القطرة الثالثة

القطرة الثالثة

16 0

أوقف أمير السيارة وهبط منها ليتوجه سريعاً نحو جهتها من السيارة وقام بفتح باب السيارة لها، ترجلت منها بخجل وهي تمسك يده ليقبّل يدها برقة ناظراً لعينيها بحب، تأبطت ذراعه ليدلفا سوياً داخل ذاك الفندق الهادئ والبسيط، أجلسها على أحد الأرائك في الاستقبال وتوجه نحو موظف الاستقبال لينهي الإجراءات.

كانت تنظر حولها بذهول، وبرغم عدم فخامة الفندق، إلا أنه بالنسبة لها كان أفخم ما قد رأته في حياتها. كانت منبهرة بكل ما حولها، ولم يفقها من شرودها سوى عندما أمسكها من يديها، فنظرت خلفها لتجده زوجها، فابتسمت له بحب.

(هيا حبيبتي لنصعد إلى غرفتنا، فالصباح على وشك.)

ابتسمت نادين بخجل:

حسناً.

تأبطت ذراعه وتوجها نحو المصعد ليدلفا سوياً والابتسامة لا تفارق شفتيهما، ضغط على زر الطابق، لحظات وتوقف المصعد وفُتح بابه، فأمسكها وسحبها معه بسعادة، قام بفتح باب الغرفة وحملها فجأة فصرخت بفزع ولفّت ذراعيها تلقائياً حول عنقه، فضحك بقوة وهو يدلف وأغلق الباب خلفه بقدمه، وضعها برقة على الفراش وهو يبتسم وقبّل رأسها ثم تركها وابتعد، لتنزل هي رأسها بخجل وقد اصطبغ وجهها بحمرة خجلها. بعد عدة دقائق كان قد اختفى عن ناظريها وجدته أمامها وقد بدّل ملابسه إلى منامة بيضاء، جلس بجوارها ووضع يده على ذراعيها.

(هيا حبيبتي، بدّلي ثيابك كي ترتاحي.)

أومأت بخنوع وتوجهت نحو المرحاض، لتخرج بعد دقائق مرتدية منامة طويلة بيضاء مغطاة بالكامل، لا يظهر منها شيء من جسدها، وشعرها الحريري مسدول على ظهرها بسلاسة، ابتسم لها أمير بحب واقترب منها وهو يمسد على شعرها بهدوء وقبّل رأسها بحب واحتضنها.

اغمضت عينيها بخوف وابتلعت بتوتر ورعب. نعم، هي خائفة، تحبه ولكنها خائفة، فهي طوال عمرها تكره الرجال وتهابهم، فلقد لاقت منهم ما جعلها حقاً تخشاهم بشدة، تحرشات وكلمات بذيئة، وحتي الآن لا تستطيع التغلب على خوفها، وتلك المرة التي كادوا ينتهكوها فيها زادت الأمر سوءاً، جعلتها حقاً ترتعب منهم، تخافهم لدرجة الموت.

لم تشعر بدموعها التي بللت وجنتيها سوى عندما كان أمير يزيلها لها بيديه برقة وخوف.

(آسف حبيبتي، أرجوكِ لا تبكي، حسناً... حسناً، أنا لن اقترب منكِ، صدقيني، يكفيني وجودك بجواري. اهدئي حبيبتي، لننم الآن ففي الغد لدينا سفر طويل، تعالي حبيبتي.)

همست نادين بصوت قد امتلأ بالبكاء:

آ

سفة، أنا حقاً آسفة، أمير لم أقصد.

(لا بأس حلوتي، يكفيني أنكِ ستنامين بجواري، وأنكِ زوجتي، هذا اكثر مما تمنيت، صدقيني، هيا الآن لننام.)

أومئت نادين وصعدت على الفراش لتتمدد عليه، وفعل أمير المثل استعداداً ليوم طويل ينتظرهما في الغد.

-----------

وقفت السيارة السوداء أمام تلك البناية لتترجل ندى من سيارتها وتغلقها، دلفت داخل تلك البناية بشموخ، وذهبت مباشرة نحو أحد المكاتب، أبعدت نظارتها السوداء وألقت بحقيبتها على الأريكة، وجلست على المقعد خلف ذاك المكتب، أمسكت بعض الأوراق والقلم وشرعت في الكتابة، ليقاطعها طرق على الباب ثم فتحه، دلف منه رجل عجوز ابتسم لها بهدوء.

(آنسة ندى، رئيس التحرير يطلب حضورك في الحال.)

(حسناً عم عبده، شكراً لك، سأذهب في الحال.)

خرجت سريعاً من مكتبها، لتسير متجهة نحو مكتب رئيس التحرير، طرقت الباب ودلفت لتقف أمامه بهدوء.

أشار نحو المقعد أمامه لتجلس عليه:

ا

جلسي ندى، ما بكِ؟ لمَ غيابك أصبح كثيراً هذه الفترة؟

جلست وهي تضع قدماً فوق الأخرى بأنوثة:

ل

ا شيء سيدي، فقط ظروف صحية.

أومئ رئيس التحرير وتحدث بجدية وهو يقدم لها مظروفاً فاخراً:

ح

سناً، بما أنكِ قد قررتِ مزاولة عملك، فأمسكِ هذا.

أمسكت المظروف وقلّبته بين يديها:

م

ا هذا؟ أهي دعوة لمؤتمر ما؟

أخرج رئيس التحرير سجائره وقدم لها واحدة لتلتقطها، ثم أشعل هو لنفسه واحدة.

(ليس تحديداً، هي دعوة لحفل، حفل كبير تقيمه إحدى الشركات الكبيرة والمشهورة في البلد، وبالطبع نحتاج تغطية صحفية هناك، وأنتِ خير ممثل لصحيفتنا، واجهة ممتازة وصحفية لها مكانتها.)

اقتربت ليشعل لها سيجارتها ونفثت دخانها بهدوء:

ح

سناً، ما هي تلك الشركة؟ ومتى الحفل؟

(إن فتحتِ الدعوة ستعلمين كل ذلك، ولكني بالطبع أعلم أنكِ لستِ من هواة قراءة الدعوات، لذا فالحفل غداً مساءً، ومقره بداخل شركة الرزان للصلب المشهورة.)

ابتلعت بتوتر:

شركة الرزان! ح حسناً، ااا... سأكون هناك في الموعد، أي شيء آخر؟

أشار لها رئيس التحرير وهو مشغول بأوراق أمامه، فوقفت وخرجت وهي تتنفس بثقل، فهذه شركة زوجة حبيبها سليم، هذا يعني أنه سيكون هناك، وزوجته أيضاً، ولم يخبرها عنها، حقاً يا سليم! تخفي شيئاً كهذا! حسناً أنت من بدأ.

تحركت نحو مكتبها لتشرع في عملها حتى تتناسى ألمها ومعاناتها، وهي تتوعد لهم سهرة "لطيفة" وحفلة "هادئة"، لا تليق بها.

-------

مر اليوم على الجميع بهدوء، منهم من يفكر في ألم وعذاب حبه كندي، ومنهم من يفكر في كيفية إرضاء زوجته وحبيبته كسليم، ومنهم من يرتاح من عناء يوم عمل طويل كهاني، الكل يفكر، وفي النهاية فالنوم سلطان فوق كل شيء.

----------

فتحت ندى عينيها ببطء ونظرت إلى الساعة في يدها فوجدتها الثانية عشرة ظهراً، تذكرت سريعاً موعدها مع الطبيب لتقفز من الفراش سريعاً وركضت نحو المرحاض، خرجت بعد لحظات وتوجهت نحو ملابسها لترتدي بنطال جينز قصير من الأسفل (برمودة) وتي شيرت أبيض بحمّالات وحذاء مفتوح ذو كعب مرتفع، صففت شعرها وارتدت نظارتها الشمسية وأمسكت حقيبتها، ثم ركضت للأسفل سريعاً وصعدت سيارتها وتحركت بها نحو موعدها.

-------

كان الطبيب جالساً خلف مكتبه يراجع بعض ملفات المرضى أمامه، حين طُرق الباب ثم دلفت الممرضة.

(دكتور، آنسة ندى السباعي في الخارج، تنتظر موعدها الساعة الواحدة.)

(نعم نعم، أدخليها.)

خرجت الممرضة لتدخل بعد لحظات تلك الفاتنة، بشعرها الكيرلي وملابسها المغرية رغم بساطتها، اتسعت عيناه خلف نظارته الطبية وهو ينظر نحوها بذهول.

اقتربت من مكتبه ومدت يدها بهدوء:

ن

دى السباعي، صحفية بجريدة الغد.

تنحنح الطبيب ووقف يعدّل نظارته وهو يمد يده مصافحاً لها:

أ

هلاً بكِ آنسة ندى، أنا الطبيب هاني منصور، وسأكون الطبيب المختص بحالتك من اليوم، تفضلي بالجلوس.

(شكراً لك دكتور هاني.)

جلست ندى ليتنفس هاني بعمق، ثم نظر نحوها مبتسماً وهو يفتح ملفها أمامه.

(أظن أن الدكتور علي قد أطلعك على حالتي.)

(نعم نعم، بالتأكيد، وتأكدي أنني سأكون عند حسن ظنك بي، وإذا سمحتِ لي أريد سماع الأمر منكِ أنتِ.)

أومئت ندى واخرجت سيجارة اشعلتها، وبدأت في سرد قصتها وقصة عذابها، والطبيب هاني يستمع لها بإنصات.

------------

خرجت ندى من مكتب الطبيب، ليرافقها بنفسه نحو المخرج وهو يبتسم بهدوء.

(تستطيعين أخذ موعد في أي وقت، كما أن رقم هاتفي معكِ تستطيعين مهاتفتي في أي وقت تشعرين فيه بالضيق، وأنا أثق أننا سنحرز تقدماً.)

نظرت له ندى وهي مبتسمة، ومدت يدها مصافحة له:

أ

تمنى هذا، إلى اللقاء دكتور هاني، سعدت بالتحدث معك.

أومئ هاني لها مبتسماً، لتصعد في المصعد وتهبط به من أمامه وهو لا يزال ينظر نحو المصعد بشرود.

(يبدو أنني سأعاني كثيراً معها، الوضع صعب حين تكون مريضتك هالة من الجمال، وتعاني أيضاً.)

أفاق هاني على صوت هاتفه فرفعه متجهاً نحو مكتبه وهو يتحدث بمرح:

ك

ريم، يا رجل أين أنت؟ هل هكذا هم رجال الأعمال؟ يختفون ولا يظهرون أبداً.

صمت هاني ليستمع إلى صديقه، ثم جلس على مقعده وهتف بتعجب:

و

ما دخلي أنا بحفلاتكم تلك؟ أنا أريد حفلاً من نوع خاص يا صديقي، حفلاً ماجناً من حفلاتنا يا يا كريم، فهمتني بالطبع.

ضحك هاني بقوة، ثم استمع مرة أخرى ليقلب عينيه بملل:

ح

سناً حسناً، سآتي معك، ولكنك ستأتي لتقلني، ليس لدي مزاج للقيادة.

أغلق هاني مع رفيقه مبتسماً، ليعود لمتابعة عمله بهدوء، وهو يفكر بصديقه الذي ورّطه في ذاك الحفل.

---------

أتى المساء سريعاً على تلك الفاتنة التي كانت تقف أمام المرآة تنظر نحو ثوبها الأسود الجريء ومكياجها الصارخ وشعرها الكيرلي، لتبتسم برضا تام على مظهرها، التقطت حقيبتها السوداء وانطلقت خارج شقتها ثم خارج العقار، لتصعد سيارتها منطلقة نحو ذاك الحفل.

*********

رايكم يهمني ☺️

إسراء 🌟 Esoo

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قطرات الندى

المؤلف Esraa kamal
2025/10/21 مكتملة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة