في اليوم التالي – المدرسة .......
كانت أروقة المدرسة مكسوةً بصمتٍ لا يشبه أي صباح مضى. الهواء بدا ثقيلاً، والأنفاس محصورة في الصدور. طلاب يتهامسون، معلمين يرمقون الممرات بحذر، وكأن شيئًا حدث… شيء لم يُعلن عنه بعد، لكنه يختمر في الزوايا.
دخلت جيا الفصل متأخرة، شعرها مبلل من المطر، وسترتها تتقطر. جلست بصمتٍ بجانب ماركو، دون أن تنطق. هو الآخر لم يبدُ مرتاحًا. رفع حقيبته قليلًا، وأخرج قصاصة ورقية دسّها تحت الطاولة.
> "علينا أن نعرف من الرجل الثالث. سأبحث في أرشيف المدرسة، الطابق العلوي، الخامسة مساءً."
لم تُجبه جيا. لكنها طوت الورقة ببطء، ونظرت إلى النافذة. عيناها كانتا ثابتتين، لا تبحثان عن شيء… بل تتأملان ما تعرفه مسبقًا.
أما لوكاس، فقد غاب. لا رسائل، لا مكالمات. وكأن الأرض ابتلعته بعد جدال الأمس. جيا لاحظت ذلك، لكنها لم تقل شيئًا… وكأنها كانت تتوقع هذا الغياب.
---
الطابق العلوي – أرشيف المدرسة – الساعة الخامسة مساءً
كان المكان موحشًا، رائحة الرطوبة والغبار تعبق في الأجواء، والضوء الخافت يضرب الرفوف العالية، كأنّ الأشباح تسكن بينها.
ماركو أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
"وجدته في درج مكتب المدير. لا أحد يعلم أني أخذته."
أومأت جيا بصمت، وبدأت تسحب الأدراج واحدًا تلو الآخر. عينها كانت تبحث عن صورة… كانت متأكدة أنها موجودة، ليس لأن الحظ سيقودها، بل لأنها رأت تلك الصورة من قبل. منذ زمن بعيد.
أخيرًا، توقفت يدها عند مجلد مغطى بطبقة من الغبار السميك. فتحت غلافه، وعثرت على ما أرادت: صورة قديمة، بالأبيض والأسود، تُظهر ثلاثة رجال واقفين أمام باب حديدي ضخم… نفس الباب الذي رأوه في القبو المهجور.
ابتسمت جيا في سرّها، لكن تعابير وجهها لم تتغير.
"وجدتها!" قالت، بصوت يملؤه الاصطناع.
ماركو اقترب منها، حدّق في الصورة.
"هم... هم نفسهم!" همس، ثم قرأ الأسماء أسفل الصورة بصوت مرتجف:
جوليانو ديل مونتي
روبيرتو روسو
ماتيو فيرّاري
جيا نظرت إلى الاسم الأخير طويلًا. قلبها دقّ دقة خفيفة، لكنها لم تكن صدمة… بل يقظة. هذا الوجه، لم يكن غريبًا عنها. لقد رأته من قبل، مرارًا. لا في الصور فقط… بل في الواقع.
"من يكون؟" سأل ماركو.
ترددت لحظة، ثم هزت كتفيها:
"لا أدري... لكن الاسم مألوف نوعًا ما. أمي تحدثت عنه مرة. قالت إنه اختفى."
كذبت، لكنها فعلت ذلك بإتقان. لا وقت بعد لكشف كل شيء. لا بعد.
ماركو قلب الصفحة، ووجد مرفقًا بها بلاغًا إداريًا قديمًا، يحمل ختم المدرسة:
> "تم إنهاء خدمات الأستاذ ماتيو فيرّاري لأسباب أمنية، وإغلاق مكتبه حتى إشعار آخر. يُمنع الوصول إلى الطابق السفلي دون إذن خاص من الإدارة."
"في نفس يوم اختفائه؟" تساءل ماركو.
"في نفس يوم إغلاق الباب الحديدي." أكملت جيا ببرود محسوب.
سحبت يدها من الصورة، وقالت:
"أظننا بحاجة لأكثر من مجرد أوراق… نحتاج إلى شخص يعرف ماتيو."
---
منزل جيا – في الليل
السماء تمطر بهدوء. جيا جلست على الأرض في غرفتها، محاطة بصندوق خشبي قديم مملوء بكتب الطفولة، والكثير من الذكريات.
سحبت كتابًا صغيرًا، عنوانه "المدينة التي لا تنام". كانت تقرأه دائمًا في طفولتها. فتحته ببطء، ووصلت إلى الصفحة الأخيرة. هناك، كانت تنتظرها ورقة رقيقة، مطوية بدقة.
نظرت إليها، ولم تندهش حين قرأت الخط:
> "جيا، إن وجدتِ هذه الرسالة، فاعلمي أنني لم أختفِ… بل اختبأت. الباب لا يُفتح إلا لمن يستحق الحقيقة. الرماد لا يخفي النار… إنه دليلها."
– M.F
أغمضت عينيها، وأطلقت زفرة طويلة.
"كنت تعلم، إذًا…" تمتمت لنفسها.
---
اليوم التالي – المكتبة العامة
دخلت المكتبة بخطوات هادئة. العجوز التي خلف المكتب، لم تنظر إليها كثيرًا. سألتها جيا:
"هل يأتي أحد لقراءة الصحف القديمة؟ بانتظام؟"
أجابت المرأة بتردد:
"رجل... شعره رمادي، ونظارات سميكة. يجلس دائمًا في الزاوية الخلفية. لا يتكلم كثيرًا، فقط يقرأ الصحف القديمة."
"هل هو هنا اليوم؟"
"أجل. وصل منذ ساعة."
تحركت جيا ببطء نحو الزاوية الخلفية، وابتسمت وهي تراه. لم يكن شكًا، ولا حدسًا. كانت تعرف تمامًا من هو هذا الرجل.
ماتيو فيرّاري.
هو لم يلاحظها مباشرة. كان يقرأ صحيفة قديمة بعنوان:
“انفجار غامض في مدرسة سان لورنزو – لا ضحايا، ولا تفسير.”
وقفت أمامه، وقالت بنبرة غامضة:
"ما زلت تجمع القصص القديمة، أليس كذلك؟"
رفع رأسه، نظرتاه اصطدمتا بعينيها. صمت. دهشة. ثم تراجع في كرسيه.
"أنتِ..." قال بصوت مبحوح، "جيا."
لم ترد عليه فورًا. جلست أمامه بهدوء، نظراتها ثابتة، ووجهها لا يحمل ارتباكًا.
"لم أكن متأكدة أنك ما زلت على قيد الحياة، رغم أنني رأيتك من قبل."
"إذًا… لماذا لم تسأليني من أكون؟"
"لأني كنت أعلم."
أطبق ماتيو شفتيه، عجز لوهلة عن الرد.
"كان يمكن أن تفضحيني، أو تتهميني…"
"لم أرد أن يعرف أحد بعد. لوكاس، ماركو… ليسوا مستعدين."
"وأنتِ؟"
"أنا كنت مستعدة منذ اللحظة التي رأيت فيها الصورة."
نظر إليها طويلًا، وكأنّه يرى فيها بقايا جوليانو… وأشياء أخرى لم يستطع أن يفهمها بعد.
"لماذا عدتِ إليّ الآن؟" سألها بصوت خافت.
"لأن الباب يُوشك أن يُفتح، وأنت الوحيد الذي يعرف ما خلفه."
.........................………………………………….
………………………………….
……………....
- اتمنى يعجبكم الفصل
- هو صح مازال الغموض ....... وش قاعد يصرا؟........ديل مونتي و روسي وش كاين بيناتهم؟...... 🤔
- توقعاتكم ماتيو فيراري وش حكايتو معاهم.....
- الفصول القادمة سيتضح الموضوع و ستظهر الاتفاقية حول ماذا ✌🏻
- توقعاتكم حول علاقتهم القديمة و الجديدة .......و ماهو سر عداوة عائلتهم ؟........و ماهو الاتفاق الذي بينهم؟.....
julienne