خيّم الصمت على الطاولة... لم يتحرك أحد، ولم يتنفس أحد. كلّ الأنظار كانت متجهة نحو الرجل الذي جلس بهدوء على رأس الطاولة.
جوليانو ديل مونتي.
جيا كانت على وشك الانهيار. الدموع تغلغلَت في عينيها، تهتزّ على حوافّ رموشها. تقدّمت خطوة ثم توقّفت، وصوتها خرج مبحوحًا، مختنقًا:
— "أين كنت كلّ هذه السنوات؟!"
لم يكن سؤالًا، بل كان انفجارًا مكبوتًا لسنين طويلة من الوحدة، الخوف، الأسئلة التي لم تجد لها إجابة.
نظرت إليه بحدة، ثم أردفت:
— "كنتَ تعرف… كنت تعلم أننا كنا نبحث، نتألم… وأنا كبرت دونك، كرهتني الحياة لأنك لم تكن هناك."
همّت بالاقتراب أكثر، لكن لورينزو وقف فجأة، مدّ يده أمامها، ونظراته مركّزة على والده:
— "لا، جيا… دعيني أولًا أسمعه. لقد صمتَ طويلاً. الآن… يجب أن يتكلّم."
تنهد جوليانو، نظر إليهما نظرة أب، نظرة مكسورة. رفع رأسه، ثم قال بصوتٍ هادئ:
— "لقد آن أوان الحقيقة."
أرخى جسده قليلًا، وأكمل:
— "كلّ ما رأيتموه… الباب الحديدي، المختبر القديم، الهواجس التي تطاردكم، لم تكن صدفة. كانت جزءًا من مشروعٍ خفيّ… مشروعٍ بدأ منذ سنين طويلة، بتمويل من أشخاص في الظل، أرادوا شيئًا واحدًا: خلق جيل خارق لا يخطئ… لا يضعف… لا يشعر."
صمت. وجيا شهقت.
— "ماذا تقصد…؟"
أجاب جوليانو بثقل:
— "أنتم… كنتم جزءًا من ذلك المشروع. أنتم التجربة."
تجمّد الجميع.
ماركو ارتبك، التفت نحوهم بسرعة:
— "أي تجربة؟ لا، مستحيل…"
— "صدقني، ماركو…" قال جوليانو، "لقد جُرّبت عليكم أدوية وتعديلات عقلية… خاصة أنكم كنتم صغارًا، يسهل التلاعب بعقولكم. كل من عاش في القصر… كان معرّضًا للتجربة."
لوكاس شهق بصوت عالٍ:
— "كنت أحلم بكوابيس غريبة… دماء، أصوات، غرفة باردة… لكني ظننتها مجرد أوهام!"
جوليانو نظر إليه:
— "ليست أوهامًا، لوكاس. أنت أيضًا كنت جزءًا من ذلك… لكنك لم تكن تعرف. لقد أرادوا عزلك عن الحقيقة…"
هنا، لورينزو ضرب الطاولة بقبضته، غضبه يتصاعد:
— "ولماذا لم توقفهم؟! لماذا هربت بدلًا من إنقاذنا؟!"
جوليانو ترقب بعينيه:
— "حاولت… لكن كان هناك من يسبقني دائمًا. الخيانة لم تأتِ من العدو… بل من أقرب شخص إلي."
ساد الصمت، وكلّ العيون تحوّلت تدريجيًا نحو شخص واحد:
روسو.
روسو لم يظهر أيّ انفعال، فقط ابتسامة ساخرة على زاوية شفتيه.
— "لم أتوقع أن يكون المشهد بهذه الدراما…" قالها ببرود، "نعم، كنت أعرف… وكنت أحرّك كلّ الخيوط. هؤلاء الأطفال لم يكونوا سوى أدوات… أنا كنت المايسترو."
جيا انتفضت واقفة:
— "كنتَ صديق والدي! وثقنا بك!"
— "ولهذا بالذات كان من السهل أن أتحكم بكم."
لكن المفاجآت لم تتوقف.
التفتت جيا إلى ماركو، ثم سألته فجأة:
— "لكن لماذا كنت معنا؟ لا علاقة لك بالمافيا… من البداية!"
ماركو ارتبك، ثم نظر إلى الطاولة:
— "لأن أمي كانت ضمن الطاقم الطبي الذي أشرف على المشروع. كانت تظن أنه مشروع إنساني… لكنها اختفت فجأة. أردتُ فقط أن أعرف الحقيقة… ولهذا اقتربت منكم."
لحظة صمت تلتها أنفاس ثقيلة، ثم…
صوت ماتيو المنخفض:
— "وهل هذا يفسر وجود ألفريدو أيضًا؟"
كلّ العيون توجهت إلى ألفريدو، الذي بدا أكثر توترًا من أي وقت.
— "كنت… أرتدي زي المدرسة، أتنكر، أراقبكم، أتنقل بينكم… ليس لأنني عدو… بل لأنني كنت يومًا جزءًا من الذين ساهموا في دفن الباب الحديدي. كنت صغيرًا، ولم أفهم ماذا كنت أفعل. وعندما كبرت، حملت ذنبي، وانتظرت لحظة المواجهة… كهذه."
ماتيو ضيّق عينيه:
— "ومَن بقي؟"
جوليانو تنهد:
— "أنت… وأنا… وأطفالنا. و… ابنك، ماتيو…"
الكل التفت نحو ماتيو، الذي تجمّد.
— "ليوناردو؟!… هل هو…"
— "لم يمت."
دُفِعت أبواب المطعم فجأة. دخل شاب في منتصف العشرينات، شعره بني داكن، عيناه منطفئتان من الداخل.
اقترب ببطء… وتوقّف أمام الطاولة.
قال بصوت مكسور:
— "أبي…"
ماتيو تراجع خطوة، عيناه ممتلئتان بالدموع:
— "ليوناردو… لا… هذا مستحيل…"
لكن ليوناردو ابتسم ابتسامة شاحبة:
— "لقد كنت في الجانب المظلم من المختبر… الوحيد الذي لم يخرج أبدًا. والسبب؟ فصيلة دمي كانت نادرة… مثالية للتجربة. لقد جعلوني شيئًا آخر."
وساد صمت مرير.
لكن لورينزو لم يحتمل. صرخ:
— "كلّ هذا… وهذه الأجساد… والأرواح… تدمرت بسبب شخص واحد."
توجه بنظره إلى روسو.
— "أنت… خططت لإبادة كلّ من عرف الحقيقة… بمن فيهم نحن."
روسو وقف، بابتسامة وقحة:
— "صحيح. والآن، حان دوري لإنهاء هذه المسرحية."
أخرج شيئًا من جيبه… لكنه لم يتمكن من استخدامه.
فجأة، انطلقت صفارات سيارات الشرطة.
اقتحم المكان رجال الأمن، يتبعهم محقق وصحفي، يحمل بيده ملفًا ضخمًا.
المحقق رفع صوته:
— "روسو، أنت متّهم بجرائم ضد الإنسانية، اختطاف، تجارب غير قانونية، وتزوير وثائق."
تفاجأ روسو:
— "من… من سلّمهم…؟!"
جوليانو قال بهدوء:
— "ألفريدو… أوصل إليهم الحقيقة."
---
جلس الجميع بصمت، محاطين بذكريات لم تُفهم إلا الآن.
الوجوه شاحبة… القلوب منهكة.
جيا مسحت دموعها، ونظرت إلى والدها:
— "ما حدث لن يُنسى… لكن على الأقل، نعرف الآن من نحن."
لورينزو قال بصوتٍ عميق:
— "ونعرف من كان العدو."
ماتيو وضع يده على كتف ابنه، لأول مرة منذ سنوات.
وبين كل هذا، وقف جوليانو، ونظر إلى الجميع:
— "ربما كنا ضحايا… لكن الآن، نحن من يملكون القصة."..........
….......…..............…....................................
........................................
........
- فصل الاعترافات كان قصير لم ارد التعمق كثيرا في التفاصيل....... كشفت كل الأسرار في فصل واحد دون اطالة🙂
- اتمنى يكون عجبكم 🌷
- قرائة ممتعة 🍭
- احبكم جميعا 💞
julienne