Part V: غَائِبٌ حَضَرَ أَخِيرَاً

Part V: غَائِبٌ حَضَرَ أَخِيرَاً

17 0

وقفت يوجين أمام المرآة في غرفتها، تراقب انعكاسها بصمتٍ وتردد.. كانت ترتدي فستاناً فخماً يليق بمكانتها، مزيناً بتفاصيل دقيقة تعكس القوة أكثر مما تعكس الرقة.. وكأنها اختارت أن تحمل هيبتها كَحاكمة المياة لا أن تغطيها..

كان الفستان بلون أزرق داكن عميق أشبه بزرقة البحر عند الغروب.. هادئ ثابت، لا يجذب الأنظار بسطوعه لكنه يأسرها بثقله وأناقة لونه..

تصميم الفستان محافظ من حيث الطابع، لكنه مشغول بدقة واضحة.. ضيّق من منطقة الخصر حتى أعلى الصدر، بفتحة عنق متزنة لا تُظهر الكثير ولا تخفي أكثر من اللازم.. الأكمام كانت عريضة وفضفاضة من الأعلى ثم تُحكم عند المعصمين بأزرار صغيرة بلون بني فاتح.

الحزام الذي يتوسط خصرها لم يكن من قماش عادي بل كان كريستالياً مصمماً بعناية ليعكس الأضواء الخافتة المحيطة بها بشكل يجعل خصرها يبدو أكثر جمالاً جاذبية، مضيفاً لمسة فخمة تليق بمكانتها في هذه الممالك.

اختارت مجوهراتها بعناية فائقة.. الأساس كان ذهبياً ليتناغم مع لون الحزام والكريستال دون أن يطغى عليه، أما الحجارة التي زُينت بها الأقراط والعقد والخواتم، فكانت بنفس لون الفستان وهو الأزرق الداكن.. كل قطعة من تلك المجوهرات كانت تختصر الكثير من الكلمات..

تأملت ملامحها جيداً، لم تكن تفكر بجمالها بقدر ما كانت تتساءل عن سبب وجودها الحقيقي في هذه الحفلة.. الحفلة التي لم تشعر تجاهها بالارتياح منذ اللحظة الأولى التي سمعت فيها عن قرار إقامتها بالرغم من كل ما يمر به المكان من توتر واضطرابات.

رفعت ذقنها بفخر ثم ثبتت عينيها على انعكاسها تحاول أن تجد في أعماق نظراتها إجابة واحدة على سؤال واحد:

ما الذي يدور في رأس بيرسيفال حقاً؟.. هل يخطط لشيء خفي؟.. أم أن هذا مجرد عبث آخر على طريقته الخاصة؟

قُطع شرودها بصوت مألوف خلفها:

"تبدين جميلة، سيدتي."

كان الصوت لكالسيفار.. توقفت قليلاً قبل أن تلتفت نحوه، تتذكر المشاجرات الصغيرة التي حدثت بينهما قبل قليل بخصوص الطعام.. مرّ أسبوع منذ أن التقت به في الغابة ولا يزال كعادته، لا يهتم بشيء أكثر من الطعام ويتعامل مع كل ما حوله على أنه مجرد وسيلة للوصول إلى لقمة فاخرة..

نظرت إليه بطرف عينها فابتسم لها ابتسامة شبه بريئة تعلم تماماً أنها تخفي نية خفية خلفها، هو لا يمدح أحداً إلا إن كان يطمع بشيء.. ولا سيما الطعام.

تنهدت يوجين ثم قالت بسخرية خفيفة:

"هل تقول ذلك لأنك جائع وتريد مني أن أحضر لك شيئاً من الحفل؟"

ضحك بخفة وردّ بصوته المألوف:

"أوه، سيدتي.. كيف عرفتِ ذلك؟.. أظن أن الجمال يمنحك القدرة على قراءة العقول أيضاً!"

هزّت رأسها بيأس خفيف لكن ابتسامة صغيرة سرقت طريقها إلى شفتيها دون أن تشعر.. رغم سخافته أحيانًا وجوده يمنح المكان روحاً من نوع غريب.. لم تعد تشعر بالوحدة في القصر لأنه لا يترك لها الوقت لتبقى وحدها.. دائماً ما يكون ملتصقاً بها أينما ذهبت.. حريصاً على أن لا يراه أحد.

عادت لتنظر إلى نفسها في المرآة مرة أخرى وهذه المرة لم تكن تفكر بالحفل ولا بالأسئلة المعقدة التي لم تجد لها جواباً بعد.. بل فقط فكرت في هذه اللحظة العابرة وكم تحتاج أن تُثبت فيها لنفسها أنها ما زالت تسيطر على ما تستطيع السيطرة عليه، ولو كان مجرد وقوفها بثبات وأناقة أمام مرآة..

لا تريد أن تترك انطباعاً خاطئاً عنها أمام الحضور، ولا أن يراها أحدهم بصورة باهتة أو هشة كما حدث سابقاً مع ليام وفيرينا..

لا تزال تتذكر نظراتهما الأولى تلك التي حملت شيئاً من الاستهانة.. بلا شك هما يعتقدانها ضعيفة، مجرد فتاة جاءت من عالم آخر لا تفقه شيئاً عن ما يجري هنا.. تتلعثم أحياناً وتبدو مترددة أكثر مما ينبغي.

كانت تحدق في نفسها بعينين ثابتتين.. تحديق لا يخلو من صمت ثقيل.. كانت تفكر فيها، تلك الأميرة صاحبة الشعر الأبيض.. وتحاول أن تُطمئِن نفسها مهما بدا كل شيء من حولها غريباً ومليئاً بالقلق.. لم تنسَ مظهرها وهي تهجم عليها من بين الأشجار والدماء تتساقط بغزارة على جسدها والأرض بسبب سكاكين المياه التي أطلقتها عليها.. لكن بالرغم من ذلك لم تتوقف عن متابعة القتال..

تنفست بعمق ثم نقلت نظرتها ببطء إلى حجرها المرميّ على الطاولة الخشبية على بعد ذراعين منها.. لم تكن تلك النظرة مجرد تفقد عابر.. بل نظرة تذكر، لم تنسَ أنه عليها أن تأخذه معها هو ورمحها المرميّ قربه..

حفلة؟.. نعم هم ذاهبون لحفلة، هذا ما قيل لها وهذا نفسه ما حاولت تصديقه.

لكن في الحقيقة لا أحد يذهب لحفلة حقيقية وهو يحمل سيفاً وحجراً سحرياً.. لا أحد يُطلب منه "أن يستعد في حال هوجموا مجددًا من قِبل لورين أو أحد من حلفائها" إن كان المكان آمناً حقاً..

كانت تشعر أن الحفل ليس سوى قناع هش.. ستارة مخملية تحاول أن تخفي خلفها ناراً بدأت تتصاعد رويداً من تحت الأرض.

كان جلياً أن بيرسيفال يخطط لشيءٍ ما، إما إثبات للحلفاء أن لا شي يدعو للقلق.. أو اعلان لهم ليستعدوا لحرب ومعارك قادمة.. وربما فخ لاصطياد شخص ما.

تنفست ببطء وهي تمشي نحو طاولتها، مدّت يدها تلتقط الحجر أولاً.. قبضت عليه بقوة ثم تناولت الرمح بسلاسة بيدها كما اعتادت أن تفعل..

أدارت رأسها ببطء لتنظر إلى كالسيفار الصغير الذي وقف خلفها يُراقبها بعينين واسعتين مليئتين بالفضول والقلق الطفولي.. ابتسمت له بلطف، ليس ابتسامة كبيرة ولا مفتعلة.. بل تلك التي تكفي فقط لطمأنته ولتهدئة قلبه الصغير وإراحته من فكرة غيابها لبعض الوقت..

هو لا يُظهر تعلقه السريع بها غالباً، لكنه لا يخفى عليها.. نظراته حين ترحل أو صمته حين تتأخر، أو حتى اعتراضاته المتكررة بحجج لا علاقة لها بالموضوع الحقيقي.. فقالت له وكأنها تقرأ ما يفكر به:

"لن أتأخر، فقط حفلة صغيرة.."

"وماذا عن سيدة العقول..؟"

كان السؤال محملاً بقلق خفي لكنه لم يُخفَ تماماً من نبرة الصوت.

أجابته الأخرى وهي تشيح بنظرها إلى الجانب كمن لا يريد أن يعطي أهمية زائدة للموضوع:

"لا أعلم.. قال بيرسيفال أنها لن تأتِ على الأرجح، لأنها استخدمت قواها بالكامل أثناء قتالها ضدي، والآن تحتاج بعض الوقت للراحة أو شيء من هذا القبيل.."

ثم أكملت يوجين بنبرة أقرب للشك:

"لكنني لا أصدق هذا تماماً.. امرأة مثلها لا تبدو لي من النوع الذي يختفي فقط لأنه متعب."

سادت لحظة صمت بعد كلماتها وكأن ذكر لورين وحده كان كفيلاً بجعل الهواء يثقل من حولهم..

لم يرد كالسيفار، فقط أومأ ببطء كمن يحاول أن يبدو ناضجاً أكثر مما هو عليه.. هذا المخلوق لطيف حقاً وذكي على نحو يفوق حجمه الواضح.

ربما مزعج أحياناً، نعم.. لكنه من النوع الذي لا يمكن كرهه.. حتى إزعاجه يحمل طابعاً محبباً لها، كأن فيه نكهة من الحنين أو الألفة القديمة.

نظرت يوجين إلى كالسيفار.. ما زال يجلس على الطاولة هناك صامتاً يحرك قدميه القصيرتين ببطء كمن يحاول إخفاء قلقه.. أرادت أن تُخفف من ثقل الجو قليلاً، فتنهدت وهمست بنبرة مصطنعة الجدية:

"حسناً، قل لي الآن كيف أبدو؟.. هل أبدو كَإلهة تستحق الخوف؟.. أم كمقاتلة مخيفة؟"

رمش كالسيفار بعينيه المتوهجتين قليلاً ثم رفع حاجبيه الصغيرين ورفع ذراعيه القصيرتين كمن يقيس طولها.. ثم قال بنبرة واثقة:

"بل تبدين كأميرة خرجت من كتاب قديم.. لكن بعيون أحدهم، ستبدين كتهديد مزخرف بالحرير."

ضحكت يوجين بخفة وهي تعدل سوارها الذي وضعته على معصمها وقالت:

"تهديد مزخرف؟.. هل هذه طريقتك لتقول إنني جميلة وخطِرة؟"

"نعم، وهذا يعني أنني أريد قطعة كعك إضافية الليلة."

"آه، ها هو الهدف الحقيقي!"

قالتها وهي تلوح له بإصبعها كأنها كشفت مؤامرته ضدها قبل أن تكمل بهدوء أكثر وهي تأخذ نفساً عميقاً:

"لكنني سأحضر لك واحدة.. بالطبع هذا إن لم تنفجر الحفلة قبل أن أصل للطاولة."

قهقه كالسيفار وقال:

"في كل الأحوال، وجودك وحده سيجعل الأجواء أجمل هناك.. إن تصرفتِ على سجيتكِ بالتأكيد."

نظرت له يوجين بنصف ابتسامة ثم رفعت سيفها بهدوء استعداداً للرحيل.. الجو لم يخلُ تماماً من التوتر لكن على الأقل.. ابتسامة واحدة كانت كافية لتذكرها أن هناك من يهتم بها.

نظرت إليه للحظة إضافية ثم استدارت وغادرت الغرفة، بينما بقي كالسيفار جالساً هناك يحدّق في الباب المغلق وكأنه يتمنى لو كان بإمكانه مرافقتها بصمت.

لكنه لا يحب إظهار نفسه أمام عامة الناس.. ليس خجولاً بالمعنى المعتاد بل هو ببساطة لا يجد راحته إلا في الظل بعيداً عن الضجيج والعيون الفضولية في هذا القصر، اعتاد منذ خُلق على أن يُرى فقط من قبل مالك الحجر، لا أحد سواه.. ففكرة الوجود في مكان يعج بالغرباء تجعله متوتراً حتى وإن لم يظهر ذلك أمام يوجين.

نهض عن الطاولة ورفرف بجناحيه الصغيرين بخفة حتى بلغ النافذة المغلقة في غرفة يوجين، ثم حطّ على حافة الجدار برشاقة طاوياً جناحيه خلف ظهره..

جلس هناك بصمت وعيناه اللامعتان تراقبان الخارج بتركيز ممزوج بالحذر والفضول، العالم خلف الزجاج بدا غريباً عليه في هذه اللحظة.. الأضواء البعيدة، أصوات الرياح، لمعة النجوم على صفحة السماء الزرقاء الداكنة..

كان يحاول أن يُشغل نفسه، أن يُقنع ذاته بأن الأمور بخير بالرغم من شعوره بالتهديد الخارجي، وأن يوجين ستعود قريباً بضحكتها، بصوتها الصاخب، وحتى بتوبيخها المتكرر له.. لكنه لم يستطع كتم ذلك الشعور الصغير بالقلق الذي بدأ يتسلل إليه ببطء كنسمة باردة تتسلل من شق نافذة في ليلة شتوية..

رفرف بجناحيه الصغيرين قليلاً دون أن يطير بهما.. بل هو يفعل هذا ليشعر بالأمان، ثم أطلق تنهيدة بالكاد تُسمع كأن الصمت نفسه قد استقر على كتفيه.. منتظراً بصبر وقلق عودة تلك التي بات وجودها مصدر أمانه الوحيد..

حدق كالسيفار إلى الأسفل حيث تنام أشجار الغابة في هدوء غريب وكأنها تتهيأ لشيء لا تعرف طبيعته بعد..

نظر للعالم من مكانه العالي على حافة النافذة، كان يشعر بأنه أصغر من أن يفهم كل ما يدور، وأكبر من أن يتجاهله.. هو ليس سوى مخلوق صغير وُلِد من سحر المياه لسيدته السابقة، ومع ذلك قلبه.. أو ما يشبهه بات يتصرف كأنه يملك نبضاً حقيقياً..

"لماذا أبدو هادئاً بينما داخلي ليس كذلك؟"

فكر في نفسه بينما ظلت عيناه تلاحقان الأضواء المتراقصة البعيدة القادمة من جهة القصر حيث تقام الحفلة.. يستطيع رؤية الضيوف من مكانه هنا.. شعر بالغيظ قليلاً من بيرسيفال ذاك.. هل هو مجنون ليقيم حفلة في هذه الأوضاع..؟!

تنهد وأدار رأسه ببطء نحو الغرفة التي باتت أهدأ من المعتاد بغياب يوجين.. لم يكن قد اعتاد بعد على فكرة أنها بعيدة حتى ولو لساعات.. ضجيجها، شجاراتها الطفولية وحتى أوامرها العشوائية، كلها كانت تعني له أكثر مما يبين لها.. هو لم يُخلَق ليحب البشر ولم يُبرمج على الشعور بالانتماء، لكنه وجد نفسه يفعل ذلك دون إذن أو وعي..

"أتمنى ألا يطول الحفل.."

قالها بصوت خافت وكأن يوجين قد تسمعه من هناك..

ثم أغلق عينيه للحظات وحاول أن يتخيل شكلها الآن وهي واقفة وسط الناس بقامتها المستقيمة ونظراتها التي تحاول إخفاء التوتر..

كان واثقاً أنها تتظاهر بالقوة كعادتها لكنه يعرف جيداً أنها قلقة.. ربما من لورين وربما من بيرسيفال.. أو من كل ما يُخفيه هذا الحفل خلف أضوائه وابتساماته.. تمتم وهو يفتح عينيه مجددًا:

"إن حاول أحدهم إيذاءها.. أقسم أنني سأعضه حتى يصرخ."

ثم ضمّ جناحيه بإحكام حول جسده الصغير كأنما يحتمي من فكرة لا يريد أن يواجهها.. وبقي هناك على نافذة مرتفعة في غرفة فارغة، يراقب العالم منتظراً.. وقلبه مشغول بشخص واحد فقط.

_______________________________________

كانت غرفة الاستعداد التي هم فيها الآن واسعة ذات سقف مرتفع يعلوه قوس منقوش بتفاصيل دقيقة مستوحاة من رموز العائلات القديمة للسحر.. تتدلى منها ثريات كريستالية تبعث نوراً خافتاً دافئاً..

الأرضية المكسوة برخام داكن تعكس الظلال بحذر بينما تتوزع على الجدران مرايا طويلة وأرائك فاخرة باللون الأحمر المخملي، موفرةً مكاناً مريحاً للاستعداد قبل الحفل.

فيرينا كانت تقف أمام إحدى المرايا ترتب أطراف فستانها بلونه الأخضر الزمردي، لونه متناسب مع لون عينيها الخضراوين وشعرها الأحمر الطويل المنسدل خلف ظهرها.. بريقه يخطف الأنظار كما اعتادت أن تفعل هي دوماً، صُمّم ليلائم قوامها الممشوق برقي وجاذبية، ضيق من الخصر حتى أعلى الصدر.. مبرِزاً منحنيات جسدها الأنثوية بلا خجل.

وكان الفستان بفتحة صدر واسعة وجريئة تكشف عن جزء كبير من بشرتها الفاتنة، ومن الأسفل لم يكن الفستان فضفاضاً ولا ضيقاً تماماً، بل انسدل بانسيابية أنيقة تتيح لها الحركة بخفة مع فتحة واحدة طويلة تبدأ من أعلى الفخذ، تكشف عن ساقها برقة وإغواء متعمد.

قامت بربط حامل السكاكين الجلدي حول فخذها المكشوف، تثبته بحركة خبيرة اعتادتها منذ زمن مظهرة سكاكينها الذهبية وخنجرها بوضوح وثقة لا تعرف الخجل ولا الخوف.. وكأنها تتعمد أن تُري العالم كله أن الأنوثة لا تُلغي القوة، وأن الزينة لا تتعارض مع الاستعداد للقتال.

اختارت أن تترك كتفيها عاريين تماماً فالفستان بلا أكمام مما منحها مظهراً فخماً، صاخباً وقادراً على أن يسلب الأضواء من أي مكان تدخله.. كل تفصيلة فيه كانت تصرخ بثقة وأناقة لا حدود لها كما تحبها فيرينا بالضبط.

أما ليام فوقف أمام إحدى المرايا العالية وهو يعدل من ياقة قميصه الأبيض الناصع الذي التصق بجسده بانسيابية دون أن يعيق حركته.. فوقه ارتدى سترة طويلة بلون رمادي داكن تمتد حتى ركبتيه بانسياب أنيق، منسدلة بأناقة مع أطراف مطرزة بخيوط بيضاء رفيعة بالكاد تُرى، سرواله الأبيض كان من قماش فاخر خفيف ومتين في آنٍ واحد..

وعلى صدر سترته عُلِّقت ميدالية ذهبية صغيرة متصلة بشريط داكن تحمل ختم المملكة وشعارهم الشخصي باللون الزيتوني مثل عينيه تماماً.. كان مظهره كافياً ليظهر فخامته دون أن يكون مبهرجاً..

ورغم بساطة الألوان إلا أن مظهره العام حمل مزيجاً غريباً من الرقي والحدة كأنه صُنع خصيصاً ليعكس طبيعته القوية الهادئة..

حول ليام نظره ببطء إلى انعكاس بيرسيفال في المرآة الكبيرة المثبتة أمامه، للحظة كاد يبتسم بسخرية مكتومة من ملامح سيدهم الجامدة التي توحي بملل قاتم رغم أن الحفل أساساً كان فكرته ومخططاً بإصرار منه..

كان بيرسيفال يقف بصمت قرب المدخل ينتظر أن ينتهي ليام وفيرينا من استعداداتهما ليخرجوا معاً إلى القاعة الرئيسية، أنهى تحضير نفسه بربع ساعة تقريباً وكأن الأمر لا يستحق منه أكثر من دقائق معدودة..

والآن يقف فوق رأسيهما بقامته الطويلة، عاقد الذراعين، يحمل في ملامحه مزيجاً من الملل والضجر الصامت يراقب حركاتهما البطيئة بنظرة باردة لا تخلو من التوبيخ الخفي، لم يكن يحب الانتظار.. خصوصاً حين يشعر أن كل دقيقة إضافية تمر تُثقل أعصابه أكثر مما ينبغي..

بدا في مظهره الأسود الفاحم وكأنه غرابٌ أنيق يتهيأ لحضور جنازة بدلاً من احتفال صاخب.. السترة السوداء الطويلة، والسروال الأسود الغامق، وحتى الحزام والرموز المعدنية الفضية على كتفه كلها كانت تضفي عليه هالة من الرصانة المبالغ بها وكأن البهجة أمر غريب عليه بطبيعته..

كتم ليام ضحكة صغيرة في حلقه وأدار وجهه قليلاً متظاهراً بتفحص سترته الرمادية الداكنة حتى لا يلفت الانتباه إلى أفكاره الساخرة وهو يتمتم في داخله:

"إن كان هذا حاله قبل بداية الحفل، فكيف سيكون لاحقاً؟"

أكملوا استعدادهم بصمت وقعه عالٍ على الأسماع، كأن الصمت ذاته يزن ما بينهم، يتسلل بثقله بين خطواتهم ونظراتهم المشتتة.. ثم قطعته فيرينا التي كانت تخطّ على طرف عينها شيئاً بالحبر الأسود وتستخدم إحدى سكاكينها لتحافظ على الخط بشكل جميل وثابت، هذا قبل أن توجه حديثها إلى بيرسيفال بنبرة خفيفة ظاهرياً تخفي تحتها جدية لا يمكن تجاهلها:

"إذاً، لو ظهرت لورين.. ماذا ستفعل؟"

رفع بيرسيفال نظره نحوها ببرود، عيناه السوداوان لا تعكسان سوى ظلال الغموض والجنون الذي يحيط به عادة.. مرت لحظة قصيرة قبل أن يرد، صوته عميق وواضح:

"هي لن تأتِ.. ليس اليوم."

ابتسمت فيرينا بسخرية خفيفة وهي تركز على ما تفعله بسكينها الحادة هذه.. كأنها تحاول استفزازه عمداً، بينما ليام الذي كان يرتب زر سترته الرمادية الداكنة اكتفى بتنهيدة قصيرة وكأن المشهد بأكمله متوقع بالنسبة له.

"ماذا تعني؟.. لِمَ إذاً أقمتَ كل هذه الحفلة إن كانت هل لن تأتي أساساً؟"

سألته هذه المرة بلهجة ساخرة قليلاً وابتسامتها الماكرة واضحة على ملامحها.

لم يجب بيرسيفال مباشرة، بل التفت نحو المرآة يعدل موضع ميداليته الكريستالية بدقة، قبل أن ينظر لها عبر انعكاسه قائلاً بهدوء قاتل:

"لم يمر سوى عشرة أيام منذ أن هاجمت يوجين في الغابة.. لا أظنها تستطيع أن تشن هجوماً آخر الآن.."

ساد الصمت مجدداً، لكن هذه المرة لم يكن ثقيلاً كما سبق، بل مشحوناً بتلك الحقيقة الباردة التي نطق بها سيدهم للتو.

كل واحدٍ منهم، رغم اختلاف نبراتهم وشخصياتهم كان يعلم أن تلك القوى لا يستطيع أي جسد احتمالها، مهما بلغ من القوة أو الصلابة.. حتى لو كان ذلك الجسد جسد مالك حجر العقول نفسه.. ولا سيما تلك الأميرة..

الواقع كان قاسياً لا يقبل الجدل.. دَينسيفارا الآن على الأرجح حبيسة فراشها.. تصارع الألم الذي تركه اندفاعها الأعمى لقواها في معركتها الأخيرة مع يوجين.. ذاك الألم القاتل الذي يسببه حجر العقول..

وربما، حتى لو أرادت الأميرة أن تظهر فإن جسدها سيخونها قبل أن تصل إلى قاعة الحفل..

باختصار، الليلة لن تكون سوى احتفال باهت بلا نكهة الصراع التي توقعها الجميع.. ليلة عابرة سيغمرها التصنع والابتسامات الخادعة.. بينما الغائب الوحيد هو الوحش الحقيقي الذي خشي الجميع ظهوره..

ومع ذلك ثمة شيء في الهواء يوحي بأن هذا السكون لن يدوم طويلاً.. ولم يلبث الشك أن انقطع باليقين حين قال بيرسيفال:

"لكن سيأتي أحدهم.. لن تكون أوريليا أو تيارا فقد اتخذنا احتياطاتنا ضدهما، ومن المستحيل أن تتمكن إحداهما من دخول القصر.. وهما يعلمان بهذا غالباً."

خيم الصمت مجدداً، كثيفاً هذه المرة، إلى أن قطعه ليام الذي كان صامتاً طيلة الوقت، قائلاً:

"إذاً.. من برأيك سيكون؟"

كانوا يعلمون جيداً أن الأميرة تملك خمسة أحجار أخرى، عدا حجرها وحجري الأرض والعلاج.. إلا أن بيرسيفال أجابه بنفس برود نبرته التي لم تتغير:

"لا أعلم.. ولكنني واثق أن أحدهم سيحضر."

ومجدداً، خيم الصمت على الغرفة وقد غرق كلٌّ منهم في أفكاره يتأمل الاحتمالات والخطط التي ينبغي عليهم اتخاذها إذا ما حدث الأسوأ..

لكن فيرينا لم تلبث أن قطعت هذا الصمت بتعليق ساخر خفيف كعادتها، وهي تدير فستانها الطويل بنعومة بين أصابعها:

"على الأقل أولئك الذين دعوناهم الليلة ليسوا مجرد وجوه جميلة.. كل واحد منهم قادر على خوض قتال عنيف إن تطلب الأمر.. أليس كذلك؟"

عند هذا السؤال بدت ابتسامة خفيفة على شفتي بيرسيفال أخيراً، وبدت هذه المرة أكثر صدقاً من ابتساماته المتهكمة المعتادة..

أجابها بنبرة هادئة تحمل قدراً من الثقة:

"نعم.. هم يستطيعون."

وفي الواقع لم يكن الضيوف الذين اجتمعوا في القصر مجرد نبلاء متملقين لا يجيدون سوى المجاملات الفارغة.. مكانتهم الرفيعة التي دفعت بيرسيفال إلى دعوتهم هذا المساء لم تكن نتيجة حظ عابر أو انتماء لعائلات مرموقة فقط، بل كانت ثمرة قوتهم الحقيقية وقدراتهم القتالية النادرة..

أول من تبادر إلى أذهان الثلاثة كان آزارييل، إله النار الذي عاد إلى أراضي أوسكزيرا بعد غياب دام ما يقارب الثلاثة قرون.

تلاه ذكر قبائل مورينا، أولئك الحراس الغامضون الذين يتخذون من الغابات الضبابية المحيطة بالقصر موطناً لهم، والذين لطالما عرفوا بولائهم وقوتهم القتالية الخارقة.. وغيرهم كثيرون ممن لن يترددوا في تحويل الحفل إلى ساحة معركة تتردد فيها اصوات الضحك والضرب على حد سواء لو استدعى الأمر..

لم يظن بيرسيفال ولو للحظة أن أولئك المدعوين قد اقتنعوا حقاً بأن هذا الحفل سيكون حفلاً اعتيادياً كسائر الحفلات السابقة.

فالأخبار التي انتشرت مؤخراً عن عودة لورين وظهور أوريليا وتيارا إلى جانبها كانت كفيلة ببعث الشكوك في نفوس الجميع.

كان بيرسيفال يدرك تمام الإدراك أنهم يعلمون أن هذا الحفل ليس سوى مصيدة مُحكمة نُصبت لاستدراج الأميرة أو أحد معاونيها إلى قلب أوسكزيرا.. وأيضاً يريد كبح افكار الانقلابات السخيفة التي تدور في رؤوس بعض الحاضرين.. إذاً هذا الحفل هو تأكيد أنه لا يزال موجوداً وسيداً عليهم.. وأيضاً فخ لاستدراج اعدائهم.. ولا بأس لو كان احد الأعداء فقط.

حتى وإن لم ينجحوا في القبض على أحدهم الليلة، فإن مجرد كشف بعض الأوراق سيكون كافياً.. على الأقل سيتمكن من معرفة أيّ من أصحاب الأحجار قد استعاد حجره بالفعل.. وهكذا سيكون بإمكانهم الاستعداد للمواجهات القادمة بأتم شكل وأقصى حذر..

وحين انتهت آخر لمسة على ملابسهم وأسلحتهم، تبادل الثلاثة نظرات صامتة قصيرة، تفاهم غير منطوق ساد بينهم.

ثم تقدم بيرسيفال بخطوات ثابتة نحو باب الغرفة، يده تلامس مقبض سيفه المصنوع من الأوبسيديان الأسود.. يليه ليام الذي أحكم قبضته على رمحه الأسود الطويل مع خنجر صغير أخفاه في الحزام الجلدي على خاصرته، بينما تشبثت فيرينا بيده تنظر له بابتسامة عابثة.. والسكاكين الذهبية الصغيرة تلمع حول فخذها من خلال الحامل الجلدي، تتناغم مع مخالبها الذهبية التي زينت يديها كقطع من المجوهرات.

فتح بيرسيفال الباب بهدوء، فانعكس نور الممرات على وجهه ليكشف عن لمعة حادة في عينيه السوداوين.

ساروا معاً عبر الرواق الواسع، أصداء خطواتهم الرنانة تتردد فوق أرضية الرخام المصقولة وكل واحد منهم يحمل في صدره صمتاً ثقيلاً يليق بالمسرحية القادمة أكثر مما يليق بحفل فاخر..

كان قصر أوسكزيرا هذه الليلة يتلألأ بالأضواء الكريستالية والأقمشة الفاخرة التي زينت الجدران، رائحة الورود النادرة تعبق في الأرجاء وأصوات العزف الخافتة تتسلل من قاعة الاحتفال الكبرى..

ومع اقترابهم من البوابة المهيبة المؤدية إلى القاعة بدت ملامحهم أكثر صلابة وكأنهم يرتدون وجوهاً أخرى، وجوه قادة يعلمون أن هذا الليل لن ينقضي دون أن يترك أثراً جديداً محفوراً في نفوسهم.

دفع بيرسيفال الأبواب الضخمة للقاعة بنفسه.. لتتبين أمامهم أضواء القاعة وأصوات الضحكات الخافتة والأحاديث المتداخلة.. دخل الثلاثة معاً كأنهم جزء لا يتجزأ من هذا الليل المتوتر الذي يخفي في طياته أكثر مما يظهره..

وساد الصمت فور دخول القائد الأعلى للممالك وخلفه أقرب مرافقيه وأخلصهم ولاءً له.. كل الأنظار التفتت نحوهم كأن الهواء نفسه قد تجمد للحظة عند دخولهم.

_______________________________________

كانت القاعة أوسع مما تخيلت.. سقفها العالي مرصع بثريات بلورية تتدلى كالنجوم تبعث أضواءً ساحرة عبر هواء القاعة النقي.

جدرانها تلمع بألوان خفيفة وكأنها انعكاس لضوء القمر فوق الماء، وأعمدتها البيضاء الطويلة مزينة بزخارف ذهبية دقيقة تنبض بالحياة مع كل ومضة سحر تمر بها..

من حيث وقفت، شعرت يوجين للحظة أن المكان لا ينتمي للأرض.. بل لمملكة سحرية تطفو بين غيوم السماء..

ورغم فخامة الأجواء كانت القاعة مربكة بهدوء ينبض تحته توتر غير مرئي، توتر شعرت به يوجين فور أن خطت أولى خطواتها داخل المكان..

مدركةٌ هي أن الكثير من أولئك ليسوا هنا بدافع الرغبة أو الولاء، بل لأنهم مجبرون على ذلك بطريقة أو بأخرى.

علاقتهم مع بيرسيفال حاكم أوسكزيرا لا تتعدّى كونها علاقة سطحية، قائمة على المصالح المتبادلة أكثر منها على الثقة أو الانتماء الحقيقي.

فمن ناحيته، كان يرى فيهم مجرد أدوات، أتباعاً يشكلون له جيشاً ثابتاً وحصناً منيعاً لإمبراطوريته، التي تقوم وتزدهر رغماً عن الجميع، سواء شاؤوا أم أبوا ذلك فهو ليس مهتماً.. لم يكن يطلب ولاءهم الحقيقي، إنما يريد فقط طاعتهم.

أما هم فكانوا يعرفون كيف يستفيدون من هذه المعادلة الباردة.. يحصلون على الحماية، على الحصانة من القانون في الممالك في أغلب الأحيان، وعلى الرتب العالية والمكانة بين عامة الناس، وامتيازات لا ينالها سواهم.

في النهاية، كل شيء بين الطرفين لا يتعدى كونه تبادلاً لمصالح شخصية، خالٍ من أي دفء أو صدق.

تسللت بنظراتها تتفحص الحاضرين مستغربة من غرابة هذا العالم الجديد الذي اقتحمت أجواءه.. في البداية لم يلتفت أحد لوجودها كأنها جزء من الظلال الراقصة على الجدران..

لكن نظرة واحدة حادة استطاعت أن تلتقطها من بين الزحام.. نظرة رجل كان جالساً على أحد الكراسي يحدق بها بصمت وابتسامة واسعة على وجهه.. كان رجلاً لا يمكن تجاهله بقامته القوية وعينيه اللتين تحملان جموحاً وكبرياء..

لم تهتم له وأشاحت بنظرها بعيداً عنه.. ثم لاحظت أمراً آخر جعل غرابتها تتضاعف.. أشخاص من بين الحضور، لم يكونوا كثيرين لكن حضورهم كان ثقيلاً وخانقاً..

كانوا واقفين كتماثيل من لحم ودم لا يتحركون إلا قليلاً جداً.. صمتهم الغريب يزيدهم رهبة..

يرتدون أقنعة حيوانية غريبة بدت في عيني يوجين مزيجاً بين الطرافة والرعب.. أقنعة أرانب وسناجب وغربان، مصنوعة بدقة مدهشة وألوان باهتة كأنها باقية منذ عصور..

أبعدت نظرها عنهم بسرعة محاولة ألا تشغل بالها أكثر بتلك الوجوه المغطاة.. تنقلت بعينيها عبر أرجاء القاعة والحضور المتناثرين فيها تبحث عن أي شيء يشغلها عن أفكارها المزدحمة.. لكن عيناها وقعتا على ذلك الرجل مجدداً.

لا يزال يحدق بها بنفس الابتسامة الغريبة التي لم تستطع تفسيرها، وكأن وجودها وحده يثير لديه نوعاً من التسلية وهي لا تعرفه حتى..

شعرت برغبة في أن ترفع قبضتها وتلكمه في وجهه فقط لتزيح تلك الابتسامة المزعجة عن ملامحه، لكنها بالكاد تمالكت نفسها..

ظلت يوجين متجمدة تحت عينيه قبل أن تسارع بصرف بصرها مجدداً وكأن شيئاً لم يكن.. ولدهشتها لم يكتفِ غريب الأطوار ذاك بالنظر فقط، بل تقدم نحوها وكسر حاجز التوتر الذي كان محيطاً بها.. تحدث معها بنبرة واثقة معرفاً عن نفسه:

"آزارييل."

اسمه انساب من بين شفتيه وكأنه أمر واقع لا يقبل الجدل.. لم يكن بحاجة إلى ألقاب مهيبة أو تعابير مصطنعة ليعرف عن نفسه، فحضوره وحده كان كافياً لفرض الاحترام والانتباه بالرغم من غرابته..

تبادلت يوجين معه نظرة سريعة متحفظة، لكن فضولها تغلب على حذرها خاصة حين أشار بعينيه إلى المجموعة الغريبة الواقفة بلا حركة في القاعة..

قال بصوت خافت وكأنه يكشف لها سراً لا ينبغي أن يعرفه كثيرون:

"هؤلاء من قبيلة مورينا الذين يحرسون الأراضي المحيطة بالقصر.. لم يحضر من القبيلة سوى أصحاب المناصب الرفيعة أو القادة الكبار لأنهم وحدهم الذين يحق لهم تمثيل القبيلة في المناسبات الكبرى كهذا الحفل."

كلماته أزالت شيئاً من الغموض الذي شوّش تفكيرها، لكنها لم تقتل تماماً ذلك الشعور البارد الذي تركه وجود هؤلاء الغرباء في قلب القاعة.

ورغم شعورها بالاستغراب منه ومن طبيعته المتحررة في الحديث، لم تطرده من جانبها.. وكأن جزءاً منها أراد أن يبقى قريباً منه فقط لتفهم الأوضاع أكثر..

حاولت يوجين أن تتجاهل هذا الشعور الذي بدأ يتسلل لها وهي تمرر نظراتها على القاعة مراراً.. رغم الموسيقى الخفيفة والطعام الفاخر والوجوه المزينة بالضحكات الواثقة، كان هناك شيء خفي يجعل القلب يضيق دون سبب.

وهذا الرجل الواقف بجانبها لم يكن يساعدها على الإطلاق.. كان ينظر إليها بتلك الابتسامة الغريبة وكأنه عثر فجأة على شيء ثمين ضائع ظل يبحث عنه طويلاً.

نظرت له بطرف عينها، حاجباها معقودان في حيرة ممزوجة بشيء من النفور، وكأن عينيها تسأله بوضوح عمّا يريد بالضبط.. لكنه بكل بساطة لم يُجب.. بل اكتفى بالابتسام مجدداً وكأن صمتها واستغرابها يمنحه متعة خفية.

لم تحتمل يوجين هذا السلوك المريب طويلاً.. فاستدارت نحوه قليلاً وحدّقت فيه بنظرة تحمل خليطاً من الغضب والغيظ، ثم قالت بنبرة متوترة لم تهتم أن تخفي قلة صبرها فيها:

"مالذي تريده؟.. ومن أنت أساساً؟"

اتسعت ابتسامته بشكل أكبر وكأن سؤالها راقه أكثر مما أزعجه، ثم انحنى قليلاً بطريقة مسرحية خفيفة وقال بنبرة دافئة هادئة:

"إله النار يا آنستي."

ثم مال قليلاً للأمام وأضاف بخفة وكأنه يكمل لغزاً يعرف إجابته مسبقاً:

"وبحسب ظني.. أنتِ إلهة المياه، أليس كذلك؟"

ترددت للحظة قبل أن تومئ له برأسها بخفوت، عيناها لا تزالان تحدقان فيه باستغراب لا تخفيه بتاتاً.

آزارييل إله النار.. أعادت الاسم في ذهنها ببطء، محاولة أن تستوعب حقيقة هذا اللقاء الغريب وسط هذا الحشد الساحر..

حدقت فيه بعينيها الزرقاوين كأنها تقوم بمسح مظهره شبراً شبراً، عيناها تحدقان فيه بفضول يرافقه بعض التحفظ..

بشرته حنطية دافئة، طبيعية وعادية تماماً.. أما شعره فكان أسوداً بخصلات نارية بارزة وكأنها تجسد جوهره الحقيقي وهويته، دلالة واضحة على منصبه كإله للنار.

عيناه كانتا تحملان لونين متناقضين، اللون الأزرق في محيط البؤبؤ ثم يتدرج اللون تدريجياً إلى الأحمر الناري حيث يبدو كأن هنالك ناراً حقيقية تشتعل فيهما، وكأن عينه تعكس طبيعة القوة التي يمتلكها..

ملابسه كانت فاخرة تبين مكانته العالية في هذه المملكة، قميصه الأسود يتناسب تماماً مع بنطاله، بينما معطفه الأحمر الداكن الذي ارتداه كان يعكس الفخامة والسلطة التي تمثل منصبه، أخذ يُأرجح سيفه بيده ذهاباً وإياباً بلا مبالاة أو خوف، وكأن سلاحه جزء لا يتجزأ من شخصيته.. كأنه امتداد طبيعي لطبيعته النارية المتأججة.

لاحظ آزارييل نظراتها المتفحصة له فابتسم ابتسامة عذبة مُعذِّبة أخذت تلعب على وترها مما أثار شعوراً بالخجل يسرى في قلبها بسرعة غير متوقعة..

كأنها قد وُضعت في موقف حرج لم تكن تتوقعه.. فَأبعدت نظراتها عنه بسرعة شديدة وكأنها ترفض أن تُكتشف، حتى وإن كان كل شيء فيها يفضح اهتمامها غير المعلن..

هو كذلك أبعد عينيه عنها لكن ليس بدافع الخجل، بل ليمنحها ما يبدو كمساحة شخصية في تصرف يعكس سخرية خفية، لأنه كان هو من اقتحم خصوصيتها منذ البداية.. كانت حركته تلك بمثابة محاولة غير صادقة لإظهار نوع من الاحترام لحدودها الشخصية.. رغم أن كل شيء في تصرفاته يظهر العكس تماماً.

وسط هذه الأجواء المشحونة بالانتظار المُخجل أحست يوجين بالملل ينمو داخلها مجدداً ولكن ببطء.. حتى حدث ما كسر هذا السكون..

دُفعت الأبواب الضخمة دفعة واحدة وارتجت أركان القاعة على ذلك، فتوقفت الموسيقى للحظة وخفَتت الأصوات، رفع الجميع رؤوسهم نحو القادم..

بيرسيفال.

كان هو من دفع الباب بيديه العاريتين بكل بساطة وكبرياء.. وراءه مباشرة دخل ليام بخطوات ثابتة، وإلى جانبه فيرينا التي خطفت الأبصار بمظهرها المثالي..

كأنما القاعة كلها تحولت إلى كائن واحد يحبس أنفاسه وهم يعبرون المدخل بثقة لا يجرؤ أحد على مقاطعتها.

عادت ملامح يوجين وآزارييل إلى الجد والرسمية، وتبدلت تعابير وجهيهما تماماً عند دخول الثلاثة، وكأن دخولهم أطلق تنبيهاً داخلياً ليظهر كلاهما على أهبة الاستعداد.

استمر الثلاثة في التقدم نحو الداخل دون أن يتوقفوا للحظة، يقطعون القاعة بصمت مهيب وثقة حيث لم يحتج أي منهم حتى أن ينظر للحضور كي يشعرهم بالدونية.

وعندما اقتربوا من مركز القاعة حيث يمكن للجميع رؤيتهم بوضوح، رفع بيرسيفال ذراعه قليلاً بإشارة واحدة أوقفت كل حركة وكأنهم قطيع بانتظار أوامره.. ثم بصوته العميق المليء بالسخرية الباردة واللامبالاة قال موجهاً كلامه لهم:

"لا وقت أو مزاج لديّ للتحيّات الفارغة يا ضيوفي الأعزاء، وفّروا على انفسكم مشقة المجاملات، فأنا لا أرى في هذه الوجوه ما يستحق الترحيب.. فليبدأ هذا الحفل الآن."

قالها وكأن الحاضرين مجرد تفاصيل صغيرة على هامش ليلة أهم بكثير مما يظنون، ثم تابع سيره بينما خلفه ليام ابتسم لنفسه كمن يرى نكتة خفية وسط هذا المشهد المتوتر، أما فيرينا فكانت نظراتها تحمل احتقاراً صامتاً لم يتجرأ أحد على مجابهته..

ومع كل خطوة بدا أن هيبة الثلاثة تضغط على القاعة بأسرها، تذكر الجميع حتى دون كلمة إضافية أنهم ليسوا هنا من أجل المتعة.. بل لشيء آخر تماماً.. ولكن التظاهر كان ضرورياً هنا.

جلس بيرسيفال على أحد مقاعد الطاولات فوراً، ألقى بجسده عليها وكأنما كان يهرب من شيء ثقيل ناظراً إلى الحضور بملامح يملؤها الضجر الممزوج بالجنون.. ليام الذي جلس بجانبه كان يراقب هذا التصرف مستغرباً من سيده، ولكنه حاول كتم ضحكته ليبدو جاداً.

كان بيرسيفال غارقاً في شروده وعيناه تتنقل بين أولئك الثلاثة.. فيرينا، يوجين وآزارييل.. أما ليام فقد صُدِم قليلاً بتصرف فيرينا عند دخولهم للقاعة، لم تهتم كثيراً بالكلام الذي قاله بيرسيفال للحضور، ولم تهتم للحضور أيضاً بقدر اهتمامها بيوجين وكأنها اشتاقت لها.. فور أن رأتها تقدمت نحوها بسرعة مبتسمة وكأنها كانت تنتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل، فلم ترَها منذ ما يقارب الأسبوع..

لكن مع ذلك تفاجأ ليام من ذلك لأن فيرينا التي لا تظهر تعاطفاً مع أحد باستثناء بيرسيفال وليام بالطبع.. أظهرت ملامح سعادة غير معتادة مع يوجين.. وحتى آزارييل بدأت تظهر بعض التقدير له بالرغم من أنها تكره الجميع..

ابتسم ليام على ذلك، فقد بدأت فيرينا بمشاركة مشاعرها مع أشخاص آخرين غيره وهو أمر نادر الحدوث..

رغم أن ذلك قد تم بسرعة إلا أنه كان شيئاً إيجابياً بالنسبة له.. نقل نظره إلى بيرسيفال الذي كان لا يزال يحدق فيهم بتركيز دون أن يرفع عينيه عن الثلاثة..

سيده أيضاً كان يتصرف بغرابة اليوم ولم يكن ليام قادراً على تحديد السبب وراء ذلك.. كان هناك شيء غير مألوف في تصرفاته، شيء لا يستطيع تفسيره.. ما خطب العالم اليوم بجدية..؟

رغم أن القاعة كانت تعجّ بالأضواء والموسيقى والضحكات الرنانة إلا أن شيئاً ما كان معلقاً في الهواء، خيط خفي من التوتر يكاد لا يراه إلا من اعتاد قراءة الوجوه..

الحضور كانوا يبتسمون كثيراً.. أكثر مما يجب، وكأن الابتسامات دروع ضد قلق لم يعرفوا مصدره بعد.. الجو نفسه بدا وكأنه مسرحية براقة ستسقط ستائرها السوداء في أية لحظة.

بالطبع لم يكن جميع الحاضرين موالين لأوسكزيرا قلباً وقالباً.. على العكس، الكثيرون منهم جاؤوا مُجبرين، خاضعين لسلطة لا يجرؤون على رفضها بعد أن وصلت إليهم الدعوات الرسمية المختومة بخاتم بيرسيفال الشخصي.. وكأن الختم ذاته رسالة صامتة تقول:

"أنا لا زلت هنا.. ولا زلت الملك شئتم أم أبيتم."

كان انقطاع أوسكزيرا عن العالم الخارجي قد دام لما يقارب الثلاثمئة عام.. ثلاثة قرون من الصمت والغموض كأن المملكة طويت في صفحات النسيان..

لكن فجأة بدأ هذا القصر الصامت يهمس من جديد.. تسربت الأخبار من بين جدرانه السميكة وانتشرت كالنار في الهشيم:

"الأميرة المفقودة قد عادت.. تهدد وتتوعد وتعلن الحرب."

ومع كل همسة كان العالم يستفيق من سباته تدريجياً، مدفوعاً بالخوف أكثر من الفضول.. وعندما وصلت الدعوات الملكية لم يكن هناك خيار أمام القادة الآخرين سوى الحضور مهما كلفهم الأمر.

لم يكن الحضور تلبية لدعوة شرفية.. بل كان تلبية لاستدعاء يشبه الإنذار الأخير، والكل فهم الرسالة حتى لو لم يجرؤ أحد على قولها بصوت عالٍ..

ولهذا السبب غلف التوتر القاعة بأكملها.. خلف الابتسامات المزيفة والكلمات المتزنة كان هناك قلق مكبوت وأيدٍ مشدودة على مقابض الكؤوس.. وعيون تراقب كل صغيرة وكبيرة..

هذه الليلة لم تكن حفلة حقاً.. بل كانت أشبه بساحة معركة مؤجلة ينتظر الجميع أن تنفجر شرارتها الأولى في أية لحظة..

على طرف إحدى الطاولات كان بيرسيفال وليام متجاورين مكتفين أذرعهم أمام صدورهم وكأنهما يحكمان على العالم بنظراتهما.

بيرسيفال جلس وعيناه نصف مغمضتين وهو يراقب الحشود ببرود عميق.. أما ليام فقد كان أكثر نشاطاً منه بقليل يتنقل بنظراته بين الحضور بابتسامة خفيفة ساخرة بالكاد تمكن من كبتها..

قال ليام وهو يهمس مقرباً رأسه من بيرسيفال:

"لو أنني حصلت على عملة نحاسية مقابل كل ابتسامة مزيفة هنا... لاستطعت شراء إحدى جُزُر أوسكزيرا منك بسهولة فائقة."

لم يجب بيرسيفال فوراً، فقط حرك عينه ببطء بين الحاضرين ثم تمتم بجفاف دون أن يحرك شفتيه كثيراً:

"لن تحتاج إلى جزيرة.. يكفيك زورقٌ طائر تهرب به قبل أن تتساقط هذه الابتسامات كالأقنعة."

لم يتمكنا من إخفاء نظراتهما الساخرة، ورغم محاولاتهما للحفاظ على وقار مصطنع إلا أن شرارات السخرية كانت واضحة على وجهيهما.

بدا وكأنهما في جلسة مهمة من التنمر الصامت وسط هذا الحفل الذي يلمع ظاهرياً لكنه يخفي في أعماقه اضطراباً لا مفر منه..

أما عند أولئك الثلاثة فالوضع كان مختلفاً تماماً عن بقية الحاضرين، لم يكن هناك ملل بل كانت الأجواء بينهم نابضة بنوع آخر من الحياة.. حياة يزرعها آزارييل أينما حل.. حتى في أكثر اللحظات جدية.

كانوا يقفون في إحدى زوايا القاعة دون أن يختلطوا كثيراً ببقية الضيوف، أجسادهم تشكل دائرة مغلقة حول بعضها البعض كأنهم حاجز صغير لا يُخترق بسهولة.. وبينهم كانت الضحكات الخفيفة تتردد بين الحين والآخر، لا تخرق وقارهم لكنها تنزع عن اللحظة جمودها..

آزارييل، بشعره الأسود الناري وابتسامته التي لم تفارقه، كان يتحدث بحماسة غير معتادة يلوح بيده أحياناً وهو يصف مغامراته الطويلة خارج أراضي أوسكزيرا في أماكن بالكاد تذكرها الخرائط أو قد تكون اختفت منها منذ قرون..

قال وهو يشير بيده بشكل مبالغ فيه:

"تصوروا قرية في قلب الغابة.. لا تصلها الشمس إلا ساعة واحدة في اليوم، وسكانها يعتقدون أن الليل كائن حي يجب أن يُطعم كي لا يغضب!"

فيرينا التي بدت كتمثال مصنوع بمثالية فائقة رفعت حاجباً واحداً دون أن تخفي نبرة السخرية من صوتها:

"وهل أطعمته؟.. أم أنك تركته يجوع لتشتعل الأرض من خلفك؟"

ابتسم آزارييل ابتسامة خبيثة وقال وهو يغمز:

"ربما فعلت وربما لا.. لن أكشف كل أوراقي الآن.."

أما يوجين فكانت تميل بجسدها قليلاً وهي تستمع، يداها مشبوكتان أمامها وملامحها هادئة كصفحة ماء، لكن عينيها تتنقلان بينهما باستغراب بسبب غرابة أحاديثهما.. أحياناً تضحك بخفوت وأحياناً تطرح سؤالاً بصوت هادئ منخفض يعكس فضولها رغم رزانتها.. كما سألت فجأة الآن:

"وهل تنين الجليد الذي تحدثت عنه سابقاً حقيقي؟"

أجابها آزارييل بصوت خافت وكأنه يهمس بسر عظيم:

"أقسم أنه كان حقيقياً.. أو هكذا ظننته في تلك الليلة.. كان الجو مثلجاً وأنا كنت ثملاً أكثر مما ينبغي."

ارتفعت زاوية فمه بابتسامة مربكة بين الجدية والمبالغة، ثم غرق في صمت لحظي كأنه يتساءل في نفسه إن كان ما رآه حلماً أم شيئاً لم يجرؤ على تصديقه حتى الآن..

ضحكت يوجين بخفة، بدت كمن يحاول كتم الضحكة لكنها أفلتت منها رغماً عنها.. بعدها التفتت إلى فيرينا، عينيها تحملان لمحة من الفضول والدهشة كأنها تنتظر أن تؤكد لها الأخيرة إن كان آزارييل يميل للمبالغة دائماً..

لكن فيرينا لم تتفوه بكلمة، اكتفت بهزّة خفيفة لرأسها, وابتسامة بالكاد تُرى تلاعبت بأطراف شفتيها.. تلك الابتسامة التي لا تُمنح مجاناً.. بل تُستخدم حين تعجز الكلمات عن التعبير أو حين يكون السكوت هو السخرية المناسبة.

عاد آزارييل ينظر إليهما كأنه يقيس ردة فعلهما، ثم قال بنبرة درامية ساخرة:

"أترون؟.. لا أحد يصدقني، حتى حين أقول الحقيقة.. أبدو كمن يروي أسطورة."

ضحكت يوجين مرة أخرى، ثم قالت له بنبرة هادئة:

"ربما لأنك تعيش كما تُروى الأساطير.. لا عجب أن يختلط الواقع بالوهم من حولك."

رغم الدفء الذي ساد حديثهم، لم يفقد أحدهم حذره.. كانت أعينهم في لحظات الصمت القصيرة تتنقل ببطء بين الوجوه الأخرى في القاعة.. ترصد، تقيّم، وتنتظر..

كانوا يعرفون أن هذه الليلة ليست عادية، وأن خلف الضحكات والرقص والموسيقى هناك شيء يتربص لهم من كل زاوية..

أكمل آزارييل حديثه ونظره شارد في مكان بعيد كأنه يعيش ذكرياته من جديد.. أو كأنه كان ينتظر طوال هذه الليلة شخصاً واحداً فقط ليشاركه تلك التفاصيل الصغيرة التي بدت بلا معنى لبقية العالم:

"وفي أحد المرات تغلبت بالغش في لعبة كان رئيسها غشّاشاً أصلاً.. ليس الموقف جنونياً كسابقه لكن وجوههم المهزومة أشعرتني بالرضا حقاً.. لم يكن انتصاراً نقياً لكنه كان لذيذاً بطريقة خاصة."

ضحكة قصيرة خافتة أفلتت من بين شفتيه وبدا للحظة أنه ينسى أين هو.. عندها رفعت يوجين رأسها نحوه وسألت مجدداً بفضول حقيقي.. صوتها يحمل دهشة خفيفة كأنها للتو استوعبت ثقل ما يقوله:

"ألا يعرفون هويتك؟.. أعني، أنت أحد الحكام هنا.. أليس من الغريب أن لا يتعرفوا عليك؟"

أجابها آزارييل بابتسامة جانبية وهو يميل برأسه كأنه يهمس بسر لا يجب أن يسمعه أحد:

"بالطبع آنستي.. لم يلاحظني أحد لأنني غيرت شكلي واسمي، هم يعرفونني باسم إيلمار."

ارتفع حاجب فيرينا وهي تتنهد بسخرية خفيفة دون أن تخفي نبرة التهكم في صوتها:

"جدياً ألا تفكر بتغيير هذا الاسم؟.. أنت تتجول في العالم بنفس الاسم منذ ثلاثة قرون.. ألا تملّ منه؟"

نظر إليها بازدراء متعمد لا يخلو من المزاح، وأجاب دون تردد وكأن الجواب محفوظ في قلبه منذ زمن:

"كلا، أنا أحب هذا الاسم تحديداً ولن أغيره.. يبدو جيداً على لسان الجميع.. حتى حين يصرخونه وهم يغرقون."

ضحكت فيرينا من قلبها هذه المرة لكنها غطّت فمها بنعومة مدروسة وكأنها تذكرت فجأة أنهم ما زالوا في قاعة احتفال ملكية.. أما يوجين فقد اكتفت بابتسامة خفية، بطريقة ما لم تستوعب بعد كل ما قيل لكنها بالتأكيد كانت تستمتع بالأحاديث أكثر مما توقعت.

اللحظة بينهم كانت دافئة على نحو لا يليق بجلال مناصبهم، لكنها كانت حقيقية كأنها لحظة نادرة من حياة طويلة مليئة بالصمت والأسرار.. لحظة لم تمنعهم من الانتباه لتلك النظرات التي تراقبهم عن بُعد، أو لذلك الإحساس الخفي بأن ما قبل العاصفة قريب جداً وهو ليس سوى هدوء مزيف.

_______________________________________

~ TO BE COMPLETED..🖤☁️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

• وَهْمٌ مُهَشَّمٌ | • Shattered Illusion

المؤلف Lorraine Aavadol
2025/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة