القطرة الرابعة

القطرة الرابعة

11 0

حل المساء على ذاك المبنى الضخم، حيث بداخل قاعة ضخمة مخصصة لإقامة الحفلات الخاصة، تواجد الكثير من رجال الأعمال المشهورين من ذوي السلطة والنفوذ بالبلد، منهم من أمسك بكأسه بينما يتحدث مع آخر، ومنهم من نفث دخان سيجارته وهو يقف مع مجموعة أخرى يتشاورون في الأعمال، ومنهم من توسط مجموعة نساء وارتشف من كأس شرابه، ومنهم من يراقب الأجواء علّ وعسى أن يخرج مستفيداً في النهاية، ومنهم من ارتشف كأسه بملل وهو يستند على البار يراقب سيدات المجتمع المخملي. كان حفلاً ذا طابع راقٍ من تلك الحفلات التي تتم بها الصفقات.

وقفت تلك المرأة التي يظهر على مظهرها أنها ذات نفوذ قوي، بفستانها الأحمر الكاشف، ووجهها الذي اكتسى بمساحيق التجميل التي أخفت معالمه، مع ضحكتها الرنانة. وقف إلى جوارها ذاك الشاب ذو الحلة السوداء، وقد احتضن خصرها بيد، والأخرى أمسك بها كأس الشراب، بينما وقفا مع مجموعة من الرجال والنساء يتبادلون أطراف الحديث. نعم، إنها السيدة رزان سويدان وزوجها سليم راجح، أصحاب تلك الشركة وذاك الحفل.

بمكان آخر بالقرب من البار، وقف هاني يستند على البار بملل بحلته الرمادية، بينما يرتشف من شرابه وهو يراقب كل من حوله وخاصة النساء. اقترب منه رفيقه كريم ووقف إلى جواره ثم نظر له.

(ما بك يا رجل؟ لمَ كل ذاك الاكتئاب؟)

(يا رجل، أخبرتك أني لا أحب هذه الحفلات. أين الفتيات اللاتي يتراقصن ويتمايلن على أنغام الموسيقى الصاخبة؟)

ضحك كريم بقوة:

اهدأ يا هاني، أترانا في كازينو هنا أم ماذا؟ إنه حفل يا رجل، حفل راقٍ، ولكن أعدك بعد انتهائه سأخذك ونذهب إلى أحد الملاهي الليلية، لترقص وتفعل ما ترغب به، اتفقنا؟

(اتفقنا.)

(ما بك يا رجل كئيب هكذا؟ من يراك يعتقد أنك من تلك الطبقة الفقيرة، التي لا تفقه شيئاً عن هذه الحفلات، بالرغم من أنك في الحقيقة ابن واحد من أشـ…)

وضع يده على فم صديقه سريعاً:

أصمت يا أحمق، أصمت. تعلم أني لا أحب أن يعلم أحد شيئاً عن عائلتي، وأني أفضل أن يعرفني الناس على أنني الطبيب هاني وفقط.

أمسك كريم يد صديقه وأبعدها عن فمه:

حسناً لا تغضب، يا إلهي، أنت حقاً غريب. (أشار بعينيه ورأسه نحو أحدهم) أترى هؤلاء؟ الرجل الذي يقف بجوار السيدة بالثوب الأحمر.

نظر تجاههم باهتمام:

نعم، ما بهم؟

ارتشف من كأسه:

إنها السيدة رزان، صاحبة الشركة والحفل، وزوجها السيد سليم.

(آه، انظر كيف يبتسم ببرود نحوها؟ يبدو أنه لا يحبها.)

نظر له بإعجاب:

يا رجل، كيف لك أن تعلم ذلك؟ يبدو أنك حقاً طبيب بارع. هو بالفعل قد تزوجها من أجل أموالها، ولكنها دائماً تقول إنه يحبها، وتزوجها من أجل ذلك.

أومئ هاني وارتشف من كأسه وهو ينظر حوله، فوجد امرأة فاتنة دخلت القاعة لتوها بثوبها الأسود القصير، وحذائها الأسود المرتفع، وشعرها الذي يميزها، ابتسم بوسع ولكز صديقه في كتفه.

نظر له كريم بعبوس:

ماذا؟

أشار هاني برأسه نحوها مبتسماً:

(انظر هناك، أنا أعرف تلك الفاتنة.)

نظر نحوها وأطلق صفيراً خافتاً بإعجاب:

يا ويلي، ما هذا الجمال، إنها رائعة! كيف تعرفها؟

رتب جاكيته وتوجه نحوها:

لا دخل لك.

سار بخطواته تجاه الطاولة التي وقفت عندها، ووقف أمامها مبتسماً، لتظهر علامات الدهشة عليها.

صافحها وقبّل يدها برقة:

مرحباً آنسة ندى، سعيد برؤيتك.

(دكتور هاني! ما الذي أتى بك لمكان كهذا؟! لم أعلم أن الأطباء يتم دعوتهم لمثل تلك الحفلات.)

ضحك بقوة:

أنتِ محقة، لا يتم دعوتنا، ولكن صديقي من ضمن من يحضرون هذه الحفلات، فأتيت معه، فلنعدّها شفقة.

صدح رنين ضحكتها عالياً، ليشاركها هاني الضحك، مما لفت الأنظار نحوهما، وخاصة تلك النظرات التي كانت عميقة مخترقة لهما، نظرات اندهاش وحقد، نظرات غيرة وربما تملّك.

-------

ترجل أمير من السيارة أمام ذاك القصر الضخم، وتوجه نحو الباب الآخر ليفتح الباب ويمسك بيدها، ترجلت هي بقلق وتوتر وهي تلقي بنظرها لذاك القصر الفخم، والذي لم ترَ مثله في حياتها قط.

ابتسم أمير بوسع:

هذا سيكون منزلنا حبيبتي، لا تخشي من شيء. أنتِ ستكونين سيدة هذا المكان.

ابتسمت له بهدوء وتحركت معه متوجهين لداخل ذاك القصر، بينما حياهم الخدم وأمرهم أمير بحمل الحقائب نحو جناحهم. وقف يعرفها على كبيرة الخدم والأشخاص المهمين منهم، حتى سمعا صوت خطوات تترجل من أعلى الدرج، تركز نظر الجميع نحو الأعلى، حتى وصل للأسفل ووقف أمامهم بطوله الشامخ وهيبته التي ترعب من أمامه ونظراته الشرسة. وجه أنظاره نحوهم ليدب الرعب في قلبها من نظراته المفترسة لها، بينما ابتسم أمير له.

(ظافر، أقدم لك نادين زوجتي. نادين، هذا هو أخي ظافر، الذي حدثتك عنه.)

ابتسمت نادين ومدت يدها أمامه:

مرحباً سيد ظافر، سعيدة بالالتقاء بك، فقد حدثني أمير كثيراً عنك.

نظر لها ظافر بعمق في عينيها، ثم انتقل بنظره نحو يدها الممدودة تجاهه وهو واضع يداً في جيب بنطاله والأخرى ممسك بسيجارة الكوبـي. وضع السيجار بين شفتيه ونفث دخانه في وجهها بقوة، فأخذت تسعل بشدة وهي تضع يدها على فمها وتغلق عينيها. نظر لها مستمتعاً بما يحدث، ثم سار مبتعداً عنهم وخرج من القصر، بينما أمير كان ممسكاً بها وهو قلق عليها من شدة سعالها.

(هل أنتِ بخير حبيبتي؟)

توقفت عن السعال، وابتسمت له بأعين حمراء دامعة:

نعم لا تقلق، أنا بخير، فقط لم أتحمل دخان السجائر، فصدري يضيق من رائحتها.

(حسناً، اعذريه حبيبتي فهو لا يعلم بأمر مرضك. ما رأيك أن نصعد لغرفتنا لترتاحي قليلاً من عناء السفر؟)

أومئت له مبتسمة ليصعدا سوياً نحو جناحهما ويرتاحا من عناء يوم طويل.

-----------

تحرك ظافر بسيارته، وتوقفت السيارة أمام ذاك البناء الضخم، تحرك الحارس ليفتح له الباب الخلفي فخرج بهيبته المعهودة. سار ببطء نحو ذاك الحفل وسيجاره لا يفارقه، دلف لداخل قاعة الاحتفالات ليتوتر الجميع من حضوره الطاغي، بينما أسرع سليم وزوجته رزان ليستقبلاه مبتسمين في توتر، دلف للداخل وهما ما يزالان يسيران بجواره ممطرين إياه بعبارات السعادة والامتنان لحضوره.

توقفت ندى قليلاً عن الضحك مع هاني وكريم الذي انضم لهما مؤخراً، ونظرت تجاه ذاك الرجل المهيب، فشهقت واضعة يدها على فمها بدهشة:

(إلهي، أوليس ذلك اللورد؟)

نظر كريم معها وهو يرتشف من كأسه:

هو بشحمه ولحمه.

نظر هاني لهم بتعجب:

ومن يكون ذاك الذي تتحدثون عنه، وقد انقلب الحفل لحضور؟

ابتسمت بسخرية وهي ترتشف من كأسها:

إنه يا عزيزي ملك الاقتصاد في البلاد، يمتلك كل شيء، ولا توجد شركة لا تقع تحت رحمته، فهو يتركهم يزاولون الأعمال برغبته يا عزيزي.

أكمل كريم باستمتاع:

أي أن الجميع هنا خدم له يا عزيزي.

ارتشف هاني من كأسه بلا مبالاة:

ليس الجميع، فأنا ملك نفسي وليس لي دخل بقذارتكم تلك، يا عزيزي وعزيزتي.

ابتسمت ندى ناظرة له وهمست:

إذاً! فلقد تساوينا في تلك النقطة.

نظر لها هاني ليبتسم لها وعيناه تشع ببريق لم تعهده هي من قبل، ليس شهوة أو تملكاً أو حقداً أو كرهاً أو غيرة، وإنما بريق من نوع خاص، ومميز.

في بقعة أخرى من الحفل، والتي التف فيها رجال الأعمال حول ذاك الرجل الداهية، وقف هو بخيلاء يرتشف من شرابه وينفث دخانه الكوبي مستمعاً لما يتحدثون عنه، أو هكذا أوهمهم. أتى مساعده من خلفه وهمس له في أذنه ليومئ، ثم أشار له بالانصراف.

ابتسم سليم بتملق:

ما رأيك يا لورد في الحفل؟ هل أعجبك؟

(تتحدث كالنساء يا سليم، أمن كثرة تواجدك معهم؟)

توتر وابتلع:

لم أقصد يا لورد، بل قصدت أنه يليق بسيادتكم.

(ألم تنتهِ بعد من لعبك يا سليم؟)

ابتسمت رزان مسرعة بتوتر:

لقد تخلى عن كل ذلك يا لورد.

نظر لها بعمق ثم له:

أتمنى ذلك يا سليم، فلا أحب أن يكون أعواني مادة للتداول بين ألسنة الصحافة.

(لا تقلق يا لورد، حدث ما تتمنى.)

انتهى حديثهم بنظرة مؤكدة من اللورد نحو سليم، الذي تأكد الآن أن علاقته بندى التي جاهد على إخفائها قد اكتُشفت، ويجب عليه بترها من حياته، للأبد.

*********

رايكم يهمني ☺️

إسراء 🌟 Esoo

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قطرات الندى

المؤلف Esraa kamal
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة