---
وفي صباح اليوم التالي في مدينة بالتيمور،
وصل رائف لتوه إلى مطار تلك المدينة بعد رحلة قد استغرقت فوق العشر ساعات على متن الطائرة.
وكانت هناك مجموعة من السيارات بانتظاره لينقلوه إلى المستشفى حيث يوجد عمه وزوجة عمه وزوجته ليان.
ركب السيارة، وبعد مرور أكثر من ساعتين ونصف كان قد وصل إلى المستشفى. كانت الساعة تقريبًا التاسعة والنصف صباحًا.
نزل من السيارة وتوجّه إلى مكانها، فوجدها جالسة، عيناها في الأرض وخمارها ملطخ بالدماء التي تغيّر لونها.
ذهب إليها مسرعًا:
ليان... ليان!
ــــــــــ قبل ذلك بكثير...
بعد مرور عدة ساعات لم يُذكر كم مضى من الوقت، كانت جالسة على كرسي أمام غرف والديها.
خرج طبيب من غرفة أبيها، فهرولت إليه:
مابه أبي؟ هل أبي بخير؟
ردّ عليها الطبيب برسمية:
والدك لديه نزيف داخلي بسبب رضوض في القفص الصدري تمت السيطرة عليه ،وكسر في ضلعين
هزّت له رأسها بأسى.
جلست تنتظر خروج الطبيب من غرفة أمها. وبعد مرور بعض الوقت خرج، فهرولت إليه:
هل أمي بخير؟
طمأنها الطبيب :
نعم، بخير. فقط كسر باليد اليمنى وجرح ليس بالعميق في رأسها.
بعد الاطمئنان على والديها كانت تود أن تكون معهما، ولكن منعوها من ذلك حتى يفيقا بخير.
ظلت جالسة لعدة ساعات مكانها، لم تنم، فقد لا تصدق ما حدث ولا تستوعبه.
فاقت على صوت رائف وهو ينادي باسمها، نظرت إليه ولم تصدق أنه موجود معها الآن.
أسرع بالجلوس على قدميه أمامها:
ليان...
ردت عليه وعيناها تذرف الدموع:
رائف، إنت جيت!
أسرع بمسح دموعها وربّت على يديها يبث فيها الطمأنينة:
أيوه، أنا هنا موجود ومعاكي.
هدأت بعض الشيء، فقام هو وجلس بجانبها:
عمي ومرات عمي عاملين إيه دلوقتي؟
ردّت وهي تخبره بحالتهم:
الدكتور قال إن بابا كان عنده نزيف داخلي بس الحمد لله سيطروا عليه، وعنده رضوض في القفص الصدري. وماما عندها كسر في إيدها اليمين وفي إصابة في راسها، بس الحمد لله هي كويسة.
نظر لها بعدما أنهت كلامها:
الحمد لله على كل حال... ولسّه ما شفتهمش لحد دلوقتي؟
ردّت هي:
لا، الدكاترة قالوا لما يفيقوا هنتطمن عليهم.
هزّ رأسه وجلس بجانبها بصمت.
بعد عدة دقائق قرر أن يذهب، فقال:
ليان، أنا خمس دقايق وراجعلك.
نظرت إليه وقالت بفزع غريب:
هتروح فين وتسيبني هنا لوحدي؟
استغرب هو فزعها وخوفها الغير طبيعي:
مش هروح مكان، متخافيش... هشوف ماكس وهجيلك.
ربّت على يدها بلطف، فهزّت رأسها بحسنا.
ذهب هو حيث كان ماكس يقف:
ماكس، مالذي حدث في غيابي؟
رد ماكس بعملية:
لا أعلم يا سيدي. كنا معهم عندما حدث هذا ولم نستوعب أي شيء سوى باصطدام الشاحنة الكبيرة بسيارة السيد فؤاد، وهربت بسرعة.
ففهم هو أنه كان حادثًا مدبرًا:
ولم تأخذوا رقم تلك الشاحنة؟
رد ماكس بأسف:
لا يا سيدي، لم يكن لديها رقم. وأيضًا لحق بتلك السيارة أربعة من الحراس. قاموا بإطلاق النار عليهم ولم يصلوا إلى أي شيء.
هزّ رأسه، فكل الأحداث تدل على أنه حادث مدبر، وقال:
عليك أن تنتبه، فلا يجب أن يتكرر هذا.
بعد إنهاء حديثه ذهب وعاد إليها، جلس بجانبها.
ــــــــ
وبعد أن رأى جلال تلك الرسالة المبهمة من ابنه شعر بالريبة والخوف أن يكون حدث لأخيه أو عائلته شيء.
حاول الاتصال بابنه ولكنه قد أغلق هاتفه.
جلال محدّثًا سميرة:
يلا يا سميرة نجهّز عشان هنروح أمريكا بسرعة.
نظرت سميرة بعد استيعاب:
أيه ؟ هو في حاجة حصلت؟
رد عليها جلال بحيرة:
مش عارف والله يا سميرة. ابنك بعتلي رسالة إننا نجهّز وهو يسبقنا على هناك. هو بقاله حوالي أربع ساعات ماشي.
قامت سميرة بتجهيز نفسها وبعدها انطلقوا متجهين إلى بالتيمور، ولكنهم لم يُخبروا أحد مثلما أخبرهم رائف.
ــــــ وبعد مرور أربعة ساعات...
قد استفاق والد ليان، فؤاد، وبدا بصحة جيدة.
دخلت عليه ليان بعد أن سمح لها الطبيب المشرف على حالة أبيها:
بابا... بابا إنت كويس؟
لم يستطع هو الرد عليها بسبب تعبه، فهمس بضعف:
أنا بخير يا حبيبتي.
وفجأة تذكر مريم...
مريم... مريم!
هكذا ردّد اسمها.
ففهمت ابنته:
ماما كويسة، هي فاقت قبلك من شوية واطمنت عليها، وحاليًا رائف معاها.
فارتاح بعض الشيء بسماع ذلك منها.
فأتى الطبيب وجعلها تخرج من الغرفة، وكذلك خرج رائف من غرفة مريم.
جلست هي على كرسي، فلحقها وجلس بجانبها:
مش اطمنتي عليهم؟ روحي ارتاحي وأنا هنا معاهم.
أما هي فلم تسمعه، فهي تفكر: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ أمها وأبوها وجمانة أيضًا! يجب أن تخبر رائف كي يساعدها، فهو وحده من يستطيع مساعدتها.
رائف، أنا عايزة أقولك حاجة.
تفاجأ هو:
عايزة تقولي إيه؟
ردّت عليه وهي تقف:
مش هنا... ممكن ننزل الكافتيريا اللي في المستشفى ونتكلم؟
نظر هو إلى حالتها، فحالها لم يكن جيدًا وأيضًا مبعثرًا:
ممكن تروحي البيت تغيري هدومك ونتكلم بعدها.
نظرت هي إلى حالتها، فمعه حق:
ماشي، أنا هروح، وإنت خليك هنا ماتمشيش، وخلي بالك من ماما وبابا.
هزّ رأسه موافقًا.
وركبت سيارتها وانطلقت وخلفها عدد كبير من الحرس.
وبعد ساعتين تقريبًا عادت إلى المستشفى، ولكنها عندما وصلت رأت عمها جلال وزوجة عمها قد وصلوا وهم جالسون الآن مع رائف.
عندما رأتها سميرة احتضنتها بحب:
إنتي كويسة يا حبيبتي؟
ردّت عليها وهي تحتضنها:
آه يا مرات عمي، أنا كويسة.
وسلّمت أيضًا على عمها، فقال عمها بجدية:
هو إيه اللي حصل؟ وإزاي ما اتصلتيش بيا؟
ردّت وهي تجلس على كرسي بمقربة منهم:
حاولت والله يا عمي، بس لقيتك مش بترد، فكلمت رائف.
تكلّم رائف وهو يرى تعبها الواضح عليها:
خلاص يا بابا، أهم حاجة اتصلت بحد فينا.
فجلس بجانبها:
وانتي ما ارتحتيش ليه؟
ردّت ليان:
ماكانش ينفع، لازم أكلمك في موضوع مهم.
تنهد رائف، يبدو أن الأمر مهم لإصرارها على أن تخبره.
فنظر لأمه وأباه:
بابا، ممكن تقعدوا هنا وأنا هاخد ليان، هنتكلم أنا وهي في موضوع.
نظر أبوه له:
ماشي.
ــــــــــــــ
عند جمانة...
استيقظت، فوجدت نفسها بغرفة أخرى. غرفة نظيفة وكأنها في إحدى القصور الفخمة. وليست مقيّدة أيضًا.
هرولت لتفتح الباب تحاول أن تهرب، ولكنه مغلق بإحكام.
من حبسني هنا؟ من؟ يا جبناء، ردوا علي!
كانت تصرخ وهي تضرب الباب بقبضة يديها، وفي آخر جملتها ضربته بقدمها.
أخذت أنفاسها عندما لم تجد إجابة، وجلست على السرير الذي يوجد بتلك الغرفة.
ولكن ما هي إلا لحظات حتى استمعت إلى صوت أقدام، وبعدها صوت الباب يُفتح.
وجدت شابًا يدخل إليها.
من هو؟
فقالت:
من أنت؟ ولماذا أنا هنا؟
فردّ وهو يبتسم ابتسامة مخيفة:
أكرم الحسيني... يا فاتنة.
ــــــــــــــــــ
---
Ebtisam Esmail