحنة كبيرة بهم."

هزت رأسها وهي تصرخ بهيستيريا:

"لا… لا… لا… لا يمكن… نفذوا تهديدهم!"

وصلت سيارة الإسعاف، ونُقل والداها إلى المستشفى. بعد مرور ربع ساعة، وصلوا وأُدخل كل واحد لغرفة لتلقي الإجراءات اللازمة.

وقفت ليان خارج الغرفة، تنظر إليهم من خلف الزجاج:

"أنا السبب… أنا السبب!"

كانت تتحدث بهيستيريا، تنظر إلى يديها الملطختين بالدماء وخمارها الأبيض الذي تحول إلى الأحمر. جلست على مقعد بجانبها، متمنية لو كانت هي بدلاً منهم:

"يا ريتني أنا يا بابا… يا ريتني أنا… ومكانش حصللكم حاجة… كل ده بسببي… كل ده بسببي."

بعد قليل، أتتها رسالة على هاتفها:

﴿ ألم نخبركِ أنه إن لم تبتعدي عن وجهنا وتتركينا نعمل بسلام، فهذا ما سيحدث… حسنا، هذه عبارة عن قرصة أذن صغيرة لتبتعدي عن الوقوف بوجهنا… وصديقتك هنا معنا، لا تخافي عليها. ﴾

عندما قرأت الرسالة، تأكدت أنها السبب بالفعل، وكانت وحيدة، فتنهدت بوجع:

"يا الله…"

---

وقبل كل تلك الأحداث، كانت جمانة مستلقية على سريرها، تعبث بهاتفها. رنت عليها ليان فأجابت:

"مرحبا ليان… كيف حالك؟"

ردت ليان بود:

"بخير الحمد لله… كنت أتصل بك لتستعدي لتناول العشاء معنا بالخارج… ما رأيك؟"

ردت جمانة بفرحة:

"بكل تأكيد… سآتي… فقد اشتقت كثيرا لعمتي مريم."

ردت ليان بحب أخوي:

"وهي أيضًا اشتاقت لكِ… لهذا أصرّت عليّ أن أدعوك لتناولي العشاء معنا."

أغلقت جمانة الخط وذهبت لتأخذ حمامًا وتستعد للخروج، فهي تحب ليان وعائلتها كثيرًا، وأخص بالذكر مريم، التي تعتبرها والدتها الثانية.

بعد قليل استعدت، وارتدت ثيابها: جيبة طويلة وواسعة من الجلد الأسود، وقميص أبيض، وحذاءها. استعدت للخروج.

فجأة رن الجرس، فظنت ليان:

"لماذا أتت جمانة بكل هذه السرعة؟ كنا متفقين على الساعة الثامنة والنصف… والآن بقي ربع ساعة تقريبًا."

قالت جمانة:

"ليان… لماذا أتيت مبكرًا؟ كنت أريد أن أشرب كوب قهوة قبل أن تأتي… سأجعلك تطلبين لي واحد."

فتحت الباب ووجدت مجموعة من الرجال الملثمين، فأغلقت الباب بسرعة، ولكن لم تكتمل عملية الغلق، حتى ضرب أحد الملثمين الباب، ففتح وسقطت جمانة على الأرض:

"من أنتم وماذا تريدون؟"

حاولت الهرب والزحف للخلف، ورأت أحدهم يقترب منها. رمت فازة عليه، لكنه تفاداها. 

فتحدث الملثم  " لا تحاولي فنحن سنأخذك بأي ثمن كان ." رمت فازة أخرى فأصابته، وقفزت على الأريكة لتقذفهم بوسادتها، ثم ركضت إلى غرفتها لتجد هاتفها نسي بالخارج، ووجدت نفسها في مأزق.

فتح الملثم الباب وصفعها على وجهها حتى نزفت الدماء، وخدرها حتى فقدت الوعي، ثم حملها على كتفه وقال للآخرين:

"انتهت المهمة يا شباب."

استيقظت جمانة لتجد نفسها مقيدة على كرسي في غرفة مظلمة، تذكرت كل ما حدث وبدأت بالبكاء والصراخ:

"أيها الجبناء… اخرجوني من هنا!"

اقترب الملثم منها:

"اصمتي أيتها الفتاة… سيأتي من طلبكِ وسيأخذك… نحن لا نحتاجك."

قام بضربها على رأسها كي تصمت، ثم أرسل رسالة عبر الهاتف:

﴿ نحن بانتظارك لكي تأتي إليها ﴾

---

في المستشفى، كانت ليان بمفردها، تشعر بالوحدة والخوف. حاولت الاتصال بعمها:

"رد بقى ياعمي…"

لم يرد، ففكرت في الاتصال بزوجها رائف بعد عمها جلال.

في القاهرة، كان رائف يتابع عمله في شركة آل هاشمي، فجاءه اتصال لم يتوقعه، وإذا بالمتصلة هي ليان.

رد بسرعة:

"الو يا ليان."

ردت هي بتوتر ودموع:

"الو يا رائف… بابا وماما…"

قاطعه:

"مالهم… حصل لهم إيه؟"

ردت وهي تبكي:

"حصل حادثة… عربية كبيرة جت وخبطتهم."

استوعب رائف الموقف:

"إزاي ده حصل؟ ومن امتى الكلام ده؟"

أخبرته ليان:

"من ساعة تقريبا."

ركب المصعد وهو يصرخ بها:

"من ساعة ولسه فاكرة تقوليلي!"

ردت بخوف أكبر من صراخه:

"والله… لسة مستوعبة اللي حصل… فملقتش غيرك أكلمه."

تنهد رائف ببطء وحاول يطمئنها:

"اهدِّي ومتخفيش… كل حاجة هتبقى كويسة، وإن شاء الله خير. إنتي أكيد خدتيهم المستشفى صح؟"

ردت ليان مؤكدة:

"أه… بس لسة الدكاترة محدش فيهم طلع لحد دلوقتي."

ركب رائف سيارته:

"أنا جايلك دلوقتي… وهقول لماما وبابا عشان يكونوا معانا… ومش هخليهم يعرفوا جدي ولا جدتي باللي حصل."

ردت ليان:

"ماشي."

أغلق رائف الهاتف وانطلق متجهًا إلى المطار ليستقل طائرة العائلة الخاصة، وأرسل لأبيه رسالة:

﴿ بابا، انت وماما أجهزوا… هنروح أمريكا… الموضوع مهم… وأنا هطلع بالطيارة الخاصة… وانتو اطلعوا بالطيارة التانية… مفيش وقت. ﴾

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

خيط الحياة

المؤلف Ebtisam Esmail
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة