Part VII: أَلْمَكْتَبَة

Part VII: أَلْمَكْتَبَة

15 0

خرجا ليام وفيرينا من قاعة العروش بخطى هادئة بعد اللقاء القصير مع بيرسيفال الذي أخبرهما بأنه سيغادر القصر لساعات قليلة في مهمة لم يُفصح عنها كعادته.

بدا منشغلاً بشيء ما, لكن على غير عادته هذه المرة توقف للحظة وأوصاهما بشكل واضح بالعناية بالقصر وضمان سير كل شيء كما ينبغي أثناء غيابه.

لم يكن ذلك من طبعه, فهو غالباً ما يغادر فجأة دون أن يكلف نفسه حتى عناء إبلاغ أقرب الأشخاص إليه, وكأن وجوده وعدمه سيّان عنده.. لكن هذه المرة تذكر.. وهذا بحدّ ذاته أمر مثير للاستغراب بقدر ما كان جيداً.

تبادلت فيرينا وليام نظرة سريعة وكأن كليهما شعر بشيء غير مألوف في نبرة صوته أو في ظل خفي وراء كلماته.. لم يُعلقا على شيء واكتفيا بالإيماء برؤوسهما, ثم استدارا وغادرا القاعة.

كان الصمت يملأ أرجاء الممرات الفسيحة للقصر, لا يكسر هذا السكون سوى وقع أقدامهما على الرخام المصقول وهمسات الخدم المتناثرة هنا وهناك.. سارا جنباً إلى جنب دون استعجال, وكأن الوقت قد بالنسبة لهما يتباطأ مع كل خطوة.

وكما اعتادا دائماً, كان الحراس والخدم المنتشرون على طول الممرات ينحنون برؤوسهم فور رؤيتهما, لا عن خوف بل كعلامة احترام واضحة لمكانتهما داخل أوسكزيرا.

لم يطلبا هذا الطقس يوماً لكنه ترسخ مع الزمن, جزء من هيبة المكان ونظامه.. وكلما مرا في الممرات انحنت الأجساد, وثبتت الأعين على الأرض, وصمتت الألسن حتى يبتعدا.. الأمر لم يكن مريحاً, لكنه صار مألوفاً كالتنفس.

تنهدت فيرينا بخفة وقالت بنبرة متمهلة:

"أتساءل إلى أين يذهب هذه المرة.. إنه لا يخبرنا بأي شيء كأننا مجرد ظلين خلفه وبالكاد يرانا في بعض الأحيان."

أجاب ليام دون أن يلتفت:

"أعتقد أنه يخبرنا بما يكفي.. وبصراحة أنا لا أريد أن أعرف كل ما يدور في ذهنه.."

ثم أضاف بعد لحظة صمت:

"أحياناً الجهل نعمة, خاصة إن كان عقل الشخص المقصود مليئاً بكل ذلك الجنون."

ضحكت فيرينا ضحكة قصيرة لا تخلو من التوتر, لكنها لم تعلّق.. شعرت بأن هنالك شيئاً في الأفق, كما لو أن القصر نفسه يتنفّس بطريقة مختلفة اليوم.

الهواء كان أثقل والسكينة التي تلف الجدران ليست كما كانت في الصباح.. ربما كان هذا الصمت الطويل, أو ربما فكرة أن بيرسيفال ترك العرش خلفه ولو مؤقتاً, هي ما جعلت خطواتهما أكثر حذراً.

لكن ما لم يعرفاه بعد هو أن غيابه هذه المرة لن يكون كأي مرة مضت.. ليس لأنه على وشك دخول معركة طاحنة أو التوغل في أرض معادية, فهو فعل ذلك مئات المرات سابقاً ولا يزال يفعل ويكرر الأمر بلا ملل, عبور الغابات المسكونة وهدم مدن نائمة ومواجهة ما لا يُواجه.

لقد اعتاد الخطر وتآلف مع الموت حتى صار زائراً مألوفاً لا يُثير فيه سوى الرغبة في التثاؤب.

لكن هذه المرة كان السبب مختلفاً تماماً, لا علاقة له بالسيطرة أو الحرب أو استعادة الأحجار.. لا, هذه المرة هو فقط فضولي.

أجل, بكل بساطة وعبث, أراد أن يراقب تلك الفتاة التي ظهرت فجأة وسط هذا الجنون.. تلك التي تسير بخطى غريبة بين ماضيه وحاضره, تحمل في عينيها ذكرى مملكة دُمِرت, وأحِباء قُتِلوا, وفي قلبها شيء لا يفهمه أحد سواه.

لم يخبر ليام ولا فيرينا بنواياه هذه ولن يفعل طبعاً, ما كانوا ليصدقوا إن قال أنه سيتبع فتاة نصف بشرية وأقرب للآلهة في خلقها فقط ليرى إلى أين ستذهب.. ماذا ستفعل, مَن ستكون حين تصل.. وهل ستعود حية أم لا.

هو لن يبتعد كثيراً, لا حاجة لذلك فالمسرح الحقيقي هذه المرة سيكون في الغابات الملتفة حول الجزيرة الرئيسية لأوسكزيرا.

وهناك, سيراقب من الظلال كما اعتاد أن يفعل في بداياته قبل أن يصبح سيد هذا المكان.. وربما, فقط ربما.. سيمنحها فرصة لتثبت له إن كانت تستحق النجاة أو الدفن مع من سبقوها.

على أي حال, تابعا سيرهما في الممرات الهادئة, خطواتهما تتردد بخفة على الأرض المصقولة بينما تبادلا حديثاً خفيفاً لا يحمل أي أهمية حقيقية.

تطرقا إلى التدريب المعتاد, إلى المهام القادمة, ثم انحرف الحديث إلى السخرية من آزارييل بطريقته المباشرة في التحدث حتى مع بيرسيفال, أو مبالغته في جنونه.

لم يكن هناك ما يلفت الانتباه, لا شيء خارج عن المألوف, مجرد لحظة عابرة من السلام الساخر في قصر نادراً ما يعرف الهدوء.. رغم أنه كان غارقاً في الهدوء والسكينة لما يقارب الخمسمئة عام..

لكن شيئاً فشيئاً بدأت الأجواء المحيطة بهما تفقد دفئها المعتاد لتقتلهما بفعل البرد القارس، أو ربما تستبدل ذلك البرد بنار مسجورة لتحرقهم جميعاً، بدا وكأن أحداً ما يسحب الهواء ببطء من الممرات وكأن الجدران نفسها تضيق عليهما المساحة.

شعور خفي, كأن يداً خفية تقبض على صدريهما, يزحف بصمت ويترك خلفه ثقلاً في التنفس ونبضاً مرتجفاً تحت الجلد.

لم يكن مستمراً, بل يظهر ويختفي كنسمة باردة تصل إليك من العدم ثم تتلاشى قبل أن تمسك بها.. تبادلا نظرة سريعة, كلاهما شعر بالأمر لكن لا أحد تجرأ على الاعتراف به صراحة.. قد يكون وهماً وقد لا يكون.

ثم لاحظا شيئاً غريباً آخر, على حافة إحدى الشرفات العالية خلف الزجاج شبه المعتم لإحدى الغرف الجانبية, كانت تقف خادمة بثوبها الرمادي البسيط بلا حراك.

يفترض بها أن تكون مشغولة بتنظيف الغرفة كما يطلب من الخدم عادة, لكن وقفتها تلك لم تكن عادية أبداً, لم تكن منهمكة ولا حتى واقفة تنتظر شيئاً.

كانت ساكنة بطريقة غير مريحة, بطريقة توحي أن العقل قد هجر الجسد, وتركه واقفاً هكذا.. فارغاً تماماً, وهنالك شخص واحد قادر على التأثير على العقول بهذا الشكل..

تبادل ليام وفيرينا نظرة سريعة ثم اقتربا منها ببطء وحذر كما لو كانا يقتربان من شيء مجهول قد ينفجر في أي لحظة.. كل خطوة نحوها كانت مصحوبة بثقل, بشيء لا يُرى لكن يمكن الشعور به يضغط على الهواء من حولهما.

عندما وقفا بجانبها نظرا إلى وجهها فازدادت دهشتهما, كانت عيناها مفتوحتين على وسعهما لكن الحدقة كانت مختفية تماماً, لا وجود لأي لون فيهما.. فقط بياض خالص, شاحب وخالٍ من الحياة.

ثغرها مفتوح قليلاً كما لو أنها كانت على وشك أن تقول شيئاً ثم توقفت فجأة, ورأسها مائل نحو الأعلى كأنها تحدق في كائن غير مرئي فوق السقف, أو أنها تنتظر أن يسقط شيء من السماء.

قال ليام بصوت خافت بالكاد يُسمع:

"هل.. هل يعقل أنها تراها؟"

فيرينا لم ترد, لكنها مدت يدها لتلمس كتف الخادمة ببطء.. وما إن فعلت ذلك حتى تجمد الهواء في الغرفة بالكامل كأن الزمن نفسه توقف عن الجريان للحظة قصيرة لكنها ثقيلة بشكل لا يُحتمل.

شعرت فيرينا بوخز حاد في أطراف أصابعها وكأنها لمست شيئاً أكثر بكثير من جسد خادمة عادية.. شيء غريب, بارد وخارج عن قوانين الطبيعة.

ثم فجأة التفتت الخادمة إليهما ببطء غير بشري, رقبتها تحركت أولاً بحركة متشنجة, تلتها رأسها ثم جسدها بأكمله.

كان فمها لا يزال مفتوحاً لكن شيئاً أشبه بالزفير صدر منه, صوت ضعيف كأن الريح تمر خلال ناي مكسور, بعد ذلك نطقت بصوت مخيف لا يشبه صوتها المعتاد, بل بدا وكأن أكثر من صوت يتحدث من خلالها:

"عادَت.. البابُ قد فُتح.. والعقول ستنزف."

ثم انقطع صوتها دفعة واحدة وارتخت قدماها, وانهارت أرضاً كما لو أن الروح قد غادرت جسدها لتوها..

ركعت فيرينا بسرعة بجانبها محاولة التحقق من نبضها لكنها لم تجد شيئاً, جسدها كان بارداً, بارداً بشكل غير طبيعي كأنها ماتت منذ ساعات طويلة رغم أنها كانت تتحرك وتتكلم للتو.

قال ليام وهو يحدق بها بقلق:

"ما هذا بحق السماء؟.. من الذي عبث بعقلها؟.. وهل كانت تعني أن لورين عادت؟"

فيرينا رفعت رأسها ببطء, نظراتها مشوشة ولكنها مصممة ثم قالت:

"هذا ليس سحراً عادياً, هذا الحجر.. حجر العقول, لا يمكن لغيرها أن يفعل هذا."

قاما بنقل الجثة بصمت تام إلى إحدى الغرف الخاصة بفيرينا, تلك التي لا يدخلها سواها ولا يعلم بموقعها سوى قلة من المقربين.. كانت غرفة صغيرة لكنها منظمة بدقة, تحتوي على طاولة حجرية منخفضة وبعض الرفوف الخشبية التي رُصت عليها أدواتها الخاصة.

بمجرد دخولهما أغلقت فيرينا الباب خلفهما وأشارت إلى الطاولة كي يضعها ليام هناك وهو ما فعله بهدوء.. ظلت واقفة أمام الجثة لثوانٍ طويلة دون أن تتحرك, كأنها تحاول التقاط أي شيء في الهواء.. رائحة, نبض خافت, أو حتى أثر غير مرئي للسحر.

أخذت نفساً عميقاً ثم قالت:

"سأحاول معرفة ما الذي حصل لها بالضبط.. هذه ليست حالة عادية."

لم يرد ليام, فقط اكتفى بالنظر للجثة ثم رمق فيرينا بنظرة سريعة قبل أن يدير وجهه نحو الباب كأنه يريد أن يحرسه.. لم يكن الجو مريحاً أبداً لكنهما اعتادا التعامل مع ما هو أغرب من هذا بكثير.

بعد دقائق عادت فيرينا بقربه وقالت بصوت منخفض كأنها تخشى أن يسمعها أحد رغم أن لا أحد غيرهما في الغرفة:

"دماغها.. لقد سُحِق من الداخل."

عقد ليام حاجبيه فوراً, ملامحه توترت, وشيء من الريبة بدأ يظهر في عينيه.. نظر إليها باستغراب وكأن ما سمعه غير منطقي.

"ماذا تعنين؟.. كيف يُسحق الدماغ من الداخل دون أي أثر خارجي؟.. دون نزيف أو كدمات.. لا شيء!"

أومأت فيرينا ببطء ثم أشاحت بنظرها نحو جثة الخادمة من جديد وقالت:

"كأن قوة ما ضغطت على عقلها حتى انهار بالكامل.. لا ألم ولا صراخ.. لم أرى شيئاً كهذا منذ.."

سكتت قليلاً, ثم تداركت نفسها وقالت:

"منذ أن وعيت على هذا العالم.."

اقترب ليام من الجثة أكثر لكنه لم يجرؤ على لمس شيء فقط حدق في العينين المفتوحتين على اتساعهما, والبياض الذي استبدل الحدقة..

لم يحتاجا للكلام ليعرفا من الفاعل.. سحق العقول بعد السيطرة عليها؟

تلك ليست إلا واحدة من بصمات الأميرة, لورين آفادول.

لم يسبق لهما أن شهدا مثل هذا المشهد من قبل لكنه مألوف في السجلات المنسية, في تلك الكتب العتيقة التي غطاها الغبار وأُخفيت طويلاً بعيداً عن الأعين,

كتب تحذّر من أشخاص يُخضعون ضحاياها لإرادتهم

ثم يتركونهم كأصداف فارغة لا حياة فيها ولا عقل.

"سحق العقول بعد التلاعب بها.."

همست فيرينا، وكأنها تقرأ من نص قديم.. نظر إليها ليام, وفي عينيه كلام لا يحتاج أن يُنطق.. وضعت فيرينا يدها على الجثة بخفة تستشعر برودتها القارصة وهي تتسلل إلى عظامها, ثم تمتمت:

"هذه المرأة لم تمت فقط.. هذه خُلِعت من ذاتها."

شعر ليام بقشعريرة تسري في عموده الفقري, رغم كل ما مر به من معارك ومواجهات.. ليس من السهل أن تُفزع محارباً مثله, لكن الفزع هذه المرة لم يكن من الموت بل من ما قبل الموت..

من العقل وهو يُسلب ويُفرغ.

من يد خفية تنبش أعمق زوايا الوعي ثم تسحقه دون رحمة.

ساد الصمت بينهما إلا من صوت أنفاسهما الثقيلة في المكان الضيق, وتوهج المصابيح الهادئ.. شعر كلاهما بأن هذه الجثة مجرد بداية لشيء أعمق, شيء كان يراقبهما في الظل.

شعرا بهذا مراراً وتكراراً منذ إعلان خبر عودتها, تلك القشعريرة الخفية والثقل الذي يتربص خلف أعين الناس وكأن العالم يترقب كارثة معلنة.

لكن هذه.. هذه كانت المرة الأولى التي يلامس فيها الخوف قلوبهم بصدق, لا كفكرة بعيدة بل ككائن حي ينهش أنفاسهم.

نظر ليام إلى الجسد الملقى على الطاولة بعينين تائهتين بينما فيرينا كانت تحاول التماسك, تحاول أن توهم نفسها أن الأمور ما زالت تحت السيطرة, لكنها تعلم.. تعلم جيداً أن ذلك لم يعد صحيحاً.

يا تُرى ماذا ستفعل بهما لو وقعت أيديها عليهما؟

أيعقل أنها تتذكرهما؟

أيعقل أن اسميهما محفوران في عقلها كما لو كانا وشماً؟

أيعقل أن الانتقام بدأ فعلاً.. لكنه بدأ ببطء, بذكاء, ببرود يجمد الدم في العروق؟

الوقت يمضي ببطء كأنه يتعمد السخرية من قلقهم المتزايد, وهما لا يملكان شيئاً سوى الترقب.. ترقب ثقيل لا يحتمل, يُثقل صدريهما مثل صخور لا تُرفع.

إن عدوهما لا يأتي من خلف الجدران أو من أروقة المدن البعيدة بل يتربص لهما من الداخل.. من عمق القصر نفسه, من بين الظلال التي يظنها الجميع آمنة.. وربما الأسوأ من ذلك.. من داخل عقولهم ذاتها.

كانت فكرة أن تكون لورين قد تسللت فعلاً إلى هذا القرب منهم دون أن يلحظوها, أشبه بسم بطيء يجري في العروق, كلما فكرا بها ازداد الشعور بالعجز.

أي قتال يمكن خوضه مع عدو لا يحتاج إلى سيف؟

عدو يعبث بالعقول كما يشاء, يزرع الرعب في النفوس قبل أن تطأ قدمه أرض المعركة.

كل دقيقة تمر كانت كافية لأن تخلخل الثقة بينهم وبين أنفسهم.. ماذا لو كانا تحت تأثيرها الآن؟.. ماذا لو كانت المعلومة التي وصلا إليها مجرد وهم زرعته في رأسيهما؟.. وماذا لو أن "انتظارها" مجرد فخ خادع بينما هي تعد الضربة التالية من مكان لا يمكن الوصول إليه؟

في لحظة كهذه لم يكن القلق شعوراً عابراً.. بل كان رفيقاً ثقيل الظل جاثماً على صدريهما يذكرهما بأن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد..

هل يعقل أن تكون كل تلك الهجومات السابقة مجرد تحذير؟

لا, ليست تحذيراً فحسب بل ربما كانت رسائل مبعثرة تحمل بين طياتها شيئاً من التهديد والازدراء.. وربما شيئاً آخر أكثر خبثاً.

هل كانت تلهو؟.. تلعب لعبة مريضة لتروي بها مللها؟.. تراقب من الظلال كيف يفقد خصومها صوابهم تدريجياً أو كيف ينزلق القصر العظيم نحو حافة الجنون دون أن تلمسه بيد واحدة؟

ربما لم تكن تسعى لقتل أحد بعد بل فقط لتزرع الخوف, كمن يلقي حجراً في بحيرة راكدة ثم يبتسم وهو يراقب تموجاته تتسع وتكبر حتى تغرق كل من يظن نفسه في مأمن.

من يدري.. لعل كل هذا لم يكن سوى البداية.. البداية فقط.

لعلها تخبئ لهم مفاجآت أكبر.. وأكثر إثارة.. أو ربما أكثر رعباً, من يدري ما الذي يدور في عقلها الذي لا يمكن اختراقه؟

قد تكون خططت لكل شيء منذ البداية وقد تكون فقط مرتجلة تتبع أهواءها كما تتبع النار مسار الريح وتحرق كل ما يعترض طريقها.

وهم لا يملكون سوى الثبات على أطراف الهاوية ينتظرون ما إن كانت ستبتلعهم أم تمنحهم مهلة إضافية قبل السقوط.

_______________________________________

في مكان بعيد.. بعيد إلى حد لا يمكن تخيله, خارج أسوار القصر وحدوده بل حتى خارج الجُزُر السبع التابعة لمملكة أوسكزيرا, وقف هو هناك, وحده على قمة جبل شامخ تغطيه الثلوج الكثيفة.

كان ثابتاً كتمثال والرياح تعصف من حوله بلا هوادة, تلسع جلده العاري إلا من علامات غريبة تغطي أجزاء من بشرته البيضاء, وهي ليست للزينة بل إنها علامات تدل على ما هو عليه.. ساحر.

لكن ليس كغيره من السحرة.. القدرات السحرية لدى أبناء قبيلته عادة ما تكون محدودة ألا وهي قدرات التنقل, إلا أن ما يملكه هو شيء آخر تماماً.

ربما لا تقيده القواعد أو ربما هو ببساطة كسرها ذات مرة ولم يعد ملزماً بها.

شعره أسود كسواد الليل, طويل قليلاً ويتطاير مع الريح, وعيناه زرقاوان داكنتان تتوسطهما شقوق ذهبية حول البؤبؤ تمنحه نظرة لا تنسى, نظرة تجمع بين الإدراك الحاد والجنون الصامت.

كان طويل القامة بجسد عضلي مشدود يشي بقوة مكتسبة لا بالصدفة, ولكن عبر سنوات من التدريب والبقاء في أقسى البيئات.. يبدو كمن خلق للحرب.

لا يرتدي شيئاً يدل على نُبْل أو ثروة, فقط ملابس داكنة باهتة اللون أشبه بما يرتديه رجال البراري, أولئك الذين عاشوا حياتهم بين الغابات والجبال يكافحون لأجل البقاء.

إنه مجرد رجل.. أو هكذا يبدو لمن لا يعرفه, لكن من يعرف اسمه سوف يعلم أن ما بداخله قد يغير مسار الحرب أو يفتح أبواباً منسية منذ ألف عام.

هذا إن تمكنوا من ضمه إلى صفوفهم أساساً, فالرجل هذا لا يبدو ممن يسهل إغراؤهم بالسلطة أو المال ولا حتى بالوعود العظيمة.

هو من أولئك الذين ولدوا أحراراً وعاشوا طويلاً خارج قوانين الممالك ومجالس الحكم, أولئك الذين لا يطيعون أحداً إلا أصوات الرياح وأسرار الأرض.

فإن اختار أن يكون معهم فلن يكون تابعاً بل قوة أخرى يجب الحذر منها.

ظل يحدق دون أن يرمش في تلك الجُزُر السبع التي تحوم في السماء متحررة من أي قانون فيزيائي, لا تخضع للجاذبية ولا لأي شيء آخر.

كأنها عوالم منفصلة ترفض الانتماء للأرض وتعلو فوقها بكبرياء لا يفهمه إلا من وُلد ليرى الأسرار.

عينيه الزرقاوين ظلتا ثابتتين كأنهما تحاولان اختراق المسافات ليتمكنا من رؤية يجري هناك.. لم يكن وجهه يعبّر عن أي شيء, لم تكن ملامحه تظهر اندهاشاً أو رهبة.. فقط هدوء ثقيل يخفي ما لا يقال.

ثم وببطء أدار رأسه أولاً, تبعه جسده القوي وكأنه يقرر الانسحاب.. الابتعاد عنهم جميعاً وعن هذا العالم الذي لطالما راقبه من بعيد دون رغبة حقيقية في الاقتراب.

لكن لحظة الاستدارة تلك لم تمر بسلام.

ما إن التف حتى اتسعت عيناه قليلاً بصدمة لم يستطع إخفاءها, فقد وجد أمامه رجلاً يقف بثقة وخفة كما لو ظهر من العدم.

كان هناك ينتظره وكأن كل هذا الوقت لم يكن إلا مقدمة لهذا اللقاء.

كان حاكم النار بنفسه واقفاً أمامه يبتسم ابتسامة مجنونة بعض الشيء, ابتسامة تكشف عن حماس غير مبرر وفضول مشتعل.

عيناه كانتا تتقدان شرراً, يراقب بها الرجل وكأنه كنز ثمين طال انتظاره.. قال بصوت منخفض كمن يهمس بنيران في قلبه:

"أخيراً.. وجدتك."

لم يتفوه الرجل الغامض بكلمة واحدة.. ظل صامتاً وعيناه تحدقان في ذلك الوجه المتحمس وكأنهما تدرسان كل حركة وكل تعبير.

وسرعان ما تلاشت ملامح الصدمة من وجهه لتحل محلها نظرة ضيق واستياء كأن كل ما يدور الآن لا يثير فيه سوى الانزعاج.

بدا كرجل لا يحب المفاجآت, خاصة تلك التي تأخذه عن غير قصد إلى حافة مواجهة غير ضرورية, وفي مكان قريب جداً من حدود أوسكزيرا حيث لا مجال للخطأ.

وقف بثبات, لا يقترب ولا يبتعد, فقط ينظر إلى آزارييل وكأنه يحاول فهم السبب الحقيقي وراء ظهوره المفاجئ.

ماذا يريد هذا المجنون؟

لماذا أتى إليه دون سابق إنذار؟.. ولماذا الآن بالذات؟

مرت لحظة طويلة من الصمت المتوتر بينهما حيث لا يسمع فيها سوى صوت الرياح التي تعصف بالقمة الجبلية وتحمل معها بارداً يخترق العظام.

لكن ذلك لم يكن كافياً ليطفئ الحرارة المتصاعدة من الرجل الذي أمامه..

قطع الصمت صوت آزارييل بنبرة أعلى قليلاً من ذي قبل, مليئة بالحيوية والإثارة وعيناه تلمعان بجنون هادئ:

"إذاً.. هل قررت إلى أي جانب ستنضم؟"

كان سؤاله واضحاً لكن لهجة التساؤل فيه بدت وكأنها تحد, وكأن الاختيار ليس إلا شكلاً من أشكال المعركة القادمة.

ظل الرجل صامتاً لكن نظراته قالت الكثير..

من هذا المجنون الذي يتحدث وكأنه يعرف كل شيء؟

هل يظن حقًا أن الأمور تحسم بهذه البساطة؟

أراد أن يرد, أن ينهي هذه المواجهة السخيفة, لكنه تراجع.. لا فائدة من الحديث مع شخص مثل هذا الذي يقف أمامه خاصة حين يكون في حالة حماس كهذه.

تنهد ببطء وكأنه يتقبل الواقع الجديد المربك, ثم مرّر يده في شعره الأسود بنفاد صبر في داخله, كان يشعر بثقل اللحظة.. ليس لأنه خائف بل لأن الوقت يداهمه والورطة تتسع.. فكر ساخراً في نفسه:

"ما هذه المفاجأة الجميلة.."

أن يقاطع أحد طريقه بهذه الطريقة وفي هذا المكان؟

يا له من توقيت مثالي ليضيف حاكم النار بعض الفوضى إلى يومه الهادئ.

ثم بعد لحظة طويلة من الصمت تكاد تقتل, تفوه الرجل أخيراً ببعض الكلمات بصوت منخفض لكن واضح بما يكفي ليصل إلى آزارييل:

"هل أعرفك..؟"

لم تكن نبرته مستفزة ولا ساخرة, بل محايدة بشكل مزعج وكأن حضوره لا يعني له شيئاً, بل على العكس, بدت ملامحه غير مبالية تماماً وفيها لمحة من الانزعاج, ذلك النوع من الانزعاج الذي يشعر به المرء حين يوضع في موقف لا يرغب فيه.

كان يكره هذا النوع من اللقاءات, الوجوه المتحمسة, الكلمات الكبيرة, والنظرات التي تتوقع منه شيئاً لم يعد يعرف ما إذا كان يملكه.

هذه المواجهات تبعث في داخله شعوراً بالقلق الخفي, لا يظهره لكنه ينهش أطراف أعصابه بهدوء.. وبينما كانت نبرته هادئة إلا أنها حملت ما يكفي من البرود لتجعل من يقف أمامه يشعر بثقلها..

"لا أظن.. لكنني أنا أعرفك."

قال آزارييل كلماته تلك بنفس الابتسامة الغريبة التي لا تُفهم, تلك التي تحمل شيئاً من الجنون وشيئاً من العبث.

أما الرجل فلم يرد, فقط اكتفى بالصمت بعينيه الثاقبتين اللتين لا تزالان تراقبانه بحذر وترقب.

انتظر أن يكمل حديثه وكأنه يمنحه فرصة واحدة فقط لشرح سبب وجوده هنا.. تنهد آزارييل قليلاً ثم رفع يده يحك جانب رأسه بينما يتحدث:

"رأيتك قبل سنوات في إحدى رحلاتي إلى مملكة سورون.. إن لم تخني الذاكرة فأنت من قبيلة إل زافير, أليس كذلك؟.. القبيلة التي اشتهرت بقدرتها على سحر الانتقال رغم أنه كان محدوداً في العادة.. قبيلتك تعيش في أعماق الغابات على حافة تلك المملكة.. لا يجرؤ أحد على الاقتراب من أراضيكم."

بدأت ملامح رافاييل تتبدل ببطء, صدمة طفيفة, بعدها ارتياب, وأخيراً تأكد واضح.. لم يقل شيئاً لكنه أومأ برأسه بخفة مؤكداً للمعلومات التي سمعها تواً.

ابتسم آزارييل أكثر, هذه المرة بدت ابتسامته حقيقية بعض الشيء وهو يقول:

"واسمك رافاييل, صحيح؟"

اتسعت عينا رافاييل قليلاً ثم عبس بتلقائية وقال بنبرة حادة:

"كيف تعرف ذلك؟.. لا أذكر أنني تحدثت إليك من قبل, لا هنا ولا هناك."

كانت نبرته تحمل انزعاجاً حقيقياً, ليس فقط من وجود آزارييل بل من كونه يعلم أكثر مما يجب.. شيء ما في هذا الرجل الناري لم يكن مريحاً له إطلاقاً.

ابتسم آزارييل ابتسامة أوسع وكأنه لا يرى أي مشكلة في الأمر ثم قال بنبرة خفيفة:

"كل ما في الأمر أنني سألت عنك.. لا أكثر ولا أقل, سألت بعض كبار السن في قبيلتك, بعض الشيوخ, وأفراداً بدوا مقربين منك.. لم يكن من الصعب العثور على من يعرفك."

ضاقت عينا رافاييل قليلاً وقال بصوت منخفض متوتر:

"ولِمَ سيفعل شخص غريب مثلك ذلك؟.. ما الذي يدفعك للبحث عني؟"

رفع آزارييل حاجبيه كمن يرى السؤال ساذجاً ثم قال مبتسماً ببساطة:

"لأن الأمر كان واضحاً لي منذ اللحظة الأولى.. أنت لست مجرد ساحر من قبيلة نائية, أنت مالك حجر الأبعاد, حجر التنقل بين المسافات والعوالم.. وهذا وحده كفيل بجعل أي شخص مثلي يتتبعك.."

ساد صمت ثقيل ورافاييل لا يزال يحدق به بنظرات يصعب فك رموزها, مزيج من الارتياب والقلق والرفض التام لفكرة أن يكون شخص مثله مكشوفاً بهذا الشكل.

لكنه لم ينكر.

تنهد رافاييل ببطء وزفر وكأنه يحاول تبديد الغيمة الثقيلة التي بدأت تحاصر صدره منذ لحظة ظهور آزارييل, ثم قال بصوت منخفض لكنه مشحون بالضيق, نبرة رجل لم يكن يتوقع أن يتحول يومه الهادئ إلى ساحة نقاش مع أحد أكثر الكائنات اضطراباً وتهوراً في هذا العالم:

"حسناً إذاً.. مالذي تريده مني يا حاكم النار؟"

كان صوته مليئاً بعدم الرغبة كأن اللقاء هذا عبء ثقيل هبط عليه من السماء بينما وجهه المتعب والمليء بالعلامات السحرية لم يظهر أي انفعال يذكر.. ومع ذلك كانت عيناه تفضحان توتراً دقيقاً, قلقاً حاداً لا يراه إلا من هو خبير في قراءة الوجوه.

أما آزارييل, فلم يتغير شيء في ملامحه.. لم تختفِ تلك الابتسامة الغريبة ولا تراجعت تلك النظرة المتأملة كما لو أنه يتمتع برؤية الانزعاج يزحف ببطء على ملامح خصمه.

بل زاد الأمر سوءاً حين تقدم نحوه خطوة واحدة, مجرد خطوة لكنها كانت كفيلة بجعل الهواء بينهما يزداد كثافة والبرد الذي لفّ الجبل يتحول إلى دفء خانق بسبب طاقة النار التي تسري في جسد آزارييل.

"كنت أنتَ من هاجمني بعد نهاية الحفل, أليس كذلك؟"

قالها بهدوء, لكن لهجة صوته كانت مليئة بالقوة.. وكأن النيران تتحدث, لا اللسان.

لم يهتز رافاييل لكنه أبقى على ملامح الصمت لثوانٍ أطول مما ينبغي.. كانت الإجابة واضحة لكن اعترافه لم يكن من نوع الردود التي تمنح بسهولة.

ثم رد أخيراً بنبرة جافة:

"وماذا ستفعل بشأن ذلك؟.. تقتلني؟"

قالها رافاييل بنبرة باردة كأنها تحدٍ مستتر, نبرة رجل لا يخاف الموت بقدر ما يكره إضاعة الوقت في جدالات عبثية.

ضحك آزارييل بخفة, ضحكة لم تحمل صوتاً عالياً لكنها ارتدت في الأجواء مثل همسة ساخرة:

"قتلك؟.. لا, لا أظن أن هذا سيكون مفيداً بما يكفي."

رفع رأسه ببطء نحو السماء الرمادية كأنها تعكس فوضى أفكاره, أو كأنه يبحث بين الغيوم المتراكمة عن إجابة توازي الفوضى التي في صدره.

الهواء البارد أحاط بالمكان, لكن دفء طاقته النارية كان يطفو حوله كظل متوهج لا يُرى, فقط يُشعر.

خفض صوته فجأة كأن نبرته الثقيلة تحمل وزناً لا يُرى:

"لو كنت أريد قتلك لفعلت ذلك هناك في تلك اللحظة دون أن أترك لك فرصة للهروب.. لكنني لا أبحث عن دمك, بل عن أجوبة لأسئلتي."

قطب رافاييل حاجبيه وعيناه ثبتتا على ملامح هذا الحاكم المزعج, كان داخله مزيج من الحذر والانزعاج وكأن غرائزه تدفعه بعيداً عن هذا الجنون المتجسد أمامه.. ثم قال له بنفس نبرته الجافة:

"لن تجد أجوبتك عندي.. فلتذهب الآن."

قالها ببرود متقن, تلك النبرة التي لا تخفي التعب بل تسخر منه.. ثم التفت برأسه قليلاً, مستعداً للرحيل إن استمر هذا اللقاء عديم الجدوى.

لكن آزارييل لم يتحرك, لم يتراجع ولم يفقد شيئاً من نبرته الساخرة وملامحه, بل على العكس, اقترب خطوة وخفة قدميه على الجليد لم تُخفِ هيبة حضوره.

ضحك من جديد, ضحكة هذه المرة أقرب إلى العبث الخالص, عبث طفل يراقب نيراناً صغيرة تبدأ بالاشتعال:

"لماذا؟.. هي مجرد أسئلة بسيطة حقاً."

تبادل الاثنان النظرات للحظة طويلة بما يكفي لأن يتصارع صمتهما في الهواء البارد.. ثم وبعد أن بدا أن رافاييل قد ملّ هذه المسرحية, أومأ له أخيراً, ليس موافقة منه بل كمن يسمح بالكلام دون أن يَعِد بالإجابة.

أخذ آزارييل ذلك كدعوة ليطرح أسئلته ثم قال بصوت خافت لكنه مدروس:

"إذاً, هل ستتبع الأميرة؟.. رغم أنني متأكد أن الذين سألتهم عنك قالوا إنك تكره أصحاب السلطة والنبلاء وكل ما يشبههم."

صمت رافاييل لثانية كأن شيئاً داخله ارتجف.. ثم همس بنبرة منخفضة جداً كأنه يحدث نفسه:

"هي.."

لكن الكلمة لم تكتمل.. توقف فجأة كما لو أن عقله أوقف لسانه قبل أن يرتكب خطأً لا يغتفر.

ثم دون أي إشارة فتح بوابة أمامه.. خيوط من الطاقة الزرقاء الداكنة الممزوجة بالذهبي تشكلت على شكل دائرة متوهجة, ظهرت فجأة وكأنها تمزق الزمان والمكان معاً.

وفي لحظة, قفز رافاييل بداخلها.. واختفى.

لم يكن هروباً, كان رحيلًا مدروساً, قراراً نابعاً من منطق داخلي لا يفهمه سواه.. ترك المكان خلفه هادئاً وبارداً وكأن وجوده كان مجرد ذكرى عابرة.

أما آزارييل فقد ظل واقفاً يحدق في المكان الذي اختفى فيه رافاييل, قبل أن يبتسم ابتسامة صغيرة.. لم تكن مجنونة هذه المرة بل هادئة, واثقة:

"سأراك قريباً.. أعرف ذلك."

رفع آزارييل رأسه ونظر للسماء المثلجة بنظرة فارغة.. نظرة لا تحمل حيرة ولا غضباً, بل شيئاً أكثر هدوءاً.. أكثر ضياعاً.

كانت رقاقات الثلج تتساقط فوق شعره الفوضوي وتحط على أكتافه الدافئة بفعل قواه دون أن تذوب, كأن جسده توقف عن التفاعل مع العالم.

لم يرمش ولم يبتسم.. بل ظل يحدق في السماء الرمادية التي بدت له وكأنها مرآة مقلوبة تعكس داخله المبعثر لا أكثر.

في عينيه اشتعل سؤال لا إجابة له, سؤال لم يكن عن رافاييل ولا عن الأميرة التي لم يعرفها, بل عنه هو.. عن وجوده الذي فقد بوصلة يقينه في مكان ما, بين المعارك والخيانة والنار التي ما عادت تشعره بالدفء.

ثم أغمض عينيه لثوانٍ وكأن الثلج يغسل وجهه من شيء لم يذكره أحد ولا حتى هو.. وبعدها فقط عاد ذلك البريق الطفولي المجنون لعينيه، ابتسامته ارتسمت مجدداً لكنها لم تكن خالصة هذه المرة.. بل مختلطة بشيء خافت من الألم.

استدار أخيراً وسار داخل العاصفة الثلجية بخطى ثابتة ومتجهة نحو أوسكزيرا.. النار المحيطة بقلبه وروحه ما زالت كأنها ترفض مفارقته, ودفء غريب أحاط خطواته كلما اقترب من موطن الفوضى القادم.

_______________________________________

استيقظت يوجين في اليوم التالي وعلامات الإرهاق ما تزال واضحة على ملامحها.. كانت الليلة السابقة طويلة ومليئة بالتفاصيل لكنها لم تغفُ للحظة واحدة بعد انتهاء الحفلة, فبدلاً من أن تستسلم للنعاس والتعب اتجهت فوراً تبحث عن إجابات تدور في ذهنها حول قبيلة مورينا.

كان أول من توجهت إليه هو بيرسيفال الذي أجابها ببعض الجمل المختصرة التي لم تشفِ فضولها لأنها كانت تعرف المعلومات التي أعطاها لها بالفعل.

انتقلت بعده مباشرة إلى آزارييل الذي بدا أكثر تعاوناً وأخبرها بنبرة هادئة أن أفضل مكان يمكن أن تجد فيه ما تبحث عنه هو المكتبة القديمة, حيث تُحفظ فيها السجلات القديمة والوثائق المحظورة بعيداً عن أعين العامة.

لكن يوجين, ورغم حماسها لم تتجه إلى المكتبة مباشرة.. كانت مرهقة إلى حد يصعب تجاهله كما أن كالسيفار, ذلك الكائن الصغير الذي يرافقها باستمرار ويختبئ في جيب ثوبها بدأ يتذمر بصوت خافت عن شعوره بالجوع.. كان يحرك يديه بملل واضح, يصدر أصواتاً مضحكة لا علاقة لها بالصبر.

حينها تنهدت يوجين بتعب ثم توجهت إلى المطبخ الكبير في الطابق السفلي.. لم يكن أحد هناك في ذلك الوقت المبكر, فاستغلت الفرصة لتأخذ بعض قطع الخبز والفواكه وبعض الجبن والتمر.. كل ما قد يسكت كالسيفار لبعض الوقت.

وما إن حصلت على الطعام حتى عادت إلى غرفتها بصمت لا تكاد ترى أمامها من التعب.. جلست على السرير وحينها أخرج كالسيفار رأسه بسرعة خاطفة, وانقضّ على الطعام بنهم واضح كما لو أنه لم يأكل منذ أيام.. أما هي فخلعت حذاءها ببطء وتدثرت بالغطاء دون أن تغير ثيابها حتى, ثم أغلقت عينيها واستسلمت أخيراً للنوم العميق.

ظل كالسيفار مستيقظاً لبعض الوقت يلتهم الطعام بهدوء, ثم زحف إلى جانبها بعد أن أنهى آخر قطعة تمر واستلقى على وسادتها الصغيرة يصدر شخيراً ناعماً يشبه خرخرة القطط, كأنه يعلن رضاه التام عن هذا الصباح الغريب.

عندما استيقظت يوجين شعرت بثقل في جسدها وكأن النوم لم يكن كافياً لمحو آثار الإرهاق المتراكم.. لكنها لم تتباطأ أو تتكاسل.

نهضت بهدوء وذهبت مباشرة إلى الحمام لتغتسل وتنعش حواسها قبل أن تبدأ يومها, المياه الباردة ساعدتها على استعادة بعض من يقظتها, ومسحت عن روحها ما علق بها من تعب الحفلة الليلة الماضية.

بعد الاستحمام جلست أمام المرآة تجفف شعرها الأبيض الطويل الذي تتخلله خصلات زرقاء لامعة تشبه بريق البحيرات في ليال صافية.. ربطت شعرها للأعلى بعناية تاركة بعض الخصل تتدلى بحرية على جانبي وجهها, ثم ارتدت ملابسها.

اختارت قميصاً زيتوني اللون طويل الأكمام مزيناً بأطراف بيضاء دقيقة تتناسق مع سروالها الأبيض الذي شدته بحزام أسود أنيق مع حقيبة جلدية بلون بني داكن حيث وضعت فيها حجرها وبعض الأشياء التي قد تحتاجها معها.

أتمّت مظهرها بحذاء جلدي أسود, بدا لامعاً رغم بساطته.. لم تكن تهتم كثيراً بالمظاهر لكنها أرادت أن تبدو في أفضل حال حين تدخل المكتبة.. خاصة لو قررت أن تخرج منها بنية الذهاب للقبيلة مباشرة.

حين انتهت نظرت إلى السرير حيث لا يزال كالسيفار مستلقياً, وكالعادة كان كجثة هامدة تقريباً وهو ملتف حول نفسه داخل بطانية صغيرة وصوته يُسمع بوضوح في أرجاء الغرفة وهو يشخر بصخب غريب لكائن صغير بهذا الحجم.

اقتربت منه وانحنت قليلاً لتوقظه, لكنها لم تفعل شيئاً سوى أنها ضربت طرف الوسادة بجانبه وقالت بنبرة متململة"

"استيقظ أيها الكائن الكسول, سنذهب لمكان قد يثير اهتمامك."

كالسيفار لم يتحرك واستمر في شخيره كأن العالم لا يعنيه بشيء.. وضعت يوجين يديها على خصرها وراقبته بصمت للحظات, ثم تنهدت وهي تهز رأسها بيأس واضح قائلة له مجدداً:

"لا شيء يثبت أنك لا تزال على قيد الحياة سوى هذا الشخير المزعج."

ثم مدت يدها ودغدغته قليلاً مع أنها تعرف أنه يكره ذلك, وما إن فعلت حتى قفز فجأة من مكانه وهو يصدر صوتاً يشبه التذمر, ويحدق بها بعينين ناعستين توحيان بالاحتجاج.

ضحكت بهدوء وهي تتجه نحو الباب ثم قالت:

"هيا الآن, لدينا مكتبة لنقتحمها."

وتبعها كالسيفار بسرعة مع أنه لا يزال نصف نائم, كان يتثاءب ويزحف إلى داخل حقيبتها هذه المرة غير مدرك تماماً لما ينتظره من مغامرات في هذا اليوم الجديد.

رغم أن نيتها كانت واضحة منذ الليلة الماضية, لم تكن يوجين تعرف الطريق إلى المكتبة.. القصر كان أشبه بمتاهة عظيمة, مليء بالممرات المتشابهة والأبواب التي تبدو متطابقة, لكنها لم تسمح لهذا بأن يعيقها.

ببساطة سألت أحد الخدم المارين في الطابق السفلي, كان شاباً صغيراً بالكاد في بداية خدمته على ما يبدو لكنه أجابها باحترام واضح عندما عرف من تكون.

ثم أشار لها نحو أحد الحراس والذي بدوره رافقها بصمت إلى جناح بعيد عن باقي القاعات.. كانت الممرات هناك أكثر هدوءاً والإضاءة خافتة بشكل ملحوظ كأنها تحترم ما يحويه ذلك المكان من أسرار.

وصلت يوجين أخيراً إلى المكتبة القديمة.

أبوابها الخشبية العالية تنبض بهيبة الزمن, مزينة بنقوش باهتة لا يمكن تمييزها بسهولة كأنها كتابات بلغة لم تعد موجودة.. دفع الحارس الباب بهدوء ثم انحنى قليلاً وقال:

"المكتبة أمامكِ يا آنسة."

ثم انسحب دون أن ينتظر ردها تاركاً إياها مع رائحة الورق العتيق والغبار.

خطت يوجين داخل المكتبة بخطوات حذرة حيث شعرت وكأنها تعبر إلى عالم آخر منفصل تماماً عن باقي القصر..

الرفوف تمتد حتى السقف وكل واحدة منها مليئة بالكتب الثقيلة والمجلدات القديمة, بعضها مغطى بالقماش وبعضها يبدو أنه لم يُلمس منذ قرون.

هذا هو المكان الذي يحتفظ بأسرار هذا العصر والعصر الذي يسبقه.. ذاك العصر المنسي الذي لا يُذكر في أي سجل رسمي, والذي ربما لا يُسمح لأحد بأن يعرف عنه شيئاً أصلاً.. لم تكن متأكدة إن كانت ستجد أي معلومات عنه لكنها كانت واثقة من شيء واحد وهو.. إن وُجدت الإجابات لأي سؤال كان.. فهي هنا.

وقفت في وسط المكتبة تتأمل ما حولها بعينين زرقاوين لامعتين بالعزيمة, بينما كالسيفار أخرج رأسه من حقيبتها يحدق بدهشة في المكان المظلم الهادئ وهمس لها بصوت خافت:

"هذا المكان لا يشبه باقي القصر أبداً."

أومأت يوجين ثم تمتمت:

"لأنه لا ينتمي إليه.. بل ينتمي للعصر القديم."

ساد صمت ثقيل بينهما لم يقطعه سوى صوت أنفاس كالسيفار وهو يزفر بضجر, بينما عادت يوجين إلى التركيز وتقدمت ببطء داخل المكتبة.

كانت الرفوف عالية تتزاحم في ممرات ضيقة ممتدة تحيط بها من كل جهة, حتى شعرت لوهلة أنها دخلت متاهة بلا نهاية.

توقفت عند أحد الرفوف وأخذت تحدق في عناوين الكتب, لكنها لم تكن تعرف من أين تبدأ ولا إن كانت تبحث في الاتجاه الصحيح أصلاً.

كانت هذه مهمتها الأولى في هذا المكان الغريب, والمكتبة بدت أكبر بكثير مما توقعت.

لكن حظها لم يخذلها هذه المرة, فهي لم تكن وحدها.

من خلف أحد الرفوف ظهر رجل عجوز جداً يتحرك بهدوء كأن الزمن أبطأ من حوله.. كان شعره أبيض تماماً, طويلاً بعض الشيء ومربوطاً إلى الخلف, ووجهه مرسوم بتجاعيد عميقة تنبئ عن سنوات من القراءة والتأمل.. عينيه, رغم ثقل العمر بقيتا لامعتين كأن فيهما علماً لا يزال حياً.

نظر إليها ثم ابتسم بلطف وكأنه تعرّف عليها وهو يقترب ببطء, صوته هادئ يشبه حفيف الصفحات القديمة:

"تبدين تائهة يا آنسة.. أيمكنني المساعدة؟"

أومأت يوجين بتردد ثم قالت بصوت منخفض:

"أبحث عن شيء يخص.. قبائل السحر, تحديداً قبيلة مورينا."

هز الرجل رأسه وكأنه يعرف تماماً ما تقصده, ثم أشار بيده الضعيفة نحو ركن بعيد في الزاوية الغربية من المكتبة.

"هناك.. ستجدين سجلات قديمة عن القبائل, بعضها يعود إلى ما قبل هذا العصر بزمن طويل, ولكن.."

صمت لحظة قبل أن يكمل:

"بعض الحقائق لا تأتي بسهولة.. الكتب هناك لا تُفتح إلا لمن يملك الرغبة الحقيقية في الفهم.. أو الجرأة."

نظرت إليه يوجين بفضول لم تُخفه.. وبالفعل هي لم تفهم مالذي يقصده لكنها لم تسأل شيئاً.. فقط اكتفت بشكره وانطلقت نحو الركن الذي أشار إليه بينما كالسيفار تمسّك بحقيبتها بصمت وعيناه تبحثان في المكان بحذر.

سارت يوجين ببطء نحو ذلك الركن العتيق من المكتبة حيث دلها أمين المكتبة.. كانت الأرضية تصدر صريراً خافتاً تحت خطواتها والغبار يرقص في أشعة الشمس المتسللة من النافذة القريبة.

هناك, إلى جانب رف الكتب المكدّسة وُضعت طاولة صغيرة من الخشب الداكن وقد أُضيئت بأشعة الشمس وبعض الشمعات الموضوعة فوقها, ما منح المكان هالة دافئة وهادئة كأنها خارج الزمن.

نزعت حقيبتها عن كتفها برفق شديد ووضعتها على الطاولة بحذر حتى لا تؤذي كالسيفار المختبئ داخلها.

اقتربت من الرف وبدأت تتفحص عناوين الكتب واحدة تلو الأخرى, تقرأ بعينيها الفضوليتين كل ما قد يقودها إلى قبيلة مورينا.. أو أي شيء يتعلق بقبائل السحر بشكل عام.

مرت على كتب تحمل عناوين عن فنون السحر:

سحر الرياح.. التحكم بالوقت.. سحر الحياة والموت.. وفنون الشفاء.. وكلها مواضيع تثير الفضول لكنها ليست ما جاءت تبحث عنه.

ثم وقع بصرها على قسم خاص بالمدن والممالك السحرية حيث لفت انتباهها بعض الأسماء:

نوفاليس.. إلارا.. ليرامور.. وأسماء أخرى طواها النسيان أو لم تسمع بها من قبل, لكنها لم تتوقف عندها كثيراً.

تابعت البحث بعناد حتى وصلت إلى قسم بدا قديماً ومُهملاً أكثر من غيره.. هناك كُتِب بخط باهت:

"قبائل العصر القديم".

شعرت بشيء في صدرها يتحرك كأنها اقتربت خطوة من الحقيقة.. قرأت الأسماء المنقوشة على أغلفة الكتب الجلدية:

موردينو.. فيروسكار.. لورناي..

وتوقفت هناك وعيناها توسعتا فجأة.. مورينا.

ها هي أخيراً, قبيلة الغموض التي جاءت من أجلها.. مدت يدها وسحبت الكتاب الضخم من مكانه, فكاد يسقط من ثقله.

تساءلت في نفسها.. ما الذي يمكن أن يحتويه هذا الكتاب ليكون بهذا الثقل؟.. أسرار مدفونة أو جرائم منسية؟.. أم مجرد طقوس لا يريد أحد أن يعرفها؟

نفخت على غلافه لإزالة الغبار المتراكم ثم احتضنته بذراعيها واتجهت نحو الطاولة.. في تلك اللحظة فتح كالسيفار عينيه ونظر لها بعينين تلمعان بالحماس وكأنه يشعر أن ما سيتلو سيكون مهماً.. وربما خطيراً.

جلست وفتحت الصفحة الأولى.. وبدأت بالقراءة.

- الصفحة الأولى:

'In the main island of Uskzera, the main palace where lord Perceval and his followers and helpers reside, dwells a tribe known as the silent ones.'

'في الجزيرة الرئيسية لأوسكزيرا, وبالتحديد في القصر الذي يقيم فيه اللورد بيرسيفال ومعاونوه وخدمه, تعيش قبيلة غامضة تعرف باسم "الصامتين".'

'هؤلاء ليسوا كبقية السكان فهم لا يتحدثون إلا نادراً, لا يظهرون في العلن ولا يُعرف عنهم سوى القليل جداً.'

• توجد رسومات على الصفحة, وجوه بشرية مشوشة بلا ملامح تقف في الظلال, إلى جانبهم أشخاص يرتدون أقنعة مستوحاة من حيوانات الغابة.. أرانب ذات عيون سوداء جوفاء, سناجب تحدق برعب وغربان بريش أسود كالليل.

___

- الصفحة الثانية:

'They do not emerge by day, unless darkness veils the sky, or fog swallows the trees.'

'لا يخرجون في وضح النهار, إلا إذا حل الظلام فجأة, أو غطى الضباب الكثيف الأشجار حتى اختفت معالم الأرض.. حينها فقط تراهم يتحركون بين الظلال بصمت كأنهم أرواح لا أجساد لها.'

• رسومات لغابة ملبدة بالضباب, أشجار طويلة ذات أغصان معوجة, وظلال تشبه البشر تمر عبر الضباب.. أشعة الشمس محجوبة بالكامل وكأن الغابة نفسها تتنفس الظلال.

___

- الصفحة الثالثة:

'They wear masks resembling specific animals, rabbits, squirrels and ravens, this is a necessity to hide what no longer exists, their faces, because they don't have one, they're faceless.. their features are stolen and their souls are bound by an ancient oath.'

'يرتدون أقنعة بأشكال حيوانات مختارة بعناية, الأرانب, السناجب والغربان, هذه الأقنعة ليست مجرد زينة بل ضرورة لإخفاء ما لم يعد موجوداً.. وجوههم. لقد فُقدت ملامحهم منذ زمن بعيد, وسُرقت أرواحهم لتتقيد بعهد قديم لا هروب منه.'

• رسومات لأقنعة مفصلة بدقة, بعضها مصنوع من عظام أو ريش.. يظهر بعض الأشخاص بوجوه ممسوحة, لا أنف ولا فم كأن الملامح تم محوها بالإجبار.

___

- الصفحة الرابعة:

'They possess the magic of healing, but its usage is never free, every use demands a price.. those who don't pay are hanged at (the hanging tree).'

'يمتلكون سحر الشفاء لكن استخدامه ليس مجانياً, كل استخدام يتطلب ثمناً باهظاً.. ومن يرفض الدفع يُقاد إلى شجرة المشنقة حيث يُعلق هناك إلى أن ينسى العالم اسمه.'

• رسومات لزجاجات صغيرة تحتوي على سوائل خضراء وسوداء, كتب طبية قديمة مغطاة بالدم وأشخاص يرتجفون من الألم.. الشجرة مرسومة بشكل غريب.. لا تنمو من الأرض بل تتدلى من سقف كهف, جذورها كالأفاعي ويتدلى منها حبل سحري يتوهج بضوء باهت.

___

- الصفحة الخامسة:

'The price isn't gold nor is it silver, but instead it's fragments of their own faces, with each healing a piece of their faces vanishes until nothing remains.. and the eternal masks become their only identity..'

'الثمن ليس ذهباً ولا فضة, بل أجزاء من وجه المستخدم, مع كل مرة يستخدم فيها سحر العلاج تختفي قطعة من ملامحه.. تبدأ بعينه ثم أنفه, ثم فمه حتى لا يتبقى شيء.. تصبح الأقنعة التي يرتدونها هويتهم الوحيدة, والوسيلة الوحيدة ليتعرف عليهم الآخرون.'

• رسومات لوجوه مشوهة, بعضها فاقد للعين اليسرى وبعضها لا يحمل أنفاً, والدم يسيل من فراغ الملامح.. الأقنعة موضوعة بجانبهم, مشبعة بالسحر كأنها تحاول إخفاء الألم والمأساة التي يعيشونها كل يوم.

___

- الصفحة السادسة:

'At night, when the moon is full, each one paints their mask with their own blood, in a place uniquely theirs, some choose a trunk of an ancient tree, others choose a bare stone, or a patch of ground free of grass, only their blood may be used, no help is permitted.'

'في الليالي التي يكتمل فيها القمر ويصبح قرصه كاملاً, يبدأ كل فرد منهم طقسه الخاص, طقس لا يُسمح فيه بالمساعدة ولا تُستخدم فيه أي أداة سوى دمهم الخاص.'

'يختار كل منهم مكاناً لا يشاركه فيه أحد وكأنه امتداد لروحه أو ذكرى لماضيه.. البعض يفضل جذع شجرة عتيقة متشققة بتاريخ قديم يرسم عليها قناع أرنب بدمه الخاص.. آخرون يرسمونه على صخرة عارية لا يكسوها شيء أو على بقعة ترابية لا تنبت فيها الأعشاب وكأن الحياة تتوقف في هذه البقعة لتسمح للدم أن يتكلم.'

'تلك الأقنعة ليست زينة بل طلاسم مرسومة بالدم تحفظ عليهم هويتهم الجديدة وتوثق فقدان هويتهم القديمة.. كل خط مرسوم بالدم هو عهد جديد, وكل بقعة حمراء تذكير بثمن السحر والانتماء للقبيلة.'

• رسومات لقمر كامل يلمع بلون أحمر داكن في سماء الليل, ربما يمثل الدم المهدور في الأيام التي يكون فيها القمر كاملاً.. إضافةً لجذع شجرة متشقق محفور عليه قناع أرنب مرسوم بخطوط دم متعرجة.

___

- الصفحة السابعة:

'They were named (the silent ones) because, despite their brutal rituals, they can't bear the sound of screams. Their daggers are swift and silent, and their poisons silence the screams before they're even heard.'

'سُمّوا بالصامتين ليس لأنهم لا يتكلمون, بل لأنهم لا يحتملون الصراخ.. لا الصراخ من خصومهم ولا من ضحاياهم.. ولا حتى من داخلهم، الصراخ بالنسبة لهم هو لعنة الماضي, وصوت الذنب ونداء الندم.. لهذا لا يتركون له فرصة للوجود.'

'حين يهاجمون, يفعلون ذلك بسرعة فائقة كأنهم ظل يتسلل من بين الشجر أو ضوء ينطفئ فجأة.. خناجرهم دقيقة لا تصدر صوتاً, تقطع دون إنذار وكأنها امتداد لإرادتهم.. أما سمومهم فهي لا تُستعمل لإحداث ألم, بل للصمت.. للصمت التام, فبمجرد أن تلامس الجسد يتوقف كل شيء.. النبض والأنين وحتى الرغبة في البكاء.'

'يسبقهم الصمت ويتبعهم الصمت ويظلون صامتين حتى حين تقترف أيديهم أفظع الجرائم.. فهم لا يحبون الضجيج ولا يحتاجونه, لأن الخوف الذي يسبقهم والصمت الذي يخلفونه, هما أعظم صوتين في هذا العالم بالنسبة لهم.'

• لا توجد رسومات هنا, فقط دماء.. دماء حقيقية قد جففها الزمن.

____

أخذت يوجين تقرأ وتقرأ بتركيز شديد وعيناها تتحركان بسرعة بين السطور المليئة بالأسرار والغموض.

كل صفحة كانت تفتح أمامها تشبه بوابة نحو عالم مظلم طمسه التاريخ وتجاهله الجميع عن عمد.. لم تكن مجرد معلومات بل اعترافات مدفونة وحقائق خفية لا يجب أن تقال.

كلما تعمقت أكثر كلما ازداد شعورها بالرهبة وكأن الكلمات على الصفحات كانت تنبض تحت أصابعها, كأنها تحذرها أو تتوسل إليها أن تتوقف.

حتى كالسيفار.. ذاك الكائن الذي نادراً ما يُظهر الخوف كان يراقب الصفحات بعينيه اللامعتين, متوتراً وكأنه شعر بشيء لا تراه هي بعد.

سطور عن الصامتين, طقوسهم, دماؤهم, أقنعتهم, وأصواتهم المفقودة جعلت قلبها ينبض بقوة لم تعهدها من قبل.

لم تكن فقط تكتشف من هم بل كانت تشعر أن هناك شيئاً حياً في هذا الكتاب, شيئًا ما ظل يراقبها منذ اللحظة التي لمست فيها غلافه المغبر.

أنهت قراءة الكتاب أخيراً وأغلقت صفحته الأخيرة ببطء, ثم جلست هناك لعدة لحظات دون أن تتحرك.. أخذت نفساً عميقاً محاولة أن تستوعب ما قرأته, وما يعنيه كل ذلك بالنسبة لها.

لقد حصلت على المعلومات التي تحتاجها.. ولكنها تساءلت بصوت خافت:

"وهل كنت فعلاً مستعدة لمعرفة هذه الأمور؟"

نهضت من مكانها وهي تضم الكتاب إلى صدرها للحظة ثم وضعته مجدداً على الطاولة.. نظرت من النافذة الصغيرة نحو الشمس التي بدأت تميل للغروب, وشعرت أن شيئاً ما في العالم قد تغير.. أو ربما شيء ما بداخلها.

تساءلت ما إن كان من الجيد أن تذهب إليهم الآن.. الشمس بدأت بالانحدار نحو الأفق وصوت الطيور بدأ يخف تدريجياً كأن الطبيعة نفسها تستعد للسكوت مع قدوم الليل.

الغروب يزحف ببطء ودفء الضوء الذهبي يتلاشى شيئاً فشيئاً, حتى باتت ظلال الكتب والجدران أكثر طولاً وغموضاً.

رفعت نظرها نحو النافذة الصغيرة ورأت كيف بدأ اللون البرتقالي يتسرب إلى السماء ممهدًا الطريق لعتمة تدريجية, وشيئاً في داخلها انكمش.. لأن ما قرأته قبل قليل ما زال حياً يتجول في عقلها..

"لا يظهرون في وضح النهار, بل عند حلول الظلام أو عند تغطية الضباب للأشجار."

الليل قادم.. وهذا يعني أنهم سيخرجون.

ضمت ذراعيها حول جسدها دون أن تشعر, وشعور خافت من التردد دب في أطرافها.. هل من الحكمة حقاً أن تقترب منهم الليلة؟

ماذا لو راقبتهم من بعيد؟

كان بإمكانها أن تؤجل الأمر, أن تعود لغرفتها وتتناسى كل شيء.. فالتحقيق ليس من شأنها والقتيل لا يمت لها بصلة.

الجميع يهمس باسم لورين آفادول ويتصرفون وكأنهم يعرفون الحقيقة كاملة.. لكن يوجين لم تكن مرتاحة لذلك, لم يكن الأمر منطقياً.. هناك شيء خاطئ, شيء في أعماقها يرفض أن يصدق أن لورين هي القاتلة.

ذلك الشعور المزعج الذي التهم صدرها منذ الحفلة, النظرات, الصمت, القلق الغريب في عيني بعض الخدم, وتلك القشعريرة التي اجتاحتها عندما مرت بالقرب من المكان الذي وُضع فيه جسد الضحية..

فضولها يكاد يقتلها.

ربما تخاطر الآن وربما ستدفع ثمناً باهظاً لاحقاً, لكنها ستذهب.. فقط لتتأكد.. فقط لترى.

نظرت إلى كالسيفار الذي كان جالساً بصمت في حقيبتها التي وضعتها على على الطاولة, يرمش بعينيه الكبيرتين وكأنه ينتظر منها إجابة عن كل ما يدور برأسها.

لم يكن يفهم أي شيء من صمتها الطويل ولا نظراتها نحو النافذة حيث بدأت خيوط الشمس الأخيرة تختفي ببطء.

ربما سيفقد أعصابه حين تخبره أنها تنوي الخروج الآن وفي هذا الوقت بالذات إلى أولئك الذين قرأت عنهم للتو.. ربما سيتذمر, يصرخ أو يقفز غاضباً داخل الحقيبة كما يفعل دائماً حين يشعر بالخطر.

لكنها لم تعد تهتم, كانت تشعر بأن هذه اللحظة حاسمة, وأن تجاهل هذا الإحساس في صدرها سيكون خطأً كبيراً.

نظرت له بصمت تحاول استجماع الكلمات التي تدور في صدرها كعاصفة لم تهدأ بعد, كلمات تعرف جيداً أنها لن تعجبه لكنها خرجت أخيراً بهدوء:

"كالسيفار.. سنذهب إليهم الآن."

للحظة, بقي ينظر إليها بلا رد كأنه لم يفهم بعد ما تعنيه, ثم وكأن الصدمة ضربته فجأة.. فتح عينيه على اتساعهما وقفز من الحقيبة صارخاً:

"ماذا؟!!... لا لا لا!.. مستحيل!!.. هل أنتِ جادة؟!.. هل فقدتِ عقلكِ؟!.. أتريدين أن نمشي بإرادتنا إلى فم الوحش؟!"

كان صوته حادًا كعادته عندما يشعر بالخطر, رفرف بجناحيه بسرعة ودار حولها مرتين, ثم وقف أمامها يحاول النظر مباشرة في عينيها رغم فارق الطول بينهما:

"ألم تقرئي ما قرأتُه أنا؟!.. ألم تكفِكِ كل هذه التحذيرات؟.. ومن قال إنهم لا يشنقون المتطفلين أيضاً؟!"

لكن يوجين بقيت على هدوئها.. لا بسبب الشجاعة المطلقة بل بسبب ذلك الإحساس العميق في قلبها.. الإحساس بأن شيئاً هناك ينتظرها, أو شخصاً.. أو حتى إجابة كانت تبحث عنها دون أن تدري.

ثم قالت له بنبرة هادئة لكنها تحمل صلابة لا يمكن كسرها, نبرة لا تترك مجالاً للنقاش ولا تسمح بالتراجع:

"سنذهب."

ساد صمت قصير بعدها, فقط صوت أنفاس كالسيفار المتوترة يُسمع في أرجاء المكتبة, ورجلاه الصغيرتان تتقدمان خطوة ثم تتراجعان وكأنه يحاول البحث عن مخرج من هذا القرار المجنون.

"أنتِ لا تمزحين.. أليس كذلك؟"

قالها وهو ينظر إليها بعينين تتأرجحان بين الخوف والخيبة.

لكنها لم ترد, اكتفت بحمل الكتاب ووضعه في مكانه بلطف وكأنها تودعه.. ثم حملت حقيبتها وأشارت له برأسها ليتبعها.

أحرج من صدره تنهيدة طويلة وكأنه يدفن حياته, ثم قفز إلى داخل الحقيبة مرة أخرى وهو يتمتم:

"هذا ليس وقت الشجاعة بل هو وقت الهروب.. لكن من أنا لكي أوقف الجنون؟"

وهكذا خرجت يوجين من المكتبة تحمل في قلبها مزيجاً من الخوف والفضول وخطواتها تقودها ببطء نحو المجهول.. نحو القبيلة الغامضة التي تحيط بغابات أوسكزيرا الكثيفة, والتي لا يظهر أفرادها إلا في الظلمة أو حين يغمر الضباب الأرض.

لكن ما لم تعرفه يوجين وما لم تشعر به حتى هو أن عيوناً أخرى كانت تراقبها من بعيد, تخطو خلفها بخفة لا تسمع وتختبئ حين تلتفت يوجين خلفها بحذر.

لم يكن من تلك القبيلة الغامضة بل كان شخصاً آخر.. شخص أراد أن يعرف إلى أين ستصل خطواتها, وهل ستعود منها أم لا.

كان يعلم أنها ليست من النوع الذي يتهور لكنها الآن تسير طوعاً إلى منطقة لا يعود منها أحد دون مقابل.. تساءل في نفسه, هل هذا مجرد فضول أم أن شيئاً ما دفعها لذلك؟.. هل ستُقتل أم ستخرج حاملةً إجابة لن يصدقها أحد؟

ظل يتبعها بصمت.. ينتظر اللحظة التي يتدخل فيها إذا لزم الأمر..

_______________________________________

~ TO BE COMPLETED..🖤☁️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

• وَهْمٌ مُهَشَّمٌ | • Shattered Illusion

المؤلف Lorraine Aavadol
2025/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة