انتهت الحفلة في الوقت الذي خُطط له تماماً, ولكن ما لم يكن في الحسبان هو أنها انتهت بسلام دون حادث يُذكر, دون صرخة, دون حتى لحظة توتر واحدة تفسد رتابة الأمسية..
بدا الأمر وكأن الصمت نفسه كان ضيف الشرف في تلك الليلة, مختبئاً خلف كل ضحكة مصطنعة وكل تصفيق فارغ.. انصرف الضيوف واحداً تلو الآخر وأقدامهم تنقر على الأرضيات كأنها تخشى أن تُصدر صوتاً مزعجاً في حضرة الغموض الذي غلف المكان حتى النهاية.
وهكذا, عادت أوسكزيرا إلى حالتها المعتادة.. إلى ذلك السكون الغريب الذي لا يشبه الراحة بل يشبه ما بعد العاصفة, أو ما قبل الانفجار.. حيث كل شيء يبدو طبيعياً لكن الهواء مشحون بشيء لا يُرى ولا يُسمى..
كانت الشمس قد أشرقت حينها، تنشر أشعتها الأولى على الأبراج الصامتة والجدران المُرهقة من ضجيج الليلة الماضية.. وكأنها تسأل جُزُر أوسكزيرا:
"ماذا حدث هنا؟"
أكمل الخدم ترتيب وتنظيف قاعة الاحتفالات بسرعة وخِفة كأنهم أشباح اعتادوا العمل في الظلال.. لم يصدر عنهم صوت سوى همسات الأقمشة وهي تُسحب عن الطاولات ووقع أقدامهم الرشيقة فوق الأرض الرخامية.
في غضون دقائق اختفى كل أثر للحفل.. الكؤوس الفارغة وبقايا الزينة المعلقة حتى بدا المكان وكأن شيئاً لم يحدث فيه مطلقاً.. لكنهم لم يكونوا وحدهم هناك..
تُرك خمسة فقط وسط هذا الفراغ الأنيق الذي غمرته أشعة الصباح الأولى.. سيد الحكام جلس في منتصف القاعة على أحد الكراسي غير مبالٍ بمرور الوقت وكأنه لا يزال يراقب جمهوراً لا وجود له..
حوله وقف الحكام الأربعة الآخرون متفرقين وكلٌّ منهم يحمل في ملامحه أثراً لما مضى من الليل أو لما هو قادم..
السكوت الذي خيّم على القاعة الآن لم يكن كأي سكون.. كان هادئاً أكثر مما ينبغي, متوتراً دون سبب واضح وكأن المكان يستعد لحدث آخر.. حدث لم يكن على جدول الحفل لكنه حتمي على أية حال..
قُطِع ذلك الصمت المدقع الذي خيّم على القاعة بصوت آزارييل مفاجئاً لهم كالصاعقة وهو يقول دون تردد أو تفكير:
"لماذا لم يخبرني أحد بأن لورين آفادول قد عادت؟!"
التفت إليه الثلاثة الواقفون معه دفعة واحدة وكأنهم استفاقوا من سبات.. تبادلوا النظرات فيما بينهم, يأس واستغراب يعلو وجوههم بوضوح كأنهم سمعوا لتوهم نكتة كان من المفترض أن لا تقال..
بيرسيفال وحده ظل صامتاً, عيناه مثبتتان على آزارييل لكن من دون رد فعل واضح كأنه يفكر في كلماته أو يعيد ترتيب ما سمعه في ذهنه..
أما ليام, فيرينا ويوجين فقد كان في ملامحهم سؤال واحد صامت:
"ما الذي يتحدث عنه هذا الرجل بالضبط؟.. ألم تصله الأخبار كَسائر الضيوف؟"
لحسن حظهم كانت فيرينا هي من قطعت ذلك الصمت المربك متفوهة بالكلمات التالية بنبرة ساخرة بينما كانت تقف قبالة آزارييل وذراعاها معقودتان أمام صدرها.. حاجباها معقودان بوضوح كما لو أنها تحاول أن تسيطر على ضحكة غير لائقة:
"آزارييل.. أليس من المفترض أنك تعلم؟.. أم أن كثرة تنقلاتك جعلتك آخر من يسمع بالأخبار؟"
لم تكن نبرتها حادة لكنها حملت في طياتها شيئاً من اللوم المبطن وكأنها تذكره بمكانته بين الحكام وبالمسؤولية التي اعتاد على تجاهلها..
نظر آزارييل إليها وقد تلاشت عن وجهه تلك الحماسة الطفولية التي كان يتحدث بها قبل لحظات, وظهر مكانها مزيج غريب من الذهول والانزعاج.. تأمل الوجوه المحيطة به وكأن شيئاً ما سقط من بين يديه دون أن يشعر.. ثم رد بنبرة أهدأ لكنها لا تخلو من الحيرة:
"لكنني لم أسمع شيئاً حتى هذه اللحظة.. أيعقل أن هذا هو سبب مجيء الضيوف جميعاً وهم يحملون أسلحتهم معهم؟"
قالها آزارييل بنبرة ما بين الذهول والتهكّم كمن بدأ يربط الخيوط ببعضها متأخراً جداً.. نظر إلى الأرض لوهلة ثم رفع رأسه ببطء نحو فيرينا وكأنه ينتظر إجابة منها, لكنها لم تفعل شيئاً سوى أن رفعت حاجبها متعجبة من بطء استيعابه..
في تلك اللحظة كان بيرسيفال لا يزال جالساً بعيداً عنهم, صامتاً كعادته حين يفضل مراقبة ما حوله دون مقاطعة.. عينيه السوداوين كانتا مثبتتين عليهم, تتنقلان ببطء بين ملامحهم وكلماتهم, بدا عليه الملل لكنه لم يتكلم بعد ترك لهم مساحة لأجل الثرثرة كما يشاءون.
وأخيراً حرك بيرسيفال رأسه وعينيه نحو ليام الذي أجاب عن سؤال آزارييل بنبرة هادئة لكنها لاذعة:
"وهل كنت تظن أنهم جاؤوا ليرقصوا بها؟"
حل صمت قصير بعد تلك العبارة, صمت من النوع الذي لا يأتي من الخجل بل من استيعاب المعنى الحقيقي للكلمات..
أدار آزارييل رأسه عنهم, ملامحه متوترة تحاول أن تخفي الغضب الذي بدأ يتصاعد في داخله.. مرر يده على وجهه كما لو كان يطرد غيمة ثقيلة خيمت فوقه فجأة.
من الواضح أن الخطأ خطؤه وحده, فقد تجاهل التبليغات كلها ولم يكترث للأوامر التي أُرسلت له قبل عودته.. كعادته ظنّ أن ما فاته لا يتعدى أموراً روتينية لكنه الآن يرى كم كان مخطئاً..
أما الباقون فكانوا يرمقونه بنظرات متباينة بين الدهشة الخفيفة والابتسامات الساخرة.. لم يعلق أحدهم بصوت لكن تعابيرهم كانت كافية.. كيف يمكن لأحد أن يفوت خبراً بهذه الأهمية؟.. الأميرة عادت, الأميرة التي اختفت عن العالم لقرون والتي ارتبط اسمها بالدمار والمجهول قد ظهرت مجدداً, وآزارييل أحد حكام أوسكزيرا لم يعلم؟!
فيرينا شبكت ذراعيها دون أن تخفي ابتسامتها المائلة ويوجين نظرت إليه مطولاً قبل أن تعود بعينيها نحو بيرسيفال وكأنها تبحث عن توضيح, بينما ليام اكتفى بهز رأسه وكأن الأمر طبيعي تماماً ومتوقع من شخص مثله..
كان جلياً أن آزارييل لا يزال خارج التأثير العام لأوسكزيرا, وكأن عزلته الطويلة خارجاً جعلته ينسى أن هذا النوع من المهام.. ألا وهي الملاحظة, التحليل, والاستعداد, كان من المفترض أن يكون من اختصاصه تحديداً كحاكم هنا..
أخيراً كسر بيرسيفال حاجز الصمت بصوته الهادئ العميق وقد وجه كلماته مباشرة نحو آزارييل دون أن يلتفت نحوه:
"لا زلت أشك بكونك أحد الحكام هنا.. أنت أبله حقاً."
قالها دون انفعال وكأنها حقيقة بديهية لا تستحق النقاش.. لكن وقعها كان كصفعة بالنسبة لآزارييل.. ساد الصمت مجدداً للحظة ثم انخفضت نظرات الجميع نحو آزارييل الذي تظاهر بأنه لم يتأثر رغم أن عضلات فكه قد شدت بوضوح..
فيرينا لم تتمالك نفسها فابتسمت بخفة وهي تزيح خصلة من شعرها جانباً, بينما يوجين بدت مرتبكة تنظر من وجه إلى آخر في محاولة لفهم ما إذا كانت هذه طريقتهم العادية في الحديث أم أن شيئاً خطيراً سيحدث لاحقاً.
أما ليام فقد علق بنبرة ساخرة على غير عادته دون أن يرفع رأسه:
"على الأقل لديه عذر.. كان يتسكع في أماكن يكاد لا يلاحظها أحد."
ومن ثم, ومع أنفاس ثقيلة وقليل من التردد بدأ الثلاثة بشرح ما فاته وكأنهم يعيدون نسج خيوط قصة كاد الزمن أن يمحوها من ذاكرتهم.
أخبره ليام أولاً بصوته الرتيب الواضح عن لورين.. عودتها المفاجئة, وتهديداتها التي لم تُعلن مباشرة لكنها وُضِعت في كلماتها ونظراتها وصمتها الطويل.. كانت عودتها وحدها كافية لتدمير التوازن والسلام بين الممالك..
أكملت يوجين الحديث, تتحدث عن أوريليا التي ظهرت من العدم والتي يذكر لها التاريخ الكثير, ثم عن تيارا حاكمة العلاج التي لم يكن أحد من أعداءها يجرؤ على ذكر اسمها علناً فما بالك بظهورها الواضح في توقيت مشبوه.
فيرينا بنبرة هادئة ولكن مشحونة بالكثير من المشاعر, تحدثت عن هذا الحفل تحديداً.. عن كونه ليس مجرد تجمع للنخب بل فخاً محكماً وانتظاراً صامتاً لحركة خاطئة من أحد الأعداء.. ولا يزال هذا الفخ منصوباً حتى هذه اللحظة ولهذا السبب تحديداً لم يغادروا هم الخمسة هذه القاعة.
نظر آزارييل لكل منهم بصمت وعيناه تتحركان ببطء من وجهٍ إلى وجه وكأن أجزاء الصورة بدأت تكتمل أمامه أخيراً لكن بطريقة لا تسره..
بيرسيفال لا يزال صامتاً بشكل مريب.. لم ينطق بكلمة منذ آخر جملة تفوه بها ولم يتحرك من مكانه.. جلس على كرسيه وسط القاعة وكأنه جمد هناك, عيناه مفتوحتان تماماً, لا ترمشان, لا تتابعان شيئاً أمامهما, بل كانتا معلقتين في نقطة ما في الفراغ..
الآخرون بدأوا يتبادلون النظرات بصمت وكأنهم لاحظوا الأمر متأخرين.. لم يكن يستمع لما يُقال ولم يُبدِ أي تفاعل مع شرحهم المطول لآزارييل, كأنه انفصل عن المكان تماماً.
كان يرى شيئاً ما.. شيئاً لا يراه أحد سواه, لم يكن خيالاً عابراً, بل وهماً واضحاً, صورة متكررة تظهر فقط في عقله.. ربما وجه, أو مشهد, أو ذكرى مدفونة تصعد الآن دون رحمة.. في تلك اللحظة بدا كأن شيئاً أكبر منه قد سلبه اتزانه..
كانت هي.
تلوح له من بعيد ثم تختفي كأنها لم تكن.. كشبح يتلاعب بعقله ويأبى أن يستقر.. تظهر أمام ناظريه للحظات خاطفة بنظراتها القديمة وهيئتها التي لا تُنسى.. ثم تتوارى مجدداً كأنها سراب.
لم يكن متأكداً من شيء, عقله مشوش والرؤية غير واضحة.. هل هي حقيقية فعلاً؟.. أم أنه أوشك على فقدان عقله؟
كل شيء فيه كان يخبره بأنها حقيقية.. ومع ذلك, لا شيء فيها بدا ملموساً..
قُطِع ضياع عقله هذا بحركة خفيّة في القاعة, لم تكن واضحة للعين لكنها كانت كافية لإيقاظ بيرسيفال من غرقه في الوهم.. فجأة وبلا أي مقدمات, أدار رأسه ثم جسده بالكامل بسرعة خاطفة, كأن شيئاً قد ناداه أو أيقظه من سباته اللحظي..
الجميع لاحظ تلك الحركة وشعروا بها أكثر مما رأوها.. نظراتهم تبعت عينيه لتستقر على آزارييل, الذي بدا وكأنه لا يفهم ما يحدث.
ثم بدأ الفراغ من حوله يختل.. الهواء نفسه ارتجف كأن نسيج المكان قد تمزّق بالقرب منه, وكأن سيفاً غير مرئي شقّ الفراغ نصفين.. بدا المشهد أشبه ببوابة تُفتح ببطء, لا تشبه أية بوابة مألوفة, بل كأنها تُمزق واقعهم نفسه تاركة خلفها أثراً خافتاً من طاقة غريبة.. شيء غير طبيعي.. شيء لم يُرَ منذ مئات السنين.
تسارعت أنفاس آزارييل فجأة كأن قلبه قد انتزع من صدره للحظات حين لمح ذلك السيف اللامع يشقّ الهواء باتجاه عنقه بسرعة لا تُصدق.. لم يكن ذلك مجرد ضيف غير مدعو اقتحم هذه القاعة.. بل قاتل محترف جاء وفي نيته القتل فقط.
اندفع جسده متراجعاً بخفة محسوبة رغم ضيق المسافة وتمكن في اللحظة الأخيرة من تفادي السيف الذي كاد أن يمزق حلقه.. لم يكن أمامه وقت للتفكير فرفع يده في نفس الثانية التي ابتعد فيها وأطلق من كفه العاري موجة من اللهب المتفجر, اندفعت نحو البوابة المفتوحة وما خرج منها كأن غضبه اشتعل مع النار ذاتها..
ألسنة النيران اجتاحت الفراغ الذي تمزق قرب آزارييل, التهمت الهواء من حوله ثم خمدت شيئاً فشيئاً حتى اختفى آخر وهج منها تاركة وراءها الدخان يتصاعد بخفة.. لكن حين تلاشى كل شيء, لم يكن هناك أي أثر لذلك الرجل الغامض.. لا ظل, لا رماد, لا صدى حتى.. وكأنه لم يكن موجوداً إطلاقاً..
كل هذا حدث في ثوانٍ معدودة أو أقل حتى من أن تُحسب.. لحظات خاطفة كأن الزمن انكمش من حجم ما وقع فيها.. ولا يزال الصمت يلف المكان, أعينهم تتبادل النظرات المذهولة كأن عقولهم تحاول استيعاب ما جرى.
ظنوا ولو لوهلة أن الكابوس انتهى, أن الضيف القاتل الذي ترقبوه قد جاء وهاجم وانتهى أمره كما خُطط له.. ظنوا أن الخطر قد انسحب مع ألسنة النار التي اختفت, وأن الفخ قد أدى غرضه أخيراً.
لكنهم كانوا مخطئين..
للأسف.. لم يكن ما جرى سوى البداية, مجرد شرارة أطلقت شيئاً أكبر, شيئاً لم يكن بالحسبان..
وبالفعل لم تمض سوى دقائق قليلة حتى وصلهم الخبر الصادم.. أحد الحاضرين في الحفل قد وُجِد ميتاً في أحد الغرف الجانبية للقصر.. لم يلحظ أحد غيابه أثناء الحفل وسط الزحام والضوضاء, لكن مع انصراف الضيوف وفراغ القصر تمت ملاحظته من قِبل الخدم.
لم يكن القتيل من أصحاب المناصب الرفيعة كالحكام لكنه كان شخصية معروفة في الساحة السياسية وحضوره لم يكن عابراً وهذا ما جعل الحادث أكثر إثارة للقلق.. قيل أن الجثة مشوهة ولم يتعرفوا على هويته تحديداً لكنه يحمل ختماً يدل على مكانته الرفيعة هنا..
توجه الخمسة.. بيرسيفال, ليام, فيرينا, آزارييل, ويوجين إلى مكان الجثة وما رأوه هناك جمد الدم في عروقهم.. لم يكن مجرد قتل بل كان تمثيلاً وحشياً بجسد الضحية, شيء أشبه بطقوس دموية.
الدماء غطت الأرضية والجدران وتسربت إلى الزوايا, كأن المكان بأكمله تنفس الموت, آثار الدم كانت في كل جهة, كأن الجسد قد جُرَّ ومُزِّق في كل اتجاه بلا رحمة ولا إنسانية.
الجثة كانت مشوهة لدرجة يستحيل معها التعرف على صاحبها.. عينان منزوعتان بوحشية, فم مشقوق بسكين حاد واللسان مفقود, كما لو انتُزع عن عمد.. الأذنان ممزقتان والأطراف مقطعة إلى أجزاء متناثرة حول الغرفة.
لكن كل هذا الرعب رغم بشاعته لم يكن أكثر ما أثار فزعهم..
ففي الجدار المقابل, كُتب شيء بخط واضح.. جملة نُقشت بدم الضحية بحروف متقنة لكنها مرتعشة كأن من كتبها نفسه كان يرتعش رعباً بسبب ما فعله..
كانت الكلمات تقول:
"لَنْ تَبْقَىٰ آمِنَةً."
كانت الجملة كالسيف المسلط على رؤوسهم.. كلمات قليلة لكنها حملت في طياتها وعداً لا لبس فيه, تهديد معلق في الهواء, سيف خفي فوق رؤوسهم جميعاً, كان واضحاً أن من كتبها لم يخش شيئاً بل أرادهم أن يقرؤوها, أن يشعروا بها, أن يدركوا أن العيون ما زالت تراقب وأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
_______________________________________
عادت يوجين إلى غرفتها منهكة تماماً وكأن وزن العالم بأسره كان معلقاً على كتفيها.. خطواتها كانت بطيئة ثقيلة, وساقيها بالكاد تحملانها, فيما ظلت ملامح الصدمة مرسومة على وجهها بوضوح لا تخطئه العين..
ما حدث بعد الحفل كان كفيلاً بإثارة أعصاب أكثر الناس اتزاناً.. هجوم مباغت من شخص مجهول ثم جثة مشوهة وجدار يهددهم جميعاً بدم بارد.
ما إن فتحت باب غرفتها حتى اندفع كالسيفار نحوها بسرعة وابتسامة واسعة تعلو وجهه, وكأن ما حدث في الخارج لم يصله بعد.. كان سعيداً للغاية بعودتها وكأنه انتظرها عمراً كاملاً.. صرخ بصوت مفعم بالحيوية:
"أخيرًا!.. لقد كنت على وشك أن أقتحم القاعة بحثاً عنك!"
لكنه توقف فجأة عندما رأى ملامحها.. كيف أن وجهها الشاحب وعينيها الزرقاوين لم تشاركه نفس الحماس.. اقترب منها ببطء والقلق بدأ يؤثر على صوته..
"سيدتي؟.. ماذا هناك؟.. هل كل شيء بخير؟"
لم تجبه مباشرة, فقط جلست على طرف السرير بصمت ويدها تغطي جبينها كأنها تحاول حجب الأفكار, أو الألم, أو كل شيء دفعة واحدة.. همست أخيراً بصوت مكسور دون أن ترفع رأسها:
"ليس تماماً كالسيفار, لقد حدث أمر لن ننساه غالباً.."
قالت كلماتها تلك بنبرة متعبة, منهكة, وكأنها لا تملك طاقة للشرح أكثر من ذلك.. لم يكن صوتها حاداً ولا حزيناً, بل كان مليئاً بالثقل كأن الذكريات لا تزال ترخي بظلالها الثقيلة على صدرها.
ثم صمتت, لم تبرر ولم تشرح، فقط أدارت ظهرها بهدوء واتجهت بخطى بطيئة نحو الحمام.. وحين وصلت إلى منتصف الطريق توقفت للحظة ثم وبحركة مفاجئة ألقت سيفها أرضاً كما لو أن يديها لم تعودا قادرتين على حمله بعد الآن.. ارتطم السيف بالأرض بصوت معدني ثقيل, تلاه صوت ارتداد الحجر المرافق له وكلاهما بدا كأنهما يشهدان على نوع اللحظات التي مرت بها..
لم تلتفت للخلف ولم تشرح سبب ذلك, بل واصلت سيرها إلى الداخل دون كلمة أخرى عازمة على الاستحمام لا لتزيل آثار الحفل فقط.. بل وكأنها تحاول غسل روحها مما التصق بها.
أما كالسيفار فقد وقف مكانه يتأمل ما حدث بصمت تام.. لم يتحرك, لم يتكلم, فقط تابع بعينيه الباب حتى أُغلق خلفها.. هو الآخر فهم.. فهم تماماً أن التعب الذي تحمله لا يُقاس بالكلمات وأن ما تحتاجه الآن ليس شرحاً, بل صمتاً وانتظاراً.. فقرر أن يمنحها ذلك وأن يبقى حيث هو إلى أن تعود..
بعد ثوانٍ قليلة من غيابها بدأ كالسيفار ينظر حوله بارتباك واضح وكأن الغرفة صارت أوسع من أن تحتويه وحده..
كان يشعر بثقل في صدره لا يقل عن ثقل السيف الذي ألقته أرضاً.. لكنه لم يكن ثقل معدن بل ثقل عجز.. عجزه عن تخفيف ما مرت به قبل ساعات قليلة.
وفي لحظة حماس مفاجئة انطلق طائراً بخفة نحو السيف المرمي والحجر المجاور له وانحنى يحاول حمله.. لكنه ما إن أمسك به حتى شعر بوزنه.. كان ثقيلاً بشكل لا يصدق كأن كل المعارك التي خاضتها يوجين والمالكون السابقون مختومة بداخله.. لم يستسلم بل أعاد المحاولة مراراً وكل مرة يزداد إصراراً حتى تمكن أخيراً من رفعه بصعوبة بالغة وسحبه إلى الزاوية القريبة من السرير, واضعاً إياه بحذر على حاملة خشبية كانت مخصصة له.. ثم التفت للحجر وحمله بسهولة ووضعه بجانب السيف وكأنه يعيد ترتيب عالمها الصغير بهدوء.
توقف بعدها لبرهة وعيناه تتنقلان في أرجاء الغرفة وكأنها خريطة يبحث فيها عن مخرج من صمته.. عن طريقة ليكون مفيداً أكثر.. وفجأة لمعت عيناه بفكرة صغيرة.. تمتم بها لنفسه بحماس خافت وكأنها أعظم فكرة في تلك اللحظة:
"الملابس!"
توجه بخفة إلى خزانتها, فتحها بحذر كما لو أنه يدخل عالماً خاصاً, وأخذ يتأمل محتوياتها.. كانت هناك أثواب بألوان متعددة بعضها فخم ومطرز وبعضها بسيط ومريح.. مد يده وسحب قطعة ناعمة بلون هادئ يظن أنها ستريحها بعد كل ما حدث, ثم طوى القطعة بعناية وذهب ليضعها على طرف السرير بجانب منشفة نظيفة وُضعت هناك من قبل..
وقف بعدها ينظر لما فعله, قلبه الصغير يخفق بشعور غير واضح.. مزيج من الرغبة في المساعدة والخوف من ألا يكون ما فعله كافياً.
ثم ذهب وأحضر أغراضاً أخرى صغيرة, أشياء صنعها سحرة العلاج وهي مخصصة للعناية والراحة.. بعضها أعشاب مجففة وبعضها زيوت وعطور طبيعية نادرة استخدمتها يوجين من قبل لتخفيف التعب بعد المعارك أو عندما يتم إبراحها ضربا.. رتب كالسيفار هذه الأغراض بجانب الثوب بعناية ثم جلس على السرير بهدوء ينتظر أن تخرج سيدته من الحمام وتراه.. يأمل فقط أن تسعدها هذه الجهود البسيطة..
بعد ثوانٍ لفت انتباه كالسيفار صوت خفيف لباب الحمام يُفتح ببطء فالتفت بسرعة نحوه.. خرجت يوجين بهدوء تلف منشفة حول جسدها وشعرها الأبيض الطويل بخصلاته الزرقاء مبلل, تتساقط منه قطرات المياه بصمت على الأرض الحجرية.. خطواتها كانت ثقيلة بعض الشيء وعيناها لا تزالان غارقتين في التفكير, شاردة الذهن تماماً وكأنها لا تزال في مكان آخر..
لم تلاحظ ما فعله فوراً, اكتفت بالتوجه نحو المرآة ووقفت أمامها تمشط شعرها وتجففه برفق, انتظرها بصبر.. عينيه تتبعان حركتها يترقب لحظة تلاحظ فيها ما فعله.. ثم فجأة التفتت إليه..
نظرت نحو الثوب والأغراض الصغيرة المرتبة بعناية إلى جانب السرير, بدت وكأنها تفاجأت حقاً, شيء لم تكن تتوقعه بتاتاً, صمتت لحظة ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة وصادقة على وجهها.. لم تتحدث لكنها نظرت نحوه تلك النظرة التي لا تحتاج إلى كلمات.. وكان ذلك كافياً تماماً لكالسيفار الصغير, ابتسامتها وحدها كانت مكافأة له واعترافاً صامتاً بامتنانها.
سارت نحو السرير ببطء وكل خطوة كانت تعبر عن الإرهاق الذي لا يزال يثقل جسدها وروحها.. جلست على حافة السرير بهدوء تتأمل الثوب الموضوع بعناية والأغراض الصغيرة السحرية المخصصة للعناية, لمستها بيدها وكأنها تتأكد أنها حقيقي ثم التفتت لكالسيفار مجدداً.. مدت يدها وربتت على رأسه بلين, ثم قالت بصوت خافت:
"شكراً لك.."
أخذت نفساً عميقاً وكأنها تحاول جمع بقايا نفسها بعد ما مرت به, ذهبت لترتدي ثوبها ثم عادت وبدأت باستخدام ما أحضره لها, بينما جلس كالسيفار بهدوء على حافة السرير الآخر يراقبها بسعادة خفية وهو يشعر أنه نجح ولو قليلاً في تخفيف ما ألم بها..
كانت تشعر أنها تبالغ في ردة فعلها على ذلك الهجوم.. فهي لم تكن الهدف ولم يكن السيف موجهاً نحوها حتى.. بل كان يقصد آزارييل بوضوح.
ومع ذلك لم تستطع منع قلبها من الارتجاف في كل مرة تتذكر فيها المشهد, حاولت إقناع نفسها أن السبب في قلقها هو منظر الجثة المقطعة بتلك الوحشية, أو ربما بقايا الخوف من قتالها السابق ضد الأميرة.
لكن رغم كل تلك المبررات لم تستطع إزاحة ذلك الإحساس الثقيل الذي خيم على صدرها منذ خروجها من القاعة.. كان الأمر أشبه بشيء يزحف داخلها, شعور لا يسمى.. لا خوف ولا ارتباك بل شيء أعمق.
ربما كانت تبالغ فعلاً, وربما لا.. لكنها كانت تشعر بأن هناك عيناً ما لا تزال تراقبها في الخفاء..
تجاهلت ذلك الشعور الثقيل الذي ظل يلاحقها كظل خفي وانتهت من استخدام تلك الأشياء العلاجية والسحرية التي جهزها لها كالسيفار.. كانت تحاول أن تبعد ذهنها عن كل ما يربكها ولو مؤقتاً.
جلست على السرير بجانبه ولفّت الغطاء حول جسدها بتعب واضح ثم نظرت إليه بنظرة شاردة قبل أن تبدأ بالكلام.. بدأت يوجين تقصّ عليه ما حدث بصوت منخفض كأن كل كلمة كانت تنتزع من أعماق قلبها لا من لسانها.
تحدثت عن الحفل, عن غرابة الضيوف وعن أجواء الحذر التي خيمت على المكان رغم ضجيج الموسيقى وعن لقائها الغريب بآزارييل حاكم النار.
ثم توقفت لحظة, شهيقها كان حاداً وكأن ذكرى المشهد التالي كانت تخنقها.. ألا وهي البوابة الغريبة تلك والهجوم المفاجئ وما حدث بعدها كان اسوأ بمراحل..
صمتت للحظة أخرى ثم رفعت رأسها تنظر إليه وكأنها تحاول التأكد من أنه يستوعب ما تقوله.. كالسيفار كان قد فقد لونه تماماً, عيناه اتسعتا بدهشة وخوف لكنه لم يقاطعها, فقط ابتلع ريقه بصعوبة بينما هي تابعت:
"والأسوأ؟.. الكلمات التي كُتبت بدمائه على الجدار: لن تبقى آمنة.."
سادت الغرفة لحظة صمت ثقيل بعد كلماتها حتى الهواء بدا وكأنه تجمد, ثم همس كالسيفار وصوته مصحوب برجفة خفية:
"هل ستكون الأمور بخير..؟"
"لا أعلم.."
صمت كلاهما للحظة, لم يكن هناك ما يُقال, أو ربما لم يعرفا كيف يبدآن من جديد, ظلّت يوجين تحدّق في نقطة غير مرئية أمامها وكالسيفار يراقب تعابير وجهها المتقلبة بصمت.. ثم فجأة, وكأنها نسيت تماماً الخوف الذي كان يتملكها منذ لحظات, تحدثت بصوت منخفض أقرب للهمس فيه شيء من التردد:
"كان هناك أُناس بمظهر غريب.."
انعقد حاجبا كالسيفار وهو يميل قليلاً نحوها يطلب منها بنظرته أن تكمل دون أن يقاطعها.. تنهدت يوجين ببطء ثم قالت:
"كانوا يرتدون أقنعة.. ليست أقنعة عادية بل أقنعة حيوانية تشبه الحيوانات الحقيقية إلى درجة مزعجة.. بعضها بدا وكأن الجلد والفراء حقيقي كأنها لم تُصنع بل انتُزعت من الكائن نفسه.. قال آزارييل إنهم قبيلة تدعى مورينا يسكنون في الغابات المحيطة بالقصر الرئيسي.. وهم من يحرسون الأرض هناك."
ساد صمت آخر أثقل من سابقه قطعه كالسيفار أخيراً بصوت منخفض وحذر:
"لا يمكن أنكِ تريدين مقابلتهم..؟"
نظرت إليه يوجين للحظة وكأنها تفكر فيما قاله بتمعن, ثم حركت رأسها ببطء, ليس نفياً ولا تأكيداً بل شيئاً بين الاثنين.. كانت عيناها لا تزالان غارقتين في ما رأته الليلة..
ثم رفعت نظرها إليه ببطء, لم تبتسم.. لكن في عينيها كان هناك شيء يتجاوز الخوف.. فضول قاتل أو ربما إحساس داخلي بأن الأمور لن تهدأ إن لم تتابع ما بدأ الليلة..
"لا أريد.."
قالت له بصوت خافت ثم أردفت بعد لحظة:
"لكنني مضطرة."
نظرت إلى الخارج من النافذة الكبيرة في الغرفة حيث بدأ الليل يتلاشى ببطء تحت نور الفجر وقالت وكأنها تتحدث إلى نفسها:
"كانوا غريبين بشكل مريب.. لو كان لهم يد بما حدث الليلة فلابد أن أعرف السبب.. لا أستطيع أن أتجاهل هذه الشكوك.. ليس بعد كل ما رأيته."
كالسيفار وقف خلفها متردداً ثم قال:
"سمعت عنهم قصصاً منذ أن وعيت على هذه الحياة يا يوجين, طقوس, دماء, وأسرار لا يخرج منها أحد على قيد الحياة.. إن اقتربتِ فغالباً لن يرحموكِ مهما كان منصبك عالياً.."
استدارت إليه, كانت ملامحها هادئة لكن عيناها تحدقان بشيء بعيد:
"ربما لن ترحمنا تلك الأميرة لو وضعت يدها على أي شيء مرتبط بهذه المملكة.."
قالتها يوجين بنبرة هادئة لكنها كانت مشبعة بثقل لا يُحتمل.. وكأن الكلمات نفسها كانت تحمل ظل الموت.
ثم تابعت وعيناها متسمرتان في وجه كالسيفار كأنها تريد أن تحفر ما تقوله في أعماقه:
"الموت ليس أكثر شيء يجب أن تخافه يا كالسيفار.. أحياناً, العيش تحت رحمة من لا يعرف الرحمة أسوأ بكثير."
ساد الصمت بينهما للحظة, لكن هذه المرة لم يكن صمتاً مريحاً, بل صمت يختنق بكلمات غير منطوقة.. كالسيفار ابتلع ريقه ببطء وقد بدأ يشعر بثقل الحكاية التي لم تُروَ بعد, والحقيقة التي لا تزال يوجين تخفيها خلف نظراتها القلقة.. أكملت كلامها بهدوء:
"لكن لا أشعر أن عليّ مقابلتهم بشكلٍ عشوائي هكذا.."
قالت ذلك وهي تطرق بنظرها نحو الأرض وكأنها تحاول أن تجد ترتيباً لما يدور في رأسها ثم تابعت:
"عليّ أن أعرف بعض المعلومات أولاً... شيئاً يساعدني على فهم من هم لكي أتمكن من لقائهم بشكل جيد."
سألها كالسيفار بنبرة هادئة لكنها حملت فضولاً حذراً وكأنه يخشى ما قد تقوله:
"شيء مثل ماذا..؟"
نظرت له وقد بدا عليها التوتر, شفتاها ارتجفتا بخفة قبل أن تبتسم ابتسامة ساخرة كأنها تضحك من نفسها لا منه, ثم قالت ببطء وكأنها تعترف بهزيمتها أمام نفسها:
"لا أعرف.."
سكت واكتفى بالنظر إليها لكن عينيه كانتا تقولان أكثر من كلماته.
"..."
قطعت الصمت بصوت ارتجف قليلاً وكأنها حصلت على فكرة ما:
"لكن ربما يمكنني سؤال آزارييل!.. أو ليام وفيرينا.. هم أقرب لهم, أليس كذلك؟"
رفع حاجبه قليلاً, ثم قال وكأن السؤال خرج منه رغماً عنه:
"وماذا عن ذلك الرجل.. بيرسيفال؟"
لاحظت نبرة صوته وهي تتلوى مع اسم بيرسيفال, مزيج من الغيظ والكراهية حاول أن يخفيه لكنه لم يفلح, فتسللت ابتسامة على وجهها لم تستطع منعها, ثم قالت بنبرة ساخرة قليلاً:
"ماذا؟.. هل تشعر أنه غير كفؤ ليعرف شيئاً عنهم بالرغم من كونه الملك والسيد هنا؟!"
أدار وجهه عنها فجأة كأنه لا يريد أن يراها وهو يحترق من الداخل, كان يحاول إخفاء الغضب الذي اشتعل في عينيه ويكتم كلماته كي لا ينفلت شيء لا يجب أن يقال..
يوجين بقيت تنظر إليه تتأمله في صمت وعقلها مشغول بمحاولة فهم ما الذي يزعجه بهذا الشكل.. لم تجد أي مبرر منطقي لكن ملامحه, طريقته في التململ, وضغطه على يده جعل رغبتها بالضحك تكبر أكثر فأكثر وكأن الأمر بأكمله تحول إلى مشهد هزلي أمامها..
لكنه قطع شرودها بنبرة أكثر حدة, منخفضة كأنها زمجرة محتبسة:
"ليس كذلك..."
ظلت تحدق به للحظة ثم مالت برأسها قليلاً وكأنها تحاول فك شيفرة مشاعره, تأملت ملامحه المتشنجة, الطريقة التي عقد بها حاجبيه, وكيف تفادى النظر إليها.
ابتسمت لكن هذه المرة ابتسامة هادئة, أشبه بتساؤل يخفي الكثير.. ثم بصوت ناعم لكنه يعبر عن السخرية والدهشة معاً, همست:
"هل يمكن أنك تشعر بالغيرة منه..؟"
ساد الصمت.
كأن كلماتها اصطدمت بجدار داخله لم يكن مستعداً لهجومها.. لم يجب, ولم يلتفت, حتى أنفاسه بدت أبطأ, كأنها تحاول أن تبقى هادئة رغم الصخب الداخلي.. ثم أضافت, وكأنها تعمدت إشعال النار ثم الوقوف جانباً تراقب اشتعالها:
"لست مجنوناً كي أغار منه.. ولا أعتقد أن هنالك من يغار منه حتى."
قالها ببرود مصطنع محاولاً الحفاظ على ما تبقى من كرامته لكن عينيه الهاربتين وصوته المتوتر فضحاه أكثر مما أراد..
رفعت يوجين حاجبيها ببطء ثم ظهرت على شفتاها ابتسامة صغيرة متسلية.. نظرت إليه نظرة خفيفة من رأسه حتى قدميه, كان الأمر سهلاً بالنظر إلى حجمه, ثم قالت بنبرة ماكرة يملؤها الضحك:
"هل أنت متأكد؟"
اقتربت منه قليلاً وضاعفت من نبرتها الساخرة وهي تتابع:
"أذكر أنني رأيت الكثير من الرجال في الحفل يرمقونه بنظرات مشتعلة بالغيرة.. وكأنهم لا يصدقون أن من يقف بينهم هو ذلك 'العجوز' ذاته الذي تُقال عنه آلاف الحكايات منذ قديم الزمان."
توقفت لبرهة ثم أضافت بخبث واضح:
"أما النساء فكان المشهد مضحكاً حقاً.. وكأنهن جميعاً وقعن في غرامه في اللحظة ذاتها."
راقبته بعينين لامعتين تنتظر أي ردة فعل.. أي انفعال بسيط يؤكد لها شكوكها أو يظهر ما يحاول إخفاءه بشدة..ثم قال لها وهو يعبس كأن أحداً سرق منه قطعة حلوى:
"لماذا تدافعين عنه أساساً؟!"
ضحكت يوجين بخفة ثم رفعت كتفيها وقالت بنبرة هادئة فيها شيء من التحدي:
"ولماذا تحاول أنت الطعن فيه؟"
نظر إليها من طرف عينه وتمتم وهو يشيح بوجهه:
"لا أطعنه، لكنه مزعج قليلًا."
اقتربت منه قليلاً وانحنت نحوه كمن يهمس بسر:
"هل تراه مزعجاً لك لأن جميع النساء في القاعة كدن يذبن كلما نظرن إليه..؟"
اتسعت عيناه ورفع حاجبيه بدهشة طفيفة ثم قال:
"أهكذا؟!.. وهل كنتِ بينهن؟!"
تراجعت خطوة إلى الوراء وضحكت وهي تضع يدها على صدرها بتصنع:
"أنا؟.. أبداً.. كنت فقط أراقب من باب التحليل النفسي الجماعي."
قال بسخرية وهو يرمقها:
"تحليل نفسي؟! رائع، أنتِ مختصة بنظرات النساء الآن؟"
قالت وهي تلوح بيدها أمامه كأنها تهدئ غضب طفل صغير ثم تابعت بنبرة مرحة:
"حسناً حسناً أيها الطفل المتذمّر.. أريد فقط أن أعرف لماذا تكرهه بهذا الشكل؟"
زفر بضيق ثم تمتم ساخطاً وهو يلوح بيده كأن الكلمات تثقل عليه:
"أكرهه لأن... أعني, من المجنون الذي يقيم حفلة في ظل كل هذه الفوضى؟!"
ثم نظر إليها وكأنه يطلب تأييدها وأضاف بغضب مصطنع:
"بجدية!.. كيف يمكن لهذا الشخص أن يكون ملكاً؟!.. هذا هراء."
ضحكت يوجين وهي تهز رأسها, ثم قالت:
"ربما الملكة بداخله تحتاج لبعض الترفيه كي لا تنفجر, ولكن على أي حال.."
صمتت للحظة تحدق فيه وكأنها تقرأ ما يجول في رأسه, ثم تابعت بنبرة عملية:
"سنذهب ونسأل عن مورينا.. ليس لديك اعتراض.. صحيح؟"
لم يجبها بل اكتفى بأيماءة موجهة لها مثل طفل مطيع, لكن تلك الإيماءة الهادئة لم تنجُ من لمحة الغيظ التي بانت في عينيه, وكأن موافقته كانت خدمة جليلة يمنحها على لها.
رفعت حاجباً وهي تكتم ابتسامة لطيفة:
"رائع.. طفلنا الصغير بدأ يتأقلم."
تمتم وهو يستدير بعيداً عنها:
"أنا لست طفلاً.. ولا صغيراً."
ضحكت يوجين على ردوده هذه, لم تستطع كتم ضحكتها أكثر.. بدت عليه علامات الغضب مما زادها رغبة في الاستفزاز..
"حسناً طفل أم لا, سترافقني.. هذا أمر ملكي!" قالتها وهي تلوح بيدها وكأنها تحمل تاجاً وهمياً, ثم نهضت عن سريرها ببطء وكأنها لم تعد قادرة على البقاء في مكانها أكثر, واتجهت نحو الباب بخطوات مترددة.
استغرب كالسيفار من تصرفها ورفع حاجبه قليلاً قبل أن يسألها بنبرة هادئة:
"ألا تريدين النوم؟ لقد كنتِ متعبة قبل قليل."
توقفت يوجين أمام الباب واستدارت ببطء نحوه, وعيناها تحملان لمعة غريبة, ثم قالت بتوتر يخفيه الإصرار:
"كلا.. لقد ذهب التعب فجأة, لا يمكنني الجلوس هكذا دون أن أفهم أكثر عن أولئك الأشخاص.. يجب أن أعرف."
أومأ لها بإيماءة سريعة ثم طار بخفة باتجاهها, جناحاه يلمعان بضوء خافت وهو يتسلل إلى جيب ثوبها البسيط ويختبئ داخله دون أن يصدر صوتاً,
همس بصوت منخفض من داخل الجيب:
"لا يجب أن يراني أحد."
منذ لقاءهما في الغابة وهو يقول هذا.. لم يخبرها عن السبب ولم تسأله, بدا الأمر طبيعياً بينهما وكأنها اعتادت على غرابة تصرفاته, أو ربما لم تعد تملك الطاقة لتفهم كل شيء دفعة واحدة.
_______________________________________
كانت القاعة الرئيسية للاجتماعات مظلمة على نحو متعمد, الستائر المخملية الثقيلة تحكم على الضوء الخارجي كما لو كانت تحجب النور والدفء عن الدخول, والشموع العالية الموزعة بعناية لا تضيء سوى مساحة ضيقة حول الطاولة المستطيلة الضخمة تاركة بقية الغرفة في ظلال خافتة تتموّج مع اللهب.. بدا المكان وكأنه قبر عتيق.. قبر للأفكار والمخططات والأسرار.
جلس بيرسيفال في العرش الرئيسي وهو عرشه, يتكئ على المسند برأس مائل وكتف مسترخٍ, ويده تمسك بكأس نصف ممتلئ بنبيذ أحمر داكن, لم يعد يشعر بطعمه لسبب ما لكنه لم يتركه, تلك العادة العنيدة ظلت تُحرضه على الشرب كما لو كانت جزءاً من طقوس حكمه..
صوت خطوات خفيفة كسر هذا السكون حين فُتح الباب الجانبي للقاعة بهدوء ودخل أحد المساعدين بوقار.. لكنه كان صامتاً كأنه يعرف أن الأصوات غير مرغوب بها في هذه القاعة الآن, تقدم بثبات حتى وقف مكانه في الظلال.. لم يجرؤ على تجاوزها, ثم قال بصوت منخفض:
"وجدنا أثراً للسحر في موقع الجثة, سيدي."
لم يحرك بيرسيفال رأسه.. فقط رفع حاجباً واحداً بالكاد يُرى في الظلمة وأجاب ببرود:
"طبعاً.. ما مِن جريمة تُرتكب في هذا المكان دون أثر.. وما من أحد يترك أثراً إلا إن أراد أن يُرى.."
تردد المساعد لوهلة وكأن جملته التالية أثقل مما يود قوله.. لكنه قالها رغم ذلك:
"وكانت حاكمة المياه.. السيدة يوجين من أقرب المتواجدين للموقع وقت الحادثة, بعض الحراس تحدثوا عن رؤيتها بالقرب بعد دقائق فقط."
عندها فقط أدار بيرسيفال رأسه ببطء نحوه.. عيناه لم تعكسا الخطر بل الهدوء.. لم يظهر في عينيه أي تعبير حاد, بل شيء أقرب إلى التأمل الطويل كمن يعرف أكثر مما يقول.. ويُخفي أكثر مما يظهر.
ثم قال وكأنه يسترجع الاسم هذا من زاوية قديمة من الذاكرة أو كأنه يحاول الشعور بوقع الاسم على لسانه:
"همم.. يوجين؟"
بعد لحظات رفع كأسه, أماله بين يديه قليلاً يراقب النبيذ وهو يدور في صمت قبل أن يكمل:
"فتاة ذكية, فضولية.. وفضولها ليس جريمة.. ليس بعد على الأقل."
أراد المساعد أن يبدي رأيه لكنه تراجع فوراً.. لا أحد يناقش بيرسيفال حين يكون في هذه الحالة وهذه الدرجة من الهدوء.. فما هذه إلا مسرحية يحاول خداع نفسه بها حتى لا يجن جنونه.. لكنه أكمل كلامه يعطي بيرسيفال المعلومات كلها:
"لكن علمنا للتو أن القتيل ينتمي لعائلة مورينا القديمة.. والظروف شديدة الغموض والتوتر سيدي."
حينها ضحك بيرسيفال بخفة, ضحكة قصيرة بلا روح كما لو أن ما سمعه كان نكتة باهتة.. ثم أشار له أن ينسحب وهو يقول بنبرة شبه هامسة:
"إذاً دعه موتاً غامضاً يسبب التوتر لهم.. لا أظن أن هناك أحد منهم يحب الحكايات التي تنكشف بسرعة."
ظل المساعد واقفاً في الظلال لثوانٍ.. ثم انحنى وانسحب دون صوت كما أتى بالضبط.
بقي بيرسيفال وحده مجدداً, أسند رأسه للخلف ثم أغلق عينيه بهدوء وترك أنفاسه تخرج ببطء.. كأن كل شيء لا يهم, أو كأن كل شيء محسوب بدقة ولا يحتاج منه سوى أن ينتظر.
ثم سمع صوتاً مزعجاً آخر, صوت قادم من الباب الرئيسي هذه المرة.. لم يكن أحد يجرؤ على دخول هذه القاعة دون إذن, ولهذا رفع بيرسيفال رأسه ببطء ونظر نحو الباب ببعض الاهتمام.. وإذا بها يوجين.
كانت واقفة عند العتبة لا تزال ممسكة بمقبض الباب كأنها تفكر بالرجوع, وبنفس الوقت كانت تحدق في المكان المظلم بتوتر واضح, عيناها تلمعان في العتمة.. لا تعرف أين تضع بصرها كأنها دخلت مكاناً لا يجب أن تكون فيه.
ازدادت حيرتها حين رأته يجلس هناك وحده كظل متجسد يحدق بها بصمت ونظرته عميقة لا توحي بأي شعور واضح..
ظلت واقفة مكانها للحظة.. كانت مرتبكة ثم قالت بصوت خافت كأنها تخشى أن تزعج الصمت المحيط به:
"لم أكن أعلم أنك هنا, ظننت القاعة فارغة.."
ابتسم بيرسيفال ابتسامة بالكاد ترى ورفع كأسه نحوها قليلاً كأنما يحييها بتحية غامضة ثم قال:
"هي كذلك, لكنها لا تمانع بعض الزوار الفضوليين."
تقدمت خطوة ثم توقفت, لم تكن متأكدة إن كانت مدعوة للدخول حقاً أم أن هذا فخ من نوع ما.. تتذكر بوضوح أنه قام بطردها تقريباً عندما دخلت إلى الغرفة قبل بضعة أيام.. الغرفة كانت تبتلعها بنورها الخافت كلما تقدمت نحوه, وظله يزداد عمقًا كلما اقتربت منه..
ثم سألته, محاولة كسر الجمود الذي يحيط بهما:
"مالذي تفعله هنا لوحدك؟"
"أراقب الظلام.."
قالها وهو ينظر إلى كأسه.. لم تكن تعرف ماذا تقول, لم يكن يشبه أي شخص تحدثت إليه من قبل.. ولم تكن تفهم إن كان هذا هدوء حكيم أم عاصفة تختبئ خلف غطاء هادئ.. ترددت يوجين للحظة ثم سألته:
"أيمكنني الجلوس..؟"
رفع عينيه نحوها, تأملها للحظة طويلة ثم أشار إلى الكرسي المجاور له دون كلمة.
جلست بصمت, يداها في حجرها ونظراتها تتنقل بين ضوء الشموع والستائر السوداء وبين وجه بيرسيفال الذي بدا جميلاً تحت ظلال القاعة.
هو الآخر لم ينظر إليها مباشرة, بل ظل يتأمل الكأس في يده كأنه يبحث في قلبه عن كلمات لم تخلق بعد, كان في داخله شيء يشتعل ببطء.. لم يكن غضباً ولا شكاً, بل شيء أكثر تعقيداً.
كان يعلم أنها مشتبه بها, الآثار السحرية وتوقيت وجودها.. كانت تلك الأشياء كافية لتشير إليها.
ومع ذلك لم يستطع أن يواجهها بالأمر, لم يرد أن يرى الخوف في عينيها ولا الدفاع المرتبك في صوتها لسبب يجهله تماماً.. قال أخيراً بصوت خافت كأنه يقيس كل حرف قبل خروجه:
"يوجين, هل تظنين أن بعض الجرائم لا ترتكب من أجل الشر بل من أجل كشفه..؟"
تجمدت للحظة, لم تفهم إن كان مجرد سؤال أم أنه يختبرها أو ربما يتحدث مع نفسه.. لكنها أجابت بحذر:
"أظن أن النوايا لا تغير من الجريمة نفسها.. لكنها تبررها للبعض."
هز رأسه ببطء كأن جوابها أكد له شيئاً ما.. لكنه لم يكن مستعداً ليخبرها عن الاشتباه, ولا عن أن قبيلة مورينا ربما وضعت عينها عليها..
سيحل هذا لوحده كما اعتاد دائماً.
ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد تُرى وأدار الكأس بين أصابعه مرة أخرى, كأن سؤاله هذه المرة خرج على سبيل التسلية لا التحقيق.. سألها بهدوء مصطنع وعيناه لم تفارقا سطح النبيذ في الكأس:
"إذاً, لِمَ أتيتِ؟.. مع أنني أذكر جيداً أنني قد منعتكِ من الدخول إلى هذه القاعة منذ مدة.. ألم يكن ذلك واضحاً؟"
لم يكن في نبرته تهديد بل نوع من الاستفهام البارد المبطن بشيء من الفضول..
لم تُجِب يوجين على الفور, بل غرق المكان في لحظة صمت خافت, لم يقاطعها بيرسيفال خلالها كأنه كان يعرف أنها تجهز سؤالاً لا تريد أن تطرحه لكنها مضطرة.. نظراته ثبتت عليها بشكل مقلق, أما هي فبدأت تغوص أكثر في أفكارها تحاول أن تنتقي الكلمات بدقة.. أو على الأقل تخفي قلقها خلف تعابير جامدة.
عقدت حاجبيها ببطء ووضعت يدها على فكها تُسند رأسها قليلاً كما لو أن الثقل في عقلها بدأ يظهر على ملامحها.. كانت تفكر.
كيف ستسأله عن قبيلة مورينا؟
كيف تذكر هذا الاسم تحديداً دون أن تفتح أبواباً لا تريدها أن تُفتح؟
هل تقول بأنها سمعت عنهم فقط؟
أم تعترف بأنها تلاحق خيوطاً قد تقتلها أكثر مما تنقذها؟
نظرت إلى الكأس الذي أمامه ثم إلى عينيه, ثم أعادت بصرها للطاولة تحاول أن تجد نقطة انطلاق.. لوهلة فكرت أن تنهض وتغادر دون أن تقول شيئاً.. لكنها لم تكن من النوع الذي يتراجع حين يكون الفضول أقوى من الخوف.
وأخيراً, رفعت رأسها ونظرت إليه مجدداً, كان ما يزال يراقبها بصمت كأنه ينتظر شيئاً محدداً, أو كأنه يعرف مسبقاً ما ستقوله.. عندها نطقت بنبرة حاولت أن تجعلها عادية لا تبين أي شيء له, لكنها خرجت مترددة رغماً عنها:
"بيرسيفال.. ماذا تعرف عن قبيلة مورينا؟"
كانت الكلمات ثقيلة لكنها خرجت في النهاية, بقيت يوجين تحدق فيه تحاول أن تتوقع أي رد فعل, دهشة, غضب, تهكم, أو حتى صمت طويل.. لكنها لم تجد شيئاً من هذا.. وجهه لم يتغير كأن السؤال لم يكن مفاجئاً له إطلاقاً.
بل على العكس, راح يحرك كأسه بهدوء بين يديه, يدور السائل داخله ببطء, وعيناه متعلقتان بالفراغ أمامه.. ثم قال أخيراً بصوت خافت وعينين شبه مغمضتين:
"هذا سؤال خطير لمن لا يعرف ماذا يفعل بالإجابات."
لم تقل يوجين شيئاً, بل بقيت تنظر إليه بعينيها الهادئتين وكأنها تنتظره أن يكمل.. لم تحرك يداً, لم تفتح فمها, فقط جلست هناك بصمت.
هو بدوره ظل يحرك كأس النبيذ بيده السمراء ببطء حتى قال أخيراً بصوت منخفض لا يخلو من الحذر:
"ماذا تريدين منهم؟"
جاء ردها حاداً بدون تردد:
"هذا لا يخصك إطلاقًا."
توقف بيرسيفال عن تحريك الكأس, لوهلة بدا أنه لم يسمع جيداً أو لم يصدق ما سمعه.. حدق بها ثم رفع حاجبيه قليلاً كما لو أنه يواجه شيئاً لم يعتد عليه, لم يجرؤ أحد من قبل على التحدث إليه بهذه الطريقة.. ليس الخدم, ولا القادة والحكام, ولا حتى آزارييل المجنون في أسوأ حالاته.
وفي تلك اللحظة, شعرت يوجين بما قالت, أدركت حدة كلماتها والنبرة التي خرجت منها.. لم يكن من المفترض أن تتحدث معه هكذا, شعرت بالحرج فجأة, كأن شيئاً بارداً مر عبر عمودها الفقري, حدقت فيه بعينين مرتبكتين, لم تعرف كيف تكمل أو تتراجع..
لكنها لم تعتذر.. ليس لأنها لم تشعر بالذنب, بل لأنها ببساطة لم تعرف كيف, الكلمات خانتها والندم ظل محاصراً خلف حنجرتها لا يجد طريقاً للخروج.
ظلا يحدقان ببعضهما لثوانٍ بدت أطول من اللازم حتى قال بيرسيفال أخيراً بنبرة باردة:
"وقحة.. لكنكِ شجاعة."
ثم شرب ما تبقى من النبيذ الأحمر دفعة واحدة, بدأ يتكلم مجدداً لكن نبرته اختلفت, لم تعد باردة ولا مستفزة كما قبل, بل فيها شيء من التروي كأنما يحاول أن يختار كلماته بعناية.. أو كأنها المرة الأولى التي يسمح فيها لنفسه أن يشرح شيئاً دون غرض خفي.
قال لها وهو يطرق بأصابعه على الطاولة بخفة يراقبها بعين نصف مغمضة:
"هم إحدى القبائل التي تحالفت معي قبل سنوات.. آلاف السنوات, وقد أعطيتهم مهمة حراسة الأراضي المحيطة بالقصر الرئيسي هذا.. لا يظهرون في النهار ولا يخرجون من غاباتهم إلا بإذنٍ مباشر."
سكت لحظة كأنما ينتظر منها أن تستوعب أو أن تسأله شيئًا آخر, لكنها قالت على الفور بنبرة غير راضية:
"أعرف هذه الأشياء بالفعل.. أريد معلومات أخرى."
ارتفع أحد حاجبيه السوداوين قليلاً وانعقد الثاني بشكل خفيف فوق عينه, وقال وهو ينظر مباشرة إليها:
"ماذا ستفعلين بها؟.. لا يمكن أنكِ ستذهبين للقائهم."
لم ترد على الفور, بل ترددت وعضت طرف شفتها بتوتر خفيف, ثم قالت أخيراً بصوت حاولت أن تُدخل فيه بعض الحماس المزيف:
"نعم.. هل توجد مشكلة في ذلك؟"
حدق بها مجدداً, ثم تنهد ببطء كأن شيئاً أثقل من الكلام ذاته كان جاثماً على صدره.. مال إلى الخلف في مقعده وقال:
"لو أنني كنتُ مكانهم.. لما سمحت لكِ بالمغادرة حية."
قالها بهدوء بالغ دون تهديد, بل كأنها نصيحة عتيقة خرجت من فم رجل يعرف خفايا الظلال أكثر مما يعرف النور, ثم أضاف وصوته أكثر ليونة:
"الذهاب إليهم ليس نزهة يا يوجين.. أنتِ لا تعرفين ما قد يفعلونه إن شعروا بالخطر منك."
ظلت صامتة تحدق به بعينين ضيقتين وحاجبين معقودين, كأنها تبحث في ملامحه عن ما يخفيه خلف صوته الهادئ.
أما هو فكان يبادلها النظرات, يبتسم بإستفزاز خفيف وكأنه يستمتع بتوترها أكثر من أي إجابة يمكن أن تقدمها له.
لم يتحرك أحد منهما وكأن الهواء بينهما أصبح أثقل من أن يتم قطعه بكلمة.
وأخيراً تنهدت يوجين بملل واضح, ثم نهضت من على الكرسي ببطء تدفعه قليلاً للخلف, وقالت وهي تتجه نحو الباب:
"حسناً.. شكراً لك بيرسيفال."
ابتسم بيرسيفال بخفة, وأعطاها إيماءة بالكاد تُرى, ثم راقبها حتى غابت خلف الباب.. وبعد ثوانٍ من الصمت تنهد هو الآخر وحده وسط العتمة.. فكر في نفسه وهو يحدق في كأسه الفارغ:
"لا بد أن آزارييل هو من أخبرها.."
هذه معلومات لم تُكشف لها رسمياً ولا يمكن أن تكون قد سمعتها من أحد سواه, وغالباً هي الآن ذاهبة إليه لتسأله عن ما تبقى من الأسرار..
بعدها اختفت ابتسامته تلك كأنما أدرك الأمر متأخراً, هو بالفعل كان متأخراً.. تطلب منه الأمر ما يقارب العشرة دقائق ليدرك ذلك, وهو أن تلك الطفلة كانت تناديه باسمه بكل جرأة دون أدنى تردد أو خوف.
قهقه فجأة وهو يمرر أصابعه بين خصلات شعره السوداء وهو يتمتم:
"بيرسيفال.. هاه؟"
حتى ليام وفيرينا, أقرب الناس إليه الآن, قد استغرقهما الأمر ثلاثة قرون كاملة قبل أن يسمح لهما بمناداته باسمه, لا لقسوة فيه بل لأنه لم يكن يسمح لأحد بالاقتراب من جوهره بسهولة.
لكن هذه الفتاة فعلتها منذ الأيام الأولى, وكأنها لا تعترف بالمقامات أو أنها ببساطة لا ترى فيه ذلك الحاكم الذي يخشاه الجميع..
جلس للحظات في صمت مطبق كأن كل شيء قد سكن في القاعة فجأة.. لا صوت سوى أنفاسه الثقيلة وصوت احتكاك أصابعه بزجاج الكأس.
لكن نظراته بقيت معلقة عند الباب الذي خرجت منه قبل لحظات, وكأنما ما زالت واقفة هناك تنتظر أن يوقفها.
ثم بعد أن أنهى ما تبقى من النبيذ نهض عن مقعده ببطء.. خطواته هادئة لكنها حاسمة.. قال لنفسه بابتسامة خافتة وهو يلتقط معطفه الطويل:
"سوف تذهب إليهم فعلاً, أليس كذلك؟"
توجه إلى الباب لكنه لم يفتحه.. اكتفى بالوقوف هناك ليستمع.. كانت خطواتها قد ابتعدت بما يكفي, لم تعد قريبة.. وعندها فقط قرر أن يتبعها..
لأن مورينا ليسوا ممن يستهان بهم, ولأن وجودها هناك لوحدها دون مساعدة أمر لا يطمئن قلبه إطلاقاً, ولأنه بطريقة لا يفهمها بعد.. لا يريد لها أن تؤذى.
_______________________________________
خرجت يوجين وأغلقت باب القاعة خلفها, ما إن ابتعدت بمسافة مناسبة حتى ظهر كالسيفار من خلف إحدى الزوايا القريبة, يطير بجنون ويتجه نحوها ككتلة صغيرة من اللهب, يصرخ بصوت لم يسمعه أحد سواها هي قائلاً:
"هل فقدتِ عقلكِ تماماً؟!.. تدخلين إليه وأنا معكِ؟!.. كيف فعلتيها وأنتِ تعلمين أنني رفضت هذا تماماً؟!"
توقفت يوجين في منتصف الممر, تنظر له وقد ارتفعت حاجباها بدهشة وهمست:
"كالسيفار، أخفض صوتك قبل أن يسمعك أحد!"
لكنه لم يستجب, بل ظل يرفرف أمام وجهها بعصبية معتادة وراح يكمل بانفعال:
"كنتِ ستسحبينني معك!.. قلتِ أنكِ ستتكلمين مع آزارييل فقط, لم أتوقع أن تذهبي إلى بيرسيفال!.. لو دخلتُ معكِ بالخطأ لرآني.. ووقتها لا أحد يعلم ما كان سيفعله بي!"
رفعت يوجين يديها بتعب تنظر حولها سريعاً ثم قالت:
"لم أُجبرك على ألمجيء معي كما تعلم."
لكنه تجاهل تعليقها واستدار في الجو فجأة, طار بسرعة ليبتعد ويختبئ من جديد خلف العمود نفسه, صوته أصبح منخفضاً يحمل قلقاً حقيقياً:
"ذلك الرجل لا يمكن الوثوق به.. إن اقتربتِ منه مجدداً لا تنتظري مني أن أبقى إلى جانبك."
تنهدت يوجين وهي تمشي بعيداً تهمس له دون أن تنظر خلفها:
"أنت تبالغ.. لا يجب أن تحكم عليه وأنت لا تعرفه."
تبعها كالسيفار وهو يرفرف خلفها بانفعال ظاهر, جناحيه يتركان أثراً باهتاً في الهواء خلفه, وما إن سمعها تقول:
"سنذهب الآن لآزارييل, بيرسيفال لم يُعطِني أي معلومة مفيدة.."
حتى توقف فجأة في الهواء وتحولت تعابيره الغاضبة إلى إشراقة حقيقية, كما لو أن الكلمات فتحت أمامه أبواب الخلاص.. رفرف قرب وجهها بسعادة وهو يهتف بصوت حاد لكنه مبهج:
"أخيراً قرار منطقي.. رجل واحد يبدو جيداً ولن يقتلني!"
نظرت له يوجين بطرف عينها, حاجباها مرفوعان بتساؤل خفي, لكنها لم تسأله شيئاً, لم تكن تعلم إن كانت تلك الفرحة بسبب ذكر آزارييل.. أم لأنها قالت أنها ستبتعد عن بيرسيفال.
تأملت ملامحه الصغيرة الواثقة بطريقة طفولية, ثم همست وكأنها تحدث نفسها:
"أنت.. هل تعرف آزارييل؟"
لم يجبها, بل استمر بالطيران قرب كتفها وكأن السؤال لم يُطرح أصلاً.. ثم بعدها رفرف ودخل في جيبها بينما هي كانت تمشي.
تنهدت يوجين, وواصلت السير بثبات نحو ممرات القصر الداخلية, بينما ظل كالسيفار في جيبها يصفّر لنفسه بنغمة غير منتظمة, كما لو أنه لا يحمل أي سر على الإطلاق.
سارت وسارت, تنقلت بين الممرات كأنها تطارد طيفاً لا يتوقف, سألت بعض الخدم ثم الحراس الذين بدوا حذرين في الإجابة, وكأن مجرد ذكر اسم آزارييل يجعلهم يترددون.. لن تتفاجأ فهو يبدو مجنوناً بعض الشيء..
كل ما عرفته أنه:
"مرّ من هنا قبل دقائق"
أو:
"ربما كان في الحديقة قبل قليل"
وكأن لا أحد يستطيع الإمساك به حتى بكلمة.. لكنها وجدت أثره في النهاية, واقفاً في المكان ذاته الذي وُجدت فيه الجثة فجر هذا اليوم..
دفعها المشهد لتبطئ خطواتها, كانت الغرفة باردة على نحو غريب, رغم ضوء الصباح المتسلل من النوافذ الصغيرة في الأعلى, والجثة لا تزال على حالها.
الدم جافّ على الأرض والهواء مشبع برائحة الحديد والتعفن والدماء, لا أحد نظف المكان, لا أحد اقترب على ما يبدو, إلا هو.
كان آزارييل واقفاً في وسط الغرفة, ظهره لها, رأسه مائل قليلاً وكأنه يصغي لصوت لا يُسمع.. عيناه تحدقان في الجثة دون أن يرمش, ويداه متشابكتان خلف ظهره.
توقفت يوجين خلفه مباشرة.. لم تقل شيئاً, فقط حدقت به كما كان هو يحدق بالجثة غير منتبه لها.. ثم قالت بصوت واضح:
"هل أنتَ بخير؟"
حينها فقط, كأنه استيقظ من حلم ثقيل, شعر آزارييل أخيراً بوجودها خلفه.. استدار بهدوء دون عجلة, دون أن يغير تعبيره وكأن لا شيء قد فاجأه الآن.
يوجين كانت واقفة على بعد بضع خطوات منه, تحدق به بملامح حائرة لا تدري ما الذي يجب أن تقوله, أو كيف تتصرف أمام هذا الثبات الغريب في وجهه.
تأملها برهة بنظراته التي لا تُقرأ ثم انحنى قليلاً برأسه, وقال بنبرة هادئة, ناعمة تكاد تكون خافتة لكنها واضحة تماماً:
"نعم سيدتي.. أنا بخير."
كأنها هي من كانت تقلق عليه, أو كأن ظهوره في هذا المكان مع الجثة التي لم تُمسّ هو أمر لا يحتاج لأي تفسير..
ظلت تحدق به, للحظة بدت وكأنها تبحث في ملامحه عن أي إشارة.. عن أي سبب يدفعه للوقوف هنا مجدداً, لكن صمته جعل الأمر أكثر غرابة, وأكثر صعوبة على الاحتمال.
"هل الضحية... شخص تعرفه؟"
سألت يوجين هذا السؤال بتردد واضح وكأنها تخشى أن تضع يدها على جرح لم يلتئم بعد.. كانت نبرتها منخفضة تليق بسكون الغرفة الخانق, وبصوتها الذي بدا أقل ثقة مما أرادت.
كان المشهد أمامها لا يزال صادماً رغم مرور الوقت, الجثة على حالها والدم الجاف يرسم خطوطاً قاسية على الأرض الباردة.
آزارييل لم يجب مباشرة, اكتفى بالصمت لكن عينيه الناريتين ظلتا معلقتين على الجثة كأنهما تبحثان عن إجابة لم يكشف عنها بعد..
مرت لحظة بدا فيها أنه لن يرد, ثم قال أخيراً بصوت خافت ونبرة فقدت شيء من هدوئها السابق:
"كلا.. أنا هنا فقط لكي أفكر بها, سيدة العقول."
عندما قال ذلك كانت نبرته محملة بثقل غامض, كأن الاسم وحده يفتح أبواباً قديمة في ذاكرته أو ربما في قلبه.
فهمت يوجين تماماً ما الذي يعنيه.. كان يتحدث عن لورين آفادول, أومأت برأسها ببطء وكأنها تتفهم حتى وإن كانت لا تفعل.
كادت أن تسأله إن كان قد التقى بها ولو لمرة واحدة, إن كان قد رآها أو سمع صوتها أو حتى لمح ظلها من بعيد.. لكن قبل أن تنطق, قاطعها قائلاً بصوته الهادئ:
"إذاً.."
قال وهو يلتفت نحوها أخيراً ناظراً إلى وجهها مباشرة:
"ما الذي تفعلينه هنا؟ هل أنتِ بحاجة إلى شيء ما؟"
كانت كلماته مباشرة لكنها لم تكن قاسية, كان يسأل بفضول حذر كما لو أنه يحاول فهم سبب ظهورها المفاجئ في هذا المكان بالتحديد.. وفي هذا الوقت بالتحديد.
رمشت يوجين ببطء, كأن سؤال آزارييل قد أعادها إلى الواقع بعد لحظة من الضياع بين أفكارها وبين صدى هذه الغرفة التي تبدو كأنها لا تزال تحتفظ بأنفاس الموت.
للحظة لم تجبه, فقط كانت تراقبه بصمت, تراقب ملامحه التي انطفأت بعض الشيء وهو يحدق في الجثة دون أي انفعال ظاهر.
تقدمت خطوة صغيرة للأمام كأنها تخشى أن تطأ شيئاً غير مرئي على الأرض, ثم قالت بصوت خافت يحمل شيئاً من التردد:
"كنت أبحث عنك."
رفع آزارييل حاجبه بخفة دون أن يدير رأسه تماماً نحوها, بدا متفاجئاً أو على الأقل لم يتوقع هذه الإجابة.. مرت لحظة قصيرة قبل أن يجيب بنبرة محايدة:
"أجل؟.. ولماذا؟"
سحبت يوجين نفساً قصيراً وهي تحاول ترتيب ما ستقوله, لا تريد أن تبدو فضولية, ولا تريد أن تكشف عن كل ما في ذهنها.. لكنها في النهاية نطقت بما فكرت فيه منذ بداية صباحها هذا:
"أردت أن أسألك عن قبيلة مورينا."
هذه المرة التفت آزارييل نحوها بالكامل, عيناه ركزتا في ملامح وجهها يبحثان عن سبب خلف هذا السؤال.
بقي صامتاً لثوانٍ لكن نظرته وحدها كانت تحمل عشرات الأسئلة, ثم قال بصوت بطيء وكأنه يختبر نواياها:
"ولماذا قبيلة مورينا بالذات؟"
شعرت يوجين بحرارة خفيفة ترتفع إلى وجهها, وردت بسرعة بنبرة حاولت أن تجعلها طبيعية قدر الإمكان, وإن بدا أنها تدافع عن نفسها:
"مجرد فضول.. أريد أن أعرف المزيد عنهم, عن دورهم, ولماذا يبدون مختلفين عن بقية الحراس في القصر.."
ظل يحدق بها, وبدأت ابتسامة باهتة تتسلل إلى شفتيه, لا هي سخرية ولا هي رضا, بل شيء بينهما, وقال بنبرة أقل حياداً من قبل:
"غريب.. أنتِ لا تبدين من النوع الذي يهتم كثيراً بالقبائل القديمة أو أسرارهم."
أخفضت يوجين نظرها للحظة, ثم أعادت النظر إليه وكأنها تحاول إثبات العكس, أو ربما كانت تبحث عن طريقة أنسب لتقول ما تخفيه. لكن قبل أن تنطق بشيء آخر كان آزارييل قد أدار عينيه مجدداً نحو الجثة وصوته يأتي هذه المرة أبطأ.. كأن كلماته تستخرج من تحت طبقات الذاكرة:
"قبيلة مورينا.. ليست كما يظن الناس."
سكت, وبدت يوجين مترددة إن كان عليها سؤاله مباشرة أم تنتظر منه أن يكمل.. لكنها لم تضطر للانتظار طويلاً إذ تابع آزارييل بصوت بالكاد يسمع:
"أغلب الناس يظنونهم مجرد فرقة حراسة قديمة.. قبيلة انقرضت تقريباً, لا أحد يهتم بهم ولا أحد يتحدث عنهم.. لكنهم أعمق من ذلك بكثير."
نظر إليها حينها وكأنه قرر أن يمنحها جزءاً من السر, فقط لأن شيئاً في نظراتها أقنعه بأنها تستحق أن تسمع:
"هم لا ينتمون لأي عالم معروف أو مملكة معروفة, هم وُجِدوا قبل النظام هذا.. قبل أوسكزيرا وقبل أن يولد حتى من أسسها, هم أول من وُكّل بمهمة حراسة هذه الأراضي."
رفعت يوجين حاجبيها بدهشة خافتة, لكنها لم تقاطعه.. تابع وهو يعود بنظره للجثة:
"ولست متأكداً من هذا, لكن هنالك شائعات عن أنهم يحرسون السحر الذي لا يجب أن يعرفه أحد, المعلومات التي تكسر بها العوالم وتُفتح بها الأبواب التي لا يفترض فتحها."
هزت يوجين رأسها قليلاً, كأنها تحاول استيعاب ما قاله, ثم سألت بنبرة حذرة:
"وهل ما زالوا يفعلون ذلك..؟"
ابتسم آزارييل ابتسامة خفيفة ثم هز رأسه قليلاً وكأن الذكريات تتزاحم في عقله, وقال بصوته المعتاد:
"لستُ أعلم عنهم الكثير في الحقيقة.. فهم لا يظهرون في القصر إلا نادراً, وغالبًا ما يكونون في الغابات في الليل أو حين تصبح الأجواء ضبابية وممطرة, وكأنهم لا ينتمون لهذا العالم تماماً, وجودهم نفسه يشبه الطيف, لا ترى منه سوى أطرافه ولا تسمع منه إلا الصدى."
توقف لثوانٍ ؤابعد نظره عنها وكأنه كان يستمع لصوت داخلي لا تسمعه هي, ثم أعاد نظره إليها مجدداً, نظراته كانت مشتعلة كما لو أن النيران قد انعكست في عينيه, ثم أكمل كلامه بصوت أعمق وأكثر جدية:
"المكتبة, يوجين.. إن أردتِ أن تعرفي شيئاً دقيقاً عنهم فاذهبي هناك.. السجلات التي تحتفظ بها مكتبة أوسكزيرا تتضمن معلومات أكثر صدقاً ودقة من تلك التي أملكها.. بعض الكتب القديمة تتحدث عنهم بصيغ لم تعد تستعمل الآن, لكن إن فهمتها جيداً فقد تدركين من هم حقاً ولماذا ما زالوا بيننا حتى الآن."
سكت آزارييل مجدداً لثوانٍ كأنه يفكر فيما يجب أن يقوله تالياً, ثم وأخيراً أكمل كلامه:
"لكن كوني حذرة.."
قالها بصوت منخفض كأنما يثقله شيء لا يمكن أن يُقال..
"بعض الحقائق لا تملك القدرة على الرحيل بعد أن تدركيها, إنها ليست كبقية المعلومات التي تمر بكِ وتنتهي, بل تلتصق بكِ, تتسلل إلى أعماقكِ وتبدأ بالهمس لكِ كل ليلة, حتى لو تمنيتِ جهلها من جديد."
سادت لحظة صمت بينهما ثم أضاف بصوته العميق الذي ازدادت حدته قليلاً:
"وإن كنتِ تنوين الذهاب للقاءهم.. فأقترح أن تجهزي نفسكِ جيداً.. لا تسمحي لنفسك بالارتباك ولا تدعي المفاجأة تسيطر عليك, لأن ما قد ترينه هناك غالباً لن يكون مألوفاً, وما قد تسمعينه كذلك."
نظر بعيداً قليلاً ثم أردف بخفوت:
"قبيلة مورينا ليست كباقي القبائل يوجين, هم أكثر من مجرد حراس, وأكثر من مجرد أتباع, إنهم بقايا عهد قديم غارق في الظلال وقد تم مسح آثاره من هذا العهد تماماً, لكنه لا يزال ينبض بشيء نجهله نحن."
ظلت يوجين صامتة تحدق فيه بعينين لا تحملان سؤالاً هذه المرة, بل تأملاً صامتاً في كلماته, في صوته, وفي النار التي تسكن عينيه دون أن تحرقه.
شعرت لوهلة أنها تقف على حافة الهاوية لشيء لا يمكن العودة منه, لا بسبب مورينا فقط بل بسبب كل تلك الطرق التي بدأت تُفتح أمامها في هذا العالم الغريب, وبسبب كل الأجوبة التي لم تعد بريئة بتاتاً.
قالت له بهدوء وهي تستدير ببطء:
"شكراً لك آزارييل.. لا أعلم إن كنتَ قد ساعدتني أم زدت الأمر تعقيداً."
ابتسم ابتسامة خفيفة لا أثر للجنون فيها هذه المرة, فقط دفء خافت وهو يجيب:
"الحقيقة دائماً معقدة.. لكنها بداية جيدة بالنسبة لكِ سيدتي."
ثم وبينما كانت تخطو مبتعدة, شعرت أن الهواء خلفها ظل يراقبها, وأن الجثة لم تكن الشيء الوحيد الذي تُرك على حاله في تلك الغرفة.. بل بقي شيء آخر عالق في الصمت, بين سكون الجدران ونظرات آزارييل التي لم تودعها.
_______________________________________
~ TO BE COMPLETED..🖤☁️
Lorraine Aavadol