فتحت عينيها ببطء تحاول إدراك الذي يجري حولها، كمن يريد أن يجمع قطع مرآة مكسورة تمثل الواقع من حوله.. لكنها لم ترَ إلا ماءً ساكناً يحيط بها من كل جهة.
غمرها إحساس أن جسدها يطفو وسط الفراغ وبرد خفيف يلامس بشرتها بلطف، حركت رأسها بصعوبة بإتجاه اليمين حيث كل ما رأته هو الماء.. محيط كامل من الزرقة الداكنة وهي في وسطه، رأت الشيء ذاته حين حركت رأسها لليسار.
مالذي يجري هنا..؟
سألت نفسها هذا السؤال كمحاولة منها لأن تفهم كيف يمكنها التنفس وهي غارقة في عالم المياه الصافية هذا، والاسوأ من حالها الآن هو عدم قدرتها على تحريك جسدها وأطرافها..
كأنه تم تقييد يديها وقدميها بإحكام عن طريق سلاسل حديدية ثقيلة.. أو كأنها مصابة بالشلل وشيء ما يضغط على جسدها يمنعها من الحركة ويسحبها لمكان لا يمت للحرية بِصلة.
كل ما تتذكره هو قتالها مع لورين آفادول، ولكن بعدها..؟
بعدها طُعِنت على يدها.. تتذكر الآن شعور الطعنة المفاجئة التي اخترقت ظهرها وصولاً إلى جلد بطنها من الأمام.. تتذكر السيف الحاد الذي اخترق احشاءها بكل قسوة ودون رحمة ليجعلها تفقد وعيها.. بعد ذلك شعرت بشخص يقوم بحملها بين يديه برفق، ومن ثم شخص آخر يعالجها ربما.
إن كان الأمر كذلك فكيف وصلت إلى هنا إذاً..؟
شعرت برأسها يثقل.. شيء يقوم بالضغط عليها وكأنه يناديها ويسحبها للأسفل ببطء.. إلى اعماق أبعد وإلى ظلام اكثر كثافة.. تشعر بالغثيان.
هل كان سيف لورين آفادول مسموماً؟
ألهذا السبب لا يمكنها التحرك؟
أو ربما هي تهذي فقط؟
تريد الخروج.
تريد أن تخرج فقط.. هذا المكان يُشعِرها بالاختناق على الرغم من قدرتها على التنفس بكل سهولة.. يُشعِرها كأنما هناك شخص أو شيء يضغط على رئتيها بقوة.. وبنفس الوقت يحاول اقتلاع حنجرتها.
خرجت دمعة من عينيها لتختلط مع المياه الزرقاء المحيطة بها من كل حدب وصوب.. عيناها تحرقانها بشدة، مالذي يحصل معها الآن..؟
قشعريرة عنيفة سرت في أنحاء جسدها عندما شعرت بيدٍ تمسكها من رقبتها وتسحبها للأسفل أكثر وأكثر.. فتحت عينيها على مصراعيهما وارتاعت خوفاً.. أرادت أن تصرخ لكنها لا تستطيع.
ثم شهقت فجأة بصوت مسموع، انتفص جسدها كله من مكانه ومدت يدها تتلمس رقبتها بسرعة وهي مذعورة.. قلبها ينبض بقوة وعنف كأنها عادت للحياة لتوها.. وصدرها يعلو وينخفض في محاولة لالتقاط الهواء وادخاله إلى رئتيها.
أخذت تتلفت وتنظر حولها بذعر لترى أنها في أحد الغرف الواسعة في القصر، والأجواء فيها هادئة بشكل غريب، لكن صدرها ما زال يعلو وينخفض بقوة والعرق ينساب على جبينها.
هل كانت تحلم..؟
لكن الشعور لم يكن كأنه في حلم، كان اشبه بشيء عالق بين الحقيقة والخيال، كأنه وهم لكنه حقيقي، لا تزال تتذكر شعور الاختناق الذي شعرت به في الحلم.
أرادت أن تنهض من مكانها، أن تزيح الغطاء جانبا وتنهض لترى مالذي يحصل خارجاً.. لكن الألم في بطنها غلبها ولم تتمكن من النهوض.. كأن السيف ما زال مغروساً في بطنها، شهقت بصمت.. كتمت شعور الألم ثم عادت لتستلقي مجدداً على السرير.
أدركت للتو أن لا أحد هنا معها كالمرة السابقة عندما كان ليام ينتظر استيقاظها بقلق وترقب.. الآن لا أحد، فقط الصمت يحيط بها ويملأ أرجاء الغرفة.
هل هذا لأنها رأت لورين؟
لأنها استهدفتها هي تحديداً من بين الجميع؟
والآن هم يشكون بها..؟
راحت تفكر بعمق وعيناها الزرقاوان شاردتان، ملامحها جامدة لكن مشوشة وقلقة، ملامح مختلفة تماماً عن ملامحها المشرقة المعتادة رغم التوتر الذي تشعر به دوماً..
في النهاية وبعد تفكير مستمر.. هي تخلت عن فكرة النهوض وترك سريرها، تخلت عن فكرة الخروج وتفقد الأوضاع خارجاً، هي تريد الراحة فقط الآن.
عادت لتتمدد على السرير بصعوبة وهي تتنفس بثقل وتئن من الألم كلما تحركت.. وضعت يدها على بطنها ومسحت على مكان الطعنة بخفة ولطف كي لا تتأذى أكثر.. ثم أعادتها مجدداً على السرير.
حدقت في السقف بعينين نصف مغمضتين وبدأت تتذكر الحلم الذي راته قبل قليل، لم يكن كأي حلم عابر.
ليس الأمر أنها لم تحلم بأحلام غريبة من قبل، بل أن هذا الحلم تحديداً يبدو غريباً وغير طبيعي.. غريباً بشكل مخيف.. كأنها لم ترَ حلماً فقط، بل تجربة حية.. الشعور بالغرق والاختناق بدا حقيقياً كأن روحها كانت عالقة في مكان آخر مع وعيها.
ماذا يمكن أن يكون السبب..؟
هل هو مجرد تأثير جانبي للإصابة؟
قطع حبل أفكارها صوت خافت لفتح باب الغرفة، فارتجفت عيناها للحظة كأنها عادت للواقع بعد غرق استمر طويلاً.
أدارت رأسها ببطء نحو مصدر الصوت وكل جزء من جسدها يؤلمها من أقل حركة، تريد أن ترى من هو الذي قد أتى الآن.. وإذا به بيرسيفال.
تجمدت في مكانها فور رؤيته، نبضات قلبها أخذت تتسارع.. تتسابق واحدة تلو الأخرى مع كل خطوة يخطوها نحوها بثبات إلى أن وقف بقرب سريرها.. حاولت أن تنهض احتراماً له لكنه وبسرعة قاطعها قائلاً:
"لا حاجة لذلك، عليكِ بالراحة الآن.. لدي فقط بعض الاسئلة."
وبالفعل تراجعت عن فكرة النهوض.. لكنها لم تشأ أن تبقى مستلقية تماماً أمامه، لذلك اسندت الجزء العلوي من جسدها على يدها بصعوبة بالغة ورفعت نفسها قليلاً لتصبح في وضعية نصف جلوس.
بقيت هكذا تنظر له بصمت وعيناها الزرقاوين لا تفارق ملامحه.. نظرت لوجهه وقد تجلى الشك والاستغراب في ملامحها.
كان شعره الطويل الأسود مربوطاً للخلف بإحكام وبعض الخصلات سقطت على جبينه من الأمام.. ينظر لها بعينيه السوداوين ببرود.. لكنها لاحظت أن القسوة فيهما قد قلّت.
قاطع افكارها وتمعنها به وهو يقول:
"أولاً عن لورين آفادول.. كيف لاحظتِ مجيئها إلى مكانكم؟"
"..قد يبدو الأمر غريباً.. لكنني في البداية رأيت انعكاسها في المياه بدل رؤية انعكاسي أنا."
صمت للحظات يفكر فيما قد قالته له وبعدها طرح السؤال الثاني:
"كيف كانت..؟، أي شكلها وقتالها وحتى تحكمها بقدراتها؟"
فأجابته بنبرة ساخرة.. كانت تشير إلى نفسها وتسخر منها وليس منه:
"قتالها كان ممتازاً كما ترى أمامك.."
"حسناً.."
"أما تحكمها بقدراتها، فلا أعلم بصراحة.. لم أرَ ما يكفي لكي أحكم الآن."
أوما لها بتفهم وصمت قليلاً، ثم أكمل:
"وشكلها؟.. كيف كانت؟"
نقلت يوجين نظرتها إلى يدها تتأملها وتقول:
"شكلها.. شعرها أبيض تماماً كالجليد، مرفوع للأعلى وتتدلى منه بعض الخصلات على وجهها.. أما عيناها.."
توقفت للحظة تحاول التذكر ومن ثم أكملت:
"لم اركز بهما جيداً لكن اظن أن احداهما كانت بنفسجية والأخرى زرقاء.. زرقاء داكنة وكحلية تقريباً.."
توقفت مجدداً وهي تحاول استرجاع التفاصيل الغريبة.. فتابعت تقول:
"وهناك قناع يغطي نصف وجهها بشكل غريب، كأنما صنع خصيصاً لها.. لا لأغراض الزينة أو الحماية.. بل كأنما هي تخفي شيئاً ما تحته.."
قاطعها بيرسيفال بنبرة غير مصدقة قائلاً:
"قناع..؟"
"نعم..؟، لم أره جيداً بسبب الظلام آنذاك لكنني متأكدة من رؤيتي له، يوجد قناع غريب على وجهها.."
لم يرد عليها في البداية وظل صامتاً كأنه مستغرب من هذا.. ثم قال لها بهدوء بارد:
"حسنا، سأنصرف الآن وأنتِ ارتاحي.. لا شيء يدعوكِ للاستعجال لأي شيء."
أومأت له بخفوت تنظر لظهره وهو يخطو خطواته ليخرج من الغرفة ويتركها وحيدة.
عادت لوضعها السابق في السرير تأخذ راحتها فيه أكثر وأكثر، ثم استوعبت شيئاً.. هي كانت تردد تلك العبارة قبل أن تقابل لورين حتى..
شعر أبيض، نصف قناع، عين زرقاء وأخرى بنفسجية.
لِمَ هو لا يعرف أن لورين تضع قناعاً على وجهها؟، بل كيف علِمت هي بذلك وهي لم ترَها حتى ذلك اليوم عند قتالهما وجهاً لوجه..؟
الشعر الأبيض والعينين اشياء تشتهر بها تلك الأميرة والجميع يعرفها.. حتى عامة الناس، لكن القناع ليس كذلك..
اغمضت يوجين عينيها ووضعت يديها على رأسها تحاول تخفيف الصداع الذي أصابها فجأة، ثم تنهدت بقلة حيلة.. مالذي يجري معها..؟
_______________________________________
كان ليام جالساً على طاولة مدورة مع كل من فيرينا وبيرسيفال.. الثلاثة غارقون في صمت ينظرون لبعضهم بريبة وحذر كأن عيونهم هي التي تتكلم عوضاً عن ألسنتهم.
هم الآن يتسائلون ' مالذي يجري؟ ' لأن الأوضاع حقاً غريبة وهنالك تلميحات وتوقعات عن أشياء اسوأ ستحدث مستقبلاً.. فالأحداث الأخيرة قلبت التوازن في أوسكزيرا رأساً على عقب..
أولاً.. كيف ولماذا لا تزال لورين آفادول على قيد الحياة؟
وهناك تيارا وأوريليا وهجومهما عليهم.. ذلك لم يكن في الحسبان أبداً.. ولماذا الآن تحديداً..؟
أيضاً.. هاتين الأثنتين خرجتا من أوسكزيرا قبل أكثر من خمسمئة عام والآن فقط عادتا مع عودة لورين.. كأنه تحالف واتفاق بينهن..
الدماء التي سُفِكت.. الجنود الذين قتلوا.. هذا يشير إلى احتمال واحد ورسالة صريحة.. أول من تحدث بعد انتهاء نقاشهم وتوصلهم لهذه النتائج كان ليام الذي قال:
"الحرب.. تلك الأميرة اعلنت الحرب ضدنا."
لم يتحدث أي من بيرسيفال أو فيرينا حتى الآن بأي كلمة.. لأنه لا يوجد كلام حتى يقال من الأساس لوصف ما سيحدث..
عادت مع حليفتين كانتا تعتبران الأقوى في أوسكزيرا من بعد بيرسيفال نفسه.. عادت مع حجر تم تفعيله وارتبط بها الآن.. عادت وغالباً معها حجر الوقت ومالكه إضافةً للحراس الباقين.
عادت أقوى مما كانت عليه سابقاً.. تسعى للقتل والتدمير..
إنتبه ليام للتوتر الخانق المحيط به.. فيرينا تهز رجلها بتوتر وقلق بلا توقف.. عيونها الخضراء غارقة في التفكير بينما تقضم اظافرها بقلق واضح وتنظر لبيرسيفال بين الحين والآخر..
بيرسيفال الذي هو الآن شاردُ العينين غير منتبه لهما أساساً، كأنه بعيد آلاف الأميال عنهما وعن موضوعهما هذا..
بعد ثوانٍ شعر بنظرة فيرينا له فالتفت نحوها بصمت بعينيه كأنما يسألها إن كان هناك خطب ما، لكنها وبنظرة حادة وسريعة اشارت باتجاه الباب، كأنها تقترح عليه الخروج من هنا وترك بيرسيفال لوحده فهذا افضل لهما وله هو أيضاً..
وبالتالي نهض ليام عن كرسيه دون أن ينبس بكلمة.. ونهضت هي بعده بسرعة وبخطوات هادئة، تاركان بيرسيفال غارقاً في شروده.. لم يلتفت لهما ولم يتحرك من مكانه حتى.. وهذا أكّد لهما مدى انشغاله بأفكاره الآن..
خرجا من القاعة بهدوء واغلقت فيرينا الباب بعد ذلك بتنهيدة ثقيلة.. لا أحد في هذا المكان بصحة جيدة بعد تلك الأخبار التي تلقوها سواء نفسياً أو جسدياً.. الأوضاع اسوأ مما يمكن أن يتخيلها أي شخص فهي تسير بهم نحو هاوية لا يمكن تجنب السقوط فيها..
تابعا سيرهما في القصر بصمت.. لا أحد يريد كسر هذا السكون الذي يحيط بهما.. مالذي عليهم فعله الآن..؟
استمرا في السير عبر الممرات الواسعة للقصر وخطواتهما تردد صدى في أرجاء المكان الفارغ.. فيرينا هي من تقود الطريق الآن لكنها في الحقيقة لا تعرف إلى أين تتجه..
عقدت يديها خلف ظهرها تنظر للأعلى باتجاه السقف.. ملامحها الجميلة تحمل مزيجاً من القلق والتفكير.. ليام كان يتبعها بصمت وهدوء ينظر لشعرها الأحمر الطويل المنسدل خلف ظهرها..
مرت دقائق طويلة حتى سألها:
"لماذا عادت الآن..؟"
السؤال هذا ليس جديداً على الإطلاق.. لكنه كان يتردد في ذهنه طوال هذا الوقت.. لم تعلم فيرينا ماذا يجب أن تقول له وهي لا تعرف مثلها مثله.. الوضع معقد أكثر مما كان عليه قبل خمسمئة عام..
أكمل كلامه يقول لها:
"تعلمين أن في الحرب قاتلاً ومقتولاً، وما كان مجرد تهديد عابر أصبح الآن واقعاً لا مفر منه، حتى الخيارات المتاحة أمامنا علينا الحذر من عواقبها.."
"أعلم، عزيزي ليام.. من يواجهنا الآن ليس أي شخص يمكننا التخلص منه بسهولة.. بل شخص يستطيع التحكم بالعقول.. يستطيع التلاعب بها بل وقراءتها أيضاً.. اعلم أن علينا الحذر حتى من أفكارنا.."
"تبدين واثقة مع أنكِ تتحدثين الآن عن شيء يستحيل علينا هزيمته.."
قال هذه الجملة بإبتسامة خافتة على عكس ما كان يدور في رأسه.. واتسعت ابتسامته عندما قالت له:
"حسناً.. على الأقل سنستمتع بعد أكثر من خمسمئة عام من الملل."
"معك حق..! علينا التركيز على الجانب الإيجابي من الأمور!!"
قالها بسخرية فضحكت على ذلك.. وهي تعلم بالطبع أن الأمر لن يكون جيداً أو مضحكاً لكن الخوف لن يفيدهم أكثر من الوقوف والتصرف.. لن يفيدهم أكثر من القتال ضد تلك الأميرة.. وكلاهما يعرف ذلك..
تابعا سيرهما في الممرات الصامتة.. خطواتهما وحدها من تقطع الصمت المهيب في هذا المكان.. بعدها قالت فيرينا:
"هل تعتقد أن بيرسيفال بخير..؟"
أجابها ليام بعد لحظة صمت:
"بقدر ما يمكن أن يكونه المرء بخير في هذا الوضع.. كلا.. لا أظن أنه بخير."
"لو قتلناها قبل خمسمئة عام هل كانت الأمور ستتغير؟"
"لست أعرف حقاً.. ربما ستكون أفضل وربما لا.."
"الأسوأ أننا لا نواجه فقط من يملك قدرة السيطرة على العقول.. بل نواجه من يملك سبباً حقيقياً لاستخدامها.."
"وذلك ما يجعلها خطيرة بحق."
نظرت له عندما أكمل كلامها عنها كأنه قرأ افكارها.. ليست بحاجة للتوضيح أكثر فكلاهما يفهم جيداً أن ما يجعل لورين مخيفة ليس قدرتها فقط.. بل الشيء الذي يدفعها لذلك..
"لا اظنها.."
صمت ليام للحظة يتابع سيره عبر الممر وفيرينا معه ثم أكمل:
"لا أظنها تائهة كما كانت من قبل.. بل أشعر أنها تعرف تماماً مالذي تريده وكيف ستحصل عليه."
فيرينا عقدت ذراعها أمام صدرها وهي تتنهد:
"نعم.. أفعالها تلك وقتلها للجنود لا يبدو كأنه ناتج من نفس الأميرة التي كنا نعرفها من قبل.. بل من شخص ناضج يعرف من أين يبدأ."
"كأنه غضب.. غضب وحقد مكبوت تحول لشيء اكثر هدوءاً لكن اكثر خطورة."
"كالهدوء الذي يسبق العاصفة.."
"أو كالموت البطيء الذي لا تعرف متى يأتيك."
بعد هذا عم الصمت بينهما مجدداً وتابع كل منهما سيره دون أن ينطقا بأي كلمة.. دقيقة.. دقيقتين.. لا يعرفان كم من الوقت قد مر وهما صامتين كلاهما يفكران بنفس الشيء..
ومجدداً قطعت فيرينا الصمت قائلةً:
"هل تعتقد أن بيرسيفال مستعد لهذا؟"
"هو أقوى منا كلانا.. بالطبع هو مستعد."
هزت فيرينا رأسها بخفة تحاول إبعاد تلك الأفكار المزعجة.. وفجأة شعرت بيد ليام تلتف حول كتفها يحاول طمئنتها قليلاً.. موجهاً لها إبتسامة دافئة.. كان يحاول التخفيف عنها مع أنها تعلم أنه متوتر أكثر منها هي..
أسندت رأسها على كتفه وتنهدت بقلة حيلة، أرادت ان تفرغ كل ما في صدرها من ضغوط.. كانت متعبة وعقلها مثقل بالتساؤلات، تابعا سيرهما للخروج من القصر الخانق هذا..
فجأة تذكرت يوجين.. عقدت فيرينا حاجبيها وتسائلت ' أين تلك الفتاة الآن وما اخبارها؟'.. لكن بعدها حاولت إبعاد تلك الفكرة عن رأسها.. لِمَ تهتم بيوجين أساساً في وضع كهذا..؟!
تنهدت مجدداً لأن تلك الطفلة بدأت بالاستيلاء على عقلها.. كأن صورتها تظهر أمام عينيها كلما حاولت طردها، هنا استغرب ليام فسألها:
"ما المشكلة؟"
فأجابته بوقاحة وكأنها تخبره أن لا يسألها مجدداً وليصمت فهذا أفضل لها:
"لا شأن لك..!"
عقد حاجبيه باستغراب وقلق.. تسائل في نفسه 'ما خطبها هذه المرأة..؟' ألم تكن تتحدث معه قبل قليل وكل شيء طبيعي..؟
أبعد عينيه عنها وتظاهر بعدم الاهتمام لأنها لا تستحق على ما يبدو.. بعدها ابتسم قليلاً لأنه وبعد كل الوقت الذي قضاه معها لا يستطيع الاعتياد على مزاجها وتقلباته هذه..
في وقت ما كان بجدية يعتقد أنه بحاجة الى دورات تدريبية للتعامل معها لكنه لم يجد أي شخص يقدمها له للأسف.. الآن اعتاد على الأمر لكنها لا تزال تصدمه في بعض الأحيان..
_______________________________________
لم ينتبه بيرسيفال مطلقاً لخروج ليام وفيرينا من القاعة وتركه لوحده، فقد كان غارقاً في أفكاره شارداً بها لدرجة أنه لم ينتبه لهما..
تنهد بصوت مسموع عندما أدرك أنه لوحده الآن.. تنهد ليطرد الضيق الذي يشعر به في صدره ولكي يزيل الثقل الذي يشعر به الآن..
استمر بالتحديق في الطاولة الخشبية التي أمامه بعينيه السوداوين يفكر فيما يجب أن يفعله الآن.. ثم نقل نظره ليده يحدق بها بشرود..
كيف سيواجهها..؟
هذا السؤال يتردد في ذهنه ولم يتوقف، ولا يعتقد أنه سيتوقف إن لم يجد إجابة له.. كان الأمر كافياً لحرق أعصابه فعودة تلك الأميرة بعد كل تلك السنين لم يكن متوقعاً أبداً.
ابتسم بخفة وبعدها بدأت تتسع ابتسامته إلى أن تحولت لضحكة مجنونة كالعادة عندما لا يجد تفسيراً منطقيا لما يحدث حوله.. ضحكته لا تحمل أي بهجة أو سرور على الإطلاق.. مرر أصابع يده بين خصلات شعره السوداء يحاول التخفيف من توتره هذا.
ازداد ضحكه بصوت مرتفع كالمجنون، كأن كل ما يحدث الآن ليس إلا نكتة لا يفهمها سواه وبطلتها كانت تلك الأميرة.. دَينسيفارا الجميلة.. كان يفكر فيما يمكن أن تفعله الآن وقد عادت..
"يا ابنة الآفادول.."
قالها بيرسيفال وهو يبتسم بسخرية مخيفة كأنه يسخر من الوضع هذا بمرارة.. رفع يده السمراء ببطء وكأنها مثقلة بالتعب ووضعها على عينيه المرهقتين, ثم أرجع جسده للوراء ليتكئ على الكرسي بجسده الثقيل.. أكمل بعدها بهمس:
"ماذا تنوين أن تفعلي بي هذه المرة..؟"
تنهد بصوت عالٍ وحاول أن يعود إلى رشده بعد نوبة الضحك تلك، مسح على وجهه بكفيه يحاول طرد كل تلك الأفكار من عقله..
فكر بالخروج من هنا ليمشي خارجاً ويريح عقله قليلاً .. علّه يجد شيئاً ينقذه من هذا الجنون.. هنالك أمور كثيرة يجب أن تُناقش..
"تمشية صغيرة.. قد تبقيني عاقلاً طوال هذا اليوم.."
أيضاً يجب عليه عقد اجتماع بخصوص كل ما يحدث الآن فلا مجال للتأجيل بعد الآن.. وخصوصاً بعد عودة لورين آفادول..
نهض عن مقعده ينوي الخروج من القاعة بخطوات ثابتة دون أن يعرف إلى أين يتجه الآن.. لم يعرف أين تقوده قدماه الآن.. ترك حتى أفكاره التي كانت تثقل رأسه
وفجأة دون أن ينتبه رأى نفسه واقفاً أمام باب غرفة يوجين محتاراً بين الدخول أو الأنصراف.. لم يخطط للمجيء إلى هنا..
وقف أمام الباب يفكر بصمت.. 'ليست هي..'
هذه الفتاة ليست هي، فبالتالي عليه الانصراف فوراً وبالفعل ابتعد عن الباب ينوي الذهاب.. لن يعود إلى هنا.. فهذا جنون.
لكنه توقف عندما سمع صوت فتح الباب.. تباً.
"بيرسيفال..؟!"
قالت هذه الكلمة بصوت متفاجئ.. لم تتوقع أن يعود إلى هنا بتاتاً، كانت تريد الخروج لأنها شعرت بالملل من الجلوس وحيدة في الغرفة..
نقل عينيه إليها ولم يتفوه بكلمة وكذلك لم تفعل هي.. أخذ يتفحصها بعينيه السوداوين.. من الواضح أنها متعبة لكنها كانت تحمل رمحها بيدها.. عقد حاجبيه باستغراب وقال:
"لا يعقل أنكِ تريدين الذهاب للتدريب بحالتكِ هذه؟"
"لا.. فقط أريد أن اخرج."
"إلى أين..؟"
"لا يوجد مكان محدد."
"حسناً..."
"هل تريد المجيء معي..؟"
سألته والحماس واضح على ملامحها.. لكن كان هناك خوف خفيّ أيضاً..
"كلا."
"ماذا..؟"
"لا أريد.. يمكنكِ الخروج للتنزه بمفردكِ."
قال هذه الجملة ثم انصرف بهدوء.. ما خطبه؟
لم تهتم كثيراً به وأكملت طريقها نحو الخارج مبتعدة عنه وكأن وجوده من الأساس لم يكن ذا قيمة بالنسبة لها.. أخذت مساراً مختلفاً عن مساره للأمان فهذا الرجل غريب أطوار ولا تريد أن تكون بقربه.
تابع بيرسيفال سيره في ممرات القصر بصمت يفكر ويفكر.. بين الحين والآخر كان يمر به الخدم والعمال ينحنون برؤوسهم للأسفل احتراماً دون أن يجرؤ أحد على النظر له..
نفس الشيء بالنسبة للحراس والجنود الذين رآهم على امتداد الممرات.. فقد حافظوا على انضباطهم وسكونهم عندما مر من أمامهم..
لقد مر وقت طويل منذ أن قام بجولة في أرجاء القصر.. لذلك هو لم يتفاجأ من ردود أفعال الناس هنا.. ولم يستغرب نظرات الاحترام أو الإنحناءات المبالغ بها من الخدم..
هو في الحقيقة ليس لديه سبب لهذا، كان فقط يتجول لتصفية أفكاره قليلاً.. وقد مر وقت طويل منذ أن اختار هذا المكان الذي يقطنه لفعلها.
في العادة يتجول في المدن والممالك القديمة التي لم يعد يسكن فيها أي شخص ولا يوجد أثر للحياة فيها.. ولا سيما آروماس موطنه.
آروماس مملكة السحر القديمة التي كانت مركز السحر في هذا العالم.. كانت مملكة عظيمة تجمع كل قبائل وعشائر السحر..
أما الآن فهي ليست سوى بقايا لما كانت عليه ذات يوم.. حتى القبائل تفرقت.. كل قبيلة للسحر اصبحت تسكن في مكان مختلف من العالم.. لا يربطهم شيء ببعضهم البعض.
وصل إلى نهاية الممر.. طريق مسدود فتابع سيره نحو النافذة الكبيرة المفتوحة التي تطل على الغابات في الخارج.. عينيه فارغتين تماماً..
أخذ يحدق في السماء الزرقاء التي فوقه.. بدا له لونها صافياً وهادئاً لكنه لم يتمكن من الاستمتاع به.. تذكر يوماً حيث زرقتها هذه تحولت إلى احمرار قاتم..
كأنها زجاجة ضخمة تم كسرها وأخذت تنزف بلا توقف.. منظر لم يغب عن ذهنه أبداً ولم يكن قادراً على نسيانه...
منذ تلك الحادثة والكوابيس تطارده بلا توقف.. والآن اصبحت كوابيسه حقيقة.. تذكر تلك الأميرة مجدداً وكيف وجهت لهم تهديداً واضحاً بأنها ستبدأ الحرب الآن وتنهيها بقتلهم جميعاً..
"أحب الوضوح في تلك التهديدات.. أنها تجعلني اقدر مجهودها الصغير."
بدأ يقهقه على كلامه وأفكاره الغريبة مجدداً.. ضحكة مكتومة أولاً ثم انفلتت منه بصوت أعلى مع كل ثانية تمر..
"تباً.. كم أنا ممتع ومضحك.."
أتسعت ضحكته وأصبح صوتها أعلى.. اتكأ على الحائط ثم قال وهو يحاول إيقاف نفسه من الضحك:
"حسناً.. على الأقل سيكون الأمر ممتعاً.. لا أظن أنني سأشعر بالملل بتاتاً."
نظر إلى الأسفل لتلك الغابات المحيطة بالقصر ثم رفع رأسه نحو السماء قائلاً:
"أتسائل إن كنتِ تملكين الجنون نفسه يا أميرة.."
توقف قليلاً عن الضحك مخاطباً نفسه:
"الفرق هذه المرة أنني أملك صبراً أقل ووقتاً أقل.. لكن رغبة أكبر بكثير."
مد ذراعه قليلاً للأمام كأنه يختبر الهواء ثم تابع متمتماً بخفوت:
"لنرَ يا أميرة العقول، هل ستسيطرين علي؟.. أم ستجدين نفسكِ في متاهة لا مخرج لها..؟"
ثم ضحك مجدداً لكن ليس بجنون هذه المرة.. بل ضحكة هادئة قاتلة تنتمي لرجل يعرف تماماً مالذي سيفعله.. فقط ليستمتع هو بالمشهد الأخير في هذه المسرحية المضحكة.
جالس على حافة النافذة لبعض الوقت، يراقب الساحة بصمت وقد هدأت ضحكته، لكن شرارة الحماس لم تختفِ من عينيه السوداوين.
مرر أصابعه في شعره مرة أخرى، هذه المرة بحركة أبطأ وكأنها وسيلة لتهدئة نفسه قبل أن ينفجر من جديد..
وقف ببطء ثم سار باتجاه الممر الذي خلفه ليعود أدراجه.. خطواته كانت ثابتة لا سريعة ولا بطيئة، لكنها تحمل في طياتها شيئاً لا يُوصف.. ثقة ربما؟ أم فضول قاتل..؟
بينما كان يمشي، سمع صوت أقدام صغيرة خلفه، خفيفة لكنها سريعة.. توقف قليلاً دون أن يلتفت ثم قال بنبرة باردة:
"تعلمين أن التجسس ليس موهبتك الأفضل، أليس كذلك؟"
خرج صوت أنثوي خافت من الخلف:
"أنا لم أتجسس.. فقط كنت أمرّ من هنا."
ابتسم بخفة دون أن يراها ثم تابع:
"بالطبع.. كلنا نمرّ من هنا مصادفة، أليس كذلك؟"
اقتربت منه حتى باتت على بعد خطوات، كانت فتاة شابة ذات شعر رمادي مربوط على شكل ضفيرة.. كانت من إحدى قبائل السحر الموالية لأوسكزيرا..
هي تعمل هنا لنقل الرسائل من القادة الآخرين له، ليست وحدها من تعمل هذا العمل بالطبع.. صمتت للحظة ثم قالت:
"أردت فقط إبلاغك أن القائد سيث عاد من رحلته.."
هز رأسه بتفهم، ثم قال:
"أخبريني, هل وجد شيئاً عنها؟"
هزت رأسها ببطء وقالت له:
"لا.. ليس بعد."
أومأ لها ثم تابع سيره نحو قاعة الاجتماعات وتحديداً لعرشه، وهو يتمتم:
"آه، الأمور بدأت تصبح مثيرة فعلاً..."
_______________________________________
دخلت للغابة هذه منذ ما يقارب الربع ساعة وكانت تائهة بين الأشجار الشامخة العتيقة والحشائش التي تغطي الأرض كأنها بساط صمم خصيصاً لها..ولم تجد شيئاً بها حتى الآن.. لا مخلوقات غريبة ولا قبائل سحر.. لا شيء سوى صخور هنا وهناك وبعض الطيور والحيوانات الأليفة.. لا حيوانات مفترسة حتى.
شعرت بالملل في أول خمس دقائق لذلك جلست على ضفة النهر تحدق به بملل وشرود.. تحدق في النهر ومياهه تارةً وتعيد نظرها ليدها تارةً أخرى.
بعد ذلك كانت عيناها الزرقاء مركزة على أناملها تعبث بها ببطء كأنها تريد شيئاً تلهي به نفسها.. لا شيء لديها لفعله هنا لكنها بقت لشعورها بالوحشة في القصر..
في النهاية تنهدت باستسلام ونهضت من مكانها بتكاسل، مستعدة لمغادرة هذا المكان الذي يُشعِرها بالملل والوحدة.
استعدت لتحمل رمحها وتغادر لكن عينيها أتسعت بصدمة واضحة عندما نظرت له.. ليس للرمح بل حجرها الصغير المرمي بجانبه..
كان يتوهج، وليس ذلك الوهج الذي اعتادت أن تراه أثناء تدريبها.. بل كان وميضاً غريباً تراه لأول مرة.. كأنه يناديها لتقترب منه.
وقفت تنظر له بصدمة غير مصدقة لما تراه أمامها.. حاجباها معقودان وفمها نصف مفتوح لما تراه أمامها الآن.. لأنه فجأة ودون سابق إنذار.. بدأ الوميض يأخذ شكلاً محدداً أمام ناظرها.
كان الوميض يتكاثف إلى أن تحول تدريجياً إلى شكل بشري مصغر من وميض الحجر، كيان بحجم صغير يتسع بكف يدها، كان يطفو فوق الصخرة التي كان الحجر موضوعاً فوقها..
كان يبدو كخيال شفاف مكون من الضوء الأزرق فقط، نظرت له.. ملامحه غير واضحة تماماً لكنها متأكدة أنه ليس ناتجاً من خيالها.. لا يمكن أن يكون.
أخذت تقترب منه ببطء وحذر شديد.. مدت يدها لتتأكد من كونه حقيقة أم لا.. فور وصول إصبعها السبابة لرأس ذلك المخلوق الصغير وإذا به استيقظ طائراً أمامها يصرخ بهلع:
"ما خطبكِ أيتها البشرية..؟!!"
تراجعت يوجين للوراء بخطوات سريعة متعثرة وقد اتسعت عيناها بذهول، تكاد لا تصدق أن هذا الكائن الصغير يطير ويتحدث.. بل ويصرخ في وجهها أيضاً!!
فتح عينيه اللامعتين على وسعهما وابتعد عنها محلقاً في الهواء.. كان يحاول الابتعاد قدر الأمكان لكنه لم يبتعد فعلياً..
"آسفة.. لم اقصد إخافتك..!"
تمتمت بتوتر وهي ترفع يديها للأعلى محاولة تهدئته وملامحها لا تزال غارقة في الصدمة.
"أخفتيني!!.. أنت؟!!"
قالها بوقاحة وهو يضع يديه الصغيرتين على خصره بعصبية مبالغ بها بالنظر لحجمه، ومن ثم أكمل:
"ومن ذا الذي يلمس كائناً نورياً نائماً بتلك الطريقة دون استئذان؟؟.. هل أنتم أيها المخلوقات دوماً بهذه الوقاحة؟!"
رفعت حاجبيها بصدمة لكنها شعرت برغبة مفاجئة بالضحك عليه، هذا الشيء.. مهما يكن، كان حيوياً أكثر مما توقعت.. كان يصرخ بشيء ما حتى أوقفته قائلة:
"وقاحة؟.. نحن؟!!"
"ومن غيركم؟!"
"مهلاً مهلاً، أنت من ظهرت هكذا أمامي فجأة.. ماذا تريدني أن أفعل مثلاً؟"
"لا تلمسيني هكذا بيديك!!"
"كان مجرد إصبع.."
"وإن يكن..!"
نظرت له وقد بان الغيظ على ملامحها.. جبهتها معقودة وشفتيها مزمومتين.. كانت متعبة حتى من التفكير والآن جاء هذا الكائن ليضيف فصلاً جديداً من الغرابة إلى يومها..
"مالذي تريده الآن بحق الجحيم؟"
قالتها بصوت منخفض لكنه حاد، عقدت ذراعيها على صدرها بضيق وتنهدت بعمق وكأنها تحاول أن تكبح غضبها حتى لا ينفجر.
انتظرت ردّه وهي ما تزال تعقد ذراعيها أمام صدرها لكن لم يصلها أي جواب، لم يكن صمته فقط مزعجاً،
بل هو مريب أيضاً، خاصة مع تلك النظرة الغريبة التي كان يرمقها بها.
نظرت له بحيرة وقد بدأت تتساءل إن كان قد فقد عقله الآن بعد صراخه المفاجئ عليها، إذ إنه الآن لا يبدو غاضباً بل أشبه بمن رأى للتو كنزاً كان يظن أنه ضائع للأبد.
عيناه اللامعتان تشعّان بدهشة مبالغ بها ووجهه الصغير بدا متجمداً من الصدمة.. كان يحدق بها دون أن يرمش بينما ذقنه الصغير يستند على يديه المعقودتين بطريقة طفولية غريبة، كأنه طفل أمام حلوى يراها لأول مرة.
رفعت حاجبها باستغراب ثم تراجعت خطوة صغيرة إلى الوراء، تسللت قشعريرة باردة على عمودها الفقري جعلتها تنتبه أكثر له..
"ما بك الآن؟ لمَ تنظر إليّ بهذه الطريقة؟"
سألت وهي تحاول الحفاظ على نبرة صوت هادئة رغم الضيق الواضح في تعابيرها.
ظلّ يحدق بها بذهول لثوانٍ أخرى، ثم فجأة وبنبرة مدهوشة كأنه يكاد لا يصدق نفسه، قال بصوت خافت لكنه مشحون بالحماسة والانفعال:
"أنتِ.. أنتِ هي! لا يمكن! لقد عدتِ حقًا! بعد كل هذه القرون..!"
عقدت حاجبيها وتشوش عقلها مع كلماته المبهمة، تراجعت خطوة إضافية وقد بدأت تشك بأن هذا المخلوق الصغير أصيب في رأسه..
"عدتُ؟ من أين بالضبط؟!"
سألت بحدة هذه المرة، وقد بدأ القلق يتسرب إلى صدرها رغم محاولتها إبقاء وجهها خالٍ من أي انفعال.
لكن المخلوق لم يبدُ وكأنه سمعها حتى.. بل كان يحدق بها كما لو أن العالم كله اختفى ولم يتبقَ أمامه سواها و"هي".
أومأ المخلوق الصغير برأسه ببطء وهو يهمس كأنه يحدث نفسه، وكأن دماغه يحاول استيعاب شيء يفوق حجمه ومكانه:
"لا يمكن.. الشكل.. الطاقة.. التوهّج.. إنها متطابقة تماماً.."
أصبحت ملامح يوجين الآن مزيجاً من الغضب والحيرة، ثم تقدمت نحوه خطوة وقالت بحدة:
"هل يمكن أن تشرح لي ما الذي تهذي به؟"
تراجع المخلوق للخلف بسرعة كأنها أفزعته مرة أخرى ثم رفع يديه الصغيرتين بحركة دفاعية:
"لا تصرخي!.. أنا فقط تفاجأت.. أنتِ لا تفهمين حجم الأمر!.. لا أصدق أنني وجدت سليلة نيموريا وأخيراً..!"
قال كلماته الأخيرة بانفعال شديد، حتى كاد يطير في الهواء من الحماسة.
نظرت إليه بجمود، وعينيها الزرقاوتين تضيقان شيئاً فشيئاً، قبل أن تقول ببطء:
"سليلة نيموريا..؟"
ابتسم وهو يدور حولها بحركات عصبية ويداه تلوّحان بلا توقف:
"نعم نعم نعم!.. سليلة نيموريا سيدة السحر!!"
تقدمت نحوه ببطء وبخطوة واثقة، كأنها وجدت فجأة خيطاً يقودها نحو إجابة كانت تبحث عنها منذ زمن، وقالت ببرود:
"ومن هي تلك السيدة؟.. ما الذي تعرفه ولا أعرفه؟"
تجمد المخلوق للحظة.. ثم ابتسم ابتسامة واسعة وقال:
"نيموريا هي المؤسسة يا سيدتي.. وأنا مساعدكِ الآن.. لم أكن أعلم أنكِ صاحبة حجر المياه لذلك صرخت عليكِ بتلك الطريقة.. آسف.."
مؤسسة..؟
مساعد..؟
هنا ارتجف قلبها للحظة.. لكنها تماسكت وبعينين ثابتتين، قالت:
"حسنًا.. يبدو أن لدينا حديثاً طويلاً، وأنت.. لن تذهب لأي مكان قبل أن تشرحه لي بالكامل."
ارتجف المخلوق وابتلع ريقه، ثم جلس فوق الحجر المتوهج وأجاب:
"أوه، هذا سيستغرق وقتاً طويلاً.. وأعصاباً فولاذية.. وربما القليل من الحلوى أيضاً."
حلوى؟.. هي لا تصدق ما تراه وما تسمعه الآن عن نيموريا تلك وهو يريد حلوى..؟
لم تفارق ملامحها الصدمة حتى الآن.. هذا كثير جداً، يبدو أن عقلها قد توقف عن العمل.. مالذي يقوله هذا المخلوق بحق الجحيم؟
تنفست بعمق محاولة أن تهدأ قليلاً وتستجمع ما تبقى من هدوئها.. شعرت أن عقلها على وشك الانفجار من غرابة الموقف لكنها أجبرت نفسها على التماسك.
لا فائدة من الغضب الآن.. هي فقط بحاجة لفهم ما يجري أولاً.. لفهم هذا المخلوق الصغير الغريب الذي خرج من حجرها وكأنه أمر طبيعي يحدث كل يوم.
مررت يدها على جبينها بتوتر ثم شبكت ذراعيها بتفكير تسأل نفسها:
"حسناً، فلنفترض أن هذا ليس كابوساً.. ماذا عليّ أن أفعل الآن؟.. كيف يفترض بي التعامل مع شيء كهذا؟"
نظرت إليه مرة أخرى بحذر عاقدة حاجبيها محاولة أن تتجاهل سخافة طلبه، وتفكر بخطوة منطقية تالية.. ثوانٍ قليلة حتى قالت له:
"حسناً أيها الصغير.. ما إسمك؟"
_______________________________________
~ TO BE COMPLETED..🖤☁️
Lorraine Aavadol