أحياناً, لا تملك الكلمات ما يكفي من المشاعر للتعبير عن ما في داخلك.. لكن فعل واحد قد يتمكن من التعبير عن كل ذلك بمثالية كبيرة.
"حفل؟؟!"
قال ليام هذه الكلمة بصوت مرتفع.. حاد كالسهم, كان يتمنى أنه لم يستمع للحديث جيداً.. أو أن الكلمة ذاتها لم تدخل أذنيه من الأساس..
لا تزال الدهشة مرسومة بوضوح على ملامحه, عيناه الزيتونيتان مفتوحتان على اتساعهما.. حاجباه البنيّان معقودان بطريقة تعبر عن مشاعره الآن.. مشاعر الصدمة والانزعاج.
طبعاً كلمته تلك كانت موجهة مباشرة نحو بيرسيفال الذي كان مرتاحاً أكثر مما ينبغي سواء في حديثه أو في طريقة جلوسه على عرشه الآن.. كأنه يملك كل شيء تحت سيطرته وسلطته.
المجنون كان يجلس على عرشه بكسل متعمد, وساقه اليمنى فوق اليسرى.. كأنما هو جالس في نزهة ربيعية لا في قاعة حكمٍ على حافة الحرب.
كان متكئاً على مسند عرشه بيده اليسرى التي تمسك بكأس نبيذ أحمر بلون الدم.. هذا النوع هو المفضل لديه, بسبب لونه بالطبع.. بينما يده اليمنى تتحرك برفق على شفتيه كما لو أنه يحاول كبت ابتسامة ظهرت دون إذنه.
عينيه السوداوين, رغم تلك الابتسامة العابثة, كانتا جامدتين تنظران لليام ببرود شديد مثل برود الجليد تماماً.. لا أثر للدفء فيهما ولا حتى ذرة انفعال..
هذا التناقض الغريب بين شحوب النظرات وسخرية الشفتين كان كافياً ليثير اعصاب أي أحد عدا بيرسيفال نفسه.. فهو يملك متعة خاصة في جعل الآخرين يتسائلون إن كان يضحك معهم أم عليهم.
كان يبدو وكأن العالم من حوله يسير ببطء.. تسربت ابتسامته برعونة من زوايا شفتيه رغماً عن كل شيء كما لو كانت تأبى الانصياع لأي مشاعر منطقية..
ثم قال بصوت هادئ يتناقض تماماً مع نبضات قلبه المتسارعة وأفكاره المتشابكة داخل رأسه حينها:
"لا أعلم لِمَ أنتَ متفاجئ من هذا.. يبدو أنكَ لا تزال طفلاً كما كنت ولم تتغير قط.. دائماً ما ترتبك من الأشياء عندما لا تسير حسب خططك.."
صمت قليلاً.. أخذ نفساً عميقاً ثم تابع بتهكم كأن صبره بدأ ينفذ:
"سأقوم بتوضيح الأمر لكَ فافهم جيداً واستمع جيداً.. كلامي هذا لن يقال مرتين."
نهض عن عرشه الإلهي وتقدم من ليام بخطوات ثابتة, بطيئة, متأنية.. لا أثر للارتباك عليه ولا آثار للشراب كأن كأس النبيذ كان مجرد اكسسوار بارد بين يديه يضيف لشخصيته وقاراً ساخراً..
سار باتجاهه إلى أن وصل وأصبح مقابلاً له وجهاً لوجه.. صار قريباً جداً لدرجة أنه يتمكن من رؤية ملامحه في عينيه الزيتونتين, ثم تابع قائلاً بصوت خافت حاد:
"نحن لسنا دعاة حرب يا ليام.. ولكن إن دقت بابنا فنحنُ أهلها."
اتسعت عينا ليام قليلاً, لم يتمالك نفسه من الشعور بالغضب, لكن حتى الغضب لم يكن كافياً لتفسير ما شعر به في تلك اللحظة..
لقد بدا له بيرسيفال وكأنه لا يفهم حجم ما يواجهونه, أو الأسوأ.. هو يفهمه جيداً لكنه لا يهتم..
"بيرسيفال.. هذه ليست مناورة تدريبية, نحن لا نواجه قطاع طرق, إنها لورين.. هل نسيت؟!"
صوته كان منخفضاً في بدايته, لكنه سرعان ما ارتفع مع انفعاله, وكأن الأمل في إيقاظ هذا الرجل من هدوئه اللامبالي بدأ يتلاشى..
أما بيرسيفال فابتسم كعادته, تلك الابتسامة المزعجة التي لا أحد يعرف معناها.. ثم أدار رأسه نحو عرشه الأسود يتأمله وقال:
"بالطبع لم أنسَ... من ينسى الأميرة التي أيقظت الحجر من سباته؟"
ضحك بخفة, ثم أضاف:
"لكن يا ليام إن كنت ستقاتل وأنت غارق في الرعب, فأنا أفضل أن أقاتل وأنا غارق في المتعة."
ثم اقترب منه مجدداً وهمس بطريقة ساخرة:
"القلق لن ينقذك منها.. لكن على الأقل لو قتلتك, فستبدو وسيماً في جنازتك وأنت تبتسم.."
وتراجع بخطوة إلى الخلف وهو يشرب من كأسه مجدداً, ثم أدار ظهره مواصلاً طريقه عبر القاعة, كأن كلام ليام كله لم يكن سوى مشهد استعراضي مكتوب يتقنه منذ مئات السنين.
تجمّد ليام في مكانه للحظات, يراقب ظهر بيرسيفال وهو يبتعد.. كانت كلمات الأخير تتردد في رأسه بإيقاع مكرر, ليس لأنها منطقية بل لأنها صادمة بما يكفي لتجعله يتساءل: هل هذا الرجل يعرف شيئًا لا يعرفه أحد؟
لم يتسائل لو كان قد فقد عقله لأنه متأكد أن هذا حدث منذ وقت طويل.. أحكم قبضته على يده ببطء, وتقدّم خطوة ثم قال بصوت خافت لكنه مشحون بمشاعر مختلطة ببعضها:
"هل تعتقد أن الابتسام سيفيدك حين تُسحب أرض أوسكزيرا من تحت قدميك؟"
لم يتوقف بيرسيفال, بل رفع يده اليمنى وأشار بإصبعه للخلف دون أن ينظر لليام, كأنه يودعه:
"وهل تعتقد أنني سأسمح لها أن تفعل ذلك؟.. هل تحاول السخرية مني الآن يا صغير؟"
هنا شعر ليام بشيء غريب كأنه رأى لمحة من الماضي في كلام بيرسيفال وصوته.. يعلم أنه كان شخصاً مستعدًا لحرق كل شيء من أجل من يحبهم..
لكنه الآن؟.. يبدو وكأنه يحترق ببطء ويضحك على لهب نفسه.. تنهد ليام وتمتم بصوت لا يسمعه سواه:
"هذا الرجل.. إما أنه أذكى مما نتوقع أو أكثر جنونًا مما نحتمل."
حدّق ليام في ظهر بيرسيفال وهو يعود إلى عرشه وكأن كلماته الأخيرة تركت أثراً يتردد داخل صدره.. شعر بحرارة تتسلل إلى وجهه, لكنها لم تكن خجلاً أو غضباً بل شيء آخر.. مزيج غريب بين الرغبة في الفهم والرغبة في كسر عنق الرجل الذي أمامه.
لكنه يعلم أنه لا يستطيع فعل ذلك, وبالتالي صمت وترك هذه الفكرة لنفسه..
"أنت مجنون.." قالها أخيراً بنبرة منخفضة لكنها كانت واضحة كالسيف المجرَّب..
توقف بيرسيفال عن السير لوهلة ثم استدار جزئياً ليقول بابتسامة جانبية:
"وغالباً المجانين وحدهم من ينجون, أليس كذلك؟"
اقترب ليام خطوتين للأمام, نظر إلى عينيه السوداوين مباشرة, متحدياً ذلك البرود الذي يغطيهما.. نبرته أصبحت أكثر صرامة:
"إن كنتَ تظن أنك تستطيع تحمّل ما سيأتي, فأنتَ لا تعرف ما يعني أن تواجه عقلاً مثل عقلها.."
رد بيرسيفال بسخرية فاضحة هذه المرة وأشار بكأس النبيذ في يده كأنها سيف مقلوب:
"بل أنا من يعرف, ليام.. أنتَ مَن لا يعرف.. كنتَ صغيراً حينها وهي أيضاً لم تكن مشكلة كما هي الآن.. أما أنا فكنتُ الرجل الذي أرسلها إلى الجحيم.. وأغلق الباب خلفها."
تسمرت قدما ليام في مكانه, اتسعت عيناه قليلاً لكنه لم ينطق بشيء.. بقي يحدق فيه والقلق يتسلل إلى قسمات وجهه ببطء.. أكمل بيرسيفال ببطء وهو يعيد الكأس إلى يده اليسرى:
"سوف أقاتلها.. نعم, وسأفعل ذلك وأنا أضحك, لأن هذه المرة لن أسمح لها بالخروج منه.."
ثم جلس مجدداً على عرشه وكأن الحوار انتهى.. كأن لا شيء قد قيل.. وكأن الدم الذي تسرب من كلماته لم يكن سوى نبيذ آخر أو مسرحية أخرى.
لم يقل ليام شيئًا وبقي واقفاً في مكانه لثوانٍ, ثم أشاح بوجهه بصمت.. خطواته الأولى نحو باب القاعة كانت ثقيلة كأن الأرض تمسك بقدميه تحاول منعه من الرحيل.. لكن قلبه كان أكثر وضوحاً من أي وقت مضى.. هو لا يستطيع البقاء هنا أكثر..
فتح الباب الكبير ببطء, وصوت المفاصل المعدنية للباب دوى في أرجاء القاعة المليئة بالصمت المريب.. لم يلتفت خلفه ولم ينظر حتى إلى بيرسيفال الذي تابع شرب كأسه, مستمتعاً بنبيذه كما لو أن لا حرب تنتظره على الأبواب.
خرج ليام من القاعة وسرعان ما أغلق الباب خلفه.. وقف لثوانٍ يحدق في الجدار المقابل له, تنفس بعمق وأخفض رأسه قليلًا, كأنما يحاول أن يبتلع تلك المحادثة كلها دفعة واحدة.
"مجنون.." همس لنفسه ثم ابتسم بخفة دون أن يشعر.. لا يستطيع أن ينكر أنه مجنون مثله تماماً.. وهو يتوق للحرب ضد تلك الأميرة..
تابع سيره عبر الممرات الواسعة للقصر, يده ترتفع لتفك زرَّاً صغيراً من ياقة قميصه الأبيض, وكأن صدره بحاجة لهواء أكثر, هو بحاجة للكثير.. هو بحاجة لخطة.
ليس لأنه لا يثق ببيرسيفال, بل لأنه يعلم جيداً.. إن لم يتحرك معه بسرعة فسينتهي به المطاف وسط حفل دموي لا أحد سيخرج منه حيًا..
تابع ليام سيره وخطواته واثقة كعادته لكن نظراته كانت مشغولة بمن حوله أكثر من وجهته.. في كل مرة يمرّ بها بجانب خادم أو جندي ينحني أحدهم برأسه باحترام, وبعضهم يضع يده على صدره كما تقتضي البروتوكولات.. لكنه لم يرد التحية ولم ينظر إليهم حتى.
عينيه تجوّلت بسرعة لينظر في وجوههم.. ثم انخفضت للأرض بضيق ظاهر في ملامح وجهه.. هو يكره هذا.. يكره تلك الانحناءات, النظرات, الهمسات التي تتبعه حيثما ذهب..
هو لا يرى نفسه شيئاً مميزاً, وإن رأوه هم كذلك فهو لا يهتم.. لا يحب أن يكون مركز الأنظار ولا أن يُعامل وكأنه يحمل الإجابات لكل شيء.. هو مثلهم تماماً, يتبع الأوامر فقط.
رفع يده بخفة يمررها في شعره وقد زاد توتره.. يشعر بأن الجدران تراقبه, بأن العيون من خلف الأبواب تتابع كل حركة يقوم بها وربما تنتظر منه شيئًا..
لكن ماذا يفترض به أن يفعل؟
هو لا يملك الخطة, لا يملك سلاحاً سرياً, ولا حتى إجابات جاهزة, هو فقط يسير.. يسير نحو المجهول وينتظر الأوامر كما اعتاد دائماً..
_______________________________________
كالسيفار.. هذا هو إسمه.
جلست يوجين على الأرض, وقد ضمت ركبتيها إلى صدرها بينما كانت تحدق في ذلك المخلوق الصغير الذي يتربع على حجرها وكأنه مَلِك على عرش من نور..
لم تستوعب بعد كيف تحوّل الحجر الإلهي الذي تحمله معها والذي لطالما شعرت برهبته, إلى مجرّد مقعد لهذا الكائن الغريب الذي لا يتعدى طوله شبرين.
كانت تنظر له بشك ودهشة بينما هو يأكل بمرح.. يمضغ الحلوى التي أحضرتها له من القصر.. أو بالاحرى سرقتها من القصر.. تسللت إلى المطبخ في غفلة من الجميع وسرقت الحلوى..
"سرقة حلوى.." همست لنفسها بغيظ..
"هل هذا ما أصبحت عليه؟"
ما زالت لا تصدق.. هي سليلة النبلاء الذين يملكون حجر المياه.. سارقة حلوى؟.. لم تفعل ذلك يوماً حتى في طفولتها, لكن هذا المخلوق أصر على أنه لن يقول شيئاً قبل أن يأكل شيئاً..
"يوقظ دماغه" على حد تعبيره.
تنهدت وهي تراقبه يُسقِط السكر من أطراف أصابعه, ويمسح شفتيه بكفه الصغير ثم ينظر لها فجأة بعينين واسعتين قائلاً:
"هل عندكم كعك؟.. الكعك يجعلني أتحدث أكثر."
شهقت, ثم وضعت يدها على وجهها في يأس..
"بجدية لا تقل إنك لن تقول شيئاً الآن لأنك تحتاج كعك!" قالتها بنبرة محبطة وهي تحدّق فيه كأنها تنظر إلى كارثة صغيرة الحجم..
"لكنني جائع!!"
صرخ كالسيفار بصوته الحاد وكأن الجوع أمر لا يُحتمل في عالمه الصغير, وكأنها ارتكبت جريمة كونية بعدم إطعامه أولاً..
كانت عيناه الصغيرتان تتوهجان بالغيظ وشفتيه مضمومتين بطريقة مبالغ فيها كأنه طفل في الخامسة من عمره حُرم من لعبته المفضلة.
يوجين, من جهتها, لم تستطع إخفاء صدمتها من وقاحته تلك.. هل هذا هو الكائن الذي خرج من حجرها المقدس؟.. هذا المخلوق الصغير المتوهج الذي أرهقها بكل هذا العناء هو نفسه الذي يصرخ عليها الآن من أجل قطعة حلوى؟!
زفرت من أنفها بضيق, عقدت ذراعيها على صدرها ونظرت له بعينين نصف مغمضتين تحملان من التحذير أكثر مما تحمله الكلمات.. ثم قالت بطريقة صارمة حاسمة لا تقبل الجدل:
"سأحضره لك بعد أن تتحدث وتخبرني بما تعرفه."
نطقتها ببطء وكأنها توجه له تهديداً صريحاً.. صوتها كان هادئاً لكنه أشد وقعاً من الصراخ, نبرة امرأة لا تخشى شيئاً ولا تنوي أن تخضع لمزاج طفل سماوي مدلل.. كأنها قالت له بوضوح: "جرّب أن تعاندني فقط جرّب لكي أصفعك الآن!!"
حدّق بها كالسيفار للحظات فاغر الفم, وكأنها تجرأت على ارتكاب جريمة لا تُغتفر بحقه, رفرف بجناحيه الصغيرين من الغيظ وهو يضع يديه على خصره, ثم قال بنبرة طفولية فيها الكثير من التهديد المصطنع:
"أنتِ تساومين مخلوقاً سماوياً على قطعة كعك؟!.. هل تدركين حجم خطيئتك؟!"
رفعت يوجين حاجبها باستهزاء وهي تعقد ذراعيها ثم قالت له بتهديد:
"نعم, وأدرك أيضاً أنني سآخذك وأرميك في أقرب نهر إن لم تتحدث."
شهق مرة أخرى ولكنها شهقة درامية جداً كأنما يمثل في مسرحية عظيمة, لكن المبالغة في التمثيل جعلت معرفة أنه يمثل سهلة جداً.. لكنه قفز على قدميه فوق حجرها وقال بصوت مرتفع:
"أوه, أيُّ زمن هذا الذي تُهدَّد فيه الأرواح العظيمة لمجرد قطعة كعك!"
"كالسيفار."
قطعت عليه نوبته التمثيلية بنبرة حادة ثم تابعت:
"تحدث."
زمّ شفتيه ثم جلس من جديد وكأن روحه قد سُحقت تحت ثقل الحياة, قال بصوت خافت وهو يلوح برجليه:
"حسناً حسناً.. سأخبرك, لكن فقط لأنني أشعر بالشفقة عليكِ, وليس لأنك أمرتِني أو لأنني خائف منكِ.."
تمتمت يوجين وهي تحاول أن تمثل أنها صدقت كلامه:
"أوه، طبعاً.."
ثم أخذت نفساً عميقاً تنتظر ما سيقوله, بينما هو مسح فمه بيديه مرة أخرى واستعد ليبدأ الحديث وأخيراً..
لكنه عند ذلك توقف فجأة, وكأن فكرة ما ضربت رأسه الصغير وأعادته إلى رشده.. تجمد في مكانه لوهلة, عيناه اللامعتان تحدقان في لا شيء وكأنه يعيد ترتيب ذاكرته أو يتأكد من أمر ما داخل عقله المتوهج.
يوجين, التي كانت تراقبه بصبرٍ بدأ ينفد, رفعت حاجبها الأيسر بتساؤل واضح.. أسندت يدها إلى خاصرتها وبدأت تنقر بأصابعها على ذراعها في حركة لا إرادية تدل على نفاد الصبر, ثم انحنت قليلًا نحوه بحدة وقالت وقد ارتفع صوتها فجأة:
"إذاً؟!.. مالذي تنتظره بالضبط؟!"
رمشت بعينيها بحدة تحاول كتم الإحباط المتصاعد داخلها, لكنها لم تعد تطيق هذا التردد.. أما هو فهزّ رأسه بارتباك ثم رفع يده الصغيرة بإيماءة مبالغ بها وقال:
"مهلاً مهلاً!.. ماذا؟!.. أنتِ التي عليكِ أولاً أن تخبريني ما الذي تريدين معرفته تحديداً!"
قالها وهو يشير إليها بأصبعه الصغير وكأنه يُلقي عليها اللوم, ثم شبك يديه أمام صدره الصغير بنوع من التحدي, محاولًا الظهور بمظهر الجادّ والخبير رغم حجمه الذي لا يتجاوز كف يدها.
لم تصدق يوجين ما يتفوه به بهذا الأسلوب الساخر والوقح.. ألم يكن قبل دقائق قليلة يصر على أنه خادمها وسيدته؟ أين ذهب كل ذاك الاحترام.. بل هل كان موجوداً أصلاً أم أنه مجرد ادعاء؟
زفرت بعمق محاولة كبح الغيظ الذي بدأ يتصاعد في صدرها ثم تجاهلت تعليقاته السخيفة مؤقتًا وبدأت تحاول التركيز على ما يمكن أن تفهمه منه الآن.. حتى هذه اللحظة هي لم تعرف عنه سوى اسمه وأنه خرج من حجرها بطريقة خرافية لم تفهمها بعد.
بعد لحظة صمت طويلة, وكأنها تعيد ترتيب أفكارها, سألته أخيراً بنبرة ثابتة:
"إذاً... أين كنت؟"
رمقها المخلوق بنظرة ساخرة وقال بصوته المرتفع المعتاد:
"ما هذا السؤال الغبي؟!.. في حجركِ طبعاً!"
تشنجت ملامحها وهي تحاول كبح رغبتها في صفعه, ثم قالت بحدة واضحة:
"هل يمكنك أن تجيب بلا لف أو دوران؟!.. أجب ككائن عاقل مرة واحدة!"
رمش ببطء وكأنه يزن كلماته هذه المرة ثم قال ببطء:
"...كنت في حجر المياه."
عبست يوجين وهمهمت بضيق بعد سماع جوابه.. بدا أنه يحاول أن يكون أكثر تهذيباً معها أو على الأقل أقل تهوراً في نبرته.. التزمت الصمت للحظة ثم تابعت بأسئلة متتالية تحمل قدراً من الجدية:
"وهل لحجري مكان بداخله؟.. أقصد, هل به مساحة أو عالم لتسكن فيه؟"
هز كتفيه الصغيرتين قائلاً:
"كلا.. لا يوجد شيء من هذا القبيل, لا غرف ولا أسرّة مريحة ولا نوافذ مطلة على الحقول, فقط.. طاقة, وأنا لم أكن أسكنه بل ربطت نفسي به.. ربطت روحي كاملة بداخله."
"وهل هذا شيء طبيعي؟.. أن يقوم كائن حي بربط نفسه وروحه بحجر إلهي؟"
نظر إليها بنصف ابتسامة وقال:
"ليس طبيعياً لكنه ممكن إن كنت تعرف كيف.. وأنا أعرف."
صمتت قليلاً ثم قالت, وهذه المرة بدا في صوتها شيء من الفضول الحقيقي:
"كم من الوقت مر منذ فعلت ذلك؟"
ارتفع حاجباه الصغيران وهو يحك رأسه وكأنه يحاول التذكر, ثم قال:
"صعب أن أكون دقيقاً.. لا يوجد تقويم داخل الأحجار لأنه مكان مغلق بالكامل كما تعلمين.. لكن بالتقريب ربما ألف؟.. أو ألفين؟ لا أعلم حقاً لأن الوقت هناك لا يُحسب كما هو عليه هنا."
فتحت فمها لترد.. لكنها لم تجد الكلمات فورًا, فقط بقيت تحدق به والدهشة قد بدأت تتسرب مجددًا إلى ملامحها.. مرت ثوانٍ حتى سألته بفضول:
"كيف ربطت نفسك بالحجر؟"
سألت يوجين وهي تميل برأسها قليلاً إلى الجانب, تحدق فيه بنظرة حذرة ففكرة أن مخلوقاً كهذا قد ارتبط بحجرٍ إلهي لقرون طويلة ما تزال تفوق قدرتها على الفهم..
رد عليها فوراً وكأنه كان ينتظر هذا السؤال تحديدًا, وقال بحماس:
"عن طريق السحر بالطبع..!"
قالها بابتسامة عريضة بدت هذه المرة صادقة ونابعة من قلبه الصغير وكأن الحديث عن الأمر يملؤه بالفخر والاعتزاز, بل وكأنه أنجز أعظم مهمة في حياته ولا يمل من تكرارها..
رفع صدره للأمام متباهياً ثم أضاف وهو يلوح بذراعيه النحيلتين:
"وليس أي سحر بل تعاويذ قديمة للغاية لا يعرفها سوى القلّة.. تعلمتها من أشخاص أعظم مني بكثير, عاشوا في مملكة آروماس القديمة.. لقد كان الأمر صعباً وخطيراً حتى كدتُ أن أفقد روحي تمامًا.. لكنني نجحت في النهاية وها أنا ذ, في خدمة أصحاب هذا الحجر للأبد!"
كان يتحدث بحماسة تفوق حجمه وكأن ماضيه مليء بالمغامرات التي لا تُصدق.. أما يوجين فكانت تنظر إليه بصمت بين الفضول والريبة, تفكر في أن هذا الكائن قد لا يكون بسيطًا كما يبدو إطلاقًا.. مرت لحظات أخرى ثم طرحت عليه سؤالاً جديداً:
"هل أولئك الـ'أشخاص'... هم نيموريا وأناس معها؟"
قالتها يوجين بتردد تحاول أن تربط الخيوط المتناثرة في عقلها, فقد ذكر هذا الكائن قبل دقائق اسم نيموريا وأنها المؤسسة.. والآن ستحاول أن تعرف من هي.
فور سماعه للاسم, انتفض كالسيفار الصغير بحماسة مفرطة, وقفز على قدميه فوق حجرها وهو يصيح:
"نعم نعم!.. نيموريا هي من علمتني كل شيء!!"
كان صوته مليئاً بالفخر كأنه يتحدث عن معلم عظيم أو أسطورة خيالية, وعيناه الواسعتان تعكسان إعجاباً كبيراً وحنين للماضي.. راح يدور فوق الحجر الصغير بخطوات سريعة:
"لقد كانت قوية وجميلة وذكية بشكل لا يوصف!.. لم يكن أحد في العالم يضاهيها حتى أنني كنت أتشرف فقط بالجلوس أمامها وهي ترسم رموز السحر في الهواء.."
ثم توقف فجأة كأنه تذكر شيئًا.. تنهد ببطء وجلس مجدداً متقاطع الساقين قائلاً بنبرة خافتة:
"لكنها ماتت ذات يوم دون أي وداع... تماماً كما فعل الآخرون معها.. وتركت خلفها هذا الحجر."
"ولذلك أنت... ربطت نفسك بالحجر؟"
قالت يوجين كلماتها ببطء تحاول أن تخفي مشاعر الغرابة التي تتصاعد في صدرها, فالأمر بدا لها أكثر من مجرد ولاء أو ارتباط سحري.
رفع المخلوق الصغير رأسه نحوها وعيناه تشعان بوميض من الحزن والإصرار.. ثم أجاب بصوت هادئ لكنه مليء بالدفء:
"أجل... فهو آخر ما تبقى من سيدتي."
كان في نبرته شيء غريب.. شيء يشبه ذلك الشعور الذي ينتابك عند رؤية صورة قديمة لمن تحب بعد مرور زمن طويل.. ثم تابع كالسيفار بصوت منخفض:
"هي لم تكن فقط معلمتي.. بل كانت عالمي كله.. الحجر هذا يحتوي على جزء من سحرها.. ومن روحها.."
سكت قليلاً ثم أضاف وهو يحدق في فراغ بعيد:
"كنت أنتظر طويلاً أن يظهر أحد يستحق أن أحكي له عنها."
رمشت يوجين ببطء وقد شعرت ببرودة خفيفة تسري في أطرافها.. لم تكن تتوقع أن تقودها مجرد صدفة كهذه إلى خيط من الماضي بهذا القدر من العمق..
صمتت ولم تتحدث لثوانٍ طويلة وعيناها تراقب ملامحه الصغيرة المتعبة تلك التي حاول أن يخفي بها حزنه بعد أن كان يطير من الحماسة والفرح..
كانت كلماته قد تركت أثراً غريباً في نفسها كأنها أيقظت شيئًا ما كانت تجهل وجوده.. ثم قالت له بهدوء ونبرتها هذه المرة خفيفة كأنها نُسِجَت من النسيم:
"حسناً... هذا قدر كافٍ من الأسئلة لليوم.."
ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تتابع:
"ما رأيك أن ندخل القصر؟.. الجو بدأ يبرد هنا وأنت لا تبدو معتاداً على الجلوس فوق الأحجار هكذا.."
رفع رأسه نحوها وقد بدا على وجهه ملامح خفيفة من المفاجأة, لكن سرعان ما بدت على شفتيه ابتسامة واسعة وكأنه أحب فكرة العودة إلى مكان دافئ أخيرًا..
"أخيراً تفكرين بعقلك!"
قالها وهو يقفز من فوق الحجر يهبط بخفة على كتفها الأيسر ثم أضاف بصوته الصغير المتحمس:
"لكنني ما زلت جائعاً.. وسأعتبر هذا وعداً بمزيد من الحلوى!"
أومأت يوجين برأسها وضحكت بخفة.. ضحكة قصيرة لكنها صادقة, لم تستطع كبحها رغم كل ما حدث..
نهضت عن الأرض بهدوء تربت على سروالها الأحمر لتزيل ما علق به من تراب وعشب.. ثم انحنت لالتقاط رمحها وحجرها الذي بدا ساكناً هادئاً الآن..
كان ذلك مفاجئاً.. بل غير متوقع على الإطلاق, لم تتوقع أن حجرها سيحتوي كائناً صغيراً سليط اللسان, لكن لطيف بطريقةٍ غريبة..
ابتسمت وهي تنظر له يمدد قدميه ليرتاح فوق كتفها.. ثم رفرف بجناحيه ليطير أمامها وكأنه يعرف طريق العودة جيداً.. وكأنه لم يكن نائماً داخل حجر منذ مئات أو آلاف السنين.
حسناً.. على الأقل لم تشعر بالملل هذه المرة.. ليس وهي تتشاجر وتتحاور مع هذا الكائن المزعج بطريقة, والمسلي بطريقة أخرى.
_______________________________________
اتكأت فيرينا على طرف الأريكة وكأن جسدها يئن من ثقل الأفكار في رأسها.. بدت ملامحها شاحبة وعيناها غارقتان في الفراغ الذي أمامها, بينما راحت تحدق في سقف الغرفة بنظرات شاردة كأنها تبحث فيه عن إجابة لا يملكها أحد..
قربها جلس ليام صامتًا ساكناً كتمثال يحدق في بلاط الأرضية بنظرة خاوية.. لا تفكير.. لا استيعاب, فقط صمت ثقيل يحتل المكان.
كانا كمن استيقظ لتوه من حلم غريب... حلم لم يعرفا إن كان ينبغي الضحك عليه أم البكاء بمرارة.. ملامحهما بدت كما لو أنهما أنهيا معركة خاسرة.. أو سمعا نكتة مأساوية لا طعم لها..
تنهدت فيرينا بصوت بالكاد يُسمع, صوت خرج من أعماق صدرها, من رئة تعبت من التفكير.. ثم التفتت ببطء نحو ليام وهمست بصوت مبحوح كأنها تخشى أن يسمعها الهواء:
"أريد أن أعرف ما الذي يدور في رأسه.."
تحرك ليام أخيراً, رمش ببطء ثم أجاب وهو لا يزال ينظر إلى الأرض:
"لا أختلف عنك الآن."
"هل فقد عقله؟"
"فقده منذ زمن طويل يا عزيزتي..."
قالها بنبرة جافة وكأنه يذكر حقيقة لطالما عرفها لكنه لم يجد الوقت المناسب ليعترف بها.. سكتت فيرينا قليلاً قبل أن تهز رأسها ببطء وتقول:
"أعني, الوضع أسوأ بكثير الآن.. هناك توتر في كل زاوية من أوسكزيرا.. الحرس والسحرة في حالة طوارئ, والغرباء يتحركون في الخفاء.. من الذي يفكر بإقامة حفل وسط كل هذه الفوضى؟!"
أدار ليام رأسه نحوها أخيراً ونظرة عينيه الزيتونيتين كانت فارغة من الأمل, لكنها مشبعة بسخرية مرة.. ثم قال بهدوء قاتل:
"بيرسيفال.. بكل بساطة."
ساد الصمت مجدداً وكأن اسم بيرسيفال نفسه كان كافياً لينهي أي نقاش.. فيرينا عضّت شفتها السفلى بتوتر وشعرت بقشعريرة تمر في عمودها الفقري, ليس من الخوف.. بل من تلك الغرابة التي أصبحت تملأ القصر منذ أيام..
الأمور لم تعد على ما يرام وهناك شيء خفي.. شيء لا يُقال.. يُحفر بين الجدران, في نظرات الحراس, في نبرات الخدم, في ضحكات بيرسيفال التي لم تعد تُطمئن أحداً..
سألت فيرينا كعادتها بنبرة نصفها شك ونصفها الآخر استهزاء خفي:
"هل يريد استدراجها مثلاً؟.. لأنني واثقة أنها ليست طفلة يمكن خداعها بشيء كهذا.."
كانت كلماتها تعبر عن السخرية لكن عيناها حملتا قلقاً خفياً, قلقاً لم ترغب في الاعتراف به لا أمام ليام ولا حتى أمام نفسها.
وبالطبع لم تكن بحاجة لذكر اسمها فليام فهم فوراً من تقصد, لورين آفادول.. الاسم الذي أصبح يُهمس به في أروقة القصر أكثر مما ينبغي.. الاسم الذي يحمل معه مزيجاً من الفضول والخوف والتساؤلات التي لم تجد إجابة بعد.
سكت ليام للحظة وكأنه يعيد التفكير في كل شيء من البداية.. ثم قال بصوت خافت لكنه حازم:
"لا أظنه يسعى لخداعها, لكنه يحاول فعل شيء آخر.. شيء لا نفهمه بعد."
رفعت فيرينا حاجباً واحداً وقالت:
"إذاً فهو يلعب لعبة أكبر منا جميعاً.."
ابتسم ليام بسخرية خفية وقال:
"كعادته تماماً."
ساد صمت ثقيل لثوانٍ حيث لم يتبادلا خلاله أي كلمات, فقط نظرات متقطعة كلما تحرك ظل خافت فوق جدران الغرفة بفعل نيران الشموع حولهما.
فيرينا كانت تفرك أصابعها ببطء فوق ذراع الأريكة, بينما ليام لا يزال يحدق في الأرض كأنها ستمنحه أجوبة لم ينطق بها أحد بعد.
ثم قطعت فيرينا الصمت بنبرة أكثر جدية وبصوت منخفض مجدداً.. كأنها تخشى أن يسمعها أحد:
"أتعلم يا ليام.. أحياناً أشعر أن بيرسيفال لا يخطو خطوة إلا إذا كانت النهاية قد كُتبت مسبقاً في رأسه."
أومأ ليام بهدوء وقال:
"هذا ما يخيفني بالضبط.."
"ماذا لو لم تسر الأمور كما خطط لها هو؟"
نظر إليها مطولًا هذه المرة، بعينين فيها شيء من المرارة، وقال:
"سألته عن هذا مراراً.. لكنه لا يجيب على الأسئلة بل يسخر منك وينصرف.."
تنهدت فيرينا ثم مالت برأسها إلى الخلف مجدداً تنظر إلى السقف كأنها تبحث فيه عن أي إشارة أو جواب.. ثم قالت بصوت متردد:
"إذاً علينا الاستعداد إذا كانت لورين فعلاً ستأتي إلى الحفل.."
أومأ ليام ببطء هذه المرة ثم أجابها بنبرة خافتة تتراوح ما بين القلق والحذر:
"لورين.. هي ليست كأي شخص آخر.. إن قررت أن تأتي فستكون لها غاية وغاية واحدة فقط."
"الانتقام؟"
هز رأسه ثم قال وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
"لو كانت تريد الانتقام فقط لفعلت منذ زمن.. هي لم تختفِ لخمسمئة عام لتعود وتسكب غضبها في قاعة مليئة بالشموع والموسيقى.. لا أظنها ستفعل هذا."
نظرت إليه فيرينا مطولاً ثم قالت:
"إذاً ما الذي تظنه؟"
أجابها بصوت أشبه بالهمس:
" تنتظر الأمان لتفعل ما لن يتوقعه أحد.."
نظرت فيرينا إلى ليام بشيء من الاستغراب ثم قالت بنبرة مرتابة:
"هل تظن أن بيرسيفال يعلم ذلك؟.. هل يظن أنها ستأتي ومعها تلك الرغبة؟"
ابتسم ليام ابتسامة باهتة وقال:
"بيرسيفال لا يجهل أحداً ولا يستبعد أحداً.. لكنه مغرور بما فيه الكفاية ليتصور أنه سيتحكم بالمشهد حتى النهاية.."
صمتا مجدداً كل منهما غارق في دوامة أفكاره.. يحدقان في جهات متباعدة وكأن كلاً منهما يبحث عن مخرج مختلف من هذا الصمت المثقل بالاحتمالات والمخاوف..
ليام كان لا يزال يراقب أرض الغرفة بينما فيرينا بدأت تتابع حركة الستائر التي تتحرك بفعل تيار هواء قادم من الخارج.
ثم وبنبرة حاولت أن تبدو ساخرة لكنها لم تُخفِ ضجرها الحقيقي, قطعت فيرينا الصمت مجدداً قائلة:
"هذه المواضيع حقاً كئيبة وبائسة.. أشعر وكأننا نعيش في فصل ختامي لا ينتهي لقصةٍ ما."
رفعت نظرها نحوه وهي تتابع:
"علينا أن نغير اهتماماتنا في هذه الفترة... ربما نزرع حديقة؟.. أو نكتب شعراً؟ أو حتى نذهب للتدريب مع يوجين؟.. أي شيء سوى الجلوس هنا والتفكير في حفل قد ينفجر في وجوهنا!"
نظر إليها ليام بطرف عينه.. ابتسم ابتسامة صغيرة ثم قال:
"جميل... لكني أظن أن الحديقة ستذبل من أول أسبوع بسبب هذه الأجواء البائسة.. والشعر سيغدو رثاءً لنا نحن.. أما التدريب... ربما يمكن أن نجربه لعلّ تلك الفتاة ستغير الأجواء قليلاً."
ضحكت فيرينا بخفة لأول مرة منذ بداية حديثهما ثم قالت:
"على الأقل حاولت أن أبدو إيجابية.. ويبدو أنني وجدت نشاطاً ممتعاً."
"وأنا حاولت أن أبدو واقعياً ونجحت كالعادة."
رد عليها بذلك وهو يعود لينظر أمامه بصمت مجدداً, لكن هذه المرة لم يكن الصمت ثقيلاً كما كان سابقاً.. بل كان أشبه ببقعة راحة مؤقتة وسط فوضى أفكار لم تجد طريقها بعد.
تبادل كلاهما تلك النظرة العابرة التي لا تحتاج إلى كلمات.. ثم عادت فيرينا تسند رأسها للخلف على الأريكة تغمض عينيها وكأنها تحاول حفظ هذه اللحظة التي تحتوي على السكون وسط ضجيج الأيام القادمة..
ثم قالت بصوت ناعم بالكاد يُسمع:
"أتمنى فقط ألا ننسى أنفسنا وسط كل هذا."
رفع ليام حاجبه قليلاً, استغرب العبارة لكنه فهم مقصدها فأجاب دون تردد:
"إذا حدث ذلك.. فقط ذكريني من أكون."
فتحت عينيها ونظرت إليه دون أن تحرك رأسها, كانت ابتسامتها هذه المرة صادقة تماماً لكنها لم تدم طويلاً.. إذ تسللت الظلال مرة أخرى إلى وجهيهما حين دوى في الأفق صوت قرع طبول خافت قادم من الجهة الشرقية للقصر معلناً عن وقت الغروب.
قالت فيرينا بنبرة متحمسة بعد صمت قصير وهي تنهض ببطء:
"حسناً.. حديقتنا المؤجلة تنتظر وكذلك التدريب.. لا أريد أن أبدو كسولة أمام يوجين..!"
ابتسم ليام ونهض هو الآخر, ثم قال بنبرة مرحة تخفي خلفها القلق المعتاد:
"وأنا لا أريد أن أموت متيبس العضلات."
غادرا الغرفة سوياً لا يعرفان إلى أين ستقودهما الأيام.. لكن على الأقل كانا معاً في ذات الصفحة من الكتاب ولو لحين..
خرجا من الغرفة معاً بخطوات بطيئة لكنها ثابتة.. يسير كل منهما بجانب الآخر وكأنهما يحملان على أكتافهما ذات الحِمل وذات الأسئلة التي لا يجيب عنها أحد.
كان ممر القصر هادئاً مضاءً بشموع متوزعة على الجدران كأنها تتنفس ببطء مع كل لحظة تمر وكل فكرة لم تُقال..
قالت فيرينا فجأة وهي تتأمل السجاد الطويل تحتهما:
"أحياناً أشعر أننا مجرد خيوط في نسيج أكبر حيث لا نملك من أمرنا شيئاً.."
نظر ليام إليها وتأمل ملامحها لثوانٍ قبل أن يجيب بنبرة هادئة:
"ربما صحيح.. لكنني لا أظن أن بيرسيفال يرى الأمور هكذا.. أعتقد أنه يظن نفسه النسّاج.."
ضحكت فيرينا ضحكة قصيرة:
"وأنا أعتقد أنه يحرق أطراف النسيج كلما ضاق صدره."
قال ليام مبتسماً:
"أو كلما خطرت له فكرة جديدة مجنونة مثل إقامة حفلة في منتصف التهلكة.."
وصلا أخيراً إلى أحد الأروقة المؤدية إلى الجناح التدريبي وبالفعل كان هناك صوت خافت لضربات رماح خشبية تتقاطع كأنها رقصة خفية تحت ضوء شمس الغروب.. لكن الشمس لم تكن قد اختفت بعد.. فقط وهج نار خافت ينير السماء بلون برتقالي مائل للحمر, وكذلك كانت إضاءة قاعة التدريب.
قالت فيرينا وهي تمشي بخفة فوق الأرضية الحجرية وهي تنظر ليوجين تتدرب من بعيد, مصدومة بتحركاتها السريعة تلك:
"لأكون صادقة معك.. تبدو هذه الفتاة مختلفة عندما تقاتل."
أجاب ليام بسرعة دون تردد:
"أعلم.. أحياناً أفكر أن سلاح حكام المياه ليس الرمح بل أعينهم."
قالها ليام بنبرة متأملة وهو يراقب يوجين من بعيد تتدرب وسط الساحة بتركيز عالٍ.. كان يقصد أعينهم التي لا ترمش إلا بعد أن تفرغ من تتبع كل حركة وسكون.. عيونهم الحادة التي لا تفوت تفصيلاً حتى لو كان قطرة ماء تنحرف عن مسارها.
ذلك التركيز الحديدي الذي يتطلبه سحر المياه لم يكن مجرد تدريب جسدي بل صراع ذهني مستمر..
فالماء، كما تعلما منذ الطفولة.. عنصر لا يجب التراخي معه فهو لا يرحم من يتكاسل ولا يصبر على التردد.
المياه عنصر خادع.. ساكن في مظهره.. هائج في عمقه.. قد يبدو وديعاً وهو يجري بين الصخور أو ينسكب في كأس لكنه في جوهره لا يخضع لأحد.. ومن يتحكم به لا بد أن يكون أكثر مرونة منه وأكثر دقة من قطرات المطر.
لا أحد يمكنه أن ينكر أن التحكم بهذا يتطلب ذهناً صافياً أكثر من عضلات قوية.. باقي العناصر والقدرات كذلك بالطبع لكن الماء مميز بجوهره.. يبدو التحكم به سهل لكنه بعيد كل البعد عن السهولة حيث يمكن أن يُغرِق من فيه ومن يحاول السيطرة عليه.
رمش ليام ببطء عدة مرات وأضاف:
"لا عجب أنها تنتمي لحكام المياه.. كل خطوة تخطوها محسوبة بدقة كأنها تحرك قطعة شطرنج أخيرة في معركة حياة أو موت."
صمت مجدداً لثوانٍ ثم أكمل:
"يقولون دائماً إن سحر الماء يحتاج إلى قلب هادئ مسيطر.. لكنني أظن أن ما يحتاجه حقاً هو عقل لا يتشتت."
استدارت فيرينا لتنظر إلى ليام مائلة برأسها قليلاً بسخرية خفيفة، ثم قالت:
"من أين تأتي بهذه الحكمة العميقة؟.. هل تقرأ كتب الفلاسفة سراً حين لا أراك؟"
ضحك ليام بصوت منخفض وهو يضع يديه خلف ظهره:
"الجلوس الطويل مع بيرسيفال يجعل منك شيئًا من اثنين.. إما حكيماً مفرط التفكير أو مجنوناً يشكك في ظله الذي يتبعه في كل مكان."
ضحكت فيرينا بخفة وقالت:
"وأنت أي منهما؟"
"أخشى أنني بدأت أقترب من الخيار الثاني."
سكتا للحظة.. أمامهما كانت يوجين تدور مع رمحها بخفة وسلاسة كأنها ترقص رقصة قديمة لا يتقنها سواها.. ضوء الشمس المائل للغروب أضاف للمشهد هالة هادئة, كل ذلك وهي غير منتبهة لهما..
قالت فيرينا بنبرة خافتة وقد بدأت ملامحها تعود للجدية:
"لم أكن أتوقع أنها جيدة هكذا.. سأتدرب معها غداً فربما من الأفضل أن أشغل نفسي بما أستطيع فعله بدلاً من القلق بشأن ما لا أتحكم فيه."
"وأنا سأكون معكما أيضاً.. لا بأس أن نتحرك قليلاً قبل أن نجد أنفسنا وسط فوضى لا تعرف كبيراً ولا صغيراً."
خرجا من القاعة بهدوء، كأنهما إتفقا على منح يوجين مساحتها الخاصة دون الحاجة لتبادل الكلمات.. كانت الأخيرة لا تزال تدور برمحها بطريقة تشبه رقصة مقاتل معتاد على الوحدة.
تبادل ليام وفيرينا نظرة سريعة عند العتبة قبل أن يغلق احدهما الباب خلفهما برفق.. ثم تابعا السير ببطء وخطواتهما تتردد في الرواق الحجري بينما نور الشمس المتسلل من النوافذ العالية يرسم ظلالاً طويلة خلفهما..
لم يكن بينهما حديث آخر لكن الصمت لم يكن مزعجاً بل بدا مناسباً كأن الكلمات استُهلكت جميعها في القاعة.. وما تبقى فقط هو انتظار القادم بصبر غامض..
غربت الشمس واختفت عن الأنظار تماماً معلنة عن وصول الليل من جديد.. تلاشت خطوط الضوء الأخيرة ببطء خلف الأفق وتسللت عتمة المساء بهدوء فوق سطح القصر وأغصان الأشجار وحتى أعمدة الحراسة حول القصر الرئيسي في هذه الجزيرة السماوية..
هبت نسمات باردة خفيفة أول الأمر, ثم بدأت تزداد قسوتها تدريجياً كأنها تذكر الجميع بأن الليل في هذه المملكة ليس للراحة فحسب بل أيضاً للحذر والترقب..
في هذا الوقت يتغير كل شيء تقريباً.. الأصوات تخفت, الخطوات تصبح أكثر حذراً وحتى التفكير يأخذ مساراً مختلفاً كأن الليل يفرض على كل من فيه طقوسه الخاصة.. ومع حلول هذه الليلة بالذات كانت أوسكزيرا تستعد للأيام القادمة.. أيام لن تكون عادية أبداً..
في هذه الليلة جلس بيرسيفال يرسم خطواته القادمة كما اعتاد.. وفي الداخل ارتفعت أعمدة الشموع لتنير المكان للغد.. ولحفلٍ قد لا يكون له مثيل.. لا أحد يعلم لمن سوف ينصب ذاك المسرح فعلياً ولا من سيكون بطله أو ضحيته..
أما ليام وفيرينا فخرجا بأفكارهما دون أجوبة يجران خلفهما قلقاً لم يسمع له صوت بعد.. وفي مكان أبعد بين الأشجار الصامتة التي تحفظ ما لا يقال.. كانت يوجين تُكمِل تدريبها ورمحها يلمع تحت ضوء باهتٍ كأنه يعد بشيء قادم..
وكالسيفار؟... ظل يهمس بذكرياتٍ لم تُكشف كلها حتى الآن..
بينما لورين بقيت فكرةً معلقة في الهواء, حضور لم يدخل المسرح بعد لكنه يفرض هيبته على كل من جلس في مقاعد الانتظار..
أحياناً لا نحتاج إلى صراخ أو جلبة..
فمجرد صمت طويل يسبق الإعصار كافٍ ليجعل الجميع يتوقف عن التنفس..
_______________________________________
~ TO BE COMPLETED..🖤☁️
Lorraine Aavadol