---
في صباح يوم الجمعة استيقظت ليان لتصلي الفجر على حسب توقيت تلك المدينة التي تقنط بها، ولكن داهمتها أفكار من الماضي حيث أنها كانت تعيش في مصر حياة هادئة وهنيئة، ولكن حدث شيء جعلها تأتي لمدينة بالتيمور.
كانت فتاة في الصف الثالث الثانوي، وكانت تعيش في قصر عائلة أبيها، عائلة الهاشمي.
وكانت جالسة في حديقة القصر بعباءة لونها سماوي وحجاب طويل، لكون القصر ليس فارغًا من أبناء أعمامها وأيضًا الحراس الذين يقفون على باب القصر.
فكانت تجلس لتذاكر لأنها في سنة دراسية هامة ستحدد مصيرها، وقد ملت من غرفتها، لهذا نزلت للحديقة لتذاكر.
ولكنها لم تعلم ما الذي كان ينتظرها.
كان يقف في بناية أخرى، وكانت هي هدفه لكي يتم إصابتها، فقد كان قناص محترف.
ولم يكن في حسبان أحد أنه سيحدث هذا.
وبالفعل حدد ذلك اللعين هدفه، وكان هدفه الجزء الأيسر مقربًا من قلبها. فهو بالفعل كان يريد قتلها وليس تحذيرًا أو تهديدًا.
ولكن قدر الله أن تنادي عليها ابنة عمها الصغيرة باسمها: "ليان!"
فالتفتت في نفس الثانية التي أطلق فيها القناص الرصاصة.
ولكنا استقرت في كتفها الأيسر بالجزء العلوي من الخلف. صرخت هي بألم فلا تعلم ماذا حدث، وجدت دماءها تسيل.
وابنة عمها صرخت: "ليان! بابا! الحقوني! ليان!"
وأتى الجميع على أصوات صراخها، ولكن ليان لم تكن تعي بأي شيء فقد أُغشي عليها من الألم والمفاجئة.
وأتى فؤاد، أبو ليان، تفاجأ من منظرها هذا وقال: "بنتي ليان! فوقي! فوقي! حد يطلب الإسعاف!"
وقد أمسك بيديها وهو يفركهما بين يديه ويبكي.
وقال عمها جلال: "شيلها يا فؤاد، شيلها! إحنا لازم ناخدها المستشفى!"
هو لم يكن يسمعهم، لم يكن معهم من الأساس.
قام جلال بهز كتفه: "فؤاد! إنت سامعني؟ لازم ناخدها المستشفى حالًا!"
هنا قد استوعب أن ابنته قد تضيع منه. لا، لن يسمح بهذا أن يحدث.
قام بحملها، ونظر حوله، رأى زوجته قد أُغشي عليها من ما حدث.
نظر لأخيه جلال وأخبره: "متخفش... هنا سميرة هتعتم بمراتك، أهم حاجة بنتك دلوقتي."
حسناً، هز رأسه وذهب بابنته إلى المستشفى ومعه أخوه جلال.
وصلوا إلى المستشفى، وكان هناك مجموعة من الأطباء ينتظرونهم بناءً على طلب رائف، ابن جلال، عندما أخبرهم أن ليان قد أُصيبت برصاصة.
وضع أبوه ابنته على السرير، وقد أخذوها لغرفة العمليات لكي تتم الإجراءات اللازمة لها.
ولم تمر سوى بضع دقائق على وصول رائف، علم أين يوجد أبوه وعمه، وذهب إليهم.
وقال: "إيه اللي حصل يا بابا؟ وإزاي ده يحصل؟ ومين اللي عملها؟ والله مش هسيبه اللي عملها!"
لحظة، هكذا كان يستوعب جلال ما يحدث. ابنه منفعل لهذه الدرجة، ولم يعطه فرصة لكي يتحدث، فهو لم يره هكذا من قبل.
قال جلال: "اهدأ، اهدأ... إحنا منعرفش إيه اللي حصل وإزاي حصل، بس فجأة سمعنا صراخها وصراخ أختك باسمها... لقيناها غرقانة دم فجبناها على هنا. أنا قولتلك وإحنا في العربية لما اتصلت بيا."
رد رائف: "يعني إيه يا بابا؟ لولا إني اتصلت مكنتش هتقولي، وإنت عارف إني..."
لم يكمل كلامه على خروج إحدى الممرضات: "إحنا محتاجين دم عشان هي نزفت دم كتير، ومفيش دم متوفر غير نص لتر."
أسرع أبوها ليخبرها أنه جاهز لكي يعطيها من دمائه، ولكن جلال تذكر أنه لديه مرض السكري وحالته غير مستقرة: "إنت مينفعش تتبرع بالدم، انت عندك السكر."
فأسرع رائف: "أنا ممكن أتبرع، أنا تقريبًا نفس الفصيلة."
نظرت الممرضة له، وجدته في حالة جيدة: "خلاص... ممكن تروح. نشوف حالة الدم، ولو مناسبة هناخد منك."
ذهب حيث أخبروه، وبالفعل كانت الحالة الصحية جيدة، وتبرع لها بالدم.
وبعد مرور ساعتين ونصف تقريبًا، خرجت من العمليات، ولكنهم وضعوها في العناية المشددة لكي يطمئنوا على حالتها، وبقى معها والدها في المستشفى تلك الليلة، إذ سمح المستشفى بمرافق واحد فقط.
في صباح اليوم التالي، استيقظت هي ووجدت أبوها نائم على كرسي أمام سريرها.
حاولت أن تعرف أين هي، بدا أنها غرفة في المستشفى، وتذكرت ما حدث... أدمعت عيناها خوفًا وبكت.
استيقظ أبوها على صوت بكائها، ورآها تبكي: "اهدي، اهدي... محصلش حاجة يا حبيبتي، اهدي."
هي تبكي لأنها لم تستوعب الأمر بعد، ولكنها هدأت بعد أن وجدت أبوها بجانبها وهي بخير، وأبوها أيضًا بخير.
قام أبوها باستدعاء الطبيب وطمأنه عليها.
وبعد الظهر، أتى جلال وزوجته وابنه رائف، وأيضًا الصغيرة جودي، واطمأنوا عليها.
ولكنها لم تجد أمها. قالت: "ماما فين يا بابا؟ هي مجتش ليه؟"
ردت سميرة زوجة جلال: "متخافيش يا حبيبتي... هي كويسة، بس مقدرتش تيجي عشان قلقت عليكي ومش هتقدر تشوفك وانتي كده."
نظرت لأبيها: "بابا... أنا عايزة أشوف ماما. عايزة أشوفها دلوقتي. هي كويسة صح؟ أنا حاسة إنها تعبانة."
تحدث جلال: "هتيجي بالليل، متخافيش... أنا هجبهالك."
وكانت جودي تجلس بجانبها، ممسكة بيدها تطمئنها.
ولكن رائف لم يتحدث وكأنه ليس موجود، وهي أيضًا لم تنظر إليه.
لاحظ هو تجاهلها هذا وتحدث: "ألف سلامة عليكي."
ردت برسمية: "الله يسلمك."
وبعد أسبوع خرجت من المستشفى وعادت للمنزل.
ولكن خلال هذا الأسبوع، عرف رائف من صاحب تلك الفعلة من خلال ربط الأحداث، وأن عمه أخبره كل شيء يعرفه.
وقف رائف أمام المستشفى، هو وعمه: "في حاجة حصلت أنا معرفهاش يا عمي؟"
فؤاد، وهو لا يفهم: "حاجة زي إيه؟ وبخصوص إيه؟"
رد رائف بتوضيح أكثر: "بخصوص بنتك... وإيه يخلي حد يحاول يقتلها؟"
رد فؤاد بحيرة: "مش عارف... دماغي مش جايبة حد خالص، خصوصًا أنه مفيش حاجة حصلت الفترة اللي فاتت... لا، لحظة، كان في صفقة هتم مع الشركة بس أنا منعتها... عشان كان فيها تهريب مخدرات. ده من تلت أربع شهور كده."
رائف، وهو منصت جيدًا: "صفقة تبع مين يا عمي؟ وليه مقولتش؟ وإيه اللي خلاك تحس إنها ليها علاقة؟"
رد فؤاد: "عشان هو قالي إن لو الصفقة متمتش هددني إن في حاجات كتير هتحصل. أنا مش قدها... بس مش عارف... مفيش حد في بالي غير أكرم الحسيني."
رائف وقد اعتلت وجهه الصدمة: "أكرم الحسيني؟!"
عاد إلى واقعه عندما رآها تأتي تحاوطها أمها وأباها في اليوم الذي خرجت فيه من المستشفى، وقد أصر هو لكي يوصلهم.
ركبت هي وأمها من الخلف، ورب أبها بجانبه من الأمام. ووصلوا إلى المنزل.
وبعدها لم يحدث شيء سوى بعد امتحانات الثانوية العامة، إذ كانوا مقرررين من قبل أنهم سينتقلون إلى الولايات المتحدة الأمريكية لكي يتابع أبوه عمل العائلة هناك.
ولكن أمها أخبرتها أنه بسبب ذلك الحادث الذي حدث معها...
ليان: "بابا... ليه هنسافر؟ أنا مش عايزة أسافر والله... أنا حابة هنا ومش عايزة أسيب عيلتي."
فؤاد: "لازم... عشان الشغل هناك، وأنا لازم أروح."
ليان: "طب... اشمعنا إنت؟ في كذا حد يقدر يروح بدالك."
فؤاد: "مفيش حاجة اسمها اشمعنا... أنا ده اسم العيلة، ومينفعش حد يتكاسل أو يقصر في اسم عيلة الهاشمي."
كانت ستتحدث، ولكنه أنهى النقاش وغادر.
جلست تبكي لأمها: "ماما... أنا مش عايزة أمشي يا ماما."
أمها، وهي تمسح على رأسها: "معلش يا حبيبتي... كل ده عشان مصلحتك."
ردت ليان وهي تبكي: "مصلحتي في أني أسيب المكان اللي اتربيت فيه وأروح مكان مش شبهي ولا أعرف عنه حاجة."
ردت أمها: "عشان ده المكان اللي بسببه كنتي هتموتي، وإحنا مسافرين بسبب كده... ومفيش نقاش."
ذهبت إلى عمها، لكنها وجدته جالسًا مع أبيها يخبره بما يجب فعله في الأيام القادمة. علمت أن النقاش معه لن يفيدها.
فكرت في رائف هو الوحيد الذي يستطيع مساعدتها التفتت وجدت رائف خلفها. رجعت خطوة إلى الوراء من المفاجأة وكأنه خرج من عقلها ، ولكنها سرعان ما استرجعت رشدها.
ليان: "رائف... كنت عايزة أكلمك في حاجة."
تفاجأ هو من أنها تريد التحدث معه فهذه أول مرة تطلب منه التحدث ، هز رأسه بالموافقة. جلسا في جانب آخر من الحديقة.
ليان، وهي متوترة: "أنا كنت عايزة أقولك... أنا مش عايزة أسافر... وقلت لبابا بس هو رفض يسمعني... وكنت رايحة لعمو جلال، بس قولت هو أكيد هيبقى موافق على رأي بابا، فملقتش غيرك."
نظر هو لها بعدم فهم: "طب وأنا أقدر أعمل إيه؟"
أخبرته وهي لا تعلم ماذا يفعل: "مش عارفة... بس كل اللي أعرفه إني مش عايزة أسيب هنا وأمشي بجد."
وقد اتتها فكرة سريعة: "بص... ممكن تروح إنت بداله."
نظر هو لها: "إنتي عايزاني أروح أنا بدل باباكي؟ إذا كان أنا اللي قايله إنه لازم ياخدك عشان يحميكي... عشان ممكن حاجات تانية تحصل زي ما حصل قبل كده."
نظرت له هي بعدم تصديق: "إنت السبب؟... أوه بجد... إزاي مفكرتش في كده؟"
تركت المكان وذهبت بعيدًا كي لا تنفعل. نظر هو إلى طيفها وتنهد.
عادت ليان إلى واقعها وقد صلت الفجر، ونامت مرة أخرى لشدة تعبها.
---
Ebtisam Esmail