القطرة الثانية

القطرة الثانية

16 0

في إحدى القرى النائية، حيث الخضرة والأشجار والمنازل القديمة، كان الناس يعيشون على طبيعتهم، وكل شيء هادئ، حتى المعيشة بها بسيطة.

في داخل تلك الكنيسة القديمة المتهالكة في القرية، وقف القس مبتسماً وهو ينظر إلى الزوجين أمامه. كان جميع أهل القرية جالسين على الأرائك الخشبية، وابتسامة السعادة ترتسم على أفواههم، فاليوم يوم عرس.

وقفا أمام القس يمسكان بأيدي بعضهما بكل سعادة. نعم، كانت أسعد لحظاتهما، وكانت كلمة "السعادة" قليلة لوصف ما شعرا به. كان حباً… عشقاً خُتم بالزواج، زواج متواضع على طريقة أهل القرية البسطاء.

(السيد أمير الأباصيري، هل تقبل بنادين عيسى زوجةً لك على أن تحبها وتحترمها، في السراء والضراء، ولا يفرقكما سوى الموت؟)

ابتسم أمير وهو ينظر في عينيها:

أقبل.

ثم نظر القس نحو الفتاة الرقيقة الهادئة:

نادين عيسى، هل تقبلين بالسيد أمير الأباصيري زوجاً لكِ، على أن تحبيه وتحترميه، في السراء والضراء، ولا يفرقكما سوى الموت؟

ابتسمت بخجل:

أقبل.

(والآن، وبموجب السلطة المخوّلة لي، أعلنكما زوجاً وزوجة. ألبس عروسك خاتم الزواج يا سيد أمير).

أومئ أمير وأخرج خاتماً ألماسياً من جيب سترته، ومن جماله سقطت أفواه الحاضرين دهشة، فيما شهقت العروس بسعادة. أمسك يدها وألبسها الخاتم، ثم قبّل يدها برقة، وقربها منه ليقبّل رأسها. تعالت أصوات التصفيق والتهليل والمباركات في أرجاء المكان للعروسين. أمسك أمير بعروسه، والتفت إلى الأهالي ضاحكاً بسعادة وهم يباركون له زواجه من تلك الجميلة.

اقترب منهم رجل كبير في العمر، قبّل الفتاة على رأسها، فأمسكت هي كف يده تقبّله. نظر العجوز نحو أمير واحتضنه بهدوء، ليبادله أمير بعناق سعيد.

همس العم عيسى، والد العروس، محاولاً كبت دموعه:

ابنتي أمانة لديك يا بني، هي كل ما أملك وأغلى ما عندي… صُنها من أجلي يا بني.

ربت أمير على يده بهدوء:

لا تقلق يا عماه، هي في قلبي وعيناي، وسأحميها بروحي إن اضطررت لذلك.

أومئ العم عيسى بهدوء، وابتعد ليكمل بقية المباركات. اقترب أمير من أذن عروسه وهمس لها:

حبيبتي، يجب أن نذهب الآن، فأنا أكاد أسقط من التعب، كما أن غداً لدينا سفر طويل.

ابتسمت نادين بخجل وهي تنظر إلى الأرض:

كما تأمر، دعني أولاً أودّع أبي وجيراننا.

تركها أمير لتودّع الجميع، ثم أمسك يدها وتوجها خارج الكنيسة، حيث كانت سيارة فارهة بانتظارهما. فتح الباب، فصعدت بهدوء، والتف ليجلس في مقعد السائق. لوّحت نادين لأبيها بحزن، فبادلها بابتسامة، وانطلقت السيارة مسرعة خارج القرية. كانت تلك بداية حياة جديدة لنادين، خارج القرية التي قضت فيها عشرين عاماً لم تفارقها أو تفارق والدها يوماً.

------------

في أحد الأحياء الراقية، وبداخل ذاك القصر الفخم العملاق، كان الحراس المدججون بالأسلحة يحيطون به من كل مكان. لم تكن هناك ثغرة دون حارس واقف بسلاحه أمامها. بدا القصر مهيباً… مخيفاً، تحيط به هالة من الرعب، وكأنما قاطنوه من سكان الظلام وليسوا بشراً.

في الداخل، اصطف الخدم على كلا الجانبين بانتظام، يقفون بشموخ، وما إن سمعوا صوت خطوات تهبط من الدرج حتى انتابهم الرعب. نعم، فمالك ذلك المكان مرعب بكل ما تعنيه الكلمة.

ظهر بهيبته وطوله الفارع، جسده المعضل، وشعره الأسود كسواد الليل، وعيناه الخضراوان الداكنتان وكأن لا حياة فيهما. بشرته البيضاء زادت وسامته الفاتنة، فكان فتى أحلام للفتيات. لكن ما إن تنظر إليه، يصيبك الرعب. حاجباه الكثيفان معقودان، وفمه دائماً في خط مستقيم. لا يبتسم، لا يضحك، لا شيء… مرعب بحق. كان يرتدي بذلته الرمادية من أفخم الماركات، مع ساعة ذهبية وخاتم ذهبي يزين إصبعه… قمة الفخامة.

خطا أسفل الدرج بحذائه الأسود اللامع، ويده في جيب بنطاله، بينما الأخرى تمسك سيجاراً كوبياً فاخراً في فمه. مر من أمام صفّي الخدم ملقياً نظرة خاطفة نحوهم، وخلفه خادمه وحارسه وسكرتيره الشخصي… ثلاث وظائف في شخص واحد. فجأة توقف، فانقطعت أنفاس الجميع. نفث دخان سيجاره في وجه خادمة مسكينة ارتجفت من الخوف وسعلت بانكسار. ابتسم ابتسامة باهتة جانبية، وأعاد السيجار إلى فمه.

بصوت ثخين، عميق، هادئ، وبارد كالثلج يصيب القلب بالرجفة، قال:

حَكَم، هذه الفتاة.

أومئ حكم بطاعة:

أمرك يا لورد.

نظر اللورد بهدوء إلى ساعته الذهبية:

الآن سأتناول طعام الغداء.

(أمرك لورد، سآمرهم بتجهيزه على طاولة الطعام في الحال. أي أمر آخر يا سيدي اللورد؟)

لم يتحدث، بل أكمل سيره متوجهاً نحو مكتبه الضخم. أغلق حكم الباب خلفه ووقف منتظراً أوامر سيده.

جلس اللورد على الأريكة بهدوء:

تحدث يا حكم، أعلم أن في جوفك الكثير.

(أعذرني سيدي اللورد، ولكن الفتاة لا تزال صغيرة وجديدة العهد بالمكان. دعني أختَر لك أخرى ذات خبرة عنها، كي لا تزعجك سيدي.)

نظر إليه بحاجب مرتفع:

لا تتعدّ حدودك يا حكم. أنتم هنا جميعاً لإطاعة أمري. وأنا عندما أختار وأقول، أمري يُنفَّذ. مفهوم؟

(أمرك يا لورد.)

استنشق من سيجاره بعمق، وبصوت بارد قال:

ما هي آخر الأخبار؟

توتر حكم، لكنه كان مجبراً على التحدث:

لقد… لقد تزوج يا لورد.

نظر إليه ببرود قاتل:

ممن؟!

(فتاة من الريف يا لورد، عائلتها فقيرة.)

(اسمها.)

أمسك حكم أوراقاً من فوق المكتب وقلب بها:

اسمها نادين عيسى. فتاة بسيطة، ووالدها فلاح فقير. تبلغ العشرين من عمرها، وقد أتمت تعليمها الثانوي فقط، ولم تلتحق بجامعة لعدم قدرة أهلها على دفع التكاليف. كانت تقوم بأعمال الفلاحة عن والدها. أمها توفيت يوم ولادتها، بسبب قلة الخبرة الطبية هناك.

تنفس اللورد بعمق، واستنشق من سيجاره، ثم أمسك كأس الشراب من فوق الطاولة وارتشف منه بهدوء، وهو يتمعن فيما أخبره به حكم من معلومات.

*********'

رايكم يهمني ☺️

إسراء 🌟 Esoo

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قطرات الندى

المؤلف Esraa kamal
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة