part VIII: مَلِكٌ أَحْمَقٌ

part VIII: مَلِكٌ أَحْمَقٌ

16 0

كانت يوجين تسير وتسير، من المكتبة القديمة المليئة بالكتب لبوابة القصر الملكية الضخمة، من البوابة للأراضي الواسعة التي تحيط بالقصر من كل حدب وصوب، من الأراضي تلك إلى الغابات الكثيفة بأشجارها العتيقة وأوراقها الكبيرة التي تحجب ضوء القمر عن الوصول للأرض، كان الخوف يتسلل بداخلها شيئاً فشيئاً كلما تعمقت في الغابات هذه ودخلت بين اشجارها أكثر، وكالسيفار الصغير كان يرتجف خوفاً داخل حقيبتها الجلدية يضم رأسه بيديه، تكاد تقسم أنها تسمع صوت صرير أسنانه من شدة خوفه..

عند وصولها للغابة كان الليل قد خيم عليهم بالفعل، وغالباً الوقت الآن هو الهزيع الأخير من الليل.. مع ذلك فهي لم ترَ أياً منهم حتى الآن، لا أثر واحد لقبيلة مورينا حتى هذه اللحظة.. ربما سمعت بعض أصوات الصراخ أو ما شابهها لكنها غالباً مخيلتها بسبب الخوف لا أكثر، أو ربما الحيوانات فقط.

عندما توغلت أكثر في الغابة واختفى الضوء تقريباً بالكامل، أخرجت حجرها من الحقيبة واستخدمته كمصدر للضوء يبدد العتمة من حولها.. كانت قد نسيت إحضار شمعة أو أي وسيلة إنارة، لكن لحسن حظها كان الحجر بحوزتها.

فجأة سمعت صوتاً مرتفعاً جداً قد جمّد دواخلها خوفاً هي وكالسيفار الذي معها، ليتضح بعدها أن الذي سُمع ما هو إلا دوي نهام البومة، قادم من إحدى الأشجار المرتفعة المحيطة بها.. تنفست الصعداء وانتشر شعور الراحة في دواخلها مجدداً بعد أن دبّ فيها الخوف قبل قليل.

أحكمت قبضتها على رمحها الفولاذي استعداداً منها لأي شيء طارئ، مثل هجوم مفاجئ ربما.. كانت تخطو على الأرض بحذر كي لا تكسر أحد الغصون المتيبسة الساقطة على الأرض، أو ورقة شجر سُلبت حياتها بعد أن انفصلت عن جذعها.

كانت تركز نظرها على العديد من المواقع في آنٍ واحد.. أمامها، على جانبيها، خلفها، الأشجار وما فوقها وخلفها، الأرض تحت قدميها محاوِلة تقليل إصدار أي صوت مع كل خطوة تخطوها.

فجأة انتبهت على جسم صغير يقف على إحدى الأغصان الكبيرة لشجرة قريبة، يركز نظره عليها هي فقط من بين كل الأشياء.. لماذا سنجاب في وقت كهذا..؟

نظرت إليه يوجين باستغراب، زمت شفتيها وعقدت حاجبيها، ثم حركت رأسها جانباً بنفس ملامح الاستغراب والارتباك التي تعلو وجهها، تجاهلت الأمر ولم تعطِه اهتماماً زائداً، أكملت خطواتها تبتعد عنه ببطء وحذر.

كانت تسير ببطء، ويخالجها شعور بأن شيئاً ما يراقبها من خلف الأشجار، ظلٌّ ينتقل من شجرة إلى أخرى وكأنه يحاول مواكبة خطواتها.

ما لبث أن اتضح أنه ظل لشخص، عندها توقفت يوجين عن السير، تشبثت بحزام حقيبتها بيد، وبالأخرى أحكمت قبضتها على رمحها، سلاحها الذي يمكنها أن تعتمد عليه في مثل هذه المواقف.

ظلت واقفة في مكانها بثبات تتشبث في حقيبتها، محاولة منها لطمأنة كالسيفار الصغير وإبعاد الخوف عنه، وكأنها تخبره بأنها سوف تحميه لو حدث شيء ما لهما الآن..

لم تتحرك وثبتت بصرها على ذلك الشخص المتخفي بين الظلال والأشجار.. لا يظهر منه شيء سوى هيئته التي هي هيئة إنسان.

لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى بدأ ذلك الشخص يقترب منها، يسير ببطء وحذر كما كانت تفعل هي قبل دقائق.. تابع سيره حتى توقف على بُعد أمتار قليلة منها.

رفعت يوجين يدها لتُضيء ما أمامها، فإذا به شخص غريب المظهر، يرتدي ملابس بيضاء بالكامل من الرأس حتى القدمين، ويضع على وجهه قناع أرنب يُخفي ملامحه تماماً.

خلفه على بعد مسافة بسيطة، كان يقف شخص آخر أصغر حجماً.. كان طفلاً، وتماماً مثل الرجل الذي قبله، إرتدى هذا الطفل ملابس بيضاء بالكامل، لكن بخلافه لم يكن يرتدي قناعاً يخفي وجهه.

وجهه الطفولي الشاحب بدا غير طبيعي أبداً، وعيناه الواسعتان تحدقان بها، نظرة صمت وفراغ.. لا دهشة ولا خوف ولا حتى براءة الأطفال المعتادة، فقط نظرة جامدة مرهقة كأنها لا تنتمي إلى عمره..

حدقت يوجين بهما باستغراب وقلق شديدين، وقلبها يكاد يندفع خارجاً من مكانه لشدة نبضه المتسارع في صدرها، انفاسها صارت ثقيلة تخرج من رئتيها بصعوبة غير مألوفة..

عندها فقط، تحدث الشخص الكبير الواقف أمامها جاذباً انتباهها وانتباه كالسيفار المختبئ في حقيبتها، وحتى الطفل الصغير الذي يقف خلفه وقد بدا عليه شرود غريب..

"ما الذي قد يدفع حاكمة المياه إلى زيارة مفاجئة كهذه..؟"

نبرته كانت هادئة لكنها تحمل في طياتها شيئاً غريباً، ربما رغبة خفية بالقتل، أو محاولة لإبعادها عن المكان الذي يعيشون فيه.

لم ترد يوجين عليه فوراً، بل صمتت تفكر فيما قد تقوله له ولعلها لم تجد سبباً منطقياً بما فيه الكفاية، لكنها على الرغم من ذلك تحدثت إليه.. متجاهلة شعورها بتلك الرغبة الوحشية تجاهها..

"جئتكم باحثة عن بعض الأجوبة لأسئلتي."

"وأيُّ أسئلة هذه؟"

"سمعتُ أن لديكم زعيم للقبيلة.. أفضل أن أتكلم معه هو بدلاً عن الأشخاص العاديين منكم."

تفوهت بكلماتها هذه بنفس النبرة التي استخدمها معها غريب الأطوار هذا، وربما نجحت، إذ صمت الرجل لوهلة قبل أن يشير إليها برأسه بصمت لتتبعه.

سار ممسكًا بيد الطفل الذي معه، والذي كان يدير رأسه بين الحين والآخر لينظر إليها وهي تتبعهم من الخلف.

أما كالسيفار، فكان يُخرج جزءاً من رأسه فقط ليراقبهم لوهلة، أو ليتأكد من أنها بخير، ثم يعاود اختباءه في حقيبتها الجلدية.

استمرّ الرجل في السير بخطى ثابتة، بينما كانت هي تتبعه بصمت حذر، تراقب حركته دون أن تنبس بكلمة.

الهواء كان بارداً والظلام يزداد كثافةً كلما توغلوا في عمق الغابة، ولم يكن يُسمع سوى صوت أقدامهما تخترق العشب والأوراق اليابسة، وصدى طفيف لحفيف الأشجار العالية التي تمايلت تحت وطأة النسيم الليلي.

مضت دقائق بدا فيها الزمن ساكناً، كأن الغابة نفسها تحبس أنفاسها مترقبة لما سيحدث.

ثم، فجأة انفتح المشهد أمامها على اتساعه كأن ستاراً خفياً قد أزيح عن عينيها.. ظهرت قرية صغيرة مخفية بعناية وسط ظلال الأشجار الكثيفة.

كانت عبارة عن مجموعة من الأكواخ البسيطة المصنوعة من الخشب، تحيط بها بعض الخيام المتناثرة على غير انتظام، وكأنها بُنيت على عجل لكنها حملت طابع البقاء الطويل.

كانت هناك آبار مياه عدة متفرقة، يتلألأ سطحها تحت ضوء المشاعل الموزعة في أنحاء المكان، تنضح بالحياة وكأنها تنتمي إلى عالم آخر غير هذا الليل العميق.

ما أدهشها حقاً هو أن المكان لم يكن نائماً كما توقعت، بل كان ينبض بالحركة.. رجال ونساء، أطفال وشيوخ، جميعهم مستيقظون، يتجولون ويتبادلون الحديث بصوت منخفض، بعضهم يجلس حول نار مشتعلة، وآخرون ينقلون دلاء المياه أو يرتبون بعض الأغراض أمام الأكواخ.

جميعهم يرتدون الأبيض فقط، أثواب طويلة فضفاضة تنساب على الأجساد بصمت، وكأن الريح لا تجرؤ على تمزيق قدسية هذا النقاء.. لا ألوان تكسر وحدته، ولا زخرفة تجرؤ على تعكير بياضه.

لكن الأكثر غرابة كان وجوههم.. أو بالأحرى ما يخفيها.. أقنعة غريبة تماماً كما قرأت عنها من قبل، مشغولة بدقة تثير القلق أكثر مما تثير الإعجاب..

أقنعة أرانب ذات آذان طويلة تقف باستقامة غريبة، سناجب بفم شبه مفتوح كأنها تهمس بشيء، وغربان بعينين لامعتين سوداويتين تحدقان دون رمش، كأنها ترى ما لا يُرى.

لكن لم يكن الجميع مقنعاً، فقط الكبار منهم.. أما الأطفال، حتى سن الثالثة عشر تقريباً فكانوا مكشوفي الوجوه.. وجوه شاحبة تخلو من البراءة المألوفة للأطفال.. مثل هذا الطفل الغريب الذي رأته في الغابة ولا يزال قرب هذا الرجل الغريب ممسكاً بيده.

لم يكن ما تراه طبيعياً أبداً.. في مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل، كان من المفترض أن يغفو الجميع، أن تهدأ الأرواح وتنام القلوب، لكن هذه القرية بدت وكأن الليل هو وقت يقظتها، وكأنها وُجدت لتعيش في العتمة وتزدهر تحت جناح الظلال.

توقف الرجل أخيراً عند مدخل ضيق بين كوخين، ثم التفت نحوها دون أن يتكلم، وأشار لها بالدخول.. وقفت لحظةً تتأمل هذا المكان الغريب.. لم تعرف إن كانت تخطو نحو الإجابات، أم نحو فخ أكبر مما ظنت، أو بداية خيط سوف يقودها نحو أشياء أكبر وأكثر غموضاً..

أخذت خطوتها الأولى نحو هذا العالم الصغير المجهول.. عالم يكسوه بياض لا يبعث على الراحة، بل يحمل في طياته شيئاً مريباً، كأن النقاء هنا ليس سوى قناع، تماماً كالأقنعة التي تغطي وجوه سكان هذه القرية الغريبة.

لم تستوعب ما تراه أمامها حتى هذه اللحظة.. خطواتها مترددة لكنها ثابتة، تمشي خلف هذا الرجل الغامض كأنها تتبعه نحو قدر كُتب لها من قبل أن تُولد..

نظراتها تتنقل بخفة بين الأكواخ المتناثرة والأقمشة البيضاء التي ترفرف في الهواء، والأشخاص الذين يقفون بصمت ليس بشرياً.

كلما خطت خطوة للداخل، كلما زاد ثقل النظرات التي تتبعها من كل اتجاه، كأنها مكشوفة أمام أعين تعرف كل شيء.

حاولت أن تحافظ على ملامحها باردة جامدة، كما استنتجت من قراءتها لذلك الكتاب.. ألا تُظهر أي ردة فعل قد تبدو نقطة ضعف..

ولحسن الحظ بدت متقنة لدورها حتى الآن، إلا أن جزءاً منها كان يعلم أنها لم تنجُ بالكامل من تلك النظرات.. أو من تلك 'العيون' تحديداً.

هل كانت عيوناً بالفعل..؟

ذُكر في الكتاب القديم الذي قرأته سابقاً أنهم لا يملكون ملامح، وأن الأقنعة ليست اختياراً جمالياً أو رمزا يميزهم عن بقية القبائل، بل هي ضرورة وجودية يخفون بها ما لا يجب رؤيته.

فكرت يوجين للحظة، ماذا لو رأيت فعلاً أحدهم بلا قناع..؟

مجرد التفكير بالأمر جعل قلبها ينبض بعنف.. ربما كانت ستصرخ، أو تتجمد في مكانها.. أو ربما سيُغمى على كالسيفار قبلها من شدة الرعب.. كتمت ضحكتها بصعوبة على تلك المزحة التي تسللت إلى عقلها في توقيت غير مناسب على الإطلاق.

لكنها بشكل غريب شعرت ببعض الراحة من هذه الفكرة العشوائية.. كأن روحها أرادت أن تخفف عنها التوتر، ولو برغبة مكبوتة بالضحك.

قادها ذلك الرجل مجهول الهوية بخطوات هادئة لكنها واثقة، لا يلتفت خلفه، كأنما يعرف تماماً إلى أين يسير.

أما هي فكانت تتبعه بصمت يشوبه الترقب، وكل خطوة تخطوها كانت تقربها أكثر نحو مشهد لم يخطر لها على بال، وكأنها تقترب من قلب لغز كوني لم يُكشف بعد.

حتى وصلت إلى ذلك المكان الغريب الذي بدا كأنه لا ينتمي لهذا العالم، ساحة خضراء تنفتح أمامها ببطء، وفي مركزها يبرز شيء أشبه بجسر عظيم، لكنه لم يُبنَ من حجر أو خشب، بل بدا كأنه انبثق من الأرض ذاتها، تشكل من تربتها وصخورها ونبتت عليه الأعشاب والحشائش، كأن الطبيعة ذاتها قررت أن ترفع هذا الجسر لتربط بين عالمين مخفيين.

لكن ما جذب أنظارها بحق، لم يكن الجسر في حد ذاته، بل ما كان تحته.

تحت ذلك الجسر، تتدلى شجرة معلقة بالمقلوب، جذورها منغرزة في الجسر من تحته وكأنها تستمد الحياة من شيء خفي، وجذعها يتدلى في الهواء، بينما تتناثر أوراقها حولها بضوء غريب لا يشبه نور القمر ولا لمعان النار، بل ضوء ناعم حي، كأن كل ورقة منها تحمل حياة خاصة بها.

توقفت عن السير للحظة، شهقت دون أن تدري، عيناها اتسعتا بدهشة صامتة.. المشهد أمامها بدا كأنه خرج من صفحات أسطورة قديمة، من تلك التي كانت تُروى للردع لا للإيمان.

تمتمت بصوت خافت وهي تحدق في الشجرة:

"ما هذا المكان..؟"

لكن الرجل لم يجب، بل اكتفى بالوقوف أمامها بصمت، ينظر إلى الشجرة بهدوء وكأنه ينتظر شيئاً مجهولاً ليأتي إليهم.

من تحت الشجرة، ظهر بعض الرجال الذين يبدون كباراً في السن، اقتربوا منهما ببطء وصمت، لم يتفوه أحدهم بكلمة واحدة.. كانوا أيضاً يرتدون الأبيض فقط، ويغطون وجوههم بأقنعة حيوانات مثل الذين رأتهم سابقاً.

أحنى الرجل الواقف أمامها رأسه قليلاً على عجل، ثم انصرف تاركاً إياها وحدها مع هؤلاء الأشخاص.. كانوا أربعة، بدوا لها وكأنهم شيوخ القبيلة أو كبارها.

تقدم أحدهم نحوها ببطء، لم يكن طويلاً ولا قصيراً، ذا جسد معتدل، لا يميزه لا عضل بارز ولا ترهل ظاهر.. كان شعره الأبيض دلالة واضحة على تقدمه في السن، ويتناغم مع ملابسه البيضاء، وحتى مع قناع الأرنب الأبيض الذي يخفي ملامحه، أما ما تبقى من الملامح، فمجهول ظل خلف القناع.

* * *

ركضت وركضت دون أن تلتفت خلفها، وكأن أرواح الموتى تطاردها، وكأن التوقف لثانية واحدة سيكون بمثابة الموت المحتوم لها.

كانت الأرض الرطبة تحت قدميها تصدر أصواتاً خافتة، صوت احتكاك الحذاء بالعشب الرطب، بأوراق الأشجار المتساقطة، بالأغصان اليابسة المخبأة تحت السكون.

أنفاسها المتسارعة تشق صدرها بقسوة، تشعر بها تحرق رئتيها مع كل خطوة تخطوها، ومع كل نبضة تتسارع في عروقها.

يدها اليمنى تقبض بقوة على رمحها كأنما تتشبث بالأمان ذاته، بينما يدها اليسرى تضغط على حزام حقيبتها الجلدية بإحكام، تخشى أن تفقدها وسط هذا الجري، أو أن يسقط منها حجرها أو أن تفقد كالسيفار.

لم يكن هذا وقتاً للبطولة ولا للمواجهة، غريزتها أخبرتها بأن القتال الآن لن يجلب سوى الهلاك.

كل شيء بدأ حين بزغ أول خيط من الفجر، حين لامست أشعة الشمس الباهتة أطراف القرية المخبأة وسط الغابة.. شيء في الجو تبدل، كأن الهواء نفسه صار أكثر كثافة، أو كأن الغابة حبست أنفاسها، شعرت بقشعريرة صامتة تسللت في عمودها الفقري، وجعلت جلدها يقشعر دون سبب واضح.

لكن السبب لم يتأخر في الظهور..

رأته بعينيها.. شخص يافع يخطو بخفة مخيفة بين الأكواخ، يلبس الأبيض كغيره من أفراد القبيلة، لكنه لم يكن يرتدي القناع الذي يغطي وجوههم عادة.. بدلاً من ذلك، كان وجهه خالياً تماماً، مجرد سطح بشري فارغ، لا عينين، لا فم، لا أنف، لا شيء.. كأن أحدهم محا ملامحه بيده.

شعرت بالدم يتجمد في عروقها، ولم تملك الوقت الكافي لتصدر صرخة أو تتراجع.. كانت قدماها مغروستين بالأرض، وعيناها مشدوهتين نحوه. ورأته يتحرك.

يتقدم طوعاً نحو الشجرة المعلقة أسفل الجسر، يرافقه رجل وامرأة يرتديان الأقنعة، بينما هو يسير بثبات، كأنه يؤدي طقساً مقدساً أو أمراً مفروضاً لا مفر منه.

صعد على كرسي صغير مثبت بدقة تحت الشجرة، ورفع يده نحو حبل يتدلى من إحدى أغصانها، بدا الحبل مشعّاً بشكل غريب، كأن له حياة خاصة.

ربط الحبل حول عنقه بإتقان غريب، ثم دفع الكرسي من تحته بكل هدوء.. ومات.

علق جسده في الهواء، يتمايل ببطء مع نسمات الفجر الأولى، كأن الشجرة تمتصه إلى عالم آخر.

الصدمة شلت حواسها، لكن ما تبعها كان أسوأ.

أحاديثها الأخيرة مع الشيوخ الثلاثة ورئيسهم العجوز بدت لها الآن باردة، محملة بإشارات لم تفهمها إلا متأخرة.. النظرات، الأسئلة، الأسلوب الهادئ المبالغ فيه.. لم يكونوا يستضيفونها، بل كانوا يختبرونها.

كانوا يريدون قتلها.

ما إن وصل هذا الإدراك في عقلها حتى استدار جسدها من تلقاء نفسه، وبدأت تركض.

لم تودع أحداً، لم تنظر خلفها، لم تحاول التفسير.. فقط ركضت كأن الجبال كلها كانت تركض خلفها، كأن الريح تحثها على النجاة.. على النجاة فقط.

لم تكن تعرف إلى أين تذهب، فالغابة متشعبة مليئة بالدروب، لكن هذا لا يهم.. المهم أن تخرج منها حية.

أثناء ركضها، لاحظت أنهم قد أحاطوا بها من كل جهة، وحاصروها تماماً.. خلف كل شجرة كان يقف واحد منهم، وكذلك خلف الصخور والشجيرات الكثيفة، كأن الغابة نفسها قد تحالفت ضدها.

توقفت يوجين في مكانها مرتجفة بعض الشيء، تلتقط أنفاسها المتقطعة بصعوبة، كانت تنظر إليهم واحداً تلو الآخر، كل منهم يتخذ من جذوع الأشجار أو الصخور الكبيرة دروعاً تحميه في حال قررت أن تهاجم.

نظرت يميناً ويساراً وعيناها الزرقاوان حادتان، لكن خلف هذه النظرة الحادة كان تردد صامت يكاد يُسمع.. كانت تعلم أنها لن تخرج حية إن قاتلتهم الآن، لا يوجد نهر ولا بحيرة لتستمد الماء منها، ولا مخرج واضح من هذا الحصار.

كانت تفكر بالاستسلام حقاً.. لكن ليس دون قتال على الأقل.

أحكمت قبضتها على رمحها ورفعته عن الأرض استعداداً منها للهجوم.. وكردّة فعل متوقعة، أخرج كل واحد منهم خنجراً صغيراً حاداً تشبث به بيديه، وكأنهم جميعاً يستعدون لوليمة دم.

ابتلعت ريقها بصعوبة وركزت نظرها عليهم، حتى تحركوا فوراً وبسرعة نحوها، شوقاً منهم لنحر عنقها، لكنهم توقفوا فجأة، كأن صاعقة جمدت أطرافهم.

لقد رأوه.

ساحر الأوبسيديان الأسود..

"إذاً إذاً، ما الذي يجري هنا.."

قالها بنبرة تحذيرية، وابتسامة تهديد خافتة مرسومة على شفتيه، لم يكن سؤالاً بل أمرًا غير مباشر بأن يتوقفوا على الفور.

وقف بيرسيفال أمام يوجين، يحجبها بجسده وكأنه درع من الظلام خاص بها هي لوحدها، رفع يده ببطء باتجاهها وكأنه يقول لها:

"احتمي بي."

نظرت إليه يوجين بذهول، عيناها الزرقاوان تتسعان بالصدمة، كيف ظهر هكذا من العدم.. ليقف أمامها ويحميها..؟

هو الذي يفترض أنه لا يهتم بشيء.

ولمفاجأتها، نجحت محاولته، فقد أطاعوه كأن صوته شريعة مقدسة، وكأن حضوره قانون سُلَّ فوق هذه الغابات المظلمة.. لم يجرؤ أحد منهم على الاعتراض.

ارتأت يوجين أن هذا متوقعٌ منهم.. فهم يعملون كأتباع له، يخدمونه وحده ولا يتحركون إلا بإذنه، ليسوا أحرار.. بل عبيد تحت سلطته.. مقيدين بقيود المكانة والهوية، ومحبوسين في قفص الجنون الخالص.

توقفوا جميعهم عن تلك المحاولة الطائشة للهجوم، وكأن أحداً قد سكب الماء على نيران غرائزهم الحيوانية التي اشتعلت مع بزوغ الفجر..

ثم خرج من الصفوف قائدهم وشيخهم العجوز، الغريب في ملامحه والمريب في حضوره.

قال بيرسيفال ببرود ينضح بالاستفزاز، ناظراً نحوه بابتسامة تهديد خافتة:

"راسكولينكوف.. أتعلم أنها إحدى الآلهة في أوسكزيرا أم لا؟ طبعاً، أنا واثق أنك تعرف."

كلماته تلك رغم هدوئها كانت تخفي وراءها رغبة مكتومة في القتل، رغبة لم تلحظها يوجين جيداً، فقد كانت منشغلة باسم ذلك العجوز المثير للريبة.

"راسكولينكوف؟.. لماذا اسمه طويل هكذا..؟"

تساءلت في داخلها بدهشة، وقد رسمت في رأسها عشر طرق مختصرة لنطقه لكن كلها بلا فائدة.

حينها وقبل أن ينبس العجوز ببنت شفة، سمعت يوجين صوت بيرسيفال مجدداً بنفس النبرة السابقة، حيث كانت ابتسامته لا تزال مرسومة على وجهه، كأنها سكين مقلوبة بين شفتيه.

"أتعلم ما هي عاقبة التهجم على أحد الآلهة هنا؟"

قالها وهو يخطو خطوة للأمام ببطء، ثم أردف بعينين تتفحصان وجوههم المقنعة كصياد يراقب فريسته:

"أتعلم ما يعني أن ترفع سلاحك في وجههم وأنا حاضر؟"

توقف بيرسيفال للحظة، ومال برأسه قليلاً وكأنه يسأل سؤالاً بريئاً، ثم أكمل بصوت خافت أكثر من ذي قبل وأشد وطأة:

"إنها جريمة لا تغتفر حتى في غاباتكم هذه، وحتى إن كنتم الأبيض ترتدون.. فهذا اللون ليس بمطهر للذنوب ولا هو بماحٍ للعقاب المُستحق."

ثم نظر مباشرة نحو العجوز، ابتسامته لم تفارقه بل اتسعت قليلاً..

"وأنت، راسكولينكوف.. تعرف هذا جيداً، أليس كذلك؟"

ساد صمت دامس من جديد، يلتف حولهم من كل الجهات حتى بدا الهواء نفسه أثقل من أن يُتنفّس، كأنه يخنق الرئتين ببطء..

* * *

ركزت يوجين بصرها على شمس الفجر الساطعة، تنظر لها وكأنها تتحداها صراحة، رغم أنها تكره هذا الضوء الباهر الذي يخترق عينيها الزرقاوين كالسكاكين، فهما لا تتحملان سطوع الشمس، كما لو أن النور عدو خفي يتربص بهما كل صباح.

على أي حال، لم يكن هذا هو ما يشغلها بالكامل، فعلى مسافة ليست بالبعيدة، كان بيرسيفال واقفاً يتحدث مع ذلك العجوز الغريب صاحب الاسم الأطول من أن يُؤخذ بجدي.. ربما كان يوبخه، أو يهدده، أو يفعل الأمرين معاً، وهذا بعد أن همس لها بأن تنتظره على مقربة منهم دون أن تتدخل.

لم تهتم كثيراً بما يقوله أو يفعله، كل ما أرادته الآن هو العودة إلى غرفتها بسلام، بعيداً عن هذه الغابة السوداء ومَن فيها.

ومع ذلك، كان ثمة شيء آخر يلح على تفكيرها، وهو أن منذ ظهور بيرسيفال وكالسيفار الذي ينام في حقيبتها لم يصدر أي صوت، لم يتحرك، لم يهمس حتى، وكأنه جف منه كل حس أو نبض.. أيمكن أن يكون خائفغً من بيرسيفال إلى هذه الدرجة؟

أفراد القبيلة كانوا لا يزالون واقفين أمامها بصمت غريب، كمجسمات حجرية بلا أرواح، لم تكن متأكدة إن كان بمقدورهم النظر إليها حقاً، فهم بلا ملامح وبالتالي بلا عيون.. لكن كل شيء في هيئتهم أوحى لها بأن عيونهم.. أو أياً كانت، موجهة نحوها بشكل مباشر.. شعور خفي جعل جلدها يقشعر.

انتظرت طويلاً.. ربما ساعة كاملة، أو هكذا خُيّل لها. الزمن بدا وكأنه تمدد كسائل كثيف يغرق اللحظات في سكون مريب.

ثم وأخيراً، أنهى بيرسيفال حديثه مع راسكولينكوف وبدأ يسير باتجاهها بخطى ثابتة، لا يسرع ولا يتباطأ.. بالتزامن، انسحب أولئك الأفراد المقنعين من مورينا بصمت، وكأنهم أشباح عادت إلى عالمها بعد انتهاء مهمتها.

لم يصدروا صوتاً، ولم يتركوا أثراً.. اختفوا كما لو أن الأرض قد ابتلعتهم، وكأنهم لم يكونوا موجودين أصلاً، بدوا أشبه بسحرة انتقال أكثر منهم إلى سحرة العلاج، طريقة اختفائهم لم تكن عادية، بل أقرب إلى الحيلة السحرية التي لا تُفسّر.

انتظر بيرسيفال بهدوء حتى خلت الغابة تماماً من سواهم، ثم قال بنبرة ناعمة لم تعهدها منه من قبل، وكأنها صدرت من رجل آخر:

"أأنتِ بخير؟"

نظرت إليه وقد خفّت في عينيها لمعة الخوف، وقالت:

"نعم.. شكراً لكَ على مجيئك، لولاكَ لكنتُ الآن جثة هامدة مرمية بين الأشجار."

رد عليها بصوت منخفض وكأن الكلام ثقيل عليه:

"هذا واجبي، لا أكثر."

صمت ثقيل خيم عليهما بعدها، صمت يحمل مزيجاً من الحرج والتوتر، والتفكير فيما حدث، وكأنهما يبحثان بين الصمت عن كلمات ضائعة.. ثم قطع هو ذلك الفراغ بنبرة ناعمة مازالت غريبة على سمعها منه:

"اتبعيني، لنخرج من متاهة هذه الغابة، لقد كدتِ أن تضيعين فيها قبل قليل.. وحدكِ."

أومأت له دون كلمة، وسارت خلفه تتبع خطواته بدقة، أينما وطأت قدماه كانت تخطو هي.. لم تنطق، لم تسأل، فقط تلاحقه وكأنها تعترف داخلياً بأنه ملاذها الوحيد في هذا الظلام الملتف حولهما.

وبعد فترة قصيرة، لمح هو التعب على وجهها وحركتها، فتوقف والتفت نحوها وأشار لها بأن تسلمه رمحها وحقيبتها.. ترددت قليلاً لكنها سلمته إياهما في النهاية، وفي اللحظة التي فعلت فيها ذلك تذكرت كالسيفار، لكنها كانت قد سلمت الحقيبة بالفعل والوقت متأخر جداً للتراجع..

واصلا السير بصمت، لا صوت سوى وقع أقدامهما على الأرض.. لا كلمة نطقت، فقط الصمت يسير بينهما كرفيق ثالث.

ثم، بعد وقت بدا أنه طويل رغم قصره، عندما كان السكون قد بدأ يتغذى على صبرها، طرحت يوجين سؤلاً خافتاً بصوت يوشك أن يضيع بين الأشجار:

"كيف عرفت أنني هنا؟"

أجاب ببساطة كأنه يتحدث عن شيء عادي:

"تبعتكِ فقط."

توقفت فجأة، كأن الكلمات كانت صفعة خفيفة.. لاحظ هو ذلك وتوقف بدوره،ثم استدار نحوها ليراها تضع يديها على خصرها وتحدق فيه بعينين نصف مغمضتين، نظرة أقرب إلى أم تحاسب طفلها المشاغب:

"تبعتني؟!"

"أجل، تبعتكِ."

قالها بنبرة تجمع بين الاستمتاع واللعب، ونظرة مشاغبة في عينيه السوداوين المليئتين بالعبث.. أما هي فصمتت، لا تدري إن كانت الصدمة قد عقدت لسانها أم أنها ببساطة لم تجد الرد المناسب.. بقيت تحدق فيه، عينها في عينه، ولا سيما تلك النظرة المظلمة التي كانت تسحبها كما يسحب الثقب الأسود ضوء النجوم ولا يترك لها فرصة للنجاة، وكأنها ضاعت في فضاء لا مركز له ولا نهاية.. وعندما لاحظ هو ذلك، اتسعت ابتسامته أكثر وكأن انتصاراً صغيراً قد تحقق له للتو.

شعرت هي بذلك فاحمرّ وجهها مباشرة، أشاحت بنظرها عنه بسرعة خجولة، حاولت إخفاء ارتباكها لكن محاولتها هذه دون فائدة، فقد ظهرت كل علامات التوتر على وجهها.

ضحك هو ضحكة قصيرة صافية، ثم التفت عنها بلطافة وكأنه لا يريد إحراجها أكثر.. وكأن جزءاً صغيراً منه، فقط جزء صغير لا يمكن ملاحظته، قد بدأ يعتني بها..

تابعا سيرهما نحو القصر بصمت ثقيل، وكلما تقدما أكثر بدأت الأشجار المحيطة بهما تقل تدريجياً كأن الغابة نفسها تنحني لتفسح لهما الطريق.. لم يكن الصمت بينهما عادياً هذه المرة، بل كان ممتلئاً بحرجٍ واضح.

كان عبوسه غريباً عليها، وجهه كان جامداً ومظلماً طوال الطريق، لم ينبس ببنت شفة منذ أن غادرا حدود الغابة، وشيء من التوتر الغامض كان يخيم على ملامحه.

نظراته التي كانت سابقاً حادة ومباشرة، صارت الآن تائهة ومشتتة وكأن ذهنه مشغول بشيء أكبر من مجرد الطريق أو وجهتها.

يوجين لاحظت كل ذلك بالطبع.. كانت تمشي خلفه على مسافة قصيرة، تنظر إلى ظهره وتفكر:

"ما خطب هذا المخبول..؟"

لكنها وعلى الرغم من فضولها، لم تجرؤ على طرح السؤال.. كأن بينهما جداراً شفافاً من الحياء الذي لا يمكن تجاوزه الآن، لم تكن تملك الشجاعة الكافية لتكسر ذلك الصمت، ولا الجرأة لتطلب تفسيراً منه.

كل ما فعلته هو أنها تنهدت بصوت خافت، وأكملت سيرها خلفه تنتظر أن يبادر هو، أو على الأقل أن تنتهي هذه الرحلة الثقيلة بصمتها إلى أبواب القصر.

_______________________________________

هي الآن جالسة بهدوء على أحد الكراسي حول طاولة مدورة كبيرة، معها أربعة أشخاص، ألا وهم بيرسيفال، ليام، فيرينا، آزارييل.. تفصل بين كل واحد منهم مسافة متر تقريباً، ربما أكثر من ذلك، لكن ليست أقل.

بعد عودتها هي وبيرسيفال من الغابة فجراً، سلمها رمحها وحقيبتها، ومن ثم ذهبت يوجين لغرفتها مباشرة لتنام لأنها متعبة.. أما هو فليست تعرف أين اتجه، وفور ابتعادهما عن بعضهما البعض خرج كالسيفار من الحقيبة بعد أن كان متجمداً بسبب خوفه وبدأ يصرخ عليها لأنها تركت حقيبتها بيد ذلك الرجل..

سألته عن سبب خوفه من بيرسيفال لكنه لم يُجب، فذهبت لتغتسل وتنام وتركته يتكلم لوحده معبراً عن غيظه.

بعد استيقاظها بقليل استلمت رسالة بطلب عاجل من بيرسيفال لعقد اجتماع خاص بالآلهة الحاضرين، فقط الآلهة.. وبالفعل اجتمع الخمسة في قاعة الاجتماعات، تركت يوجين كالسيفار خارجاً تنفيذاً لطلبه لأنه 'لا يريد أن يتعرض لأي موقف مثل الذي حدث فجر اليوم هذا.'

وكعادتها لم تتكلم كثيراً، فضلت أن تستمع لما يقال لعلها تستفيد من المعلومات، المعلومات التي كانت صادمة بعض الشيء.. مملكة سييل التي تسيطر على الغرب، أوقدت شعلة الحرب مع الشمال وأيضاً مع أوسكزيرا.. الشمال لإحتلاله والسيطرة على مملكة سلان وشعبها، وأوسكزيرا للمعارضة واسقاط النظام عن بكرة أبيه.

والآن يريد بيرسيفال تهدئة الأوضاع بدلاً عن دعسهم جميعاً تحت قدميه أو أن يقوم بمحرقة جماعية للملك وأتباعه، وهذا يبدو غريباً لأنه ليس من عاداته.. أيعقل أنه يريد حفظ قواه العقلية والجسدية، وقواته المتمركزة في أوسكزيرا لشيء آخر..؟

بالطبع هو يريد ذلك.. والشيء الآخر هو لورين بالطبع، لن يتهور الآن ويجعل الأوضاع أسوأ كي لا يندم في المستقبل القريب..

"إذاً آزارييل، ستذهب أنت وخذ يوجين معك."

تفوه بيرسيفال بكلامه هذا بهدوء شديد يركز نظره على آزارييل، أما الأخير فقد تفاجأ قليلاً مما سمعه، وذلك لأنه لم ينتبه بتاتاً لما كانوا يقولونه حتى، أي ليس لأنه خائف أو ما شابه..

"أذهب؟.. إلى أين..؟"

"لمملكة سييل، وناقش ملكها.. قم بأخباره أن الذي يفعله الآن غباء تام، ونهايته الوحيدة هي طريق مسدود يؤدي إلى هاوية الموت.. بكل بساطة."

أنهى بيرسيفال كلامه بابتسامة ساخرة وعينيه السوداوين تنبضان بنظرة واثقة أقرب إلى الجنون منها إلى الرزانة والتعقّل، كأنه قد حسم الأمر لصالحه الآن وفي هذه اللحظة.. ثم وضع يديه على الطاولة وأسند ذقنه عليهما ينظر لآزارييل منتظراً موافقته..

عقد آزارييل حاجبيه ووجّه نظره نحو ليام وفيرينا ومن ثم عاود النظر لبيرسيفال بسخط واضح على وجهه، ثم قال بصوت مرتفع ضارباً بآداب السلوك تجاه قائده عرض الحائط..

" ولِمَ لا ترسل ليام وفيرينا؟"

"وهل أنتَ خائف أن يصيبكَ مكروه؟"

"كلا."

رمى آزارييل هذه الكلمة بنفس النبرة الغاضبة تلك، هو يكره الملل.. ويرى أن مناقشة الأعداء ودعوتهم للسلام أمر ممل وبالتالي يريد أن يرفض.. لكن أتاه الرد من بيرسيفال بشكل اكثر صرامة:

"اعتراضكَ هذا لن يفيدك.. ستذهب."

عبر آزارييل عن تململه بزفرة حادة تلاها أنه أدار رأسه جانباً واسند ثقله على الكرسي بتعب، وكأن هذه المهمة أصعب لديه من اقتحام مقر مليء بالسحرة المحترفين وقتلهم واحداً تلو الآخر..

ابتسم بيرسيفال كمن انتصر في معركة شرسة للتو، ومن ثم نهض عن كرسيه وأشار لليام وفيرينا ليتبعاه، أما يوجين فبقيت صامتة تحدق بهم وتنتظر أن ينهض آزارييل ليخرجا معاً، لكن هنا اعترض آزارييل مجدداً قائلاً:

"وأي نوع من الأعمال أكثر اهمية لديك من أيقاف التمرد والانقلابات ضد أوسكزيرا..؟"

"أعمال تتعلق بالأميرة."

رفعت يوجين نظرها وقد بان الأهتمام في عينيها وهي تنظر لبيرسيفال بعد أن قال كلامه بكل بساطة وكأن الأمر مجرد أخبار تافهة.. ثم سألته بنبرة واضحة وحاجباها معقودان باهتمام:

"هل يمكنكَ اخبارنا..؟"

"سأفكر بالأمر لو عدتما على قيد الحياة."

أردف لها بابتسامته الساخرة المعتادة.. تلك التي تثير في حواسها حرارة خجولة لا تستطيع السيطرة عليها، ثم استدار وانصرف، وتبعته فيرينا من الخلف وهي تلوح بيديها ليوجين تودعها بابتسامة ماكرة وكأنها تعرف ما الذي يجري بينهما، لكنها تتمادى في أفكارها.. فلم يحدث شيء بينهما فعلياً، ومن ثم لحق بهما ليام بعد أن أومأ ليوجين ايماءة وداع هادئة كالعادة، وألقى نظرة على آزارييل الذي كان يعبس كصبي غاضب، كتم ضحكته وتابع طريقه ليخرج خلفهما باستعجال متظاهراً بالجدية..

أعادت يوجين ببطء عينيها نحو آزارييل وحدقت به لثوانٍ، بينما هو يرمق السماء بضجر بعينيه الناريتين من خلال الزجاج الضخم الذي يشكل أحد جدران القاعة الأربعة، ثم قالت بهدوء مذكرةً إياه بالمهمة:

"إذاً.. هلّا ذهبنا؟"

* * *

بعد أسبوع تقريباً..

سار آزارييل بهدوء وثقة وكأنه يملك المكان، لا كأنه اقتحم قبل قليل قصر مملكة سييل الغربية بعد أن أبرح حراس البوابة ضرباً فقط لأنهم رفضوا السماح له بالدخول.

وتبعه من الخلف كلبان أحدهما أبيض ذو بقع سوداء، والآخر أسود بالكامل، كان قد صادفهما في طريقه بعد ارتكابه لجريمة أخرى يراها من وجهة نظره أمراً اعتيادياً تماماً.

تبين لاحقاً أنهما تابعان لهذا الملك أو على صلة به، فقرر أن يعتني بهما ليصطحبهما معه إلى القصر لاحقاً، وكأن ذلك جزء من الخطة.

أما يوجين فهي لم تشارك في ذلك القتال القصير عند البوابة الخاصة بالقصر والذي بدا لطيفاً بالنسبة لها.. كانت تراقبه من خارج المملكة من خلال منظار، وإن فاجأتها قوة ضربات سيفه المغمور بالنيران على رؤوسهم واحداً تلو الآخر، إذ أخذ الأمر على محمل الجد وضربهم بقوة لا يُحسدون عليها.. وهو كما يبدو، كان سعيداً ومستمتعاً بذلك.

وبالطبع، لم يكن الحال أفضل عند البوابة الرئيسية لسور المملكة، فلو لم يقم بتكرار المشهد ذاته هناك لما تمكن من الدخول أصلاً.

الملك نفسه رفض استقبالهما رغم أن آزارييل نبّهه بكل لباقة ممكنة في رسالته، أن رفض الطلب قد يؤدي إلى ' أمور غير مريحة '.

لذا، ما حدث بعد ذلك لم يكن خطأه تماماً.. لم يكن سوى مجرد لجوء بسيط للعنف، لا أكثر..

أيضاً، وعلى غير العادة، لم يحاول كالسيفار الاختباء من آزارييل، بل خرج من الحقيبة بكل جرأة وانقض على أحد الحراس وعضه بلا تردد.. كان يساعد آزارييل كأنه صديقه، بصدق.. ما خطب هذا المخلوق؟.. متى أصبح نافعاً؟

طبعاً كل ذلك حدث عند بوابة السور الذي يحيط بالمملكة، قبل أن ينسحب كالسيفار بصحبتها للمراقبة من الخارج وليهتمّا بهذه الحيلة البسيطة.

على أي حال، واصل آزارييل سيره بثقة نحو القصر يجتاز الفناء الأمامي، حيث تحيط به نظرات الحرس والجنود من كل حدب وصوب، لكن لم يعِرهم اهتماماً حقيقياً، لأن هدفه كان واضحاً ألا وهو التحدث مع الملك بهدوء.. أو ربما تجاوز حدود الهدوء قليلاً والبدء في توجيه تهديدات غير معلنة.. لم تعرف يوجين متى بدأ هذا الجنون والعنف يسيطران عليه فجأة.

وأخيراً، وصل آزارييل إلى هدفهما الرئيسي وهو القصر ومن يقطن داخله.. كان في انتظاره رجل بدا كمساعد للملك وقد رحب به وانحنى له برسمية، ثم قاده نحو القاعة الخاصة بـ'صاحب الجلالة'.

هنا انتهت مهمتها الأولى وهي المراقبة، الآن سوف تنتقل هي وكالسيفار للمهمة الثانية ألا وهي الحيلة التي اتفقا عليها لضمان الفوز بالنقاش.

كان هناك نهر قريب منها، اختاروا هذا المكان تحديداً لأن الماء وفير فيه وهادئ بشكل يسمح بالتحكم به بسهولة.

اتجهت يوجين نحو النهر وأخذت تتحكم بالمياه تشكلها على هيئة بشر بأطراف كاملة وتفاصيل واضحة، ثم قامت بتجميدهم بثبات حتى باتوا أشبه بتماثيل ثلجية واقفة في صمت، لكنها تجسّد هيئة الإنسان بدقة لافتة.

وعلى بعد مسافة قصيرة كانت هناك ثياب مرمية بإهمال فوق العشب المبلل بمياه النهر القريب، وكأن أصحابها اختفوا فجأة.. والحقيقة أنهم اختفوا فعلاً، للأبد..

كانت تلك الثياب تعود لجنود من إحدى الكتائب المهمة في جيش الملك، أولئك المساكين الذين صادفوهم وهم يغادرون المملكة في الاتجاه المعاكس تماماً بينما كانا هما في طريقهما إليها.

عند تلك اللحظة، توقف آزارييل لثوانٍ فقط، ثم التفت إليها وبدأ يشرح خطته وكأنه اخترعها في تلك اللحظة، بكل هدوء ولامبالاة كما لو أنه يقرر ماذا سيتناول على العشاء، لا كيف سيسرقان هوية كتيبة عسكرية كاملة.. إضافة إلى كلبين ينتميان إلى الملك..

على كل حال، ألبست يوجين الثياب لرجال الثلج هؤلاء بمساعدة كالسيفار، والآن بعد أن ارتدوا الزي العسكري، باتوا يبدون كجنود أسرى حقيقيين تماماً إلى درجة قد تخدع ذلك الملك المتسلط وأعوانه..

تنهدت يوجين بارتياح ووضعت يديها على خصرها، ما عليها الآن سوى انتظار إشارة آزارييل لتعود إلى البوابة، بينما كتيبة أخرى تشق طريقها لمساعدة تلك 'الأشياء' التي يظنونها رفاقهم المأسورين.

أما كالسيفار، فقد جلس على كتفها وتمدد فوقه بكل ثقل، وكأنه أنهى للتو حرث أرض شاسعة بيديه الصغيرتين، لا مجرد رفع بعض الثياب لتقوم هي بتلبيسها لتماثيل جليدية..

* * *

والآن عند القصر، حيث كان آزارييل يتمشى بتململ يلقي بنظراته المتعالية على جدرانه المزخرفة كأنها تثير اشمئزازه، نظراته تحمل ازدراءً واضحاً لا يحاول حتى إخفاءه.

كان يفعل ذلك عن قصد، لأنه ببساطة يحب العبث بأعصاب أولئك الذين سرقوا راحته وأجبروه على قبول مهمة مملة كهذه رغماً عنه، مهمة لا تمت لحياته المليئة بالفوضى والحرية بِصلة.

قاده الرجل الذي يمشي أمامه إلى مكتب الملك، غرفة فاخرة بلا شك، لكنها لم تثر اهتمامه قيد أنملة، فهو معتاد على ما هو أفخم وأرقى في أوسكزيرا، لكن لا بأس.. أياً يكن.. أخبره الرجل باحترام أن يجلس وينتظر.

وبالفعل، نفذ آزارييل ذلك الطلب وجلس على الكرسي المقابل لطاولة صغيرة تبدو مناسبة تماماً لأحاديث تُقال همساً وبشيء من السرية، وبلا شك سيكون الملك جالساً في الجهة المقابلة.. كما تقتضي المسرحية.

أما هذان الكلبان فقد انطلقا في الغرفة كأنما أُطلِق العنان لهما.. أخذا يلتفان حول الغرفة ويلعبان فيها بحماسة ملحوظة..

عندها أخذ آزارييل يتلفت بملل، يتأمل اللوحات الكبيرة المعلقة على الجدران بإطاراتها المزخرفة ورسوماتها المتقنة.. لم يكن يوماً من محبي الفن لذا اكتفى بتنهدة ثقيلة وبدأ بالانتظار.

لم تمض سوى دقيقة أو اثنتين حتى سئم الوضع فنهض واتجه نحو المكتب الذي يُفترض أن يجلس خلفه الملك ليعمل أو ما شابه، كان هناك بعض الأغراض الموضوعة عليه..

خريطة مفصلة وقطع صغيرة مرتبة فوقها تُشير إلى استراتيجيات هجوم أو دفاع، وساعة رملية، ومنظار مناسب تماماً لرؤية الكتيبة الجليدية المزعومة حين يُشار إليها.. وأشياء أخرى تُوحي بأن أحدهم يحاول أن يبدو أكثر ذكاءً مما هو عليه.

مد آزارييل يده نحو أحد الأغراض الموضوعة على الطاولة وأخذ يعبث به بلا مبالاة كما لو كان في غرفة لعب، لا في مكتب ملكي، مرت الدقائق أسرع مما ظن حتى دخل الملك أخيراً برفقة مساعده.

كان الملك سعيداً لرؤية كلبيه مجدداً، تجاهل آزارييل تماماً كأنه شخص عادي، لا كأنه إله النار مطلقاً..

"جوبيتير!.. مارس!"

نادى الملك كورنواليس هذين الأسمين لينتبها له ويركضان باتجاهه مرحبان به، سعيدان لرؤيته مجدداً..

بعد انتهاء الترحيب اللطيف هذا جلس كورنواليس على كرسيه عند إحدى جوانب الطاولة بهدوء مدروس، وبقي مساعده واقفاً خلفه متأهباً بصمت.. أما آزارييل فلم يُبدِ أدنى دهشة من انتباههما له، بل اكتفى برفع حاجبه باستمتاع واضح، كمن كان يتوقع وصول ضيوف لحفل رتبه بنفسه، ظل على حاله للحظة قبل أن يترك ما بيده ويخطو نحو الكرسي المقابل، مستعداً لما يفترض أنه "نقاش جاد".

تركا المقدمات جانباً، فلم يكترثا بالتعريفات الرسمية ولا بالمجاملات البروتوكولية، لم يجلس آزارييل كما كان ينبغي بل دفع الكرسي إلى الخلف بيده بإهمال، دون أي اعتبار للآداب.. وهذا متوقع منه تماماً، ثم انحنى للأمام واتكأ بكل ثقة على الطاولة ممسكاً بحافتها بيديه كما لو كان يستعد لقلبها، أو على الأقل لقلب مجرى النقاش.. وأبرزت هذه الوضعية عضلاته بانسيابية متعمدة، ارتسمت على شفتيه ابتسامة مكر واضحة، تلك الابتسامة التي تقول إنه أحكم قبضته على المكان وسيطر عليه منذ لحظة دخوله.. ثم وأخيراً تكلم الملك بهدوء ووقار زائف:

"بصفتك الشخص الذي طلب هذا اللقاء، هلا بدأت بالكلام؟"

"سأبدأ.. إلا لو تظاهرتم بالظلم."

رد آزارييل بنفس ابتسامته الثابتة تلك.. وبعدها أردف كورنواليس قائلاً:

"نعم.. سوف أتظاهر بالظلم."

"تفضل إذاً."

"كلبيّ هذين.."

"سوف يعودان ويبقيان معك للأبد فلا تقلق، إلا لو قام الموت بتفرقتكم.. عندها لا أستطيع القول إلا أنني ليس لي يد في الأمر."

صمت الملك قليلاً ينظر لآزارييل مستغرباً من الجرأة والجنون فيه.. ثم تابع رده على آزارييل بنفس طريقة كلامه الهادئة:

"حسناً.. جيد، الآن قد وصلنا للهدف الرئيسي من هذا الاجتماع والذي يخص الحرب المُعلنة على مملكة سلان الشمالية، طبعاً عليكَ أن تعلم أنه في الحروب المتحضرة، القادة في الميدان لا يسمح لهم بقيادة المعارك بمستويات وحشية.."

عقد آزارييل حاجبيه باستغراب من هذا الموضوع الغريب الذي وُضع أمامه على طاولة النقاش.. ما الذي يقصده هذا الأبله صاحب الأسم المضحك؟.. على كل حال، قرر أن يترك المحادثة تسير كما يريد الخصم، لا كما يريد هو..

"بالمناسبة، ما معنى مستويات وحشية في قاموسك؟"

"أعني، تخيل الفوضى التي يمكن أن تنتج من الجيوش التي بلا قائد لبعضها، لا بد من وجود رجال مهذبين في القيادة، وعند الضرورة يكبحون رجالهم."

صمت آزارييل قليلاً يفكر في كلام كورنواليس والابتسامة تعلو محياه، ثم قال له بهدوء:

"يكبحونهم ممن؟.. إستهداف المدنيين والنساء والأطفال وهكذا؟"

"هذا موضوع منفصل..-"

"لكني أظنه متصلاً تماماً، وطالما رجالك يهاجمون المدنيين.. سأخبر إلهة المياه أن تقتل أي شخص من جيشك في كل اشتباك من الآن فصاعداً، وهي تجيد التصويب للغاية.. طبعاً هذا إن لم تتراجعوا."

الآن وأخيراً قد بان السخط على وجه هذا الرجل المتسلط.. لكنه حاول كبحه وإبعاد مشاعره عن النقاش ليقول له تالياً:

"حسناً.. دعنا الآن ننتقل إلى..-"

"تراجع."

قالها آزارييل بنبرته الهادئة ذاتها، لكنها هذه المرة تقطر استفزازاً متعمداً..

لم يُبدِ الملك كورنواليس أي ردة فعل بل اكتفى هو ومساعده بتبادل نظرة سريعة، تلاها نقاش صغير بينهما بصوت خافت غير مسموع، وكرد فعل طبيعي منه.. قام آزارييل بتقريب رأسه منهما لعله يسمع شيئاً من النقاش الحاد هذا.. ثم أشاح برأسه بعيداً ونظر إليهما بعينيه الناريتين، مائلاً برأسه قليلاً وكأنه لا يفهم سبب نقاشهما الخافت ذاك.. لكن في الحقيقة عقله وقلبه يعلمان جيداً ما يدور في خلدهما.. هما يظنان أنه أتى إليهما فارغ اليدين.

"أعتذر يا إله النار.. لكن، ألا تأتي مثل هذه الطلبات بمقابل عادة؟.. أعني.."

قالها بتعجرف واضح ونبرة تحمل من التسلط ما يكفي لتغليف كل حرف باستهزاء، كأنما هو يتكرم عليه بمنحه فرصة للرد.

"أجل، صحيح!.. كدت أنسى!"

رد آزارييل بنبرة شخص متفاجئ وكأنه تذكر لتوه أمراً مهماً.. وهذا تمثيل بحت بالطبع، لكنهما لا يعلمان ذلك وهذا يصب في صالحه بصراحة..

أشار نحو إحدى النوافذ في الغرفة هذه ليتجها إليها والحيرة تعلو محياهما، أما هو فاتجه نحو المكتب الذي كان عنده سابقاً والتقط منه المنظار ليستخدمه.. ثم أكمل سيره باتجاههما وناول المنظار للملك ليقول بعدها بنبرة باردة تحمل في طياتها شيئاً من السخرية:

"توجد كتيبة كاملة تعرف باسم الذئاب الحمراء، وهم أسرى لدي الآن.. بحسب ظني فهم الأقوى والأكثر فائدة بالنسبة لك، صحيح؟"

ظل كورنواليس عاقداً لحاجبيه ينظر لآزارييل باستغراب، ثم رفع المنظار، فتحه وقربه من عينه ليستخدمه.. عندها أعطاه آزارييل الموقع بالتحديد:

"أعلى التل على اليسار، بعد ثلاثة خطوط."

بعد ثوانٍ أبعد الملك المنظار عن عينيه ببطء كأنه لم يصدق ما رآه للتو.. كتيبة كاملة تم اعتقالها ومصيرهم الآن بين يدي إلهة المياه التي تقف أمامهم تحاصرهم، بعد قليلٍ وجه نظره نحو آزارييل وقال بنبرة يغلفها الشك:

"أسمائهم ورتبهم؟"

"هُم رفضوا اعطائي اسمائهم، لكن رتبهم هي واحد مقدّم، واحد رائد، أربعة نقباء، أربعة ملازم أول، إثنا عشر ملازم ثاني، أربعون رقيب أول، ستون رقيب، ثمانون عريف، مئة جندي أول، مئة وثمانية وتسعون جندي.. إضافة لشخص لم ينتمي للكتيبة، لكنه كان يناديني بـ..(الإله العاهر)."

"هذه ليست طريقة رجال محترمين.."

"إذا كانت طرق جيوشك هي مقياس الإحترام.. فسآخذ هذا الكلام كأنه مجاملة."

"على كل حال، أنتَ طلبت مني مطلبين، ترك مملكة سلان وشأنها، وسحب الاعتراضات والتمرد ضد أوسكزيرا.."

"نعم؟.. هل أفهم من كلامك أن هذه الكتيبة ليست مهمة بالنسبة لك؟"

" أنتَ وفرت لي مقابلاً واحداً ألا وهو حياة أولئك في الكتيبة.."

"آه فهمت.. وأنا في الحقيقة وفرت مقابلين، كلبيك هذين مقابل ترك سلان، والكتيبة مقابل ترك أوسكزيرا."

عندها بدا آزارييل كأنه تذكر شيئاً فجأة، ومن ثم قال للملك بنفس ابتسامته ونبرته الهادئة:

"صحيح.. أيمكنكَ أن تكتبها على ورقة؟.. أي لنوقع عليها كلينا مثل المعاهدة، ليكون الأمر أكثر رسمية وثقة."

أومأ الملك بتفهم ثم استدار باتجاه مساعده الذي يقف خلفه بصمت، وأمره بأن يرتب أمور الاتفاق والتبادل، وبالطبع هذا كله يعني أنهم في هدنة مع كلا الجانبين، أوسكزيرا وسلان..

بعد الانتهاء من التوقيع انحنى آزارييل باحترام ووقار زائف وأخذ ورقة المعاهدة معه، ومن ثم قال للملك بابتسامته الماكرة:

"أشكرك جزيل الشكر، جلالتك."

ثم غادر المكتب هذا وتبع المساعد غريب الأطوار للخارج حيث تنتظره يوجين ومعها كالسيفار الصغير..

* * *

كانت يوجين تنتظر بهدوء قرب القصر في فنائه الداخلي وشيء في نظرات عينيها الزرقاوين كان يدل على استعداد تامّ وترقب لقتال محتمل، كأنها تتوقع هجوماً مباغتاً قد يُشنّ ضدها في أية لحظة.

كان كالسيفار مختبئاً في حقيبتها لا يظهر من جسده سوى رأسه الصغير ينظر بعينيه اللامعتين ليتفحص المكان كعادته، بحذر لا يخلو من فضول.

لاحظ كلٌّ منهما اقتراب آزارييل، يسير بجانبه رجل غريب لم يتعرفا عليه، يتبعهما من الخلف مجموعة من الجنود المدرعين، استنتجت يوجين بأنهم في طريقهم إلى موقع الكتيبة الجليدية، ولم تعِرهم الكثير من الاهتمام.

أما آزارييل فكان يقترب بخطوات عبثية، يصفّر بنبرة خفيفة ويحمل ورقة في يده كأنها بلا قيمة، يلوح بها بإهمال ظاهر، بينما ذلك الرجل ظل يسير إلى جانبه بوقار ولم يتفوه بكلمة واحدة، يشبه أولئك الرجال الذين يخفون خلف الصمت حُكماً لا يستهان به.

عندما وصلا توقف الرجل على بُعد ثلاثة أمتار من يوجين وانحنى لها باحترام، كما لو كان يرحب بإلهة مثلها، أما آزارييل فقد واصل تقدمه وهو يصفّر بلا انقطاع، ثم غمز لها بعبث وهو يرفع الورقة قائلاً بفخر واضح وابتسامة مشاكسة:

"تم."

ضحكت يوجين عند رؤيته متحمساً بهذا الشكل، عكس ما كان عليه في البداية، ثم قالت له وثغرها ضاحك:

"جيد، لنعد الآن."

وهكذا توجها معاً إلى بوابة القصر ينويان الخروج والعودة إلى أوسكزيرا.. لم يجرؤ أحد على اعتراض طريقهما، ولا حتى بنظرة طويلة.

عند وصولهما إلى البوابة، دخل منها رجل يمتطي صهوة فرس بنّي اللون، بدا على ملامحه الصدمة فور رؤيته لإله النار في هذه الأراضي.

لم تنتبه يوجين له، لكن آزارييل لاحظه تماماً ومع ذلك تابع سيره بهدوء وثقة كعادته، وكأن وجود هذا الرجل لا يعني له شيئاً، أما الرجل فقد ذهب مباشرة للحديث مع مساعد الملك، الذي لا يزال واقفاً ينتظر مغادرة الإلهين ليعود إلى عمله..

"من هذان؟"

سأل الرجل وهو لا يزال فوق ظهر فرسه، بنبرة فضولية تحمل مزيجاً من الغضب والاستغراب.. فأجابه المساعد بهدوء تام ووقار لا يتزحزح، دون أن يكلف نفسه حتى عناء النظر إليه:

"إلهة المياه، المعروفة باسم يوجين، والذي معها هو إله النار آزارييل، أليس هو (الشبح) الذي كنت تتحدث عنه سابقاً؟"

أنهى كلامه بابتسامة ساخرة طُبعت على وجهه جعلت ملامحه أكثر بروداً، وأثارت غيظ الرجل الذي كان لا يزال على فرسه، كاد أن يُطلق سحره على آزارييل سعياً لافتعال مشكلة معه، لكن المساعد أوقفه بصرامة:

"نحن في هدنة حالياً، أي أنه ليس مسموحاً لك بإيذاء أيّ منهما."

ترجّل الرجل عن فرسه بسرعة وتوجه نحو آزارييل بخطوات سريعة، صائحاً بغضب:

"أنت!!"

عندها التفت آزارييل بتململ، ومعه يوجين التي ارتسمت على وجهها ملامح الاستغراب، استمر ذلك الرجل بالتقدم نحوه وهو يصرخ:

"أنتَ الشبح.. ألست كذلك؟!.. أتذكرك جيدًا، في تلك الغابة!"

فور سماعه لهذه الكلمات، ابتسم آزارييل بثقة وسخرية وتمتم بهدوء:

"وإن كنتُ؟.. ماذا ستفعل بشأن ذلك؟"

بدت ملامح الغضب والاستياء واضحة على وجه الرجل، ثم قال وقد بدا أنه عازم على إلقاء كلماته كأنها سمٌّ قاتل:

"ذلك الصبي.. هل مات؟.. أم أنك أنقذته؟"

جمدت ملامح آزارييل وأصبحت مظلمة باردة، ومن ثم رد بنبرة لا مبالية:

"سأقتلك يوماً ما.. أعدكَ بهذا."

ابتسم الرجل بسخرية أكبر، ورد بنبرة لا مبالية:

"لم الانتظار؟.. يمكنك الإقدام على ذلك الآن.. أشكّ في أن يحاسبك أحد.. فأنت إله في أوسكزيرا كما تعلم."

بقي آزارييل واقفاً مكانه بثبات، ثم تمتم وعيناه الناريتان كأنهما كتلة من الجليد الذي يخفي خلفه ناراً مشتعلة بالغضب:

"ليس اليوم."

استدار آزارييل عندها وأشار ليوجين أن يتابعا طريقهما، نظرت إليه بقلق لكنه تجاهل الأمر وتابع سيره بثبات.. أما الرجل فظل واقفاً في مكانه يحدق في ظهر آزارييل بنظرة تحمل سخطاً متجمداً كما لو كان يكتب على قلبه وعداً بالثأر..

ما إن تجاوزا بوابة القصر حتى أطلق آزارييل صفيراً حاداً وعالياً قاصداً به استدعاء الكلبين، ولم تمضِ سوى لحظات حتى خرج الكلبان من خلف الأعمدة الحجرية للقصر يركضان بسرعة فائقة باتجاه آزارييل، يلحقانه بإخلاص واضح تاركين وراءهما مساعد الملك يراقبهما وقد اتسعت عيناه بذهول لا يخلو من الخوف.

من المفترض أن يعيدهما أحد الآن لكن لم يسعه سوى تذكر تلك الوثيقة التي وقع عليها الملك وختم عليها.. وكذلك فعل آزارييل..

وهذا تحذير واضح أنه إن خالف ملك سييل ما هو مكتوب في الوثيقة فسيتم حرقه مع مملكته هذه، وسيتولى تنفيذ العقوبة أحد الآلهة شخصياً، وغالباً سيكون سيدهم بيرسيفال نفسه..

ابتعدا الآن عن القصر، ومن أحياء الأغنياء إلى الأحياء المتوسطة والفقيرة من بعدها، يسيران بين الناس كأنهما مثلهم دون أن يلاحظ أحد أنهما إلٰهان يمشيان بينهم.

عندها فقط تحدث آزارييل كأنه يحاول طمأنة يوجين وإبعاد القلق عنها، صوته يخرج بهدوء وقد ارتسمت ابتسامة طفيفة على شفتيه:

"ليس أنا."

نظرت له يوجين باستغراب، لم تفهم ما يقصده بالضبط أو عمّا يتحدث، لذلك تمتم موضحاً لها وبريق ابتسامته لم يخفت:

"لستُ الشبح، بل هو شخص آخر غيري."

عقدت حاجبيها وقد بان الاستغراب أكثر وأكثر في ملامحها، ثم سألته بفضول لم تحاول إخفاءه:

"لماذا قلتَ إنه أنتَ إذًا؟"

"شعرتُ بالملل فقلت لأعبث معهم قليلاً.."

قالها بابتسامة تبين الهدوء والثقة في روحه وكأنها ليست أول مرة يقوم بها بأشياء مشابهة، بقيت يوجين صامتة كأنها لا تصدق ما تسمعه، ومن ثم سألته مجدداً بنفس فضولها آنفاً:

"وماذا عن ذلك الصبي الذي تحدثتما عنه؟"

"لا أعرفه بصراحة.. كل ما في الأمر هو أنني في إحدى رحلاتي إلى الشمال متخفياً كَـ(إيلمار)، سمعت قصة عن شبح.. اشتهرت القصة وانتشرت كالنار في الهشيم بين أبناء مملكة سلان وسييل.. الآن هم يعتبرونه جندياً متخفياً في جيش سلان ولا يظهر إلا نادراً، يستطيعون تمييزه عن غيره بسبب احترافيته وسرعته في القتال لدرجة أنهم يشبِّهونه بنا نحن الآلهة."

"وماذا فعل بالضبط ليشتهر هكذا؟"

"إحدى الفرق من جيش سورون هاجمت مزرعة وقام أحدهم بقتل صبي.. أحد أبناء مالك المزرعة."

"إذاً.. الشبح هو أحد أفراد العائلة؟"

"كلا، ما أعرفه هو أنه أمير سلان.. لستُ على معرفة شخصية به لذلك لا أعرف ما الذي يربطه بتلك العائلة وابنهم الميت، سمعتُ أنه ذهب لوحده وقتل جميع من في الفرقة انتقاماً للفتى الذي خسر روحه بلا ذنب."

سكت كلاهما قليلاً، آزارييل يفكر ويوجين تحاول أن تفهم، ثم سمعت صوته وهو يكمل كلامه بهدوء والابتسامة على وجهه وكأنه شارد بشيء بعيد وعيناه تحدقان في السماء:

"لم يظهر للعلن بعد.. غير مسموح لأولياء العهد بالقتال في المعارك خوفاً من فقدانهم، وهكذا ستصبح المملكة بلا قائد أو حاكم، لكن رغم ذلك هو يخرج متخفياً بين عامة الناس.. أعتقد أنه يكره البقاء محبوساً ومقيداً بالقوانين التافهة التي وضعها أسلافه."

نظرت إليه يوجين مصدومة لا تزال تحاول فهم مصدر كل هذه المعلومات، ثم قالت بدهشة:

"من الغريب أنك تعرف ذلك..."

ابتسم آزارييل وقال بنبرة تنضح بالثقة:

"أعلم.. يُقال إنه ليس الأمير الوحيد لمملكة سلان."

"..."

"هناك اثنان غيره وقد تم إهمالهما من قِبل الملك منذ صغرهما، طبعاً أغلب الناس سواء من سكان مملكة سلان أو الممالك الأخرى لا يعرفون بذلك.. لا عن الأميرين ولا عن إهمال الملك لهما."

نظرت إليه يوجين مذهولة من كمّ التفاصيل التي يعرفها، ثم تمتمت:

"وأنت؟.. كيف يمكنك أن تعرف ذلك؟!"

أجابها بابتسامة هادئة، وعيناه تلمعان بخبرة عمر طويل:

"أنا إله، وعمري خمسمئة عام يا سيدتي.. بدأتُ بالتجول في العالم قبل ولادة والدهم حتى، أي ملك سلان الحالي.. بالطبع أعرف الكثير عنهم."

أومأت له يوجين بتفهم وعيناها الزرقاوان تلمعان بدهشة صامتة وكأنها بدأت ترى الأمور بوضوح الآن، ظل آزارييل يبتسم وخطواته الواثقة تُظهر هدوءً غير معهود فيه..

سارا معاً بين الطرقات الحجرية دون أن ينطقا بكلمة.. كأن الصمت بينهما هو أبلغ من أي كلام،

وحين وصلا إلى بوابة السور مرّا عبرها بثبات مع الكلبين الذين يلحقانهما بلهفة واضحة.. يخرجون معاً من أراضي سييل ليعودان إلى أوسكزيرا.

_______________________________________

~ TO BE COMPLETED..🖤☁️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

• وَهْمٌ مُهَشَّمٌ | • Shattered Illusion

المؤلف Lorraine Aavadol
2025/07/29 مستمرة
قائمة الفصول (9)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة