(في كنيسة القديس بطرس)
تدق أجراس الكنيسة الكبرى معلنةً حلول ساعة الصلاة. يتوافد المصلّون ببطء تحت السقف المُذهل، ذاك الذي يزدان برسوماتٍ خالدة من إبداع مايكل أنجلو. لوحات تملأ البصر وتُشبع الروح، وأبرزها لوحة "خلق آدم" المتربعة في قلب السقف، يمدّ فيها الإنسان يده نحو الخالق.
تنسحب الأبصار شيئًا فشيئًا من السقف لتتّجه نحو الجدار المهيب... الجدار الذي يحمل النقش العظيم: "يوم القيامة".
المشهد يرتجف له القلب. المسيح، عيسى بن مريم، واقفٌ في الأعالي، يرقب الخليقة تنهض من قبورها، عراة، مذهولين، تتجه أبصارهم نحو المحكمة الإلهية... مصائر مبهمة تنتظرهم، وسماءٌ مشحونة بالرهبة.
في هذه اللحظة، وسط كنيسة القديس بطرس، وقف رجل طويل القامة، هادئ الملامح، وقد أنهى صلاته للتو. عيناه لم تبارحا لوحة "يوم القيامة". ظلّ يحدّق فيها طويلاً، كأنها تخاطبه من عمق الزمان.
وبعد حين، حمل حقيبته وغادر بخطى واثقة نحو مطار الفاتيكان.
على متن الطائرة، جلس الرجل بجوار سيدة مسنّة وطفلة صغيرة. بهي الطلّة، أنيق الهندام، عريض الكتفين، شعره مصفف بعناية، وعيناه عسليتان خلف نظارة طبية شفافة. كثير الابتسام، هادئ الحضور. كان قد أغلق كتابًا كان يطالعه، وابتسم للطفلة التي كانت تحدق فيه ببراءة، ثم ضحكت له... فبادلها الضحكة، ولاعبها برفق.
اليأس (يبتسم): "سيدتي، ابنتك جميلة جدًا..."
السيدة العجوز (تضحك بودّ): "إنها... حفيدتي. يبدو أنها أحبّتك من النظرة الأولى."
اليأس (يداعب الطفلة): "أسأل الرب أن يحفظها، ويبارك فيها..."
السيدة العجوز (بصوت فيه حنين): "أتيتُ إلى هنا أرجو من الإله أن يُخفّف عنها. هذه الصغيرة... آخر ما تبقّى لي من رائحة ابني وزوجته، رحمهما الله. وهي مريضة..."
اليأس (بنبرة حنونة): "وا حسرتاه... سامحيني إن كنتُ فضوليًا، لكن، ما مرضها؟"
السيدة العجوز (تتنهد بأسى): "شلل الأطفال. رغم أنها في عمرٍ يجب أن تركض فيه كالفراشات... إلا أن ساقيها لا تطاوعانها."
اليأس (بابتسامة دافئة): "أعرف صديقًا لي يملك مركزًا طبيًا للتأهيل، موثوق ومعتمد. أنا أسمي دي سيان... دكتور جامعي، ولي زملاء أطباء أثق بهم. أعدك أنني سأتكفّل بعلاج حفيدتك، إن رغبتِ، يا أمي... فقط أعطيني رقمك، وسأكون بخدمتك."
السيدة العجوز (تدمع عيناها ببصيص أمل): "... الحمد للرب... لم يكسِر بخاطري، وساقك إليّ يا بُني. شكرًا... شكرًا من القلب."
----
المحكمة)
امرأة شاحبة الوجه، غائرة العينين، متورّمة المقلتين، نحيلة، شعرها الأسود الطويل ينحدر حتى خصرها. تقف مكبّلة الأيدي بالأصفاد، ترتدي بدلة برتقالية، نظراتها تتجه نحو القاضي - رجل كهل، غليظ الملامح، تجاعيد تكسو جبهته ووجهه، وشعر خفيف تختلط فيه خيوط السواد بشيب الزمن.
(القاضي - وهو يضرب بمطرقته)
"بوقوع الجريمة، وبناءً على اعتراف المتهمة الواضح، حكمت المحكمة بسجنها مدة سنتين كاملتين بتهمة القتل العمد بدافع الدفاع عن النفس. رُفعت الجلسة."
تُقاد المرأة خارج قاعة المحكمة، ويستقبلها وميض كاميرات الصحافة. تبتسم...
ابتسامة نصر.
فالقانون، رغم صلابته، لم يروِ ظمأ قلبها. لم يأخذ بثأر ابنتها كما يجب، ففعلت هي. بيديها نزعت منه روحه النجسة، كما انتزع روح ابنتها البريئة.
اليوم، تزفّ إلى السجن عروسًا للانتقام، مهرها كان دمه، وجهازها روحه التي أزهقتها بثبات.
فليعاقبها القانون إن شاء...
ذاك الطين المتعفن لن يسد فجوة قلبها، لن يخمد الحريق الذي يلتهم صدرها، ولن يعيد ضحكة ابنتها التي اغتالها.
ذاك العنكبوت القذر، نصب شِباكه حول فراشتها الجميلة... ولم يكن يعلم أنها أمّ الغربان.
أنّها ستقتحم شباكه، وتدمّر بيته الهشّ...
وتغرز مخالبها في صدره دون رحمة.
-----
(جامعة أوريغون)
يقف رجل طويل القامة، بهيّ الطلّة، بوجهٍ سمحٍ وتعاملٍ لطيف، أمام طلابه الذين بدوا مرحّبين بعودته.
اليأس (مبتسمًا)
"صباح الخير يا طلاب، هل أطلتُ الغياب عليكم؟"
يضحك الطلاب، مستأنسين بوجوده الذي يبعث في القاعة دفئًا خاصًا.
اليأس (يبتسم ويصفق بيديه بلُطف)
"حسنًا... حسنًا، هيا نبدأ حصة اليوم."
يفتح حاسوبه المحمول، ثم يسند جسده بذراعه إلى طرف الطاولة.
اليأس
"لدي سؤال لكم... بما أنكم شباب طموحون، دعونا نتخيّل أنكم أطباء. وجاءكم مجرم، حالته حرجة، بين الحياة والموت... هل ستقدّمون له العلاج، أم تتركونه ليلقى حتفه؟"
تتعالى الأصوات من أنحاء القاعة، بإجابة واحدة تقفز إلى السطح:
الطلاب
"نتركه يموت!"
اليأس (يبتسم بخفة، ناظرًا إليهم)
"ولِماذا؟... أليس بشرًا في النهاية؟"
طالب (يرفع صوته سريعًا)
"لأنه مجرم، ويستحق أن يموت!"
اليأس (بنبرة هادئة)
"إذًا... أنت أيضًا مجرم. كان بإمكانك إنقاذ إنسان، لكنك تعمّدت تركه يموت. ألا يشبه هذا ما فعله هو؟"
ترتفع يد بيضاء نحيلة في طرف القاعة. يميل بنظرِه نحوها، فيراها: فتاة صغيرة الحجم، بشعرٍ بنيّ مرفوعٍ في كعكة أنيقة، وعيونٍ باردة بُنّية، تبعث القشعريرة في من يحدّق فيها طويلاً.
اليأس (مشيرًا إليها)
"نعم، تفضّلي يا آنسة..."
لوك (تنهض بهدوء، تقف مستقيمة)
"حين يَقتل الإنسان، فإنه يُجرَّد من بشريته. يتحوّل من كائنٍ عاقل، إلى آخر يتبع غريزة بدائية، تُفعّل داخل دماغه برسالة كهروكيميائية، كما تفعل الحيوانات. وهكذا يصبح الإنسان مسخًا... كائنًا بجسد بشري، لكن بجوهر حيوانٍ بريٍّ مفترس.
نحن لسنا قضاة. القاضي وحده من يقرّر مصير المجرم.
لكن... سؤالي لك يا أستاذ: هل تلك النهاية... هي العدالة؟"
اليأس (يصمت لوهلة، يرمقها بعينين متفحصتين ثم يبتسم)
"وما رأيكِ أنتِ؟"
لوك (تنظر إليه بنظرة مشحونة، تقطعها بشيء من القسوة)
"أهل القتيل... هم الأحقّ بمعاقبة القاتل."
اليأس (يجلس على كرسيه، متنهّدًا)
"هكذا نكون قد خلقنا قاتلًا جديدًا... وتستمر سلسلة القتل بلا نهاية."
لوك (تحدّق فيه)
"لا. لكن قل لي، برأيك، هل من العدل أن يظلّ ذلك المجرم طليقًا، بعد أن ارتكب جريمته؟"
اليأس (يردّ بهدوء، صوته منخفض)
"القاضي هو الفيصل، لا نحن. نحن نحكم بقلوبنا، لا بعقولنا..."
لوك (تقاطعه، تضم ذراعيها إلى صدرها)
"ومن قال لك إن القلب يحسّ؟
القلب، في النهاية، مجرد عضلة تضخّ الدم. أما العواطف، فهي تفاعل كهروكيميائي داخل الدماغ، نتيجة رسائل ناتجة عن تأثير هرمونات معيّنة، تفرزها غدد مثل: الدوبامين، السيروتونين، الكورتيزول، والأوكسيتوسين. كل هرمون من هذه يؤثر على الجسم بطرق مختلفة، ويغيّر سلوك الإنسان حسب نوع التأثير.
وصلت الفكرة... يا أستاذ؟"
---
((مركز الشرطة)
ميخائيل (جالس يتفحّص أقوال كيرا)
ميخائيل (بغضب مكبوت):
"طويل، لديه شامة تحت فمه، ووشم، ويده اليسرى مغطاة... إدريس!! هل تمزح معي؟ ما الجديد هنا غير تعقيد آخر؟ رأي تنطبق عليه هذه الصفات، عدا أنه لا يضع وشمًا! حتى الحارس بالخارج تنطبق عليه هذه المواصفات الجسمانيـ...!"
يجلس ميخائيل، ثم يقول بنبرة تحمل تهذيبًا متوتّرًا:
ميخائيل (محاولًا ضبط أعصابه):
"يا سيد إدريس، هل هناك شيء مميّز في ذلك الرجل غير هذه الأوصاف؟"
رأي ينظر إليه مذهولًا، ثم يصرخ:
رأي (ساخرًا):
"طاقم طبي! أسرعوا، هذا العجوز يبدو أنه فقد عقله!"
في لحظة خاطفة، يشعر رأي بضربة قوية على عنقه من عكاز ميخائيل.
ميخائيل (ينهض بعصبية، يُمسكه الحارس):
"أردت أن أكون محترمًا، لكنك ماشيه! لا تسير إلا بالضرب! سأعيد تربيتك! هكذا تُحدِّث الكبار؟!"
رأي يمسك بعنقه من أثر الضربة، ويغمغم:
رأي (متهكمًا):
"في يوم ما... سأكسر عكازك هذا، وأرتاح منه."
إدريس ينظر إليهما نظرة باردة تبعث القشعريرة في أعماقهما:
إدريس (ببرود):
"مخصوم من راتبكما."
ميخائيل (يتنهّد بيأس):
"أنا أحتاج الراتب... هذا شيء مهم."
إدريس (ينظر إليه بطرف عينه):
"تنفقه على القمار والمشروبات."
ميخائيل (بتنهيدة مختلفة):
"لا... أريد أن أُجدِّد بيتي. زوجتي وابني سيعيشان معي."
يعمّ الصمت. تنعكس المفاجأة على وجه إدريس، ويبدو كأنه يسمع شيئًا كان ينتظره طويلًا:
إدريس (بصوت منخفض):
"يا رجل... أخيرًا عقلت. أحسب كلامي."
رأي يتنحنح مقاطعًا لحظة الصمت:
رأي (ساخرًا):
"نكمل التحقيق؟ أم نفتح ملف (السيد صغير-كبير العائلي المشرف)؟"
إدريس يتنهد بعمق، تنهيدة كأنها تخرج من سنوات من التعب، لا يدري أيهما يرهقه أكثر: ابن أخيه الذي يُفقده عقله يومًا بعد يوم، أم ابنته المسكينة التي لا تفارقه كأنها طفلة، أم القضية التي تكبر كلما أوشكت على الانتهاء.
يلاحظ رأي وميخائيل شيئًا في الصور: الكتابات على الصخرة التي وُجدت عليها عظام "أنتغرا"، والرسالة المكتوبة بدم على جثة "أنتوني" المصلوب. الحروف على الجهة اليمنى تبدو حديثة، أما اليسرى فجافة. لا توجد آثار لكتابة متكررة، بل خَطٌّ واحد في كلتا الجهتين، بنفس السمك، بنفس الحجم.
رأي (يُطفئ سيجارته، يتحدث بثقة):
"القاتل أعسر."
ميخائيل (يخلع سترته ويشمّر عن كميه):
"...هل يوجد شخص سمين هنا؟"
رأي (يشير بإبهامه نحو الباب):
"نعم... ماركو."
ميخائيل (يحضر بعض الأدوات):
"أحضِره إلى هنا."
يدخل ماركو، رجل سمين، طيب الوجه. يُطلب منه التمدّد على الأرض. يبدأ ميخائيل بمحاكاة مشهد القتل، متتبعًا التفاصيل، معلقًا الجثة وكأنها مصلوبة. لكن الدم هو المشكلة... الأطراف مزرقة، وكأن الدم لم يصلها.
رأي ينتبه فجأة، يلتفت بعينين متسعتين:
رأي (بصوت مرتفع):
"بطرس!!!"
يتبع
---
ilham