Chapter X: آرُوْمَاسْ

Chapter X: آرُوْمَاسْ

17 0

وقف الأربعة في نفس المكان يتأملون بصمت شديد وعين لا ترمش المشهد القابع أمامهم، وكأن لحظة من الزمن قد توقفت لأجلهم وحدهم.

أربعة منهم كانوا يقفون على الأرض الحجرية الملساء، أما الخامس، كالسيفار، فكان جالساً على كتف آزارييل بثبات مدهش، ساقاه تتدليان في الهواء ويداه متشبثتان بثياب رفيقه الناري بينما عيناه تدوران بقلق واضح في المكان الذي يعيد له ذكريات رآها من قبل..

هكذا كانت الأمور الآن، بكل ما فيها من رهبة وغرابة..

فوق رؤوسهم توجد أوسكزيرا، المملكة الطافية في السماء بجُزُرها السبع المتناثرة، تحكم السماء بهدوئها الساحر.. لكن ما كان تحتها هو الأغرب، وتحديداً تحت الجزيرة الرئيسية منها حيث يقبع هذا الكهف المخفي عن العيون والخرائط والنصوص القديمة.

من الخارج، لا شيء فيه يوحي بالاستثنائية.. مجرد فتحة مظلمة بين جذوع الأشجار المتشابكة في قلب غابة كثيفة، غابة تشبه السُبات الطويل الذي لا يفيق..

لكن الداخل كان عالماً آخر بالكامل.

إنه ليس كهفاً بقدر ما هو متاهة ضخمة، أدغال سحيقة تزدحم بأشجار لا يعرفون أصلها، وجبال تمتد وتتفرع وكأنها تنمو في بطن الأرض لا على سطحها.. وعلى امتداد البصر فهناك بحيرة كبيرة راكدة كأنها لم تُمس منذ آلاف السنين، تعكس الظلمة لا النور كأنها عين الأرض الساهرة في جوف الليل.

هم الآن يقفون على إحدى القمم الصخرية التي تتوسط تلك البحيرة، والمكان كله ملفوف بعتمة عميقة لولا النيران التي تتراقص فوق كف آزارييل والتي أشعلها بنفسه كونه إله النار، تُنير الطريق بصمت حذر وتكشف أجزاءً من الظلال التي تلتف حول الجدران العملاقة في هذا المكان.

وعلى الضفة المقابلة، هناك كانت تنتصب البوابة.

بوابة آروماس.

ضخمة وغامضة، مُرهِبة في هيبتها، محفورة وسط الجدار الحجري الذي بدا أقدم من الزمن نفسه.. لم يكن أحدهم يجرؤ على مقاطعة صمت الآخر، فكلهم شعروا بذات الشيء، بأن هذا ليس مكاناً عادياً وهذه البوابة لم تُغلق لتُفتح من جديد ببساطة.

كانت مغطاة بالرموز القديمة والكتابات التي لم تعد تُقرأ إلا بعيون من يحملون أثر تلك المملكة المفقودة، رموز تتوهج بخفة كلما اقترب منها ضوء النار وكأنها تستيقظ من سباتها الطويل وتتنفس ببطء بعد خمسمئة عام من السكون.

وفي قلوبهم تدفقت مشاعر متناقضة كالرهبة، الشغف، الفضول.. وهناك أيضاً خوف خفي لا أحد منهم تجرأ على الاعتراف به.

خوف من جهلهم لما هو هناك داخل تلك المملكة التي تكاد تسبق تاريخ هذا العالم بوجودها.. خوف مما سوف يجدونه في أعماقها التي لم يطأها بشر منذ آلاف السنين، والتي ابتلعت مَن تجرأ على الاقتراب منها دون أن تُعيده مرة أخرى.. خوف من أن تكون هذه الخطوة مجرد بداية لسلسلة طويلة من الأشياء التي لا يمكن إصلاحها.

خوف من أنهم ربما لن يتمكنوا من الخروج أبداً لو دخلوا إليها، ولا سيما أن لا أحد يعرف بمجيئهم إلى هنا، لا أحد على الإطلاق، لا بيرسيفال ولا أحد من الحُراس أو الخدم في أوسكزيرا.. حتى الذين رأوهم يغادرون القصر لا يملكون أي فكرة عن وجهتهم أو نواياهم.

ما إن انتهوا من التأمل والذهول حتى بدأ الأربعة النزول من الجبل الصخري الذي توسط تلك البحيرة الساكنة في أعماق الكهف.. الطريق للأسفل كان منحدراً زلقاً لكنهم اعتادوا على طرق أصعب من هذا بكثير، لذا لم يستغرق الأمر منهم وقتاً طويلاً.

وعندما وصلوا إلى حافة المياه كانت يوجين أول من تقدم، حيث رفعت هي يدها بخفّة وركزت نظراتها على سطح البحيرة لتنصاع المياه لأمرها بسلاسة ساحرة، فتتجمد على امتداد البصر وتكون جسراً عريضاً من الجليد المتين الذي يمتد نحو الضفة الأخرى حيث تقف بوابة آروماس العملاقة شامخة في الظلال.

ساروا فوق الجسر الجليدي الواحد تلو الآخر، خطواتهم الصامتة تصدر صدىً خافتاً على سطح الجليد الأزرق النقي، بينما لم تكن هناك سوى أصداء أنفاسهم واحتكاك أقدامهم بما صنعته يوجين من جليد بارد ومهيب.

وبعد دقائق من السير وصلوا أخيراً إلى الضفة الأخرى.. وهناك وقفت بوابة آروماس أمامهم، ضخمة بشكل يفوق التخيل ومنقوشة بنقوش لا تشبه ما رأوه في أي مكان آخر، تشبه لغة لا تُقرأ ولا تُنطَق، لكنها مع ذلك تُشعِر من يراها بأنها تهمس إليه شيئاً ما، شيئاً قديماً لا يُقال بصوت مسموع.

ساد الصمت لثوانٍ قبل أن يكسره صوت ليام، وهو يتكلم بنبرته الهادئة المعتادة، لكن هذه المرة مُطعمة بسخرية خفيفة:

"مذهل.. كيف سندخل الآن؟"

نظرت إليه فيرينا ببطء نظرة مليئة بخيبة الأمل وكأنها لم تصدق ما سمعته للتو، حقاً..؟

من بين الجميع؟.. كان من المفترض أن يكون هو الصوت العاقل في هذه المجموعة، وليس مَن يلقي تعليقات طفولية أشبه بما قد يصدر عن آزارييل حين يشعر بالملل.. لو قالها آزارييل فعلاً لما رمشت فيرينا حتى، لكنها لم تكن تتوقع هذا من ليام إطلاقاً.

لكنها لم ترد، ولم يكن هناك داعٍ لذلك فقد وقع الحدث التالي دون سابق إنذار.

كالسيفار الذي كان لا يزال جالساً بهدوء على كتف آزارييل، حدق بالبوابة بعينين متوسعتين كأنه يحاول تذكر شيء ما، شيء دُفِن في ذاكرته منذ زمن طويل.

ومن ثم طار..

انطلق من على كتف آزارييل بسرعة وطار مباشرة نحو البوابة.. الجميع شهق متوقعين ارتطامه العنيف بها، لكن ذلك لم يحدث، بل حتى أنه اخترقها.

نعم، مر عبرها وكأنها ضوء أو سراب، أو بوابة وهمية لا تمنع أحداً من العبور.. مدت يوجين يدها تتلمس البوابة لتتأكد من كونها حقيقية أم لا، ثم تمتمت وهي مذهولة الملامح والنبرة:

"ماذا..؟"

البوابة حقيقية بالفعل ومع ذلك اخترقها هذا الكائن الصغير..؟

مرت لحظات، لحظات بدت طويلة كأنها عمر كامل حتى تحركت البوابة وأخيراً..

صدر منها صوت ثقيل متداخل كأن الصخور نفسها تئنّ من وطأة الزمن، ثم انقسمت البوابة إلى قسمين وتفتحت ببطء على مصراعيها، كاشفة عن نفق طويل مظلم بدا كأن لا نهاية له، نفق لا يقود إلى مكان معروف، بل إلى الماضي ذاته.

عند مدخل النفق وقف كالسيفار ويده الصغيرة تستند إلى مقبض نحاسي على الجدار، وبدا واضحاً أنه هو من قام بفتح الباب من الداخل.

حدق الثلاثة به بدهشة، وكالسيفار كعادته بدا فخوراً بنفسه وهو يحلق مجدداً ويعود ليهبط على كتف آزارييل كأن شيئاً لم يحدث.

"فتحته!!"

قال الصغير بفم ممتلئ فخراً وكأنه فتح صندوق كنز، ثم أردف بعد لحظة وهو يتثاءب:

"والآن أحتاج لقيلولة.."

زفر ليام بخفة بينما أخفت يوجين ضحكتها، أما فيرينا فوضعت يدها على جبهتها بيأس واضح من هذا الكائن الغريب الذي ظهر فجأة أمامها قبل بضعة أيام.

ومن دون كلمات إضافية عبر الأربعة العتبة متجهين بخطى حذرة إلى ذلك النفق العميق، حيث لا شيء سوى الظلام والهواء البارد، وصوت أنفاسهم المتشابكة، ومعه الإحساس بأنهم الآن قد عبروا خطاً لا يمكن الرجوع منه.

مشوا وتوغّلوا في الداخل أكثر بصمت ثقيل يرافقه صدى خطواتهم المتكررة على الأرض الصخرية الباردة.. كانت الجدران من حولهم تزداد رطوبة وضيقاً، والهواء يغدو أثقل كأن المكان نفسه يرفض وجودهم فيه.

مرت الثواني.. ثم تحولت إلى دقائق، والدقائق امتدت وكأنها تسخر من انتظارهم حتى مرت نصف ساعة أو أكثر وهم لا يزالون يسيرون بلا نهاية واضحة.. لا علامات، لا تغير في الممر، لا صوت سوى خطاهم وهمسات أنفاسهم الخافتة، وبعض الكلمات التي يرميها أحدهم، وهو آزارييل، بين الحين والآخر..

تعليقات مثل:

"هل سنموت هناك؟.. ماذا لو متنا هنا قبل أن نصل حتى؟!"

"أتظنون أن بيرسيفال سيقتلنا لو اكتشف أننا هنا..؟"

"النفق مظلم أكثر من اللازم.."

"ماذا لو كان الأمر برمّته كذبة؟!"

"كيف سنتصرّف لو سقط السقف علينا الآن..؟!"

"تخيلوا بعد كل هذا المشي، نكتشف أننا نسير في دائرة.."

ومع كل تعليق، كانت يوجين تجيبه بتململ وتكاد تضرب رأسه بالحائط، أما فيرينا فتحاول ألا تفقد صبرها وتقوم بخنقه.. وليام يتجاهل الوضع كعادته أو فقط يضحك عليه، وهناك كالسيفار الذي يشاركه بتعليقاته المزعجة.

"إذاً.. متى سنصل؟"

قالها آزارييل أخيراً وهو يزفر بضيق وقد تململ حتى بدت ملامحه وكأن متعة المغامرة قد سُلبت منه بالكامل، عبس وهو يحدق إلى نهاية النفق غير المنتهية كأن المكان كله لم يكن إلا خدعة مملة، أو مجرد أسطورة تُروى على لسان العجائز لغرض إثارة فضول الأطفال لا أكثر.

ليس كأنه لم يرَ بوابة عملاقة عند مدخل الكهف.. ومع هذا بدأ يشكّ، بدأ يشعر أن آروماس ليست إلا ذكرى منسية أو وهماً ضخماً صدقوه جميعاً بدافع الملل والفضول.

لكن جميعهم تجاهلوه هذه المرة ولم يرد عليه أحد، فقط واصلوا المسير وهم يركزون أنظارهم على الطريق أمامهم.. عيونهم مليئة بالحذر وقلوبهم مشدودة بتلك الرهبة الغامضة، كأنهم يمشون نحو شيء لا يمكن التراجع عنه.

ثم، وبعد دقائق أخرى من الصمت الذي يكسره آزارييل كل دقيقتين بتعليقاته السخيفة، وصلوا أخيراً.

لكنها لم تكن نهاية سعيدة.. بل كانت نهاية مسدودة.

توقف الأربعة دفعة واحدة.. يوجين، فيرينا، ليام، وآزارييل، بينما كالسيفار ما يزال على كتف آزارييل يحدق بتعجب وارتباك، أمامهم كان جدار ضخم لا منفذ فيه، لا باب، لا نقوش ولا أي شيء يدل على وجود طريق سري أو علامة خفية.

صمت ثقيل خيم على المكان، تلاه شعور بالخذلان.. خيبة أمل واضحة بانَت على وجوههم وكأنهم صُعقوا مما رأوه.

"أليست آروماس حقيقية؟..."

همست فيرينا بخفوت..

"إذاً لماذا؟.."

أكملت يوجين من دون أن تنهي الجملة، فقد ضاعت الكلمات منها كما ضاع الطريق الذي وعدوا أنفسهم أن يجدوه.

ولكن لم ينتهِ الأمر عند هذا الحد.

لأنه فجأة، صدر صوت غريب، صوت أشبه بتكسر العظام أو تشقق الصخور، لكنه لم يأتِ من الجدران ولا من السقف، بل من تحتهم.

الأرض التي كانوا يقفون عليها بدأت تصدر أصواتاً مرعبة، كأنها تتحرك أو تنهار.. شيء مثل الزلزال المدمّر.

نظر كل منهم للآخر، النظرات مليئة بالدهشة والرعب، وكأنهم جميعاً يسألون في صمت مشوّش عن ما هو هذا بحق الجحيم..؟!

حاولوا التراجع، الركض بعيداً والخروج بأي شكل من هذا الممر المخادع، ولكن الأوان قد فات، فقد انشقت الأرض تحتهم فجأة كأن فخاً قديماً تم تفعيله أخيراً، وسقط الأربعة دفعة واحدة، تتبعهم صرخاتهم المذعورة وأخرى أعلى منها صدرت من كالسيفار وهو يتشبث بكتف آزارييل بأطرافه المرتعشة..

كل شيء اختفى في لحظة، الضوء المنبعث من النيران التي أشعلها آزارييل بيده.. الأرض واستقرارها بثبات تحت أقدامهم.. والآن لا صوت سوى الريح المتسربة من الأعماق حيث دوى صدى صياحهم وهم يسقطون في المجهول.

* * *

"كالسيفار..."

تردد صدى الصوت الخافت هذا، الذي ينادي اسم كالسيفار بيأس واضح في نبرته، فنظر كالسيفار صوب الشيء الذي خُيِّل له أنه مصدر الصوت، وقد كان قطعة كعكة حيّة تناجيه وتتوسل إليه كي لا يأكلها.. لكن يبدو أنه لم يبالي أصلاً بتوسّلها به بقدر ما كان يصبّ تركيزه على أنها كعكة يجب التهامها..

رفرف بجناحيه متجهاً نحو القطعة بسرعة، وقد لاحظ تواً أن حجمها صغير مقارنة بحجم القطع التي كانت يوجين تحظرها له من مطبخ القصر، الآن هو يبدو مثل عملاق يسعى خلف بشري ليأكله بشراهة.

ما لم يتوقعه بتاتاً هو أن القطعة هذه بدأت تبتعد عنه محاوِلة أن تقفز لتبتعد أكثر وأكثر عن هذا الكائن الذي لا يهتم بشيء سوى أن يُشبع بطنه.

"كالسيفار..!"

سمع هذا الصوت مجدداً بوضوح أكثر، وهو يناديه بيأس يترجاه أن يَكُفّ عن أياً كان الذي يفعله، لكن كالسيفار لم يهتم وكأنه بالكاد سمع هذا الصوت المتضرّع إليه.

"كالسيفار!!"

بدا هذا الصوت واضحاً ومسموعاً أكثر وهو يدخل أذنيه ليفجّر طبلة أذنه، لكنه لم يفجرها لحسن الحظ بل فقط تسبب بإيقاظ هذا الكائن الذي كان يغطس غطساً في حالة الغياب عن الوعي، وهذا حدث مباشرة بعد سقوطهما من ذلك المكان المظلم والمسدود في النفق.

أفاق كالسيفار من غيبوبته القصيرة مذعوراً، وشعر بالذعر أكثر وهو يرى الوضع هذا، حيث أن آزارييل كان يقاتل أشياء غريبة لا وصف لها، عناكب لكنها تشبه البشر.. بشر برأس وأطراف عنكبوت.. ما هذا المخلوق بحق الجحيم؟!

كان آزارييل يحرقهم واحداً تلو الآخر بلا تساهل أو تردد، ولا يزال يفعل هذا كون اعدادهم كبيرة رغم أن قتلهم سهل بالنسبة إليه.. رفع ذراعه بخفّة خاطفة، وفور استقامة كفّه في الهواء حتى اندفعت منه شعلة نارية متّقدة كأنها طعنة سيف من نار مضرمة تتوجه نحو هذه الوحوش بلا توقف.

استمر الوضع هكذا حيث كالسيفار يختبئ خلف صخرة هو وحقيبة يوجين الجلدية بقربه، بينما آزارييل يعتزم افتعال محرقة مُهلكة بِجموع العناكب البشرية هذه، سيفه الناري المسجور بيدٍ، ويده الأخرى خالية من أي سلاح إلا نيرانه التي يكوّنها هو بنفسه.

مرّ الوقت سريعاً وتم إبادة سرب العناكب على يد إله النار، ثم انحنى آزارييل بجسده إلى الأمام، يده على ركبته وصدره يعلو ويهبط يحاول التقاط أنفاسه.. اقبل كالسيفار مسرعاً إلى آزارييل وهو يطير ممسكاً بالحقيبة الثقيلة بيديه الصغيرتين ويحاول ألا يسقطها أرضاً، ابتسم آزارييل على منظر هذا المخلوق وهو يحاول جاهداً أن يحافظ على حقيبة سيدته من السقوط والاتّساخ..

مدّ يده ليأخذ الحقيبة من كالسيفار، ثم أشار إليه كي يجلس على كتفه حتى يتمكنا من التوغّل أكثر في هذه المملكة.. وهذا الجزء منها تحديداً.

لاحظ آزارييل منذ أن حطّت قدماه على هذه التربة، أن المكان يشبه أوسكزيرا إلى حدٍّ كبير، كأنه صدى صوت أو صورة باهتة لتلك المملكة المتمركزة في وسط سماء العالم، باستثناء أن آروماس تحت الأرض.. نفس المكان والإحداثيات ذاتها على الخريطة، باستثناء أن الأولى في الأعالي أما الثانية فَتحت الأرض موقعها.

مملكة مقسّمة إلى عدّة جُزُر تربطها جسور سحرية شبه محطّمة ومتآكلة إلى حد ما، في أوسكزيرا لو استرقت النظر للأسفل من حدود إحدى الجُزُر، فالأرض ستكون واضحة، أي الممالك والمُدُن في الأسفل، الغابات والأنهُر والبحار، كلها موجودة لكنها مصغرة بالطبع.. أما هنا فلا شيء، لو نظرت للأسفل فلن ترى شيئاً سوى الفراغ واللون الرمادي الباهت ممزوجاً بالبنفسجي.

الجو غريب، السماء رمادية باهتة كذلك، كأن الحياة قد سُلِبَت منها، المنطقة التي هما فيها الآن ليست في ظلمة تامّة، فهنالك نور غريب ينبعث من أعمدة حجرية مضيئة ومن شقوق في الجدران، شقوق تنبض بهالة غامضة.

الجدران محطّمة والأعمدة مائلة كأن حضارة عظيمة سقطت منذ زمن بعيد، وفي كل زاوية هنا وهناك، يوجد نور بارد لا يبعث الدفء أو الطمأنينة بتاتاً، كأنه يهمس بنغمة أزلية مندثرة، جليديّة وباردة الوجدان، كأن المشاعر والروابط تم سحبها وسحقها بمطرقة بحيث أنها اختفت من المكان أيضاً، وليس فقط الشعب المشتّت من قبائل السحرة.

الهندسة المعمارية للمكان تشبه أساليب الحضارة اليونانية القديمة، بالأعمدة الشاهقة المتعدّدة ولون التراب الصحراوي، لكنها مائلة ومُتهدّمة كأن الزمن نفسه انحنى فوقها وأثقل كاهلها.

نقوش غريبة تملأ الجدران، تشبه المسمارية السومرية لكنّها أكثر تعقيداً، تلتفّ وتتداخل كأنها كتابات تُخاطب العابرين من عالم آخر.

أما الرسومات فألوانها مقتصرة على الأزرق والذهبي، كما لو كانت مقتطعة من جدران بابل القديمة.. لون البحر العميق حين يعانق الغموض، وتلك اللمسة الذهبية كأنها سحر يتسلل من تحت الضوء.

فوق رؤوسهم ثريّات دائرية معلقة في الفراغ، لا تستند إلى شيء.. تتلألأ كنجوم خافتة تُزيّن سماءً مفقودة، لكنها شاحبة مُرتجفة، أشبه بأرواح الموتى وقد عُلّقت هناك تنتظر شيئاً لا يأتي.

تنتصب في المكان تماثيل غريبة لآلهة وسحرة منسيين، هيئةُ أجسادهم بشرية، لكن رؤوسهم أفاعٍ ملتفّة، أو عناكب ضخمة مشوّهة أسوأ حتى من أولئك الذين أُحرقوا على يد آزارييل.

وكأنها تراقب.. بلا عيون، بلا صوت، فقط ذلك الشعور البارد في الرقبة، شعور بأنك لست وحدك، بل دخيل في أرض لا تنتمي إليها.

الآن هو في الجزيرة الأولى وأمامه جزيرتان، يربطهما به جسران مهدّمان ضيّقان، لا يتجاوز عرض كلٍّ منهما مترين، وتحتهما الفراغ العميق... الهاوية، حيث خطوةٌ واحدة خاطئة، وسينتهي الأمر.

السقوط هنا لا يُغفر، ولا يترك أثراً.

أما الجزيرة الرابعة فتلوح في الأفق، تبدو الأكبر، وربما هي الأهم.. فيها مبنى لا يزال سليماً نسبياً على الرغم من أن أحد زواياه الأربع قد انهار، فصار مكشوفاً من جهة واحدة، وكأن شيئاً في الداخل أراد أن يُطلّ على الخارج.

وقف آزارييل مكانه يتأمل ويتساءل...

هل يعبر تلك الجسور المعلّقة فوق الفضاء؟

أم ينسحب بصمت ويبحث عن فيرينا وليام..؟

عندها تسلل إليه شعور يبعث على الحيرة، لكنه دافئ بشكل ما.. كأنه شُعلة لهب تعجّ بالحياة وسط مكان يتدفق منه الموت بكَثرة، كالسيفار لاحظه أيضاً.. لم ينتظر أيٌّ منهما الآخر ليأذن بالتحرك نحو ذلك الشيء الذي بثّ في داخلهما ذلك الشعور الغريب، إذ تحرّك آزارييل نحوه مباشرة، ببطء وحذر.

لم يعتمد على بصره في التتبّع، بل على بصيرته.. كأنه يرى خيط حياة غير مرئيّ وسط الموت، دفئاً يتخلّل صقيع الجليد، مشى ومشى حتى بلغ تمثالاً ضخماً، تجاوزه بخطى ثابتة، ثم توقّف فجأة، مأخوذاً بما رآه خلفه.

ظل يحدق، يتأمل، يتفحّصها بعينيه كما لو كان يتحقّق أن ما يراه ليس وهماً ولا حُلماً.. كانت تُدير له ظهرها، واقفة عند حافّة الجزيرة تُحدّق في الفراغ المحيط بهم من كل حدب وصوب.

لكن شعرها الأبيض كافٍ جداً ليتضح له أن من تقف أمامه هي لورين آفادول.. وإلا فمن ذا الذي يملك شعراً أبيضاً كالجليد في مكان كهذا تحديداً؟

انسلّ آزارييل نحوها بحذر، بخطى بطيئة، حتى أصبح على مقربة منها.. ورغم قربه فهي لم تلتفت.

هل تجاهلت وجوده؟.. أم أنها لم تلحظه أصلاً؟

أخذ يحدّق فيها مطولاً، يتفحّص تقاسيم وجهها البارد.. لا توجد دلالة على أيّ مشاعر، فقط جمود لا يُضاهى كأن الزمن تجمد في ملامحها.

أما كالسيفار، فكان قد تشبّث بياقة قميص آزارييل أكثر وملامحه أظهرت قلقاً واضحاً... بينما آزارييل فلم يزل ينظر إليها وهي تمعن في شرودها، تغوص بنظراتها في عمق الفراغ، كأنها تلاحق شيئاً لا يُرى.

تتبّع خيط أنظارها، لعلّه يعرف ما الذي يشدّ انتباهها في هذا الظلام الساكن، فرأى ما رأت..

كائن غريب.. ليس غريبًا بالمطلق، إنما بحسب المقياس المعتاد للغرابة، فهو غريب جداً.

إنه قنديل بحر، وهذا طبيعي.

عملاق... يصل طوله إلى عشرة أمتار أو أكثر، وهذا أيضاً مقبول بالنظر إلى ما رآه في مغامراته السابقة.

شفاف، بالكاد تتضح هيئته.. لا بأس بهذا أيضاً.

لكنه يطفو في الفراغ حيث لا وجود للماء، وهنا تبدأ الغرابة.. وهنالك أكثر من واحد من هذه المخلوقات، يوجد الكثير غير هذا الذي أمامهم لكنها بعيدة على ما يبدو.

تبادل آزارييل وكالسيفار النظرات، وكلّ منهما حواجبه معقودة، وكأن أعينهما تحولت إلى علامات استفهام تُبين المشهد بطريقة ألطف مما يسمح به الموقف.

حينها فقط، ادارت لورين وجهها نحو إله النار تنظر إليه، غير متفاجئة بتاتاً بكونه هنا، وكأنها توقعت مجيئه، لا يزال آزارييل يحدق في ذلك القنديل بتساؤل جليّ في عينيه الناريتين.

"أنتَ.. لقد جئت."

أدار آزارييل وجهه نحوها فور سماعه لصوتها وهي تتحدث إليه، لم يشبه صوت شخص يتحدث مع أحد أعدائه.. ناهيك عن كونه إلهاً في أوسكزيرا.. المكان الذي تسعى هذه الأميرة لإسقاطه.. تمتم بكلمات حذرة:

"وهل كنتِ قد طلبتِ مجيئي..؟"

رمشت بتأنٍّ وكأنها تفكر فيما يمكنها أن تقوله له، تقلّب الخيارات المتاحة في عقلها قبل أن تنطق.. أعادت نظرها للأسفل باتجاه الأرض، ومن ثم أجابت بذات الهدوء الذي كان:

"لم أطلب."

جوابها لم يزد الأمر إلا حيرة، أيّ أسلوب في الإجابة هذا؟.. أهو جفاء أم سخرية؟.. أم هو شيء لا يشبه أياً من ذلك؟

ظلّ يحدق فيها، حاجباه معقودان وثغره نصف مفتوح كأن سؤالاً لم يكتمل عالق على طرف لسانه، أو بالأحرى اسئلة..

من تكون غريبة الأطوار هذه؟

أهي حقاً العدوة الأكثر بغضاً لأوسكزيرا؟

تلك التي تُصنّف على أنها الخطر الأعظم؟

بصراحة... بدت له نوعاً ما.. خرقاء.

لكن في الوقت نفسه، لم تكن أبداً من النوع الذي يُستهان به، هو فقط لن يفعل شيئاً.. للمرة الأولى، شعر أن القرار الأمثل هو أن لا يتصرف تبعاً لمزاجه على الإطلاق.

"صفقة."

قامت لورين بشدّ انتباهه تجاهها مجدداً بتفوهها بهذه الكلمة، ثم أكملت:

"إنني أحتاج إله النار ليفعل شيئاً ما هنا، وبالمقابل سوف أساعدكَ في إيجاد اصدقائكَ ومن ثم الخروج من هنا.. بأمان."

قالت كلامها مؤكدة على الكلمة الأخيرة.. الأمان.

وكأنها تخبره بصريح العبارة أن لا حول له ولا قوة أمام ما يمكن أن يجده ويقاتله هنا.. أو ربما أمامها هي شخصياً في حال أنه رفض العرض البسيط هذا، الذي هو أقرب للتهديد منه إلى عرض صفقة بشكل سلميّ.

"ما الذي تحتاجينه بالضبط؟"

سأل آزارييل، مستسلماً للأمر الواقع، هي لن تؤذيه طالما لم يجرؤ على إيذائها.. وهو يعرف ذلك.

وأخيراً تحركت لورين من مكانها، وقد بدت للحظة كأنها بشر حقيقي، لا تمثال ساكن.. سارت بصمت دون أن تنبس بكلمة، لكن خطواتها وحدها كانت كافية لتُفهمه أنها تريد منه أن يتبعها.

وهكذا فعل.

سار خلفها، وكالسيفار لا يزال متشبثاً بياقة قميصه رافضاً أن يُفلتها، كمن يتمسك بآخر نقطة أمان وسط المجهول..

_______________________________________

استمرّ ليام وفيرينا في السقوط بينما دوى صدى الريح من حولهما كأنهما يسقطان في فراغ لا نهاية له، كانت الظلمة تبتلع المدى والهواء يزداد برودة كلما اقتربا من الأرض، إلى أن شعرت فيرينا فجأة بأن سطحاً ما يقترب بسرعة غير مأمونة.. لم يكن لديهما خيار سوى أن يتداركا الموقف قبل أن يصطدما بالأرض.

بسرعة بديهتها وقوة الحياة التي تجري في عروقها وتتبلور في أعماق روحها، مدّت فيرينا كفها نحو الأسفل فاستجابت لها الأرض وارتفع من تحتها جذع عظيم، نبت من عمق التربة في لحظة كأنه شجرة عملاقة وُلِدت في زمن خاطئ لتكون أداة نجاة.. كان الجذع منحنياً بشكل طبيعي، أشبه بزحلوقة خضراء عريضة، امتدّ حتى بلغ السطح وسهّل هبوطهما بأقل الأضرار.

هبطا عليه برشاقة أثيرية، هما ليسا غريبين عن السقوط من الأعالي، فقد اعتادا الثبات حتى في الفوضى.. كانت أجسادهما معتدلة، قدماهما متجهتان نحو الأسفل ورأسيهما نحو الأعلى، يداً في يد كأن تلك القبضة بينهما كانت الحبل الوحيد الرابط بالعالم العلوي.

وحين بلغا الأرض أخيراً، لامساها بانسيابية تامة ولم يصابا سوى ببعض الخدوش السطحية على الذراعين والكتفين.. كانا يلهثان بتسارع، أنفاسهما متثاقلة وقلوبهما تخفق كأنها تحاول اللحاق بما جرى...

تبادلا النظرات للحظة ثم راحا يتفحصان المكان من حولهما، عيونهما تنتقل من زاوية إلى أخرى، يلتقطان كل تفصيل وكل ظل.. كانت الأرض منبسطة إلى حد ما، مفروشة بطبقة كثيفة من الطحالب والأعشاب البرية الرطبة، فيما كانت الأشجار المتشابكة تملأ المكان، أشجار عملاقة بغير جذوع تقليدية وكأنها نبتت هنا منذ آلاف السنين، ورفضت الموت أو الانحناء.

لكن ما شغل تفكيرهما أكثر من شكل الغابة، كان غياب الآخرين..

"أين هم؟"

تمتمت فيرينا وهي تلقي نظرة قلقة في الأرجاء.

ليام بدوره حدق إلى الأعلى حيث الفتحة التي سقطا منها، لكن الظلام كان قد التهمها بالكامل وكأنها لم تكن.

في تلك اللحظة أدركا معاً أنهما انفصلا عن المجموعة أثناء السقوط، ولم يكونا يعلمان متى أو كيف حدث ذلك بالضبط.. كانوا خمسة، أما الآن فلا أثر سوى لهما.

صمت ثقيل خيم على المكان كأن الغابة نفسها تستمع لأنفاسهما وتراقب خطواتهما.. ومع ذلك، لم يكن هناك وقت للتردد أو الذعر، فحتى إن كانت الأمور خارجة عن التوقعات فإن العودة لم تعد خياراً مطروحاً.. عليهم أن يجدوا رفاقهم...

بدأ الاثنان بالسير نحو مصدر الضوء الذي بدا وكأنه يدعوهم بصمت غريب، خطواتهما كانت حذرة، حذراً لا ينبع من الخوف بل من إجلالٍ لما قد يكون بانتظارهما.. كان الهواء من حولهما ثقيلاً وكأن الغبار ذاته يحمل ذاكرة المكان، يتنفس معهم ويشهد على عبورهم.

المكان الذي دخلاه بدا في أول وهلة فراغاً دامساً تحفّه الأشجار الكثيفة من كل صوب، أشجار باسقة بلغها الكبر حتى بدت جذوعها أشبه بأعمدة معابد عتيقة، متداخلة بأغصانها كأنها تخفي العالم خلفها عمداً.. الأرض كانت رطبة، مغطاة بسجاد من أوراق سقطت منذ قرون، ولم تجرؤ الريح على تحريكها.

لكن حين اخترقا هذه الغابة الصامتة واقتربا من ذلك النور الغامض، بدا المشهد أمامهما كما لو أنه اقتُطع من حكاية أُسقِطت من صفحات كتاب قديم ضاعت فصوله في الذاكرة، وبقيت هذه الصفحة وحدها محفوظة في عمق الأرض.

كانت أمامهما مملكة كاملة قائمة بشموخ تحت الأرض، كأن الزمان قد توقف هنا، أو خشي أن يقترب منها فأبقاها بعيدة عن الانهيار.. بناؤها عجيب متدرج على سفح جبل واسع يمتد من أدناه إلى أعلاه، حيث تصطف البيوت الصغيرة أولاً ثم ترتفع البنايات وتكبر كلما صعدت مع الطريق الحجري، حتى تصل إلى القصر العظيم في الأعلى، القصر الذي تقول الأساطير إن الآلهة كانوا يحكمون من شرفاته هذا العالم الخفي.

كل شيء فيها بدا حياً رغم الصمت... النوافذ لم تتحطم، الأعمدة ما زالت قائمة والأبواب مغلقة كما لو أن ساكنيها سيعودون بعد قليل.

أما السماء التي امتدت فوق هذا العالم، فكانت أغرب ما في المشهد.. لم تكن ظلمة ولا ضوء، لكن خليط من البنفسجي العميق والأزرق المتوهج كأن طبقات السحر اجتمعت لتصبغ الغلاف بألوان لا تنتمي لأي زمن.. نجوم متناثرة وقمر شاحب يشبه اللؤلؤة، عُلقتْ وسط هذه السماء غير الواقعية.. وجود سماء كهذه تحت الأرض بدا وكأنه خرق لقوانين الطبيعة ذاتها.. أو ربما تجسيد لعالم صُنع بقوانين مختلفة.

تبادل ليام وفيرينا النظرات، صمتٌ طويل كان كافياً ليقول كل شيء، لم يكن في مقدورهما سوى أن يحدقا وأن يستوعبا ببطء ما يرونه..

قالت فيرينا أخيراً بصوت خافت يكاد يهمس خشية أن تُسمِع هذا العالم وتوقظه:

"إنها هنا..."

أومأ ليام دون أن ينطق، عيناه لا تزالان تتابعان التفاصيل، كل زاوية، كل شرفة، كل شقّ في الجدران، كأن عينيه تخزنان المشهد ليلاً للذكرى، أو لأن جزءاً منه يخشى أن يختفي فجأة، كأنه حلم طويل أو خيال وهمي.

كانت تلك الأرض خالية تماماً من أي مظهر ينبض بالحياة.. صمت كثيف يخيم على الأجواء كأنه ستار سحري يخنق حتى صدى الخطوات.. لا صوت طيور، لا حفيف أجنحة، لا همسات حيوانات ليلية تختبئ في العتمة،فقط فراغ محض، إن استُثنيت منه الأشجار والنباتات التي رغم حضورها، بدت أقرب إلى تماثيل حجرية منها إلى كائنات حية.

رغم أن البنايات الظاهرة أمامهما ما تزال قائمة بصلابة، لا تبدو مهدمة أو متآكلة، فإن إحساساً غريباً بالتقادم تسرّب إليهما.. تناقض حيّ.. مدينة لم يمسها أحد منذ آلاف السنين ومع ذلك لم تسقط، الأبراج لا تزال منتصبة والنوافذ مغلقة كأن أحداً أقفلها بالأمس، ولكن حين أمعن الاثنان النظر أكثر، ظهرت التفاصيل التي لا تراها العين في النظرة الأولى، الجدران بها شقوق ضئيلة، تشققات رفيعة كخيوط الزمن تمتد على السطح مثل ندوب لا تزول.

ربما، كما فكر كلاهما، بسبب المسافة لم يتضح لهما المشهد تماماً.. وربما كلما اقتربا أكثر تكشفت لهم طبقات أخرى من هذه المملكة، طبقات لم يعُد الزمن قادراً على إخفائها.

بدآ بالتحرك بخطى متأنية نحو تلك البنايات الغارقة في السحر، كل منهما بات يستشعر المكان بحواسه كاملة، لا فقط ببصره وسمعه بل بنبضات قلبه.. الجوّ حولهما كثيف، ليس بسبب الحرارة أو البرودة بل بسبب طاقة كامنة، طاقة صامتة لا توصف كأن المملكة تحبس أنفاسها منذ دهور، تنتظر من يوقظها.

* * *

"أوه يا إلهي..."

تنهد ليام بشكل خالٍ من الأمل تماماً، وكأنه يواجه أكبر معضلة في حياته في هذه اللحظة.

"يبدو أن هذا سيكون لطيفاً، أليس كذلك؟"

قالت فيرينا بثقة، وابتسامتها التي تفيض مكراً قد برزت على وجهها الذي يعجّ بأنوثة ماكرة تجعلها أشبه بالثعالب.. لكن أقرب إلى الإلهة الحسناء أيضاً.

"أجل أجل، فقط اصمتي.. أنا لستُ قلقاً بسببهما البتّة."

ردّ ليام عليها بوقاحة لم تعهدها فيه من قبل، فصاحت به بنفس النبرة، كأنها تبتغي افتعال شجار.. شجار في وضع غير مناسب أبداً..

"مهلاً، أأنتَ قلق بسببي أنا؟!!"

"فيرينا حبيبَتي، لو أنّكِ ستقاتلين خارج زنزانة الحدود الطبيعة والعقلانية، فلن تكوني شيئاً سوى عائق كبير لي."

كالعادة، تنبيه ليام لها لم ينفع بشيء لأنها لا تستمع إليه بتاتاً، ولا تزال واثقة جداً من نفسها، واقفة أمامه، تضم يديها إلى صدرها وتنظر له بتحدٍّ قائلة:

"أظن أن هذا سيكون في صالحنا حقيقةً.."

"كيف، بحق الجحيم، سيكون خروجكِ عن طوركِ نافعاً لنا وفي صالحنا؟؟"

"فقط حدد لي الهدف وسأنهيه بسرعة، هذا كل ما أحتاجه."

"فيرينا، هل أنتِ جادّة؟!"

"أنا جادّة حدّ الموت."

"ستكونين ميّتة بجدّية لو لم تستفيقي حالاً.."

تفوّه ليام بكلماته هذه وهو ينقر بإصبعه على جبينها علّها تستفيق حقاً، لكن يبدو أن لا فائدة تُرجى من نقرة الإصبع.. هل يتوجب عليه أن يخنقها الآن؟

"أتظن أنني لا أستطيع تحمّل بضع إبر مسمومة؟"

"لا يمكنكِ فقط أن (تتحملي) إبر تيارا، هذا لن ينفع!"

بدأ صوته يعلو لكنه ما زال ثابتاً هادئاً بطريقة ما، دلالة على كونه سيفقد صبره ويخرج من هذه المملكة اللعينة.

أولاً تم إجباره على المجيء، ومن ثم تفرّقوا عن بعضهم البعض، وبعدها وجد نفسه مع فيرينا في منطقة فارغة تماماً من أي حياة سوى بضع مخلوقات غريبة مثل تلك القناديل التي تطفو في السماء الرماديّة الباهتة..

وبعدها التقيا بأوريليا وتيارا، حيث أنهما ضائعتان أيضاً ويبحثان عن لورين آفادول.. والآن عليهم القتال اثنان ضد اثنين، والفائز سيقتُل الخاسر وأصحابه الضائعين ويخرج سالماً مع رفاقه خارج المملكة..

هو فقط يريد أن يصرخ الآن.

نقل عينيه الزيتونيتين تجاه تلكما الاثنتين، حيث تتناقشان بهدوء بشأن شيء ما لا يريد أن يعرفه أصلاً، الأمر مضحك كيف أنهم أربعتهم اتفقوا على ألّا يخرج أحد من هذه المنطقة إلا وقد قتل الاثنين الآخرين.. فهِموا الأمر وقرروه دون نقاش حتى.

أعاد عينيه إلى فيرينا، حيث أكملت حديثها تصرخ بوجهه:

"فقط حاول أن تثق بي.. يمكنني فعلها!"

رفع حاجباً واحداً ونظر إليها من الأعلى إلى الأسفل ثم للأعلى مجدداً، نظرة لا تعرف هل هي خيبة أمل أم سخرية أم عدم ثقة، ثم تنهد مجدداً وقال لها بهدوء:

"حسناً إذاً، أنتِ سوف تموتين، ومن بعدها هما سوف ينقضّان عليّ كأنني قمتُ للتو ببيع صديقتهما الحبيبة ذات الشعر الأبيض إلى محلّ سلخ جلد وتجارة بشر في إحدى زوايا السوق السوداء."

"أنت تتصرف وكأننا لسنا نفوقهما قوّة.."

عندها عاد صوت الجدال يعلو شيئاً فشيئاً بينهما، حين قال ليام بنبرة توضّح مدى رفضه للوضع بأكمله:

"أأنتِ تدركين أن أوريليا ستحاول، حرفياً لا مجازياً، أن تقتلكِ؟؟"

لكن.. هو ليس خائفاً من القتال ضدهما، وفيرينا تعلم.

كل ما في الأمر هو أنه منذ البداية أتى مُكرهاً، ولذلك هو سوف يستمر برفض أي شيء وكل شيء إلى أن يخرجوا من هنا، ولا سيما الأشياء التي لم يتوقّعوا حدوثها، مثل وجود تيارا وأوريليا هنا..

والآن هو يحاول أن يبتعد عن المشاكل بقدر ما يستطيع، هم بالفعل في مشكلة كونهم حُبِسوا هنا، والآن لورين آفادول واثنتان من الآلهة السابقين في أوسكزيرا، وطبعاً هما الأقوى من بعد بيرسيفال، محبوساتٌ هنا معهم..

ردّت فيرينا على كلامه بغضب واضح:

"هي ليست أول شخص يحاول ذلك."

"ليس بوسعكِ الدنو منها إطلاقاً."

"كل ما أحتاج لفعله هو أن أضع يدي على واحدة منهما، ويفضَّل أن تكون أوريليا والسبب واضح، هذا كل ما أحتاج لفعله!!.. ليس صعباً كما تُصوِّره أنت!"

"يا إلهتي الجميلة..."

قال ليام بنبرة حاول أن يبقيها هادئة قدر الإمكان وهو يلوح بيده في الهواء وكأنه يحاول التأكيد على شيء واضح.. ثم وضع يديه على كتفها يثبّتها في مكانها قائلاً:

"أوريليا كانت ولم تزل قادرة على تحريك جُزُر كاملة من مكانها دون أن تبذل أي جهد.. ناهيكِ عن مزاياها الأخرى حيث زلزلت القصر الرئيسي ذات مرة وأراضيه من حوله فقط بسبب احتقانها منّا..!"

"نعم، نعم، لكن لو استطعتُ فقط أن-"

قاطعها ليام بسرعة قبل أن تُكمل وكأنه يحاول عدم فقد صبره:

"فيرينا، إن جال ببالك الاقتراب منها وهي ترفع بقواها صخرة بحجم منزل من تلك المنازل، ثم رمتها عليكِ، فاعلمي أن الشلل سيكون أقل ما قد تصابين به."

نظرت إليه فيرينا بتحدٍّ واضح، وقالت ببرود ساخر:

"لم أعتقد يوماً أنّك، من بين كلّ الأشخاص الذين أعرفهم، ستكون خائفاً من أوريليا."

رفع ليام حاجبيه ساخراً، ثم أردف بلهجة أشد من السابق:

"آسف، آسف، هل قلتُ شلل؟؟.. كنتُ حتماً أقصد أنكِ ستكونين مقطوعة الرأس والأطراف، مع عظام مسحوقة بالكامل."

رمقته فيرينا بنظرة غير مقتنعة، وقالت باقتضاب:

"أنتَ تبالغ."

حينها ضحك ليام بمرارة، ومن ثم أشار بيده نحو الأمام قائلاً:

"ربما أنا كذلك، لكن يمكنكِ الذهاب للتأكد بنفسكِ.. ألقِ عليها ورقة شجر وانظري ما الذي ستفعله لكِ تلك المختلّة، حينها سوف يكون بوسعكِ الجزم فيما إذا كنتُ أبالغ أم لا."

صمتت فيرينا عندها وقطّبت جبينها رفضاً لأقواله، وكذلك فعل ليام.. عمّ السكون بينهما للحظات حتى أتاهما صوت فضولي يحمل شيئاً من السخرية:

"ما الذي تتحدثان عنه هناك؟"

وها هي تيارا تتقدم نحوهما، امرأة بطول متوسط وبشرة بيضاء، شعرها الأبيض الطويل مربوط على شكل ظفيرة، تتخلله خصلات ذهبية واضحة بلونها المميز الخاطف للأنظار.. ذهبي بحت.

وكذلك عيناها بلون الذهب المصفّى، مما يجعلها تبدو كملاك مقدّس يحمل قوى الآلهة، لكن في الوقت ذاته كل من يعرفها يعرف أنها ليست سوى شيطان خطير يمتلك قوى قاتلة..

هذه المرة لا تحمل الإبر معها على ما يبدو، إذاً هي تريد التحدث بشكل سلميّ فقط.. لكن هذا ليس عذراً للتساهل أبداً، ولذلك تحدث ليام مباشرة بنفور واضح ونبرة حادة:

"ألا يمكنكِ أن تمانعي شؤونكِ الخاصة؟"

ظلت واقفة مكانها بثبات، وملامح وجهها مزيج بين الابتسام والاستفزاز، ثم قالت بذات النبرة الساخرة:

"يبدو كموضوع مثير للاهتمام جداً."

أصرّ ليام على موقفه بعدم التفاعل معها مطلقاً، فقرّب فيرينا منه قليلًا وكأنه يحرص على سلامتها، ثم أجابها بوجه عابس وصوت يملؤه الغيظ:

"تيارا، أُغربي عن وجهي وارجعي إلى حيث أتيتِ."

رفعت حاجباً تنوي أن تتصنّع الاستغراب وردّت باستهزاء:

"كلامك معي ليس لطيفاً أبداً.. أين احترام الكبير؟"

قال من دون أن ينظر إليها حتى:

"غير موجود عندي، اذهبي بعيداً."

"ألا تريد التحدث معي؟"

طريقة كلامها جعلته يعقد حاجبيه ويغتاظ أكثر، هذه المرأة لا تزال كما هي، تحب أن تلعب بأعصابه حيث أنها تتظاهر باللطافة والبرائة لتستمتع وتضحك عليه لا أكثر، وما يزعجه هو أنها تنجح دائماً.. هي الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يدوس على أعصابه وتفسد سيطرته على نفسه.. هي إلى جانب فيرينا طبعاً، وربما آزارييل أيضاً.. وهناك بيرسيفال بالطبع...

تنهد ثم قال ببرود وهو يشيح بنظره عنها:

"أنتِ متلاعبة جداً وأنا لا أريدكِ بالقرب منّا."

هذا الرد البارد جعل تيارا تتنهّد وكأنها فقدت الأمل في إزعاجه، لكن مع ذلك، ملامحها بقيت كما هي.. الابتسامة الخفيفة الساخرة لا تفارقها حين تقول له:

"هفف، حسناً... لستما ممتعَين بتاتاً."

قالت عبارتها وظلت واقفة في مكانها تحدق به وبفيرينا بلا أي حرج.. عندها نقل ليام بصره إلى الشخص الواقف خلف تيارا على بعد بضعة أمتار، أوريليا.

ولا تزال كما رآها آخر مرة قبل بضعة أشهر، حين هجمت عليهم وآذت يوجين، لكن الفرق أن هذه المرة تبدو أكثر هدوءاً، تبدو.. لكنها ليست كذلك حقيقةً.

فمن الواضح أن عينيها فيهما رغبة صريحة بإراقة الدماء، ملامح دمية مستعدّة للقتل في أيّ وقت كان.

تجاهلها وأرجع نظره نحو تيارا التي لا تزال تحدّق فيهما بلا توقف أو انقطاع..

"إذاً...؟!"

هذه المرة كانت فيرينا هي المتحدّثة، قالتها بنفس الغيظ الذي يشعر به ليام في هذه اللحظة، فرفعت تيارا ذقنها قليلاً وأجابت بهدوء بارد وكأن لا شيء يهمها على الإطلاق:

"بالمناسبة.. أنتما لا تزالان مثيرَين للشفقة."

ردّت فيرينا بسخط واضح وهي ترفع صوتها قليلاً:

"أجل، صحيح، معكِ حق.. أيضاً، ألستِ تملكين قضايا خطيرة لتتجاهليها؟.. تعلمين، اشياء عن الأدوية والسموم أو ما شابه.. أليس هذا عملكِ؟.. لِمَ أراكِ تتجاهلين الأمر؟"

حينها، لم تتغير تعابير تيارا بتاتاً، بل ازداد الاستفزاز في نبرتها حين قالت لهما:

"ألستُما تملكان (طُغاة) لتتجاهلوهم؟.. لماذا إذاً أراكما هنا تضيعان الوقت؟"

ظلّ ليام صامتاً مقطّباً حاجبيه، يأبى أن يتكلم أكثر.. أما فيرينا فلم تتحمل الوضع أكثر، وصرخت بوجه تيارا وقد بدأت تفقد أعصابها:

"اذهبي، الآن!!"

عندها قلبت تيارا عينيها بتثاقل، ثم انصرفت تمشي بكل هدوء ووقار، لا تبدو وكأنها أرادت افتعال شجار من لا شيء قبل لحظات.

وصلت إلى حيث تقف أوريليا وهمست لها بشيء، ثم ابتعدتا كلتاهما عن مرأى الأعين.

وهكذا، يشعر ليام أن الأمر سيكون طويلاً حقاً.. هو فقط يريد العودة لينام، هل هذا صعب جداً..؟

لكن يبدو أنه لن يرتاح، حيث عادت فيرينا تبتغي الجدال معه مجدداً وقالت بابتسامة ساخرة:

"لقد تَمكنَتْ منا بشكل جيد إلى حدٍّ ما..."

فأجابها ليام بنبرة لاذعة، غير متصنع هذه المرة، وكأن صبره بدأ ينفد، هو بنفسه يتسائل لماذا لم ينفد حتى هذه اللحظة..

"ومن يهتم؟!!"

بدأت فيرينا بتثبيت موقفها كأنها تلعب معه:

"يعني، أظن أن...-"

قاطعها وهو يرفع صوته قليلاً:

"فقط اسمعيني، هذا ما سنقوم بفعله الآن..-"

لكن فيرينا عادت لتقاطعه بضحكة خفيفة، وكأنها تستمتع بإغاظته:

"ليام، لو كنت تتوقع أنني سأقاتل بتلك الطريقة الطائشة وأتبع خطة بنفس الوقت فأنت.. أنت فقط سخيف."

هزّ رأسه وهو يحاول أن يثبت جدّيته:

"لو أنكِ خطوتِ إلى هناك، وضعتِ مخالبكِ في اصابعكِ، وبدأت برمي طاقة الحياة وسكاكينكِ الصغيرة بشكل عشوائي بأقوى ما يمكنكِ.. فسوف يتم الإطاحة بكِ بكل سهولة وسرعة."

نظرت إليه فيرينا بعينين لامعتين تجمع بين الاستهزاء والجدية:

"الحياة والموت."

قطب ليام حاجبيه وهو مستغرب:

"ماذا؟!"

فتابعت فيرينا قائلة بلهجة حازمة:

"طاقاتنا سوف تنفعنا أثناء القتال بنسبة كبيرة."

"هذا غباء مُطلق!!"

"هل تشكُّ في قوانا الإلهية؟"

"أنا أشك في سلامتكِ العقلية!"

ارتفع صوت فيرينا وهي تحاول إقناعه بوجهة نظرها الغريبة:

"لا أظنكَ تفهم مدى القوة التي في حوزتنا الآن.."

فقاطعها ليام مجدداً بجدية أكبر اتضحتْ في تقاسيم وجهه:

"فيرينا، فقط لأننا الفريق الأقوى من ناحية نوع القوى، فهذا لا يعني أننا سنفوز مباشرة!!.. نحتاج إلى خطة، أو على الأقل فلننتظر قليلاً ونتصرف بحكمة بدلاً من العشوائية الغبية."

وهكذا تتابعت الحجج المنطقية من ليام، والجنونية من فيرينا، واحدة تلو الأخرى كأنهما رقصة متقلبة بين العناد والدهاء، بين الموت والحياة..

* * *

مكان مظلم، أعتمُ من ظلّ ظلٍّ، كهف عميق تحت الأرض يقع في قلب الغابات التي تفصل آروماس عن العالم الخارجي.. كهف يختبئ تحت جبل بركانيّ قديم، جدرانه مرصعة بأحجار الأوبسيديان السوداء التي تومض تحت أي ضوء عابر..

وسط هذا الكهف، تماماً في المنتصف، تنتصب دائرة قد تبدو للوهلة الأولى كأنها تشكلت طبيعياً، لكنها، لمن يُمعن النظر، تكشف عن نقوش غريبة على سطحها ونحت دائريّ دقيق لا يمكن أن يكون من صُنع المصادفة.

في مركز تلك الدائرة المنقوشة جلس بيرسيفال.. أو لِنقل أنه استلقى على الأرض، لا ينوي فعل شيء سوى التحديق في سقف الكهف المعتم، ذلك الذي لا يُرى منه شيء على أية حال.

يرتدي الأبيض بثنايا تزينها لمسات من الذهبي.. حزام حريري حول خصره، قلادة تتدلى من عنقه حتى صدره، ونقوش صغيرة تطرّز قميصه.. بشرته سمراء كما وُلِد بها، وشَعره الأسود طويل، لكنه لا يتجاوز كتفيه.. بل فقط ينحدر أسفلهما قليلاً.

عيناه السوداوان تبدوان أكثر حياة من ذي قبل، أكثر صِبًى ونشاطاً، وكأن بريقاً خفياً عاد ليتّقد داخلهما، ملامحه تحمل شيئاً من الحيوية، من الإدراك والحضور الحقيقي..

كان مستلقياً على الأرض وسط تلك الدائرة المنقوشة في قلب الكهف الغامض، لا يحرك ساكناً سوى صدره الذي يرتفع وينخفض بهدوء مع أنفاسه، إلى جانبه سيفه الفولاذي وُضع على الأرض بإهمال وكأنه لم يعد يعني له شيئاً، أو كأنه أثقل من أن يحمله الآن.

إحدى يديه امتدت على الأرض، تتلمس النقوش التي تحيط به، تمر بأطراف أصابعه على الخطوط الغائرة في الحجر وكأنه يبحث فيها عن رسالة خفية أو ذكرى منسية... تارةً كان يمرّر كفّه على المقبض البارد للسيف يتحسسه بحذر، وتارةً يتركه لينشغل بتلك النقوش المرسومة بدقة غير بشرية.

أما يده الأخرى فقد وضعها على بطنه كما لو كان يتحقق من شيء داخله.. راح يمرّر كفّه ببطء، من عضلات بطنه صعوداً إلى صدره، يضعها مباشرة على قلبه ليستشعر النبض الذي يتردد تحت جلده، كما لو كان يحتاج هذا النبض ليُذكره بأنه لا يزال على قيد الحياة..

تلك أصبحت عادته في الآونة الأخيرة.. القدوم إلى هذا الكهف المنسيّ، الجلوس في هذه الدائرة الغريبة والإنصات إلى نبضات قلبه... فقط ليتأكد أن وجوده ليس وهماً.. أن جسده لا يزال يؤويه وأن روحه ليست تائهة في مكان آخر.

كان كثير التفكير هذه الليلة.. عقله يضجّ بأصوات، بأفكار، بأوهام، بأحلام لم تكتمل.. إنه لا يطلب الكثير، يريد فقط أن يكون بالمستوى الذي يراه فيه الآخرون، أن يرقى لتوقعاتهم، أن يُثبت لأولئك الذين سخروا منه يوماً أنه لم يكن شخصاً عادياً كما ظنوا..

يريد أن يكون شيئاً حقيقياً.. أن يحوز مكاناً بين الآلهة.. أن يفرض نفسه بينهم لا كمجرد تابع أو ضيف، بل كواحد منهم.. لكن كيف؟

كيف يُقنعهم بأنه يستحق الجلوس بينهم على عرش لا يليق إلا بالخالدين..؟

هل يكفي أن يؤمن بنفسه.. أم أن عليه أن يضحي بشيء آخر... بشيء لا يملكه سواهم؟

كان الصمت حوله كثيفاً كالغبار، لا يُسمع سوى خرير ماء خافت في مكان ما من الكهف، وصوت أنفاسه المتعبة.. لكنه في داخله لم يكن ساكناً أبداً، العاصفة التي تسكنه لم تهدأ منذ زمن..

حتى هذه اللحظة، هو لم يفعل شيئاً يُعد مُبهراً بحق.

صحيح أنه أول من تمكن من استخدام الأوبسيديان في سحره بعد مرور قرون كثيرة على اختفاء جميع سحرة الأوبسيديان، وهذا بحدّ ذاته يُعد شيئاً أشبه بمعجزة، لكنه رغم مرور سنة ونصف تقريباً على اكتشافه لقدراته، لا يزال غير قادر على تشكيل سيف بسيط من هذا الحجر الذي يُفترض أنه جوهر قوته.. لم يستطع تشكيل خنجر صغير.. ناهيك عن السيف.

ما زال يحمل سيفاً فولاذياً عادياً، سيفاً باهتاً لا يختلف عن أسلحة البشر العاديين.. سلاح لا يعبّر عنه ولا يعكس أي أثر من سحره الذي وعد أن يتقنه.

يتدرب يوماً بعد يوم ويخوض معاركه الصامتة مع المجرمين الذين يترصدون في الظلال.. يتعقبهم، يطيح بهم من دون رحمة، لا ليُظهر عدالته، بل فقط ليحصل على فرصة للقتال، للتعلم أو حتى فقط ليتألم.

يشتبك معهم بعنف، يضربهم أو يضربونه، ثم في نهاية كل شيء، يسلمهم لأحد الآلهة كي يُكمل الباقي.. الأمر بات روتيناً لا بطولة فيه ولا ضوء.

هو يعلم أن ما يفعله لا يكفي..

لا يكفي ليخطف أنظار الإله الأعلى، ولا يكفي ليضمن لنفسه مكاناً بينهم، بين أولئك الذين وُلدوا فوق القمم، وجُعلت أسماؤهم مرهوبة في الحروب والأساطير.

في البداية.. نعم، حاز اهتمام الجميع، وكيف لا؟

أول من ارتبط بالأوبسيديان بعد مئات السنين.. كانت نظراتهم كلها موجهة نحوه، مليئة بالتوقعات، والتخوّف، وربما الحسد..

لكن الحماسة التي صاحبت ظهوره سرعان ما خمدت، فبعد أقل من شهر من انكشاف أمره، بدأوا يتناسونه تدريجياً.. لأنهم اكتشفوا أن هذا الساحر الصغير المبتدئ لن يصبح منافساً لمن سبقوه من سحرة الأوبسيديان قبل مئات السنين.. كأنه لم يكن بذلك القدر من الأهمية بالنسبة لأي شخص..

لكن هو يعرف أن ما فيه هو شيء لا يراه الآخرون بعد، ويؤمن، رغم كل السخرية والخذلان، أن لحظته لم تأتِ بعد.

ظل يستمع إلى صوت قطرات الماء وهي تتساقط برتابة على أرضية الكهف، في مكان ما غير مرئي داخل هذا الظلام الساكن الموحش... لا يرى شيئاً، فقط يُصغي لهمس القطرات، لنبضات قلبه ولملمس النقوش المحفورة أسفل يده اليمنى.

لم يكن في حاجة إلى الضوء، فالظلمة صارت مألوفة، بل محببة.. هو يعرف كل تفصيلة هنا.. كل بروز في الأرض، وكل التواء في الجدار الصخري وكل رعشة تصدر عن قلبه كلما وضع كفه على صدره يتحسس النبض.

بقي مستلقياً هناك، ساكناً كما لو أن العالم كله توقف عن الحركة، إلى أن مزّق هذا الهدوء صوت غريب، منخفض وغير مألوف تسرب كهمسة شبحية أربكته، أربكت سكينته الداخلية التي كان يحاول الإمساك بها.

عقد بيرسيفال حاجبيه ببطء، ونهض نصف نهوضة وهو يوجه نظرات نصف مفتوحة نحو مدخل الكهف.. لم يرَ شيئاً هناك، لا ظلاً ولا وهجاً.. فقط الفراغ ذاته.

زفر بقوة، زفرة ثقيلة تختزل ما يكتمه منذ أيام.. ثم أعاد رأسه إلى الأرض مستسلماً لتعب لا يزول كأنما الجدران أطبقت على صدره.

ومضت ثوانٍ.. ثم دقائق.. إلى أن شعر فجأة بثقل فوق جسده..

فتح عينيه بدهشة لم تدم طويلاً، وتجمدت نظرته.. كانت هناك امرأة جالسة فوقه، جلست فوقه، تماماً عند التقاء خصره بفخذيه، تضغط بثقلها على موضع حساس لا يحتاج تفسيراً، وكأنها تدرك تماماً وقع تأثيرها عليه..

استقرت هناك، تميل بجسدها إلى الأمام قليلاً، تزيد من وطأة الضغط شيئاً فشيئاً كأنها تستفزه بصمت وتختبر قدرته على المقاومة، أو تنتزع منه استسلاماً لا يُقال.

كان جسده لا يزال مسترخياً على الأرض، ساكناً كتمثال.. لم يبدِ أي مقاومة.. فقط ظل يحدق في خيالها الساكن الذي بدا له مألوفاً على نحو غريب..

مرت ثوانٍ سريعة حتى تنهد ببطء، ثم تمتم بصوت مبحوح، أقرب إلى همس داخلي:

"نيريا.. ما الذي تفعلينه؟"

"أُلقي عليكَ التحيّة."

قالتها بنبرة مشرقة تحمل في طياتها سعادة غير معتادة وسط هذا السكون الليلي.. كان مستلقياً على الأرض وها هي تجلس فوقه بثقة وأريحية مبالغ بها.. والآن هي تخلع عنه قميصه ببطء وهدوء..

وضعت كفّيها على جلده البارد تتلمس صدره بأناملها وكأنها تُجري طقساً سرياً أو تتحقق من أنه حقيقي بالفعل.. لم يكن يرى وجهها جيداً، فالظلام ابتلع تعابيرها، لكن نبرة صوتها كانت تبتسم بوضوح.

"تلقين التحية.. هكذا؟"

سألها همساً بنبرة هادئة تشبه الظل.. لم يرتبك، لم يتوتر، وجهه ظل ساكناً بلا انفعال لكن جسده أفصح قليلاً عنه بانقباضة خفيفة لم تطُل.. تمالك نفسه بسرعة، كأن شيئاً لم يكن.

"أجل!.. أهناك مشكلة في ذلك؟!"

ردّت بحماسها الطفولي وكأنها جلبت معها نبأً سعيداً لا يحتمل الانتظار..

"كلا.. لا توجد."

قالها بصوته المتزن، ثم ببطء رفع يديه كأنما يتحدى بها ثقل اللحظة... أمسكها من خصرها بلطف وأرخى جسده قليلاً تحتها، ثم تحركت يده اليمنى إلى ظهرها وسحبها إليه ببطء مدروس، حتى أصبحت مستلقية فوقه لا جالسة.. صدره يلاصق صدرها.

احتضنها بهدوء، دافئاً لا شهوانياً، وكأن شيئاً قد انكسر داخله للتو أو عاد للحياة بفضل وجودها معه..

هي، وكأنها تفهم كل ذلك، رفعت ذراعيها وأحاطت عنقه، قربت وجهها من رقبته وتركت جبينها يستقر هناك، تتنفس قرب جلده.

"هل حدث شيء؟"

سألها بصوت خافت كأنما يخشى كسر سكون العناق.

"نعم!"

همست بها، ثم رفعت رأسها قليلاً واقتربت من أذنه وكأنها ستبوح بأكبر سر في العالم:

"لقد استُدعيتَ إلى القصر، سوف يتم ضمّكَ إلينا وأخيراً!!"

.

.

.

سمّر نظره هناك، نحو ذلك الكهف الصامت القابع بين أشجار الغابة الكثيفة، راودته فجأة ذكرى قديمة، ذكرى ارتبطت بذلك المكان، أو بالأحرى ارتبطت بها.. نيريا.

نيريا، أو نيموريا كما تُعرف في الأساطير والميادين، هي الشخص ذاته وإن اختلف الاسم..

نيموريا هو اسمها حين تُذكر في السياسة، في القصص البطولية، في خطابات الملوك..

أما نيريا فهو اسمها الخاص الذي يناديها به أهلها وأصدقاؤها، وهو الاسم الذي يسكن فؤاده.

كان الآن واقفاً في ذات الموضع، في الغابة التي تفصل آروماس عن سائر العالم، عند ذلك الكهف العتيق المملوء بأحجار الأوبسيديان السوداء المتلألئة كالنجوم في العتمة.

مدخل الكهف لا يبعد سوى بضع أمتار، لكنه لم يدخله، اكتفى بأن يطيل النظر إليه بشرود، نظرة من يحدق في ماضٍ لن يعود.

ثم تحرك، تابع طريقه نحو آروماس حيث تنتظره مهمة شاقة لإنقاذ أولئك الأطفال الرُّعن الذين اندفعوا إلى الخطر بتهور..

ورغم تهورهم، هو لم يكن قادراً على تركهم خلفه، فبعض الأرواح تستحق الإنقاذ حتى لو لم تدرك بعد قيمة نجاتها.

كلما اقترب من البوابة القديمة التي تُفضي إلى المدينة، ازداد شعوره بالاختناق.

شيء ما في الداخل.. غير طبيعي.

حتى من هذه المسافة، كان بإمكانه أن يشعر بالخطر يتسلل من بين الجدران، كأن الأرض نفسها تنذره، كأنها تنفي مَن يقترب منها.

سار بثبات، ثم تسارعت خطاه بلا توقف، حتى دخل النفق ذاته الذي دخلوا إليه، كان النفق معتماً، رطباً، يضيق على النفس، لكنه عرف طريقه فيه كما لو كان قد سلكه ألف مرة..

مشى على ذات الآثار، ونزل إلى الأسفل كما حدث معهم، لكن الفرق الوحيد هو أنه نزل بإرادته، أما هم فقد سقطوا فجأة كمن سُحب إلى الأسفل رغماً عنه.

وها هو الآن يقف عند الحافة..

هاوية مرتفعة تُشرف على آروماس كلها بأجزائها المنفصلة، من هنا يستطيع رؤية تلك المدينة التي بُنيت فوق جبل كما لو كانت تنتظر من يوقظ لعناتها.. من مكانه المرتفع شعر أن ليام وفيرينا موجودان هناك في الأسفل، مع ضيوف غير عاديين..

ثم التفت بنظره لليسار.. ورأى على امتداد البصر جُزُراً متفرقة تتصل ببعضها عبر جسور متهالكة، محطمة عند الأطراف وكأنها لا تريد أن يُعاد بناؤها.

على إحدى تلك الجزر البعيدة شعر بوجود آزارييل هناك، ومعه كيان آخر لم يتبيّنه بعد.. لم يكن ذلك الكيان يوحي بالعدوانية على خلاف الاثنين اللذين يرافقان ليام وفيرينا.. أيضاً فهو تعرف عليهما من هذه المسافة.. ستكون خسارة لو لم يلتقِ بهما الآن.

لذلك قرر أن يؤجل أمر آزارييل الآن، ليام وفيرينا أولى في الوقت الراهن، لكنه قرر أن يعود إلى آزارييل لاحقاً.

أما يوجين، فلا أثر لها.. كأن الأرض قد ابتلعتها أو كأنها اختارت طواعية أن تخفي نفسها في الزمان لا في المكان..

لقد حاول أن يتتبع أثراً ما، طاقة أو أي شيء يدلّه عليها.. لكنه لم يجد شيئاً، هي اختفت وكأنها لم تكن.

رفع كفّه إلى فكه، وبحركة بطيئة مسح على بشرته الجامدة كأن لمسة يده قد توقظ داخله ذاكرة أو إحساساً، أو ربما قراراً نسي أن يتخذه.

عيناه كانتا نصف مغلقتين لكنه كان يرى في داخله بوضوح، يرى صوراً لم يُرد لها أن تعود.. أين قد تكون..؟

يوجين كانت تحمل في حضورها شيئاً غامضاً، شيء لا يوصف.. هي لم تكن مجرد فتاة غريبة ظهرت في زمن خاطئ وشكلت خطراً محتملاً على قلبه، بل كانت أكثر من ذلك بكثير...

لقد بدأت تعبث بأعصابه أكثر من آزارييل نفسه، وهو يعلم.. يعلم، ويكاد يعترف بذلك.. بل الأسوأ، أنه يستمتع بهذا العبث.

هو فقط لا يفهم..

نيريا.. الاسم الذي صار مجرد صدى في رأسه..

ماتت قبل أكثر من أربعة آلاف عام أو ربما أكثر،

منذ زمن سحيق.. زمن تلاشى من الذاكرة وذاب في الحروب والنهايات..

هو لا يتذكر كم مرّ من الوقت منذ أن رآها لآخر مرة، لا يتذكر ملامحها بوضوح، لكن الشعور بقي.. الشعور دائماً يبقى.

والآن، ظهرت فتاة تشبهها بكل شيء.. كأن نيريا نفسها قد عادت.

لا، بل كأن شيئاً من روحها ظل معلقاً في الزمن، وتقمص جسداً جديداً.. وهكذا أصبحت لدينا يوجين..

نفس النظرات، نفس التحدي الصامت، نفس الحضور الذي لا يحتمله قلبه...

بدأ يفقد صوابه بحق.

تراوده نفس المشاعر تلك في كل مرة يراها فيها، نفس الارتباك، نفس الضيق في صدره، ونفس الانجذاب الذي يُفقده توازنه.

كيف يمكن لوجهها أن يُربك هذا الرجل؟

هو الذي رأى الممالك تسقط، والآلهة تُطعن، والظلال تنهار، هو الذي قاوم كل شيء.. حتى نفسه.

تنهد بيرسيفال تنهيدة ثقيلة كأنها تحمل كل ما لا يُقال، وكأن صوته الداخلي صرخ قائلاً:

"طفح الكيل..!!"

رفع وجهه ببطء نحو السماء، رمادية باهتة كأنها مرآة لما بداخله... غائمة، باردة وخاملة.

لكن شيئاً ما في هذه اللحظة كان مختلفاً، حيث راوده شعور لم يشعر به منذ قرون كثيرة.. الحنين..

نعم، إنه يشعر بالحنين.. ولم يدرك ذلك إلا الآن.

هو يشتاق لتلك الأيام التي لم يعد يتذكرها جيداً، يشتاق لأناس ذابوا من ذاكرته، يشتاق لضحكة ما، لصوت بعيد، لأسماء لم يعد لها وجود.

رغم كل ما مرّ به، رغم ما أصبح عليه، رغم أنه بات يُعرف بين الجميع بأنه الرجل البارد عديم المشاعر، الذي لا يُكسر ولا يكترث.. حتى هو نفسه صدق هذه الصورة.

لكنه الآن هنا، تحت هذه السماء الباهتة.. يشعر.. ولا يعرف كيف يتعامل مع ذلك.. ربما للمرة الأولى منذ مئات او آلاف السنين هو يشعر أنه لا يعرف نفسه..

تراجع خطوة إلى الخلف، وكأن تلك المشاعر قد أثقلته فجأة، ثم أغلق عينيه ببطء وهمس لنفسه بصوت خافت بالكاد يُسمع:

"سأجدكِ.. سواء كنتِ نيريا أو مجرد شبح منها."

حاول أن يتجاهل الأمر، أن يدفع تلك المشاعر جانباً كما اعتاد أن يفعل دوماً، ولهذا أعاد بصره بعينيه السوداوين نحو المدينة الجبلية الممتدة أمامه.. تأملها في صمت وحدق طويلاً في تفاصيلها من بعيد، ولكن دون جدوى، لم يستطع أن يحدد موقع فيرينا أو ليام، يعلم أنهما في المدينة، لكن أين بالضبط؟.. في أي زقاق؟.. في أي نفق تحت الأرض؟..

زفر بضيق، وعبر خاطر ساخط في ذهنه:

"تباً.. سيستغرق الأمر وقتاً أطول مما ظننت."

وبالفعل لم يكن يبالغ، الآن صار مضطراً إلى البحث، إلى تمشيط المدينة كاملة بخطاه، تتبع أثر خافت أو شعور باهت قد يقوده إلى مكانهما بالضبط.

لم يكن في نيته قضاء وقت طويل هنا، لكن يبدو أن الظروف تُجبره مجدداً على فعل ما لا يريد.. رفع كتفيه في لا مبالاة مصطنعة، وتقدم نحو المدينة التي تلوح له من أعلى..

_______________________________________

~ TO BE COMPLETED..🖤☁️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

• وَهْمٌ مُهَشَّمٌ | • Shattered Illusion

المؤلف Lorraine Aavadol
2025/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة