---
الحياة، الإنسان مهما طالت تبقى لحظات ومواقف. الغريب أننا نتذكر السيئ، نعيش فيه، نحلم ونتذكره، نستحضر روح المأساة، وأسوأ ذكرى تظل طيفًا يطارد روحك وحلمك، فتجد فجأة ماضيك يمسك بكل شريانٍ ناضبٍ في مستقبلك ويسحبه شريانًا شريانًا، وريدًا وريدًا، نفسًا نفسًا، يلفّك بسواده ويعيد نفسه لك، يعطيك أملًا يجعلك تجري نحوه مثل العطشان الذي أوقعه القدر في صحراء، ومن بعيد يجد بئر ماء، فيجري إليه، وعندما يصل ليرتشف يجد أنه ماء مالح يشقّق كل ذرة أملٍ لك، ويعطيك درسًا يهشم فيه كل شظيةٍ في روحك.
مبنى يتهاوى على رؤوس من فيه، انفجارٌ مدوٍّ، ونارٌ تلفّ حول الأجساد فتحرقها وتحصد أرواحها. رجلٌ واحدٌ واقفٌ في نصف الانفجار، نفس المنظر يُعاد على بصره. يلتفت إليه رجلٌ نصف وجهه محترق، ويده اليسرى التي أكلتها النيران حتى تفحّمت، تمتد نحوه بآخر ليفٍ عصبيٍّ نشِطٍ بها.
«م... ميحا... ميخائيل... ساعدني، أرجوك... لا تتركني.»
ثوانٍ من سكون الليل تقطعها شهقةٌ عالية. رجلٌ، شعره الأسود يغطي وجهه، ذراعه... لا، كل جسمه يتألم. يتنفس بسرعة كأن الهواء سيهرب من رئتيه، حتى ضغط على معصم ذراعه اليمنى بيده اليسرى، وسحب نفسًا بطيئًا، بطيئًا جدًا، يملأ رئتيه بالهواء ببطء، ثم يزفره. كل خليةٍ عصبيةٍ في عقله تطالبه بجرعة نيكوتين. أخذ علبة السجائر والقدّاحة، متجهًا نحو الشرفة مستندًا إلى عكازه.
ميخائيل (يفك أزرار قميصه ويشعل سيجارة):
"الهواء عكرٌ الليلة..."
شعر بحركةٍ خلفه، فالتفت، كانت مارسيليا تحت ضوء القمر، بشعرها الطويل الأسود، وعيونها اللوزية البنية مثل فنجان قهوةٍ صباحيٍّ يزيل كل صداعٍ من رأس شاربه، ونمشٍ على وجهها. بعد كابوسٍ مرٍّ، رؤيتها — حتى لو كانت ساخطةً عليه — كافيةٌ.
مارسيليا (بانزعاج):
"إن كنتَ تريد التدخين في الشرفة، فأغلق الباب خلفك. رائحة السجائر طغت في المكان..."
أبعد السيجارة عن فمه، وأسند رأسه على كتفها. تجمّدت. شكله يُرثى له، يبدو كمُتشردٍ بذوقه الرخيص، بملابسه ورائحة سجائر خانقة. لا تدري أَتَنتقد ذوقه السخيف أم تشفق على حاله.
(اليوم السبت، الساعة 7:30)
تحيط سيارات الشرطة بالمكان، والشريط الأصفر يدور حول مسرح جريمةٍ جديدةٍ لجماعةٍ أطلق عليها قسم التحقيق الجنائي اسم «طائفة التطهير».
إدريس (ممتعض):
"من أول شخصٍ من عناصر الشرطة تسلّم النداء؟"
راي (يدخن خارج موقع الجريمة):
"الضابط ريان أول من استلم البلاغ، ثم أدار وحدة التدخل السريع، وأبلغني مع الطب الشرعي، وقام بتمشيط المنطقة وحصر الشهود."
ميخائيل (ينظر إلى البيت):
"مستحيل أن يكون الجاني دخل من هنا. كاميرات المراقبة من نوع EZVIZ HB8 Battery Pan & Tilt Outdoor Camera — كاميرا عالية الجودة، بطارية كبيرة تعمل حتى في حال انقطاع الكهرباء — ولكن حتى الآن، التقني إيفان لم يحصل على أي تسجيلٍ لدخول أي شخص. حتى كاميرات الممرات لم تصوّر دخول أحدهم."
راي (يسحب نفسًا طويلًا من السيجارة):
"كالعادة، مسرح الجريمة نظيفٌ من أي أدلة. مع برك الدم تلك، لا توجد حتى آثار أقدامٍ أو أحذية."
يلبس ميخائيل بدلةً بيضاء وكوفية، مع عوازل لحذائه وكمامة، ويدخل مسرح الجريمة تحت أنظار فريق الطب الشرعي. شيءٌ غريب... هناك ما لم يعجبه. مسرح الجريمة أكثر تنظيمًا من أي مسارح الجريمة المعتادة لتلك الطائفة، التي تخلّف عادةً وراءها فوضى دموية.
تحت بقع الدم وبركة الدم التي كانت تحت جسم الضحية المصلوبة رأسًا على عقب، وقف في منتصف الصالة الضخمة ذات الأثاث المبالغ فيه، والأعمدة الطويلة الشاهقة البيضاء المتخللة ببعض ذراتٍ من قطرات الدم. رفع بصره نحو الدرج الكبير حيث وُزعت لوحاتٌ بإطارٍ ذهبيٍّ، تقليدٌ للوحات الفنان مايكل أنجلو، تتوسطها لوحة يوم القيامة.
عاد ببصره نحو مكان الصلب، وتحته كُتب بالدم:
"أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ، وَلَكِنْ إِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ، فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجًا وَيُدَاسَ مِنَ النَّاسِ."
ميخائيل (ينظر حوله جيدًا):
"ملح الأرض... آية من الكتاب المقدس، لوحة يوم القيامة، وطريقة الصلب... هه، كيف فاتني هذا التفصيل؟ يبدو أن جلوسي مع الغِر جعلني أصبح غبيًّا مثله."
يخرج من موقع الجريمة وعلى وجهه ابتسامةٌ ساخرةٌ عريضة.
راي (ينظر إليه مستغربًا):
"وجدتَ شيئًا؟"
ميخائيل (بغرور):
"طبعًا. القاتل يتبع نمطًا معينًا، إن صحَّ التعبير، ثلاثة قتلة وليس قاتلًا واحدًا."
إدريس (يدهس عقب سيجارته تحت حذائه):
"فصّل أكثر."
ميخائيل (يخلع القفازات):
"سأتفضّل بشرحٍ لكما، لأنكما أقل ذكاء. أليس غريبًا أن هناك بعض النقاط السوداء على الأعمدة مع بقع الدم؟ القاتلون دخلوا من المدخنة، وزميلهم الثالث أوقف عمل الكاميرات. الثالث يعمل في هذا البيت، وهو شخصٌ قريبٌ من المجني عليه. في قصر نوستراد يعمل 12 من الخدم: 6 نساء و6 رجال. القاتل لا شك أن بنيته قوية بما فيه الكفاية لضرب نوستراد ضربةً قوية تجعله يفقد توازنه، لذا نستبعد النساء الست. أحضروا للتحقيق جميع الخدم الرجال الذين يزيد طولهم على 177 سم، القاتل بينهم."
راي (ينظر إليه مستنكرًا):
"ولماذا حددتَ أنه تم ضربه؟ وأن من ضربه رجل؟"
ميخائيل (تأخذ عيناه منعطفًا حادًّا):
"لأنه لو لم يُضرب لوصل إلى الباب الرئيسي وصرخ. الضربة أفقدته توازنه، ولا يمكن أن تكون امرأة، لأنها تحتاج إلى قوةٍ كبيرةٍ لتطرحه أرضًا، وجميع النساء في هذا القصر تتراوح أطوالهن بين 150 و166 سم، وهنّ أصغر من الضحية."
راي (ينفث ما تبقى من دخان السجائر ببطء):
"قد يكون تحليلك منطقيًّا، لكن إن كان قد ضُرب، لماذا لم يصرخ كما تقول؟ شخصٌ واحدٌ كان متعاونًا مع القاتلين الآخرين؟ وماذا عنهم؟ سيد إدريس، أقترح أن يأخذ الطب العدلي عيناتٍ من الأواني التي أكل أو شرب بها المجني عليه، لا شك أنها تحتوي على مخدر، لأنه لو ضُرب فعلاً لكان ذلك واضحًا أولًا، وثانيًا لصرخ وسمعه الجميع."
ميخائيل (ممتعض، يجيب من بين أسنانه):
"هل تشكك بنظريتي؟ هه، حسنًا أيها الغِر الصغير، لو ظهر شيءٌ في الأواني أو آثار مخدرٍ، سأدفع لك 200 دولار، وإن ظهرت آثار ضربٍ على رأسه ستدفع لي 2000 دولار."
راي (ينظر إليه بوجهٍ جامد):
"هل تمزح؟ مستحيل... ثم لماذا أنا الذي أدفع أكثر؟"
إدريس (بنفاد صبر):
"أنتما! هل تراهِنان على أرواح الناس؟ أريد تقريرًا مفصلًا عن موقع الجريمة مع تقرير الطب الشرعي. كفى ترهات! صورتنا الإعلامية تنهار، والسخيفان اللذان تحت إمرتي يلعبان! واضح أننا أفلحنا حقًّا!"
يمشي نحو سيارته وهو لا يزال يتمتم تحت أنفاسه، يذم الاثنين اللذين لا حول لهما ولا قوة أمام هذا البركان، خوفًا على رواتبهما.
ميخائيل (ينظر بوجهٍ جامد):
"هاه... ما به انقلب علينا؟"
راي (يعدّل شعره إلى الخلف):
"...فقط لينهي لويس تصوير موقع الجريمة، لأني أحتاج إلى النوم."
يتبع...
ilham