نظرات استغراب، وعقول مشتتة، تلك كانت حال ليام وفيرينا وهما يحدقان ببيرسيفال، واقفين جنباً إلى جنب يتبادلان النظرات بين الحين والآخر، في محاولة خفية لفهم ما يدور في ذهنه.
كان بيرسيفال قد طلب منهما أن يُرياه تلك الخادمة الغريبة، وما الذي حدث معها تحديداً، ولكن عندما وقعت عيناه عليها تغير مزاجه تماماً من مزاج قاتم ثقيل إلى وجه مشرق كأنه يشع بالحياة مجدداً، ثم بدأ يضحك.. تلك الضحكة المجنونة المعهودة التي لا تشبه الفرح بل تثير القلق في النفوس.
أما ليام وفيرينا، فقد وقفا كتمثالين لا روح فيهما، يحدقان بصمت في ظهره، يحاولان فهم ردود أفعاله الغريبة.
تكلم ليام أخيراً بصوت منخفض حذر..
"ألستَ قلقاً؟.. أو غاضباً على الأقل؟"
التفت بيرسيفال ببطء ثم جلس على الكرسي الخشبي القابع أمام الطاولة التي وُضعت عليها جثة الخادمة.. اتكأ إلى الخلف قليلاً وأخذ يحدق بها طويلاً، وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيه، قبل أن ينطق بنبرة باردة تنضح بثقة لا متناهية:
"ولماذا سأكون غاضباً؟"
عمّ الصمت للحظات، ليام لم يرد مباشرة، بل بدت عليه علامات التردد وهو يحاول استيعاب ردة فعل بيرسيفال الغريبة، وكأنه لا يعرف الرجل الذي أمامه.
أما فيرينا، فعيناها الخضراوان كانتا مسمرتين نحو السقف، تغرقان في شرود عميق وكأنها تبحث عن إجابة هناك.. لكنها كانت تنصت جيداً لكل كلمة تقال.
ليام عقد حاجبيه قليلاً ثم قال بتردد:
"آه.. لا أعلم!.. ربما لأن الأمر أخطر مما توقعنا؟"
"لا، هو ليس كذلك."
قالها بيرسيفال بنبرة هادئة شبه هامسة، دون أن يلتفت نحو ليام، عينيه السوداوين ظلتا معلقتين بالجثة أمامه وكأنها كتاب مفتوح يقرأ منه أسراراً لا يفهمها سواه.
ليام، وقد بدأ نفاد صبره يظهر بوضوح في ملامحه ونبرته، رد بسرعة بصوتٍ متوتر يكاد يخرج عن هدوئه المعتاد:
"ما الذي تقصده؟.. ولماذا أنتَ واثق بهذا الشكل أصلاً؟!"
رفع بيرسيفال حاجبيه قليلاً ثم التفت نحو ليام أخيراً، وابتسامة خافتة تسللت إلى شفتيه، تلك الابتسامة التي دائماً ما تُشعر من حوله بعدم الأمان، وقال بنبرة ثابتة:
"القلق لن يفيدنا بشيء كما تعلم."
كلمات قصيرة لكنها كانت كصفعة بالنسبة لليام، الذي هو شبه متأكد أن بيرسيفال لا يأخذ الأمر على محمل الجد إطلاقاً.. ابتلع ريقه بغيظ ثم تمتم بصوت خافت محمل بالجدية والازدراء:
"هذا لا يعني أن تجلس وتضحك كالمخبول هكذا!"
اقترب ليام منه أكثر وهو ينظر إليه باستنكار، فيما بيرسيفال لم يحرك ساكناً، فقط عاد ينظر إلى الجثة مجدداً وكأنه لم يسمع شيئاً، أو أن الكلام ليس مستحقاً عناء الرد.
تنهد ليام بانزعاج واضح وقلة حيلة، ثم حول عينيه الزيتونيتين نحو فيرينا التي كانت لا تزال شاردة الذهن، تحدق في سقف الغرفة كما لو أن شيئاً ما يستحق كل هذا التأمل في الفراغ.. لا شيء هناك ومع ذلك كانت ترفع بصرها نحوه بإصرار غريب.
عقد ليام حاجبيه بضيق وقد بدأ يشعر ببرودة قاتلة في الأجواء، لا بسبب الطقس بل من هذا الجمود الذي يتعامل به كل من فيرينا وبيرسيفال.. شيء ما لم يكن طبيعياً في تصرفاتهما وخاصة هذا الأخير، منذ متى وهو يتصرف بهذا الهدوء واللا مبالاة كلما ذُكرت تلك الأميرة..؟!
يتذكر جيداً أنه في البداية بمجرد سماع بيرسيفال بخبر عودتها، أصدر أوامره فوراً لهما بتعقبها.. بل إنه ذهب بنفسه في ذلك اليوم يتتبع آثارها كمن يبحث عن شبح قديم ترك ندبة في ذاكرته..
أما الآن؟.. فهو يتصرف وكأن الأمر لا يعنيه، بل أكثر من ذلك.. لقد ألغى بنفسه أمر التعقب ببساطة ودون أي تبرير.
إضافة لذلك، هو طلب منهما أن يراقبا يوجين وإن استوجب الأمر قتلها فلا بأس، لكنه قام بإلغاء هذا أيضاً...
ليام لم يفهم هذا التحول المفاجئ، كان يتوقع من بيرسيفال أن يُجن جنونه فور رؤيته لهذه الجثة وما حصل لها، كما فعل سابقاً عندما سمع بخبر عودة الأميرة ومحاولتها لإشعال الحرب، لا أن يجلس مرتاحاً ضاحكاً وكأن الأمر مجرد مزحة طريفة، أو مجموعة نكات غريبة خرجت للتو من تأليفه..
بدأ يشعر بالصداع يتسلل إلى رأسه ببطء، يضغط على دماغه بثقل مزعج.
وأخيراً تحركت فيرينا من مكانها، توقفت عن التحديق في سقف الغرفة وكأنها قد استيقظت من غيبوبة تأملية للتو، ثم خطت نحو الطاولة حيث يجلس بيرسيفال والجثة ممددة أمامه.
كانت خطواتها بطيئة، وملامح وجهها تحمل ابتسامة خفيفة توحي بشيء من المكر أو ربما اللا مبالاة.. قالت بصوت هادئ وهي توجه كلامها نحو ليام دون أن تنظر إليه مباشرة:
"أتعلم؟.. هو محق، القلق الآن لن يغير شيئاً."
كلماتها لم تجد طريقها إلى عقل ليام بسهولة، إذ بقي واقفاً في مكانه يحدق فيهما بحاجبين معقودين، كأنه لا يصدق ما يسمعه.. كان يكبح رغبة داخله في الصراخ أو الاعتراض، لكن الصداع الذي بدأ بالتصاعد من رأسه لم يترك سوى الصمت خياراً له.
في تلك الأثناء وصلت فيرينا إلى الطاولة ومدت يدها لتُبعد الجثة قليلاً بلا أي اكتراث، كما لو أنها قطعة معدنية صدئة لا تستحق حتى لمسة حذرة.. ثم جلست بجانبها فوق الطاولة ذاتها، دون أن تأبه ببقع الدم أو رائحة الجسد الذي بدأ بالتعفن شيئاً فشيئاً.
هذا كان طبيعياً بالنسبة لهم، وليس بشيءٍ يثير الاستغراب.
نظرت إلى بيرسيفال وقد عادت الابتسامة إلى وجهها، ثم سألته بنبرة فيها شيء من الدهاء:
"إذاً، متى ستقص شعرك؟.. لقد أصبح طويلاً حقاً."
كانت عيناها الخضراوان تراقبه تنتظر منه إجابة، بينما ليام ظل واقفاً في الخلف يعاني من صداع بدأ يأخذ طابعاً أكثر حدة، وكأن رؤوس من أمامه كانت تتحدث في عالم غير العالم الذي يعرفه.
"دعكِ من شعري واهتمي بشؤونكِ الخاصة.."
قالها بيرسيفال ببرود وهو يكتف ذراعيه ناظراً أمامه دون أي تعبير يدل على تجاوب أو اهتمام.. نبرته كانت كافية لتغلق الحديث، وجسده المتصلب ونظراته التي لم تتحرك كانت تدل على أنه لا يحب مواصلة هذا النوع من الأحاديث.. سؤاله عن شعره تحديداً كان من الأمور التي لا يفضل خوض نقاش فيها، فلطالما رفض الكلام عن مظهره أو أن يُبدي أحد رأياً بشأنه.
تنهدت فيرينا بتململ واضح وحركت كتفها بخفة كأنها تحاول طرد الشعور بالملل من جسدها، ثم أشاحت بنظرها عن بيرسيفال للحظة، تغوص في تفكير عابر تبحث في ذهنها عن شيء تقوله، شيء يُربكه أو يزعجه، كما تفعل عادة عندما تمل من هدوئه المفاجئ..
وفجأة تذكرت أمراً كان يشغل بالها منذ أكثر من أسبوع، وأدركت أنه الآن الوقت المناسب لطرحه.. فقالت وهي تعيد نظرها إليه بخبث خفي:
"إذاً، ماذا عن يوجين؟"
لم يلتفت بيرسيفال إليها، فقط أجاب بهدوء وهو ما زال ينظر أمامه:
"ماذا عنها؟"
أجفلت فيرينا بخفة من رده البارد، لكنها استمرت وقد زاد في نبرتها شيء من التحدي:
"أيعقل أنكَ مُعجب بها؟!"
لم يتأخر الرد، بل جاء سريعاً قاطعاً بلهجة حاسمة تنفي الاحتمال وتقتلعه من جذوره:
"كلا."
"أنتَ تكذب."
تمتمت فيرينا بخفوت، كلماتها خرجت كأنها همسة ترفض تصديقه.. ترفض هذا التناقض الواضح بين ما ينطقه لسانه وما تفضحه أفعاله ونظراته دون أن يدرك.
أما هو، فردّ عليها ببرود واضح دون أن ينظر إليها حتى، وكأن الموضوع لا يستحق منه أدنى اهتمام:
"لستُ كذلك."
أما ليام فوقف يشاهد بهدوء كيف أن هذا الحوار البسيط بدأ يتحول تدريجياً من مجرد نقاش عابر إلى جدال ينذر بالاشتعال، تحول من شرارة صغيرة إلى نار حامية.
تنهد مطولاً، ثم مشى بخطوات هادئة نحو الطاولة ذاتها وسحب أحد الكراسي ليجلس عليه بتثاقل.. اكتفى بالجلوس، واضعاً يده على فمه وكأنه يحاول كتم ضحكة أو ملل، ليكتفي بمراقبة هذا الشجار اللطيف على طريقته، دون أن ينوي التدخل أو التهدئة.
تابع الثلاثة ما يفعلونه كلٌّ على حدة، منشغلين بتفاصيلهم الصغيرة التي بدت أكثر أهمية من الجثة الممددة أمامهم على الطاولة.. لا أحد منهم ألقى نظرة ثانية نحوها، ولا أحد أبدى أدنى اهتمام بوجودها، كأنهم اعتادوا على مثل هذا المشهد حتى بات وجود الموت في الغرفة لا يعني شيئاً.
فيرينا ما زالت جالسة على طرف الطاولة، تجادل بيرسيفال بإصرار واضح في عينيها، تحاول اثارة غيظه وقد بدت مستمتعة بتعذيبه النفسي، تكرر السؤال بطريقة مختلفة بين كل لحظة وأخرى، بينما هو يردّ بنفس الجمود والبرود، كأنه يضع جداراً من لا مبالاة ثقيلة كي يمنع أي أحد من الوصول إلى ما خلفه، ردوده قصيرة صلبة، خالية من النبرة، وهذا ما جعلها تزداد شكّاً، فجموده هذا ليس دلالة على الثقة بل على النكران، هذه هي طريقة بيرسيفال في الرفض.. ألّا يُظهر شيئاً.
أما ليام فبقي مستنداً على الكرسي بجانب الطاولة يتأمل كليهما بنظرة هادئة لا تخلو من ابتسامة خفيفة، كأن هذا الجدال المكرر صار بالنسبة له عرضاً مألوفاً يعرف نهايته لكنه لا يمانع في مشاهدته مرة أخرى، لا يتدخل ولا يعلّق، فقط يراقب بصمت كمن يستمتع برؤية تفاصيل صغيرة لا ينتبه لها غيره.
تركا أمر تلك الجثة بكل برود دون أن يلقيا لها نظرة إضافية، فقط لأن بيرسيفال لم يُبدِ أي اهتمام بها، وكأنها لا تستحق أياً من ذلك.. يكفي أن بيرسيفال تجاهلها حتى يفعلا مثله دون اعتراض أو نقاش.
عمياء هي الثقة التي تجمع بين هؤلاء الثلاثة، ليست ثقة تُبنى على كلمات أو تأكيدات بل على سنوات من الإدراك الصامت، إدراك بأن ما لا يُبديه بيرسيفال أهمية، لا يجب أن يُمنَح أهمية من قِبلهما أيضاً.
* * *
مدّت فيرينا يدها لتلتقط خنجرها الحاد، ذاك الذي تحتفظ به دوماً بالقرب منها، لا لتطعن به أحداً هذه المرة بل لترسم به حدود أحمر الشفاه على شفتيها بدقة متناهية، وكأنها تؤدي طقساً مقدساً.
كانت قد اعتادت استخدامه لهذا الغرض، رغم ما سببه لها من خدوش دامية في الماضي، خدوش خلفت آثاراً طفيفة لم يلحظها أحد غيرها، و سرعان ما محتها بقواها السحرية كما لو لم تكن يوماً.
كانت تحدق في انعكاسها داخل المرآة بنظرة ثابتة حيث تركيزها مشدود إلى أدق حركة تصدر من اصابعها، كأن الخطأ فيها جريمة لا تغتفر.
لم تكن تريد أن تبدو أقل من مثالية، لا في الأيام العادية ولا حتى في ذروة القتال أو فوضى الدماء.. جمالها بالنسبة لها هو شيء ضروري صار مألوفاً لكل من يحيط بها..
لم يعد أحد يستغرب عادتها الغريبة في وضع مساحيق التجميل على جفنيها وشفتيها باستخدام الخناجر أو السكاكين.. فحدّة تلك الأدوات تمنحها خطوطاً دقيقة لا يمكن لفرشاة ناعمة أن تجاريها، وتضيف لمظهرها لمسة خطرة، تماماً كما تحب هي أن تبدو.
فيرينا لو كانت تشبه حيواناً فلا بد أن تكون ثعلباً، ليس فقط لجماله ومكره بل لأن لون فروه يشبه تماماً لون شعرها الناري، وهذا ما يجعلها تميل إلى الثعالب وتحبها دون وعي.
أما إن هي كانت نبتة أو زهرة فليس هناك خيار أنسب من "زهرة الوادي".. جميلة، ناعمة، تخطف الأنظار بنقائها الظاهري لكنها سامة ونادرة.. تشبهها إلى حد مقلق، وهذا كذلك يجعلها تفضلها على غيرها من الأزهار..
بعيداً عنها ببضعة أمتار، كان ليام يقف بهدوء يتكئ على الحائط الحجري البارد عاقداً ذراعيه إلى صدره، وعيناه الزيتونيتان تتابعان فيرينا بتمعن به شيء من الانبهار الخفي.
كانت تقف أمام المرآة تضع مساحيق التجميل التي تفوح منها رائحة الأنوثة، مستخدمة خنجراً حاد النصل ذا طابع قاتل يخفي خلف لمعانه لمحات من الدم والخطر.
لطالما أحب هذا التناقض الغريب في شخصيتها، ذلك الخليط المربك من الرقة والموت، من الجمال والسم، من الضحكة التي قد تسحره واليد التي قد تقتله دون تردد.. أنوثة ساحرة وسامة لا تمنحك فرصة للهرب، بل تأخذك إلى قاعها ببطء ولذة..
وكانت تلك اللذة تحديداً، لذة الخطر الممزوج بالجمال هي ما يثيره عندما يطيل التفكير بها..
وعندما انتهت فيرينا مما كانت تفعله التفتت إليه على الفور بعينيها الخضراوين اللامعتين، لم تحتج إلى كلمات لتلفت انتباهه فقد كان يراقبها منذ البداية.. رفع ليام حاجبيه بخفة وكأنها باغتته بنظرتها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة مائلة شبه كسولة، لكنها تحمل ما يكفي من الدفء والغموض.
تبادلا النظرات بصمت ثقيل لم يخلُ من المعاني، صمت بين شخصين يعرفان بعضهما أكثر مما يقرّان به، وكعادتها.. هي من قطعت اللحظة أولاً لتقول بصوت حاد لا يخلو من الاستفزاز:
"ما الذي تريده..؟"
اتسعت ابتسامة ليام وتحولت إلى ضحكات خافتة تسربت من بين شفتيه دون مقاومة..
حقاً؟.. هذا هو أول ما تقوله له؟
أدار عينيه بعيداً للحظة كأنما يحاول إخفاء فكرته الخاصة.. هو لم يكن يوماً يلوم نفسه على حبه لها.. ولن يفعل مطلقاً.
ثم أجابها بنبرة دافئة، تلك النبرة التي كانت دوماً تُذيب حدة كلماتها وتلتف كوشاح حرير ناعم حول الجليد المتراكم في صوتها، تخفف من قسوة لسانها دون انتزاع حدّته تماماً:
"لا شيء بتاتاً يا آنستي."
نظرت إليه فوراً وعقدت حاجبيها بضيق لا تخفيه، تلك النظرة المعتادة التي لا تزال تلقيها عليه بين حين وآخر كأنها تتساءل: لماذا ما زلت هنا؟.. وكأنها ترى فيه شيئاً متطفلاً يجب التخلص منه.. ربما جرذ أو شيء أسوأ.
وهو يبتسم...
يعرف تماماً ما يدور في ذهنها ويستمتع به، وكأن نظراتها الغاضبة أصبحت نوعاً من الطقوس اليومية بينهما.. يعرف أنها تحبه وهي أيضاً لا تنكر ذلك، وما من داعٍ للمراوغة بعد الآن.
لكنها على طريقتها، لا تزال تحتفظ بذلك القناع الحاد.. لا تزال تتعامل معه وكأنه اقتحم حياتها دون إذن رغم أنه يسكن قلبها منذ زمن.. منذ أكثر من خمسة قرون كاملة.
عدّلت شعرها الناري بيديها تعيد خصلاته الصهباء إلى الخلف بحركة سريعة يرافقها ضيق خافت في ملامحها، كأن تلك الخصلات التي استعصت عليها تمثل شيئاً أكبر مما يبدو.. ثم سألته بنبرة فضولية لم تحاول إخفاءها إطلاقاً:
"صحيح، هل عاد آزارييل بعد؟"
ساد الصمت لوهلة، ليام لم يُجِب سؤالها على الفور بل أطرق رأسه قليلاً وكأن السؤال بعثر شيئاً في ذهنه.. ما الذي جعلها تذكر آزارييل فجأة؟
زفر ببطء.. تنهيدة ثقيلة تحمل بعض التعب، ثم قال دون أن يشيح بنظره عنها:
"لا أعلم حقاً.. ربما سيعودان اليوم أو غداً."
سيعودان.. هو لم يكن يقصد آزارييل فقط، بل يوجين أيضاً.
"الوضع في أوسكزيرا ممل دونه.. أعني بجدية، كيف كنا نكمل أيامنا بشكل طبيعي بينما هو يتجول في العالم بعيداً ويعيش طعم الحرية التي لا يملّ منها؟!"
قالت فيرينا ذلك بعد تنهيدة صغيرة زفرتها بخمول واضح، كأن الملل قد استقر في صدرها ولم يجد طريقاً سليماً للخروج.
"وماذا عن يوجين؟.. ألم تصبحا صديقتين؟"
سألها ليام بابتسامة طفيفة تشكّلت على شفتيه، لم يكن يقصد السخرية بتاتاً، لا من قريب ولا من بعيد.. هو فقط فضولي.. فضوله نحو علاقتها بيوجين كان نابعاً من ملاحظته الصامتة أن فيرينا بدت وكأنها أحبتها أو على الأقل ارتاحت لوجودها، وهذا من حقها تماماً، فهي كانت الأنثى الوحيدة بين آلهة أوسكزيرا قبل مجيء يوجين بطبيعة الحال..
"يوجين ذهبت معه؟!"
سألته مجددًا وقد تجلّت على ملامحها الصدمة، كأنها علمت لتوها أن يوجين رافقت آزارييل إلى مملكة سييل.. أجابها ليام بسؤال جديد بنبرة متشككة هذه المرة:
"ألستِ تعرفين هذا..؟"
لم تُجب وظلت ساكنة فقط، مما دفعه لمتابعة الحديث وقد ازداد استغرابه من عدم معرفتها:
"ألم يقل بيرسيفال لها أن تذهب معه؟.. أذكر أنه قال ذلك أمامنا نحن الاثنين."
"لم أنتبه.. هذا عادي جداً وقد يحدث لأي شخص كان..!"
بررت موقفها بسرعة، فهمهم ليام بهدوء وما زال ينظر إليها بعينيه الزيتونيتين، يحمل في نظرته تلك لمحة شكٍ ما استطاع اخفائها.. ثم أردف قائلاً بهدوء، مبتسماً وعيناه لا تزالان معلقتين بها:
"حسناً.. لننتظر عودتهما ونرَ ما الذي آلت إليه الأمور حينها."
_______________________________________
وقفت يوجين تراقب آزارييل من بعيد، تحدق فيه بانزعاج واضح وهو يتحدث بهدوء مع صاحب متجر يبدو عشوائياً لكنه لطيف الملامح، لذلك اختاره آزارييل على ما يبدو ليُبقي عنده الكلبين اللذين أخذهما سابقاً من الملك كورنواليس.
لم يكن الأمر مفاجئاً لها فقد بدا جليّاً أن آزارييل لم يكن مهيأً تماماً لتربيتهما، لا في الأوضاع الحالية ولا في أي وقت قريب حيث الحروب والصراعات المتوقعة أن تحدث قريباً..
كانت غاضبة، ليس فقط لأنه تجاهل قدرته المحدودة على تحمل المسؤولية، بل لأنه تصرف بأنانية طفولية واختار أن يأخذهما بدافع العبث والمشاكسة كما اعترف بنفسه.
ظل يجادلها حينها عندما سألته بهدوء تام عن سبب أخذهما إن هو ليس مستعداً للاعتناء بهما، مدعياً أنه أراد فقط أن يضايق الملك أو يتسلى قليلاً لكن تبريراته السطحية لم تقنعها قط.
رفضت أعذاره تماماً وأخبرته بلهجة صارمة أن عليه تسليمهما إلى شخص يمكنه العناية بهما، بدلاً من تركهما يهيمان في البراري بلا حماية.
اخيراً وبعد نقاش طويل، وافق... وها هو الآن يقف هناك يناقش الرجل الهادئ بشأن رعايتهما.
نزلت نظرات يوجين نحو أسفل للحقيبة التي تحملها، حيث كان كالسيفار يخرج رأسه منها بفضول شديد يحدق في الكلبين من بعيد.. وما أثار استغرابها حقاً أن الكلبين كانا أيضاً يحدقان به، بعينين متسعتين ونظرات ثابتة كأن بينهم حواراً غير منطوق.
"ما هذه النظرات بحق الآلهة؟"
فكرت وهي تعبس دون أن تفهم شيئاً، أشياء غريبة جداً تحدث أمام ناظريها هذه الأيام، ولم تعد تعرف ما إذا كان عليها القلق أم الاكتفاء بالمراقبة..
وأخيراً أنهى آزارييل حديثه مع ذلك الرجل الذي بدا لطيفاً كفاية ليؤتمن على الكلبين.. رأته يوجين من بعيد وهو يتجه نحوها بخطوات هادئة ثم التقط الكلبين بلطف وسلّمهما إلى صاحب المتجر كما طلبت منه سابقاً، دون أن ينطق بكلمة واحدة على الرغم من أن ملامحه تحمل انزعاجاً واضحاً وكأنه في داخله ما زال يناقشها ويجادلها بصمت.
بعدها لم يكن أمامهما سوى المغادرة، تبادلا نظرات قصيرة لا تحمل شيئاً من الود أو الضيق، فقط إحساس ثقيل بالواجب والرغبة في إنهاء هذه المهمة الطويلة والمتعِبة..
ثم انصرفا معاً يسيران جنباً إلى جنب على الطريق الطويل المؤدي إلى أوسكزيرا، المكان الذي بيرسيفال ينتظرهما فيه، على أحرّ من الجمر.
وأثناء سيرهما معاً نحو أوسكزيرا كان هناك سؤال واحد يلحّ على ذهن يوجين، يعكّر صفو أفكارها ويشتت تركيزها.. من أين يعرف آزارييل ذلك الرجل؟
لم تحتمل هذه الفتاة فضولها أكثر، فسألته أخيراً بصوت هادئ:
"من أين تعرف ذلك الرجل؟"
أجابها آزارييل بهدوء ليس من المعتاد أن يصدر منه:
"تعرفت عليه أثناء تجوالي في العالم باسم وشخصية إيلمار."
صمتت لحظة ثم سألته مجدداً والفضول جليّ بوضوح في ملامحها ونظرة عينيها:
"وهل يعرفك؟.. أعني هل هو يعرف من تكون حقاً؟.. أنك إيلمار؟"
هز رأسه نافياً وهو يرد بنفس الهدوء:
"كلا، لا أحد يعرف هويتي الحقيقية، لا أحد يدري أنني، ومع شكلي هذا، إله النار أصلاً."
نظرت إليه نظرة تحمل تساؤلاً غير منطوق، وكأنها تتساءل في داخلها كيف لم يعرفه أحد.. أليس هناك أوصاف للآلهة؟... أليس شكل إله النار معروفاً؟..
شعر أسود تتخلله خصلات حمراء كنيران مشتعلة وعيون تعكس اللهيب بدقة كبيرة، ألم تكن تلك أوصافاً واضحة كفاية؟
لاحظ آزارييل تلك النظرة وفهم تماماً ما يجول في بالها، لذا تحدث موضحاً:
"لسبب ما تم محو جميع المعلومات التي تخص الآلهة الجدد، سواء أشكالهم، قدراتهم، مناصبهم أو حتى أسماؤهم... كل هذا حدث قبل خمسمئة عام، أما الآلهة الأقدم، مثل ليام وفيرينا، فما زالوا معروفين بين الناس لأن وجودهم يسبق الإبادة الثانية التي هي قبل خمسمئة عام، لكن أنا وأنتِ... نحن جئنا بعدها لهذا لا يعرفنا أحد."
سمع آزارييل صوت همهمة خافتة تصدر منها، علامة واضحة على أنها تفاجأت بما قاله ولم تكن تعلمه من قبل.. لم يكد ينظر إلى وجهها حتى تأكد من ذلك، ملامحها أكدت ظنونه البسيطة ولهذا اكتفى آزارييل بابتسامة خفيفة هادئة ارتسمت على شفتيه.
ثم نقل نظره إلى كالسيفار الصغير، الذي كان يخرج رأسه من الحقيبة المعلقة على كتف يوجين، عينيه الواسعتين تتجولان في المكان بانبهار طفولي كأن العالم الخارجي جديد عليه بالكامل.. وحين التفت ببطء نحو آزارييل وحدق فيه باستغراب، مد هذا الأخير يده نحوه بلطف ودعاه للخروج.
استجاب كالسيفار فوراً وانطلق من الحقيبة بسرعة لافتة كما لو أنه نال لتوه حريته بعد سنوات من الأسر والتقييد والتعذيب، قفز بخفة على كتف آزارييل ووجهه يفيض بالدهشة والفرح، وعيناه تتلألآن بعدم تصديق.
راقبته يوجين بصمت وارتسمت على شفتيها ابتسامة لم تستطع كبحها، كانت تحمل مزيجاً من الاستغراب والرغبة في الضحك... هذا مشهد عفوي نادر وسط كل ما يدور حولها.
* * *
عندما دخلت يوجين غرفتها أخذت تحدق بسريرها بشرود وتعب واضحين، منذ لحظة وصولها إلى أوسكزيرا مع آزارييل، انسحبت بهدوء تاركة إياه يذهب ليتحدث مع بيرسيفال بشأن ما جرى في مملكة سييل، بينما هي فقد فضّلت العودة إلى غرفتها حتى تنام.
وها هي الآن واقفة في منتصف الغرفة شاردة الذهن، منهكة الجسد، كأن الأفكار أثقلتها أكثر من أي مهمة.
لم تمضِ لحظات حتى خرج كالسيفار من الحقيبة، وقفز مباشرة إلى السرير كما لو كان ينتظره منذ قرون.. بدأ يتقلب ذهاباً وإياباً فوقه، يصدر همهمات سعيدة كطفل صغير اكتشف فراشاً ناعماً لأول مرة.
راقبته يوجين بصمت وابتسامة خافتة ارتسمت على محياها دون أن تقرر إن كانت من التعب أم من الحنان.
"لا شيء سيكون أفضل من الكعك الآن."
عبست يوجين فور سماعها لهذه الجملة ونظرت بحدة إلى ذلك المخلوق الصغير الذي ما زال يتقلب على سريرها براحة وكأن لا همّ له في هذا العالم.
كل ما فعله منذ لحظة وصولهما هو احتلال السرير، إصدار الهمهمات، والآن يطالب بالكعك؟.. مجدداً؟
تنهدت بيأس وهي تراقبه، بدا لها وكأنه لا يشعر على الإطلاق بالإرهاق الذي ينهش جسدها.. لا يهم إن كانت قد خاضت مغامرة أو عادت من مهمة أو على وشك الانهيار، كالسيفار لا يتغير، ينام، يمرح ويطلب الطعام.. دائماً.
إلا في المواقف الجدية حين ينمو له ضمير فجأة بعد أن كان مفقوداً لوقت طويل، لكنه غير ذلك فلا يهتم سوى بالأكل..
"لو كنتَ تريد شيئاً فاذهب وأحضره بنفسك، أنا متعبة."
"لكن...-"
"لن أكرر كلامي يا هذا، إما أن تحضر طعامك بنفسك أو لتصمت."
قالت يوجين كلماتها الأخيرة بنبرة مرتفعة يتخللها شيء من الصرامة الحازمة التي جعلت كالسيفار يعبس بوجه طفولي، كأنه يتوسل إليها بنظرات بريئة ألا تفعل ذلك وأن تحضر له الطعام الذي يحتاجه كي يعيش..
وهي... هي استسلمت كالعادة أمام وجهه المخادع هذا رغم أنها تعلم يقيناً أن هناك شيطاناً صغيراً وماكراً يختبئ خلف تلك الملامح البريئة.
تنهدت يوجين بعمق ثم أغمضت عينيها للحظة وكأنها تحاول أن تتجاهل الصوت الغامض في رأسها الذي يذكرها يومياً بأن هذا الكائن الصغير ليس سوى عبء إضافي على جدولها المزدحم وأن عليها التخلص منه لو استطاعت، والأفضل أن ترميه في مكبّ قمامة ربما..
لكن هل حقاً ستفعل؟.. هي ببساطة ضعيفة أمام تلك النظرة.. تلك النظرة التي يجيد إتقانها أكثر من أي مخلوق آخر، نظرة جمعت بين عينين واسعتين وملامح مرتجفة توحي وكأن حياته بأكملها معلقة على قطعة كعك واحدة.
رفعت حاجباً وهي تحدق فيه بتهديد وهمي ثم تمتمت لنفسها وهي تتوجه ببطء نحو الباب:
"كل مرة أقول لن أقع في الفخ ذاته.. ثم أقع."
رد عليها كالسيفار بهمهمة صغيرة أشبه بنغمة انتصار جعلتها تتوقف في منتصف الطريق وتلوح بإصبعها نحوه محذرة إياه:
"لا تفرح كثيراً.. سآتي لك بالكعك فقط لأنني أحتاج أنا أيضاً لشيء حلو.. وبعدها سأنام ولست أريدك أن تزعجني، لا لأنك ربحت الجولة."
وبينما غادرت الغرفة ظل كالسيفار يتقلب على السرير بسعادة مبالغ بها، كمن يحتفل بانتصار عظيم أُحرز دون إطلاق رصاصة واحدة.
بعد دقائق عادت يوجين تحمل صحناً مملوءً ببعض قطع الكعك والفواكه وغيرها من الأشياء التي يحبها كالسيفار، دون أن تعلّق أو تنظر إليه حتى وضعت الصحن قربه بصمت وكأنها لم تستسلم قبل قليل لنظراته البريئة الكاذبة.
ثم توجهت نحو الحمام لتغتسل، وحين خرجت كانت ملامحها أكثر هدوءاً، شعرها مبلل وقد ارتدت ملابسها المنزلية المعتادة لتشعر براحة، واستلقت على السرير بتعب واضح تطفئ عقلها قبل جسدها.
لكن الراحة لم تكتمل.
فالكائن الصغير بجانبها لا يزال يمضغ الطعام بشراهة، يصدر اصواتاً مزعجة تقطع الصمت مثل طعنات قاسية في طبلة الأذن..
أغمضت عينيها وتحرك جفنها بتوتر طفيف لكنها لم تتكلم.. فقط فكرت:
"هل من قانون يمنع قتل مخلوق صغير بسبب أنه مزعج؟.. لا؟.. إذاً..."
لكنها لم تُنهِ الفكرة.
لأن جزءاً منها للأسف كان يشعر بالراحة لوجوده بقربها رغم كل الإزعاج الذي يسببه..
لم تستطع النوم مطلقاً لكنها تاهت في أفكارها، وانساقت خلفها كما ينساق قارب هشّ تحت مجرى نهر سريع الجريان.
أفكار عشوائية جداً... وأخرى ثقيلة، مهمة وذات ثقل غريب في صدرها.
حتى دوى في ذهنها اسم لطالما شغل بالها لفترة، والغريب أن تلك الفترة لم تكن طويلة لأنها نست ذلك الاسم بسرعة، والآن عاد ليحتلّ تفكيرها..
آروماس.
سمعت الكثير عن تلك المملكة الغامضة، لكن الفضول كعادته قادها للغرق في ذلك الاسم من جديد.. ما علاقته بكل ما يحدث؟.. لماذا تشعر أن عليه ثقلاً خاصاً يربطها به رغم كل هذا البعد؟
كالسيفار ذكر مرة أن نيموريا، سيدته، كانت تنتمي إلى آروماس، تلك المملكة التي جمعت بين أعمدتها الشامخة كل قبائل وعشائر السحر بدمائهم النقية الخالصة.
والآن لم يتبقَّ إلا بيرسيفال وحده، هو الوحيد بدم نقي لم يدنس، الناجي الأخير من آروماس مباشرة..
أي بعكس السحرة الحاليين الذين اختلطت دماؤهم على مر الزمن سواء بقبائل أخرى أو بالبشر العاديين.. فإنه، بيرسيفال، كان ولا يزال من أبناء آروماس الأصليين، من أولئك الذين وُلدوا على أرضها، وتعلموا سحرها الأصلي بكل قدراته، وحملوا نقاءها كما تحمله العروق النقية بين طبقات القلب.
ظلت تفكر بشرود تام تتأمل سقف الغرفة كأن فيه إجابة لما يدور في رأسها، حتى تمتمت لا إرادياً بصوت خافت خالٍ من الوعي:
"آروماس..."
كان الاسم كجرس قديم يرنّ بين جدران قلبها، لا تعرف له مصدراً لكنه حاضر دائماً دون دعوة.
التفت كالسيفار نحوها بحذر بعينيه المتسعتين، كأنه لم يتوقع أبداً أن تسمع أذناه هذا الاسم يخرج من فمها مجدداً.. هو يعرف جيداً أنها تبحث عن شيء ما، تتعمق في طبقات التاريخ وتتشبث بأي خيط مهما كان رقيقاً وعديم فائدة، فقط لتصل للحقيقة التي تؤمن أنها هناك.. مدفونة في مكان ما في هذا العالم.
"كالسيفار..."
نطقت يوجين اسمه بصوت خافت أشبه بالهمس، كأنها تخشى أن تسمعها الجدران نفسها، ثم التفتت نحوه ببطء لتجده يحدق بها والقلق يغمر عينيه الصغيرتين، يطغى على ملامحه التي لم تعرف إلا البهجة والضجيج الطفولي.
لحظة صمت قصيرة سادت بينهما قبل أن تقطعها هي بصرامة حادة:
"سنكمل البحث."
تبدلت نظرات كالسيفار من القلق إلى الاستغراب فور سماعه كلماتها الأخيرة..
تُرى ما الذي تبحث عنه بالضبط؟
لماذا لا تزال متشبثة بذلك الخيط الباهت الذي وجدته قرب الجثة في ليلة الحفلة؟.. من الواضح أن لورين آفادول هي من قتلت ذلك الشخص ولا شك في هذا الأمر.
إذاً.. ما الذي يدفع يوجين للتوجه نحو آروماس؟.. وأي لغز تظنه مدفوناً هناك تحت أنقاض مملكة دفنت قبل آلاف السنين..؟
ليس يفهم هذا بتاتاً..
* * *
دخلت يوجين المكتبة القديمة حيث تخزن الكتب والسجلات التي تضم كل ما يدخل ضمن نظام حكم أوسكزيرا، وكل ما بسط بيرسيفال عليه نفوذه وأحكم قبضته عليه من كل جانب.
هنا، بين الرفوف الخشبية الضخمة التي نال منها الزمن، تحاذت كتب ثقيلة بأغلفة قاتمة تحمل بين صفحاتها المئات من السطور المشبعة بالمعرفة، كأنها خزائن لأسرار ماضية لا تنطق إلا لمن يبحث بصدق.
كان الرجل العجوز المسؤول عن المكتبة لا يزال موجوداً يتجول بين الرفوف الضخمة بخطى بطيئة تعكس وقار السنين وثقل المعرفة التي يحملها.
لم تكن بحاجة إليه في بادئ الأمر فقد كانت تعرف وجهتها تماماً هذه المرة، ستتجه مباشرة نحو ذلك الركن البعيد الذي يضم كتباً نادرة تتحدث عن ممالك السحر، أو هكذا كانت تأمل على الأقل.
وضعت الحقيبة التي تحمل بداخلها كالسيفار على المنضدة بخشونة خفيفة، كأنها تخشى أن تؤذي الكائن الصغير الذي في داخلها، ومن ثم بدأت تقلب بعينيها الزرقاوين بين عناوين الكتب، تسحب كتاباً تلو الآخر، تقرأ الأسطر الأولى، تقلب الصفحات بقلق متسارع.. لكن لا شيء.
معلومات عن ممالك أخرى وقبائل لا تهمها، أو أسماء لم تسمع بها من قبل، لكن ليس آروماس.
شعور بالخذلان بدأ يتسلل إليها ببطء، وأخيراً ومع تنهيدة ثقيلة وكأنها استسلمت للهزيمة، قررت التوجه للرجل العجوز.. فربما هو بخبرته الطويلة وذاكرته الحية، قد يحتفظ بشيء مفيد لها.. مجرد خيط، إشارة، أو حتى تلميح بسيط قد يعيدها إلى المسار الصحيح..
تقدمت يوجين نحوه بخطوات حذرة، تحترم صمته المبالغ به، كان يدير ظهره لها ويمرر أصابعه فوق أطراف الكتب كأنه يربت على ذكريات قديمة.. وما إن شعر بوجودها حتى قال دون أن يلتفت:
"هل ضللتِ الطريق، أم ضل الكتاب الذي تبحثين عنه؟"
صوته كان هادئاً رخيم النبرة، وكأن كلماته لا تخرج عبثاً، بل توزن بعناية.. ترددت للحظة، ثم قالت بتوتر خفيف:
"أبحث عن أي كتاب أو سجل يحتوي على معلومات عن مملكة آروماس."
توقف عن الحركة، ثم استدار نحوها ببطء.. عيناه رغم الشحوب حولهما، كانتا حادتين كأنهما تقرآن ما بين سطور قلبها وعقلها..
"آروماس.."
نطق الرجل الاسم بتأمل كأن وقع الكلمة حرك في داخله طبقات من الغبار الساكن.
"ذلك الاسم لم يُذكر كثيراً في الكتب التي نُشرت علناً... لم تُمحَ آروماس من الوجود فحسب بل مُسحت من الذاكرة أيضاً."
اقتربت يوجين منه أكثر وسألته بهمس:
"لكن لماذا؟.. وما هي آروماس اصلاً؟"
أجابها بنبرة أخف كأنها موجهة أكثر إلى نفسه منها إليها:
"كانت تلك المملكة قلب السحر النقي.. موطن أولئك الذين لم يُعطوا قوتهم بل خلقوها، وكانت هي السبب، وأحياناً الضحية... ولهذا لم يبقَ منها إلا ما لا يُقال."
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها، ثم همست:
"وهل بقي أحد منها؟"
أدار وجهه للرف من جديد وأجاب بصوت خافت كأنه يتحدث إلى الغبار على الكتب:
"حين تُسحق الأمم قد يبقى أثرها في الدم، وإن بقي فإنه لا ينسى من أين أتى."
سكت للحظات ثم تابع كأن صوته ينبض بذكريات بعيدة:
"أحياناً لا يعود الناجون ليتذكّروا، بل ليُذكَّروا ويُذكِّروا."
ثم التفت إليها بعينين ساكنتين وأضاف:
"وإن قابلتِ من يحمل ذلك الدم في عروقه فكوني حذرة يا ابنتي، فالدماء القديمة لا تجري في العروق عبثاً."
أدار ظهره عنها بهدوء وعاد يتجول بين الرفوف تاركاً قلبها ينبض بأسئلة لم تجرؤ بعد على طرحها..
شعرت يوجين ببرودة خفيفة تسري في أطراف أصابعها كأن الجو من حولها تغير فجأة إثر كلماته الأخيرة، لكنها لم تظهر شيئاً، بل حاولت الحفاظ على تماسكها وهي تتابعه بعينيها وهو يدور مجدداً بين الرفوف، كأن كل ما قاله لم يكن إلا حديثاً عابراً بالنسبة له، بينما ترك في داخلها عاصفة لم تهدأ.
اقتربت من الرفوف القديمة أكثر وأخذت تمرر أناملها فوق أعمدتها الخشبية تتلمس خشونتها، وكأنها تأمل أن تنبض الذاكرة فيها وتدلها على مكان ما.. أي شيء يمكن أن يحمل ذكرى لتلك المملكة..
لكن الرفوف ظلت صامتة، والكتب ثقيلة لا تنطق.
نظرت إلى الرجل العجوز من بعيد، أرادت أن تسأله أكثر وأن تُصرّ عليه، لكنه بدا كمن قال كل ما يمكن قوله وصمته الآن أبلغ من أي إجابة.
تنهدت بصوت خافت ثم عادت أدراجها نحو المنضدة حيث الحقيبة لا تزال في مكانها، وكالسيفار قد أخرج رأسه منها يراقبها بصمت.. كأن عينيه تسألانها:
"هل وجدتِ شيئًا؟"
هزت رأسها قليلاً كأنها تجيبه:
"لا."
لكن في داخلها كانت تعلم جيداً أن ما قاله العجوز لم يكن بلا فائدة.
صحيح أنه لم يعطِها كتاباً، ولم يرشدها نحو رف أو سجل معين لكنه أعطاها شيئاً أعمق من ذلك..
اتجاهاً جديداً للبحث.
نظرة مختلفة لكل ما ظنت أنه محوٌ للتاريخ.. أي لعله لم يكن محواً بل إخفاءً متعمداً للحقائق.. وهي الآن، أكثر من أي وقت مضى، مستعدة لتزيح ذلك الستار.. لكنها تعلم أنها لن تفعلها بسهولة.
بدأت خطواتها نحو المخرج ببطء لكن بنية ثابتة، وكالسيفار أعاد نفسه إلى داخل الحقيبة كما لو أنه يعرف أن هذه الرحلة قد بدأت لتوها..
_______________________________________
"إذاً أنتَ أبرحت الحراس ضرباً، كذبت عليه وجعلته يوقع معاهدة ستجبره على التراجع حتى لو لم يُرِد ذلك، وسلبت منه كلبيه العزيزين... بعد أن خدعته بأن الكتيبة لا تزال على قيد الحياة، بينما في الواقع أنتَ ويوجين سفكتما دماءهم جميعاً بلا تردد..؟"
كان بيرسيفال هو من قال ذلك بنبرة هادئة مستقرة كبحر ساكن، وكأن تلك الكلمات لم تكن اتهاماً بقدر ما كانت تقريراً لحدثٍ يعرفه مسبقاً، وكأنه كان يتوقع بالفعل أن الأمور ستؤول إلى هذا الحد، بل ويبدو وكأنه كان راضياً تماماً بحدوث هذا الأمر كما لو أنه وضع الخطوط منذ البداية وترك الآخرين يسيرون عليها.
رد عليه آزارييل بإيجاز دون تردد، بنبرة عالية واضحة خالية من أي تزييف أو محاولة لتخفيف حدة الفعل:
"نعم."
كلمة واحدة قالها بثقة وكأنها أمر عادي جداً لا يستحق التفسير أو الدفاع، نطقها دون أن يرف له جفن أو يخفض صوته احتراماً، لا لهيبة بيرسيفال ولا لموقعه كإله.
ومجدداً، كما هو دائمًا، لم يظهر آزارييل أي احترام يليق بمقام سيده، لم يحنِ رأسه ولم يُظهر خضوعاً له، بل كان يتعامل معه كأنهما زميلان في مهنة واحدة، أو كأنهما حلفاء في معركة طويلة الأمد حيث كل منهما يمضي في طريقه دون أن يعترف بعلو الآخر عليه.
تصرفه كان غريباً... غريباً كفاية ليجعل أي شخص آخر يُطرد فوراً من المجلس، لكن ليس آزارييل، فهو غريب أطوار كما اعتاد الجميع وصفه..
حتى أن بيرسيفال بجموده المعروف وسلطته التي لا تقبل الجدل، اعتاد على غرابة أطوار آزارييل وتصرفاته الخارجة عن كل مألوف إلى درجة لا تُصدّق.. لقد تقبله كما هو، أو بالأحرى تكيف معه وكأنه لا يملك خياراً آخر سوى تحمل وجوده، لدرجة أنه سمح له بأمر لم يُسمح به لأي إله أو تابع آخر على الإطلاق.. وهو الابتعاد عن أوسكزيرا والتجوال بحرية شبه مطلقة في العالم الخارجي لما يزيد عن ثلاثة قرون كاملة.
لم يكن ذلك الامتياز من قبيل الثقة أو التفويض، بل بدا وكأن بيرسيفال ضاق ذرعاً من وجوده، من تعليقاته اللاذعة وسخريته المستمرة، وتصرفاته غير المتوقعة التي لا تتبع قوانين القصر ولا تهتم بمراعاة المقامات... وكأن ما فعله لم يكن منح الحرية لآزارييل بل نفياً لطيفاً تحت غطاء الامتياز.
في الواقع بدا الأمر كما لو أن بيرسيفال كان يبحث عن وسيلة ليتخلص من إزعاجه المفرط دون أن يثير ضجة سياسية أو يتخذ قراراً مباشراً قد يُسجَّل عليه لاحقاً.
وهكذا أطلق سراحه من قبضة القوانين الصارمة التي يُخضِع لها الجميع في أوسكزيرا، وكأنه يقول له:
"اذهب حيثما تشاء.. فقط لا تبقَ هنا."...
نهض بيرسيفال بهدوء من على كرسيه المكسوّ بالمخمل الأسود واتجه نحو النافذة بخطوات ثابتة بطيئة، كأن وزناً ما يسحب كل خطوة يخطوها.
وقف هناك أمام الزجاج يحدق في الخارج بشرود واضح وعيناه تتابعان ضوء النهار الرمادي الذي بالكاد بدأ يتسلل إلى القصر من خلف الضباب الكثيف.
أما آزارييل فقد ارتخى تماماً على الكرسي، اتكأ على ظهره الخشبي وأخذ يراقب سيده بنظرة يعتريها الملل، يزفر بتنهيدة قصيرة كأن ما يراه الآن شيء معتاد ومتكرر... بل روتيني أيضاً، فبيرسيفال كما يعرفه، يبدو كالغربان دائماً، يتشح بالسواد، يراقب بصمت ويخطط بصبر.. هذا المشهد أصبح طبيعياً لدرجة أنه لم يعد يثير في آزارييل سوى تململ داخلي بسيط.
"جدياً الآن..."
قال بصوت ساخر خافت وهو يرفع حاجباً واحداً ويشير بيده بخفة..
"ألا تخطط لتغيير اللون الأسود لملابسك؟.. لستَ تحضر جنازة كل يوم، أو على الأقل هذا ما آمله."
انتهت كلماته وعم الصمت لثوان، ثم قاطعه صوت قهقهة خفيفة ناعمة خرجت من فم بيرسيفال، خافتة لدرجة أن الغرفة بالكاد سُمِع فيها شيء.. لكنها كانت حقيقية.
ابتسم آزارييل تلقائياً وهو يسمع سيده يضحك، نادراً ما يفعل بيرسيفال ذلك لا سيما بهذه الطريقة الهادئة التي تشبه صوت رماد يُنثر على أرض حجرية باردة.
ظل بيرسيفال واقفاً أمام النافذة والضوء الرمادي للفجر البعيد ينعكس على عينيه السوداوين شبه المطفأتين.
"أتعلم.."
قال بيرسيفال أخيراً دون أن يلتفت..
"ربما علي فعلاً أن أغير هذا اللون، لكن ماذا أرتدي؟.. الأحمر مثلاً.. كدماء من قُتلوا في الكتيبة؟.. أم الأبيض ككفنهم؟"
ثم أدار رأسه قليلاً ونصف ابتسامة لامبالية ظهرت على وجهه، ثم أردف:
"على الأقل الأسود لا يكذب."
ضحك آزارييل بخفة ثم قال بنبرة ساخرة وهو يرفع أحد حاجبيه:
"إذن أنت ترتديه لأنك تحب الصراحة؟.. أم لأنه يناسب مزاجك القاتم على الدوام؟"
عاد بيرسيفال إلى كرسيه وجلس عليه دون أن يُظهر أي تعب.. شبك أصابعه ببطء ونظر نحو آزارييل نظرة طويلة صامتة، ثم قال:
"أرتديه لأنني حدّاد، وكل ما أفعله في هذه المملكة هو طَرقُ الحديد على جثث القرارات الفاسدة حتى أُشكل منها عرشاً جديداً."
سكت قليلاً، ثم أكمل بصوت أهدأ:
"وحتى ذاك اليوم سيبقى السواد على كتفيّ، كتذكير على ما كان وتحذير لما سيكون."
مال آزارييل برأسه إلى الجانب قليلاً، نظراته أصبحت أكثر جدية وكأن شيئاً ما في قلبه ارتجّ قليلاً... ثم قال بعد صمت:
"في يوم ما، ستكسر هذه المملكة عنقك أنت أيضاً، بيرسيفال."
رد عليه بيرسيفال بنفس النبرة الواثقة الباردة:
"فليكن.. المهم أن تنحني لي قبل أن تفعل."
ساد الصمت للحظة، ثم نهض آزارييل من مكانه وهو يقول:
"حسناً.. إن كنت لا تحتاجني في جنازتك القادمة، فسأذهب أبحث عن شيء يشبه الحياة."
وقبل أن يخرج من القاعة أضاف بابتسامة ملتوية:
"وربما أشتري لك معطفاً رمادياً.. رمادي يناسب من لا يستطيع أن يكون أبيضاً ولا يريد أن يعترف بأنه أسود."
أكمل آزارييل كلامه وخرج بهدوء.. ضحك بيرسيفال مجدداً بصوت خافت، ثم تمتم لنفسه:
"غريب أطوار.. لكنه مفيد."
* * *
تبادل آزارييل نظرات حادة مع ليام بصمت ثقيل، لم يتفوه أي منهما بكلمة واحدة كأن الكلمات لا مكان لها بينهما في تلك اللحظة.. كان صمتاً متوتراً مشحوناً بالكثير من الإشارات غير المنطوقة.
فور خروج آزارييل من قاعة الاجتماع صادف ليام يقف هناك، كأنه كان بانتظاره عن قصد أو مجرد صدفة غريبة، لم يتمكن آزارييل من معرفة ذلك، ليام لم يتحدث بداية بل اكتفى برفع حاجبيه ونظر إليه بابتسامة واسعة، باردة، مطمئنة، لكنها بدت مستفزة لآزارييل.
تلك الابتسامة تحديداً جعلت دماء آزارييل تغلي قليلاً في عروقه، عبس وجهه ونفد صبره سريعاً كما هو متوقع منه دائماً، فسأله بنبرة حادة مباشرة:
"ما الذي تريده؟"
رد عليه ليام بنفس الهدوء المريب، ونفس الابتسامة لم تفارق شفتيه وكأنه يستمتع برؤية ذلك التوتر يزداد في وجه مَن أمامه:
"سلامتكَ فقط."
ظل آزارييل صامتاً يحدق في ليام بنظرة ريبة واضحة، حاجباه مقطبان وكأنه يحاول تحليل ما وراء تلك الابتسامة التي لا تفارق وجه الآخر.
"منذ متى وهو يهتم بسلامتي؟"
فكر آزارييل بذلك وهو لا يستطيع إلا أن يشك بنوايا ليام، حتى وإن كان يعرفه جيداً.
"أريد أن نتحدث."
قالها ليام أخيراً بنبرة هادئة مطمئنة، لكن ابتسامته العريضة جعلت كل كلمة منه تبدو وكأنها فخ صغير ينتظر أن يقع فيه آزارييل من جديد.
لم يجب آزارييل، لكنه زفر بضيق ونقل نظراته بعيداً لثوانٍ قبل أن يعيدها إليه كأنه يحاول تجاهل الاستفزاز المتعمد هذا، هو يعرف تماماً أن ليام لا يقصد الأذى، لكنه أيضاً لا يفوت أي فرصة للعب على أعصابه.
والأسوأ هو أن آزارييل دائماً يقع في الفخ.. الآن هو يشعر برغبة عارمة في أن يلكم وجه هذا الكائن المبتسم أمامه، لكنه لن يفعلها من باب الاحترام لا أكثر.. الاحترام فقط.
دائماً ما كان آزارييل يشعر بالضيق من الوقوف في مكان واحد لفترة طويلة، وكأن جسده يرفض الثبات دون حركة، لذلك بدأ بالمشي بخطى بطيئة غير مستعجلة، وقد لحقه ليام بدوره بهدوء.
مرت لحظات من الصمت، ثم قال آزارييل بنبرة متململة وهو يحدق أمامه دون أن ينظر خلفه:
"إذاً؟.. عن ماذا نتحدث بالضبط؟"
رد ليام بعد قليل بصوت خافت لكن واضح:
"كنت أريد سؤالك، هل ستعود إلى حياة الترحال والسفر؟.. أم أنك قررت البقاء هنا أخيراً؟"
أطبق آزارييل شفتيه بصمت كأنه يفكر بجدية نادرة الحدوث.. لم يكن قد حسم أمره بعد، إذ لم يتخذ قراراً واضحاً بالبقاء أو الرحيل، لكن بعد لحظة من التأمل أجاب بنبرة هادئة مائلة للواقعية:
"حتى الآن.. أظنني سأبقى، خاصةً في هذه الأوضاع المتأزمة."
كان يقصد عودة لورين والاحتمال الكبير بأن تتجرأ على شنّ حرب شاملة ضدهم، الأجواء مضطربة وكل شيء يشير إلى أن العاصفة على وشك أن تضرب..
وأيضاً الصراع المتنامي بين مملكتي سييل وسلان لن يهدأ بسهولة، والانقلاب الذي يخطط له ملك سييل قد لا يكون قد أُحبط تماماً بتلك الورقة الصغيرة التي جعلها آزارييل تبدو كمعاهدة سلام.. بينما هي في الحقيقة ليست أكثر من قيد مؤقت.
ولم يكن آزارييل يقول هذا بدافع القلق على المملكة أو من فيها، ولا لأنه يرى في الآلهة عائلته التي يجب أن يحميها.. بل ببساطة لأن الحرب تعني القتال، والقتال يعني الدم، والدم يعني المتعة.. هذا كل ما في الأمر.
"أوه، إذاً ستبقى بيننا لفترة، يا لحسن حظنا."
قال ليام ذلك بنبرة مفعمة بالود المصطنع، وابتسامة واثقة لم تفارق ملامحه، وكأنه يرحب بصديق عائد من رحلة ممتعة وليس بإله يهوى إشعال الفوضى.
آزارييل لم يلتفت إليه بل ظل يمشي بخطوات متزنة بينما يضع يديه في جيبيه، ثم تمتم بنبرة شبه مسموعة:
"سأحاول ألا أترك بصمات دموية كثيرة على أرضية القصر هذه المرة.."
قهقه ليام بخفة وقال بنبرة ماكرة:
"أتمنى ذلك، فالخدم يتعبون حقاً لتنظيفها بعدك."
صمت قصير خيم بينهما، ثم استأنف ليام بصوته الهادئ المعتاد:
"لكن بصراحة، هل تظن أنها ستهاجم؟"
أبطأ آزارييل خطواته قليلاً دون أن يلتفت، وأجاب بنبرة ثقيلة:
"لا أعلم، فلم يسبق أن التقيتُ بها من قبل كما تعرف.."
رفع ليام حاجبيه متأملاً ما قيل للتو، ثم قال بصوت منخفض:
"يبدو عليك القلق."
أجاب آزارييل أخيراً وهو يتوقف عن السير ويدير رأسه نحوه:
"بل أنا متحمس."
قالها وابتسامة صغيرة ارتسمت على وجهه، تلك الابتسامة نفسها التي تسبق دائماً انهيار شيء ما... ثم أكمل سيره عبر الرواق الطويل المُضاء بضوء خافت وناعم، تبعه ليام على نفس الوتيرة، يداه في جيبيه وابتسامته لم تفارق شفتيه كأنها ختم اعتاده وجهه.
"لم أرَ فيرينا اليوم.."
قالها آزارييل وهو يحدق أمامه، كأنه يطرح ملاحظة عابرة، ثم أردف بجدية أكثر:
"ألا يجب أن تكون معكَ كالعادة؟"
كان صادقاً في استغرابه، فيرينا وليام نادراً ما يفترقان، يبدوان دوماً كأنهما زوجا أكواب خزفية لا يمكن فصلهما دون أن ينكسر أحدهما.
ليام التفت إليه بخفة وابتسم ابتسامة مشبعة بالخبث المرح:
"من المضحك أن يصدر هذا منك، أنتَ الذي لم ترَ أحداً منا منذ أكثر من ثلاثة قرون.. كيف يمكنكَ أن تجزم أنها دائماً معي؟"
توقف آزارييل لثوان لأنه شعر كأن كلمات ليام كانت صفعة خفيفة من الواقع، لم يرد بل تنهد وهمهم بكلمة غير واضحة تحمل مزيجاً من التقبل والانزعاج، ثم تابع سيره بصمت.
لاحظ ليام ذلك بطريقته المعتادة لكنه لم يُعلق، بل قال بنبرة هادئة وكأنه يغير الموضوع:
"ذهبت لتتحدث مع يوجين، على ما يبدو أنهما صديقتان الآن."
رفع آزارييل حاجبه بدهشة خفيفة، ثم التفت قليلاً نحوه:
"فيرينا قررت أخيراً أن تصادق أحداً غيرنا نحن وبيرسيفال؟"
رد ليام وهو يهز رأسه بخفة وابتسامته لا تزال قائمة:
"نعم.. على ما يبدو."
واصل الاثنان سيرهما في ذلك الرواق الحجري الهادئ، إلى أن كسر ليام الصمت فجأة بصوته الرائق المعتاد:
"بالمناسبة.. هل علمت أن بيرسيفال قام بتغيير الطاهي الملكي؟"
توقف آزارييل للحظة، استدار ببطء نحو ليام ثم قال بنبرة مستغربة ومريبة:
"لماذا...؟"
ابتسم ليام هذه المرة ابتسامة مشاكسة وهو يرفع حاجبيه:
"يبدو أنه طبخ مرة حساءً بدون ملح أو ما شابه، أنا لم أنتبه للأمر جيداً، لكن فيرينا كادت تقتله... بطريقة مجازية طبعاً، على الأقل برأيي."
زفر آزارييل بشدة وأشاح بنظره، أكمل السير وهو يهمهم:
"لم يتغير شيء إذاً، نفس القسوة التافهة على أشياء لا تستحق."
ضحك ليام ضحكة صغيرة مكتومة وهو يلحقه:
"بصراحة؟.. أنا أعتقد أن الطاهي كان محظوظاً، يعني مثلاً لو كانت أوريليا هنا بدلاً من فيرينا لكان الحساء قد طُهي به هو شخصياً."
توقف آزارييل مجدداً، نظر إليه من طرف عينه بتعب واستنكار واضح:
"أتعلم.. أحياناً أظن أنك تفرط في استخدام تلك الابتسامة القبيحة، لو كانت سلاحاً لقتلتَ بها الناس دون أن يشعروا."
أجابه ليام وهو يفتح ذراعيه كأنه يحتضن الإهانات غير المباشرة من آزارييل:
"ومن قال لك أنني لا أفعل؟"
سكت آزارييل للحظة، ثم قال كأن اعترافاً مرّ من فمه رغماً عنه:
"أنا أكرهك أحياناً."
ضحك ليام ضحكته الخافتة المعتادة وقال بهدوء:
"وهذا يعني أنني أقوم بعملي على أكمل وجه."
تنهد آزارييل بانزعاج خافت متسائلاً في داخله وبشيء من الضيق عن لماذا تم عكس الأدوار فجأة.. في العادة هو من يبدأ بالكلام، يتحدث عن أشياء عشوائية بلا أهمية فقط ليكسر الصمت الثقيل أو ليسحب ليام إلى حديث جانبي لا لشيء سوى أن يملأ الفراغ، وأن يشعر بأنه ليس وحده في هذا العالم الغريب.
كان دوماً يلقي بمواضيع متفرقة في الهواء كصياد يرمي الطُعْم منتظراً أن يلتقطه الطرف الآخر، فقط ليرى تعبيراً على وجه ليام أو يسمع تعليقاً بارداً يُشعره أن أحدهم ما زال يصغي إليه، أو على الأقل يشاركه الوجود.
وليس ليام فقط.. بل اعتاد على هذا منذ زمن بعيد، حين كان يعيش ويتنقل في العالم حُراً طليقاً.. دائماً ما كان يكون صداقات جديدة، يتحدث مع الغرباء، يفتعل المواقف أحياناً لمجرد أن لا يبتلعه الصمت أو لا تبدأ أفكاره بالنيل منه كوحوش جائعة تنهش عقله من الداخل.
أومأ آزارييل برأسه كمن يطرد فكرة مزعجة من رأسه، ثم نظر إلى ليام من طرف عينه وقال بنبرة فيها شيء من التهكم والضيق المكتوم:
"بالمناسبة.. أتعرف أنك تتحدث كثيراً؟.. أليس من المفترض أن أكون أنا الثرثار هنا؟"
أجابه ليام بابتسامته الهادئة دون أن يلتفت إليه حتى:
"الكون مليء بالمفاجآت عزيزي، ربما بدأتُ أتأثر بك دون أن أشعر.. أو ربما أنا فقط أوازن الكفة قليلاً كي لا يختل الميزان."
همهم آزارييل ساخراً وهو يرفع حاجبه، ثم قال:
"آه، هذا أسوأ ما قد يحدث لك، صدقني.. لا أحد يخرج سليماً بعد أن يشبهني."
رد ليام بذات هدوئه العجيب:
"لا أظنه أمراً سيئاً جداً، على الأقل سأتمكن من إشغال الناس بكلام بلا معنى حين تتوقف أنت عن فعل ذلك.. وهذا احتمال مريح ولو كان مستحيلاً."
قهقه آزارييل، تحولت القهقهة إلى ضحكة قصيرة ثم شبك ذراعيه خلف ظهره وهو يمشي:
"لكنني لا أتوقف، هذا هو لبّ المشكلة.."
"تماماً."
قالها ليام بنبرة راضية، يربت بخفة على كتف آزارييل وهو يمر بجانبه كأنه يؤكد ما قيل، أو كأنه يواسيه بهذه الحقيقة دون أن يبدو عليه أي تعاطف.
توقف آزارييل لوهلة ثم التفت إليه وقال بلهجة أقرب إلى المزاح منها إلى الجد:
"أنت لا تجدني مزعجاً؟.. أعني، أعترف أنني أُرهِق معظم الناس لكن هذا ليس خطأي أنا.. الصمت يهرب مني على ما يبدو، والهدوء يشعر بالخوف وأنا في الغرفة."
رفع ليام حاجباً ثم قال وكأن المسألة تافهة جداً:
"أنا أمتلك قدرة خارقة.. قدرتي هي أنني لا أتأثر."
"هاه، وقاحة."
همس آزارييل وردّ رأسه للخلف بتنهيدة طويلة وكأنه يستسلم لمصيره الأبدي كمصدر إزعاج.
ليام، وكعادته لم يتزحزح عن هدوئه، بل زاد الأمر سوءاً بابتسامة أوسع وهو يرد بنبرة أقرب للغناء:
"نحن فريق مثالي.. أنتَ تثور وأنا لا أشتعل."
"توقف عن التصرف كأنك شخص عاقل.."
صرّح آزارييل بهذا أخيراً، لكن من دون غضب أو تهديد، هو فقط لديه رغبة ليرى إن كان ليام سيهتزّ ولو قليلاً أم لا.
ضحك ليام ضحكة خافتة ودافئة وهو يعاود السير:
"أنا لا أتصرف كأنني عاقل.. أنا فقط أجيد إخفاء الجنون."
سكت آزارييل وظهر على وجهه تعبير غريب.. مزيج من الإعجاب والإحباط، ثم قال وهو يلحق به:
"أحياناً أشعر أنك تقتلني ببطء بهذه الجمل العميقة التي تنهي بها كل نقاش.. إنها مزعجة مثلك تماماً."
أجابه ليام بهدوء وهو لا يزال يتقدم:
"وأنتَ تعيد خلق الفوضى كل خمس دقائق بكلامك الفارغ.. مثلك تماماً."
سكت الاثنان للحظة، ثم قال آزارييل فجأة وكأنه تذكر شيئاً:
"سأثبت يوماً أنك أنتَ المزعج بيننا، وليس أنا."
لوح ليام بإحدى يديه بلا اهتمام، ثم أجاب دون أن يلتفت:
"وأنا سأدعك تحاول فقط لأنني طيب.. أو ربما كسول، لم أعد أميز في الحقيقة."
تنهد آزارييل بانزعاج من ردود ليام هذه، تأمل آزارييل وجه رفيقه الذي يسير بجانبه، هادئ ويبتسم كما لو أن لا شيء في العالم يمكن أن يثير اضطرابه.
"تباً له، كيف يستطيع أن يحتفظ بهذا الوجه الهادئ طوال الوقت؟"
فكر داخله.. وخارجاً هو أحس برغبة طفيفة في إلقاء حجر عليه، أو سحب تلك الابتسامة بيديه فقط ليرى تعبيراً آخر على ملامحه، أي تعبير.
قال أخيراً بصوت فيه شيء من التحدي:
"هل تعلم يا ليام.. أحياناً أشعر أن وجهك مصنوع من الشمع.. لا يتغير، لا ينفعل، لا يبرد ولا يسخن، فقط يبتسم ويتنفس."
أجابه ليام وهو لا يزال محافظاً على ابتسامته:
"ذلك لأني أحتفظ بكل التغييرات داخلي، أما مظهري فهو للسلام فقط."
زفر آزارييل بقوة وكأن الكلام أزعجه:
"هذا أكثر شيء مزعج سمعته منك منذ عدتُ من سييل.. أقسم أن كلماتك أحياناً كأنها من كتاب هداية روحية."
ضحك ليام ضحكته الخافتة وأردف:
"ربما عليّ أن أؤلف كتاباً في يوم ما.. أسميه: كيف تبقى حياً حين تعيش مع الآلهة المجانين؟"
صمت آزارييل قليلاً، ثم همس وهو يحدق أمامه بخبث:
"العنوان طويل جداً.. اسمح لي أن أقترح: ليام، ضحية الابتسامات الداخلية."
انفجر الاثنان بالضحك واستمرا يقترحان عناوين للكتاب الذي من المفترض أن يؤلفه ليام.. تابعا طريقهما في ذلك الرواق الحجري الهادئ وخطواتهما تتردد بصدى خافت على الأرضية الباردة، وفي كل خطوة كان الصمت يزداد عمقاً يملأ الأرجاء بهدوء اعتاداه مع الوقت، كأنه اللغة السرية التي يتحدثان بها دون كلمات.
لم يكن هناك ما يُقال، سوى تعليق عشوائي يهرب من أحدهما بين الحين والآخر أو ضحكة مكتومة تتسلل فجأة تفرّ من بين السطور غير المكتوبة لتُبقي الحياة في هذا القصر الرمادي موجودة.
* * *
حدق آزارييل بانعكاسه في المرآة طويلاً، عيناه المتوهجتان بالنار تتفحصان تفاصيل وجهه بتركيز وشيء من الإعجاب وكأنه يمدح نفسه بصمت.. لا يمكن أن يُلام على هذا، فحتى انعكاسه بدا وكأنه يوافقه الرأي في تلك اللحظة.
لكن لم يكن ذلك ما شد انتباهه بالكامل.. فبينما كانت ملامحه تتلاشى داخل زجاج المرآة، التقطت عيناه صورة أخرى تنعكس خلفه في الغرفة هذه.. ثلاث شخصيات مألوفة جلسوا على الأريكة الفاخرة في زاوية غرفة يوجين، وهم يوجين بالطبع، إضافة إلى فيرينا وليام.
يوجين كانت تبتسم بتوتر واضح وتنظر إلى ليام كأنها تحاول انتزاع تأييده بهدوء.. أما فيرينا فبدت كالعادة أكثر صرامة لكن أكثر جنوناً بنفس الوقت، تحاول إقناع ما بدا وكأنه رأس متحجر لا ينكسر...
ذلك الرأس كان ليام، الذي يجلس رافعاً حاجبه كمن يسمع أعظم هراء في حياته، ثم يتنهد قائلاً بنبرة فيها من اليأس أكثر مما فيها من الرفض:
"وماذا لو عَلِم بيرسيفال؟؟!"
هكذا كانت بداية المحادثة.. يوجين وفيرينا اقترحتا فكرة مجنونة إلى حد ما، ألا وهي الذهاب إلى آروماس، المملكة التي لا أحد يجرؤ حتى على لفظ اسمها بصوت عالٍ في أوسكزيرا..
التبرير؟
استكشاف، بحث، فضول.. أو ربما هروب مؤقت من ثقل الواقع.
يوجين أقنعت فيرينا أولاً حين كانتا وحدهما في الغرفة، وبما أن الأخيرة لا تخشى سوى الملل، وافقت بسرعة مفاجئة.. بعدها استدعوا ليام وآزارييل لمناقشة الخطة سراً دون علم بيرسيفال، كأنهم يتآمرون عليه..
وما حدث بعد ذلك كان متوقعاً إلى حد كبير.. آزارييل وافق فوراً دون نقاش، دون تحليل، فقط قال:
"أنا موافق."
ليس لأنه يرى أن ما سيفعلونه صائب بل لأنه يشعر بالملل، والملل بالنسبة له دافع مُقنِع لكسر القوانين.. كان رد فعله مثل:
"الذهاب إلى آروماس؟.. عظيم!!.. إذاً هناك احتمال لمواجهة مخاطر، كشف أسرار، وربما تفجير شيء ما في الطريق.."
وهذه أشياء كافية لإسعاده أكثر من أي شيء آخر..
أما ليام فبقي صامتاً للحظة طويلة، فقط ينظر إلى الثلاثة كما لو كانوا مجموعة أطفال تجرب العصيان لأول مرة، ثم وضع يده على جبينه وقال بتنهيدة جديدة:
"أنتم ستقودونني للتهلكة."
ومن ثم بدأ الجدال، الجدال نفسه الذي لا يزال مستمراً حتى الآن دون أي تقدم يذكر.. أصوات منخفضة وأخرى مرتفعة، وبينهما جمل مقطوعة وأخرى تحمل استنكاراً واضحاً وبعض الشتائم القادمة من فيرينا على الأرجح، وهناك عيون تتهرب من الإجابة إضافة لكلمات تلتفّ على الحقيقة.
أما آزارييل فقد انسحب منذ الدقيقة الأولى، لم يكن في مزاج يسمح له بالوقوف في منتصف نقاش مع ليام حين يكون الأخير على وضعية الرفض القاطع.. هو لا يحب أن يُنتزع منه حماسه بهذه الطريقة، لا سيما إن كان ذلك على يد شخص يعتبره من المقربين إليه.. فبالنسبة له، الحماس شيء مقدس لا يُطفأ، لا يُشوه، ولا يُسحق بالمنطق البارد.
قرر ألا يضيع طاقته في محاولات الإقناع أو شد الحبل في حوارات لا يحبها أصلاً وانشغل بنفسه بدلاً من ذلك.. والآن ها هو واقف أمام المرآة يمسك مشطاً صغيراً بلون معدني قاتم وهو ملك ليوجين، يمرره بين خصلات شعره بنعومة كأنه يصفف شعراً لعروس قبل الزفاف.. ملامحه جادة، تركيزه مدهش، عينيه تتأملان انعكاسه بفخر وكأنه فتاة على وشك أن تقابل رجل أحلامها، هذا المشهد يجعله يشعر بتحسن بسيط ويرفع من معنوياته التي انخفضت فوراً بعد أن سمع عبارة:
"لكن بيرسيفال لن يوافق على هذا."
وفي المقابل، وعلى الطاولة القريبة من الأريكة التي تحول إليها الاجتماع الحربي العشوائي هذا، جلس كالسيفار.. الكائن الصغير الذي خاف فور دخول ليام الغرفة، ليس من خطورة الحديث ولا من ذكر اسم آروماس هذه المرة، بل من الصدمة المرئية التي انعكست على وجه ليام فور رؤيته.. يعتقد آزارييل أن كالسيفار شعر بنفس شعور الخوف هذا عندما رأى فيرينا لأول مرة قبل كل هذه المشكلة..
وبالفعل، كلاهما عندما شاهداه، حدقا به كأنهما رأيا أسطورة كانت مدفونة في أحد الكتب القديمة، أو كأنهما شاهدا نمراً يرتدي كنزة صوفية ويأكل الحلوى.
لكن كالسيفار لم يُعِر نظراتهما اهتماماً يذكر عندما رأى قطع الكعك الموضوعة أمامه، فقد التقط إحداها وبدأ يأكل بشهية لا توصف، نسي تماماً ما سمعه تالياً عن آروماس، وعن المخاطر، وعن الأسرار القديمة المدفونة... بالنسبة له، كان الأمر بسيطاً..
هناك طعام؟.. إذاً لا يوجد ما يدعو للقلق.
السعادة راحت تتطاير من عينيه في كل قضمة بينما تلطخت أطرافه ببقايا السكر، ولسانه يهمهم بكلمات غير مفهومة فيها شيء من الرضا الكامل عن حياته الحالية.
وبينما يجادل البعض عن المصير وينعزل الآخر في حب الذات عبر المرآة، كان هذا المخلوق الصغير يحتفل بانتصاره الخاص.. انتصار قطعة كعك على الخوف القديم.
استمر الوضع على هذه الوتيرة... فيرينا ويوجين تتناوبان محاولة الإقناع بنبرات تتراوح بين الهدوء والحماسة، أما ليام فكان كالصخرة التي تتحطم عليها أمواج الكلام دون أن تتغير تعابير وجهه الباردة.
لكنّ الأمور انقلبت فجأة عندما دوى صوت صراخ مفاجئ في المكان، الصراخ كان صادراً من فيرينا تعبيراً عن غضبها الشديد..
في ذات اللحظة قفز كالسيفار من مكانه كأنه دُفع بقوة خفية، تطايرت بعض الفُتات من فمه وهو يحدق برعب إلى مصدر الصوت ثم التفت مسرعاً نحو يوجين، تمسك بطرف ملابسها كأنه يحتمي بها من نهاية العالم القادمة ووقف خلفها محتمياً من غضب فيرينا.
وما جعل الأمر يتراوح بين كونه مفاجئاً ومضحكاً هو أنها كانت تمسك بياقة قميص ليام، تهزه فعلياً كأنها تحاول أن توقظه من سبات عناد طويل وهي تصرخ في وجهه بنبرة عالية:
"أأنت تتعمد هذا الاستفزاز أم ماذا؟!.. أقول لك أننا سنذهب لرؤية المملكة، سنستكشفها ثم نعود، ما الخطب في هذا؟!"
كان واضحاً أن فيرينا لم تعد تطيق مزيداً من الاعتراضات بخصوص هذا الأمر، صوتها اهتزّ، ليس بالخوف بل بالغضب الذي بدأ يتراكم منذ بداية هذا الحوار.
ليام من جانبه لم يتراجع خطوة ولم يبادر بأي رد فعل دفاعي، بل ظل ساكناً كأن عقله ليس معهم في هذه اللحظة، فقط وجهه تغير، ليس كثيراً لكن بما يكفي ليُظهر صدمة خفيفة واضحة.. عينيه اتسعتا قليلاً، ثم بصوته الهادئ ونبرته الناعمة التي لا تعترف بالتوترات، قال ليام كأنه يفسر موقفه البسيط:
"أنا فقط لا أفهم لماذا يخاطر أربعة من أقوى الآلهة بحياتهم لدخول مملكة يُقال إنها دُمرت قبل أربعة آلاف عام... والتي، بالمناسبة، من المفترض أنها ملعونة كما هو معروف عنها."
صمت ليام قليلاً، ثم أضاف بابتسامة خفيفة هذه المرة، باهتة ومائلة للحزن:
"وأنا لا أقول هذا لأنني لا أريد الذهاب، بل لأنني خائف من أن لا نعود."
عندها خفّ ضغط أصابع فيرينا عن ياقة ليام.. بدا أن شيئاً في كلماته اخترق جدار الغضب الذي بنته لتوها، بالرغم من كلماته التي حملت شيئاً من الحذر والقلق الصادق، لم تتراجع فيرينا عن رأيها قيد أنملة، ثم قالت هذه المرة بلهجة صارمة قاطعة وكأنها تُنهي بذلك فصول هذا النقاش الذي طال أكثر مما ينبغي:
"نحن ثلاثة... أربعة إن احتسبنا كالسيفار، وأنت وحدك فقط من يعارض.. لذا ولأول مرة في حياتي سأختار الطرق الديمقراطية وأتبع مبدأ كثرة الأصوات."
سكتت للحظة، ثم أضافت بابتسامة جانبية ساخرة قليلاً:
"صوَّتوا جميعاً للذهاب وأنت وحدك من قال لا.. آسفة يا ليام لكن هذه الجولة ليست لك."
قالت عبارتها الأخيرة بنبرة فيها شيء من المزاح الخفيف المغلف بالجدية، وهي تعلم أنه لن يغضب لكنه سيشعر أن الأمر قد حُسم فعلاً.
حدق بها ليام للحظات وكأنه يحاول تحليل كل حرف قالته، ثم زفر ببطء دون أن يفقد هدوءه، فقط ابتسم تلك الابتسامة الغامضة المعتادة التي لا يمكن التنبؤ بما تخفيه خلفها، بدا وكأنه يقول:
"حسناً، فليكن ما تريدون.. لكن لا تقولوا لاحقاً أنني لم أحذركم."
وهكذا، سيذهبون إلى آروماس.. دون علم بيرسيفال.
_______________________________________
~ TO BE COMPLETED..🖤☁️
Lorraine Aavadol