للّيلِ الداجي صمتٌ يصمّ الآذان.
يتوشّح السكونَ صوتُ حفيفٍ خافت، ناتجٍ عن تقليب أوراقٍ ذات سطحٍ خشن.
من عتمة الليل يبرز رجلٌ أنيق المظهر؛ تمنح ملابسه انطباعَ رجلٍ بريطانيّ، يقلب الأوراق بيدين مغطاتين بقفازٍ جلديٍّ داكن.
مقابلَه يجلس رجلٌ آخر، بوجهٍ عابس وملامحَ غليظة، يبرز فيها لونُ بشرته الأسمر.
قال المدّعي العام بابتسامةٍ عريضة:
«لماذا هذا التجهّم، حضرة المحامي؟ هل ترغب بكوب شايٍ بالحليب لتهدئة أعصابك؟»
أجابه المحامي بوجهٍ أكثر تجهّمًا وعصبية:
«تشرب الشاي أمام هذا المنظر؟»
قال المدّعي العام بهدوء:
«وما به المنظر؟ إنه جميل.»
ردّ المحامي ساخرًا:
«لمختلٍّ مثلك، نعم هو كذلك. قل لي، أَلستَ متديّنًا؟»
ابتسم المدّعي وقال:
«وأنا كذلك.»
أشعل المحامي سيجارةً وقال بنبرةٍ حادّة:
«إذًا، كيف تقتل بهذه الوحشية؟»
صبّ المدّعي العام لنفسه كوبَ شايٍ آخر، ثم قال:
«أنتقم في الأرض، وأطلب المغفرة من السماء.»
ابتسم المحامي ساخرًا:
«ومن قال إن ذنبك مغفور، يا رجل؟ ثقتك تُدرَّس. هل أنت من ستحاكم نفسك في قبرك؟»
ارتشف المدعي من شايه وقال:
«وبأيّ أساسٍ تظن أن ذنبك سيكون مغفورًا؟ جريمتك في بيت نوستراد لا تزال من أبشع ما يكون، فلا تتحجّج بأنك طاهر، لو سمحت. كلانا في المركب نفسه، وكلانا ملطّخٌ بالدماء. لستُ أنا وحدي من ينفّذ الحكم، فأنت تفعل ما هو أبشع مني، لكنك الآن أمامي أصبحتَ قسيسًا؟ هه، لم أعهدك منافقًا. تكذب على من؟ عليَّ، أم على نفسك، أم على ربك...؟»
شعر المدعي بفوّهةِ مسدس المحامي تلامس جبهته.
قال المدّعي:
«أصبحتَ ثرثارًا كأرشيف القاضي المقيت ذاك.»
دسّ المحامي فوّهة مسدسه بين أضلاع المدّعي وقال:
«لا تهدّدني، فأنا لا أهدّد. تذكّر هذا جيدًا، يا حضرة المدّعي العام.»
ـــــــ
أعاد ميخائيل رأسه إلى الخلف، ومسح وجهه بكفّيه.
«قولوا لي إن هذا لم يحصل بجدّية. الآن قررت كيرا الندم؟ الآن قررت أن تجني على نفسها؟ لم نحصل منها على أيّ شيءٍ مفيد. أشعر أن تلك المنظمة تسخر مني.»
كان راي يحضّر قهوته.
قال:
«وما أدراك أن من قتل زوج كيرا هو نفسه من تلك المنظمة؟»
أجاب ميخائيل:
«هل الأمر يحتاج إلى ذكاءٍ خارق؟»
صبّ راي قهوته السوداء، ثم رفع نظاراته فوق رأسه وقال:
«وضّح أكثر. ما الشيء الذي يجعلك متأكدًا، حدّ اليقين، أن مقتل زوج كيرا له علاقة بتلك المنظمة؟»
قال ميخائيل:
«ببساطة، طريقة القتل تكشف القاتل وهويته. بما أنك هاوٍ، دعني أعلّمك شيئًا سيجعلك في موضع قوّة في أيّ مسرح جريمة، ويجعلك تمسك خيوط القضية مبكرًا.»
جلس راي مستندًا بذراعه على رأس الكرسي، وارتشف من قهوته بعد أن وضع فيها السكر.
«حسنًا، ومنكم نستفيد.»
قال ميخائيل:
«طريقة القتل تُفصح عن شخصية القاتل. من يختار المسدسات يكون شخصيةً درامية، حالمة، قوية، وسريع البديهة. ومن يفضّل السمّ غالبًا يكون جبانًا، أما من يفضّل السكاكين فهو مختلّ، هاوٍ للقتل، ومتمرّس.
طريقة القتل تجعلك تميّز بصمة القاتل. لقد اشتركت تلك المجموعة بفكرةٍ دينية؛ رأينا مقتل نوستراد صلبًا، وقبلها مقتل زوج كيرا بالأسلوب نفسه. صحيح أنه طُعن، لكن فكّر بها: لم يكن رجلًا ضعيفًا حتى تتمكن امرأة مثل كيرا من قتله. كان أضخم وأقوى.
يعني، بالكاد منها سيلحق كيرا بابنتها. أنا أرجّح فكرةً تدور في رأسي، هناك سيناريو مختلف أفكّر به. ماذا لو كانت كيرا تريد التخلّص من زوجها قبل تلك الليلة، قبل مقتل ماريان؟
وأنا أيضًا أتساءل: كيف يمكن أن تُقتل شخصيات بحجم إنتغرا ونوستراد؟ وكيف تصلهم المعلومات عن هذه الشخصيات؟ فقلت لنفسي: ماذا لو كانت هناك وسيلة للتواصل، مثل ويليام جيمس موريارتي؟ مثل نظام آل موريارتي؟»
وضع راي كوب قهوته وقال:
«تقصد سيد الجريمة من روايات السير آرثر كونان دويل؟ يعني كأنها عملية عرضٍ وطلب، حيث يطلب الزبون الجريمة ويعطي تفاصيل المجني عليه، ثم تتكفّل المنظمة بالتخلّص منه؟»
أجاب ميخائيل:
«بالضبط. لو افترضنا أن كيرا كانت زبونة، فلا بدّ من وجود منطقة، أو مكان، أو موقع لتقديم الطلبات. لذلك طلبت من إدريس أن يزوّدنا بالأجهزة الإلكترونية الخاصة بكيرا، وحتى تصلنا الموافقة طلبت من التقني لويس أن يتتبّع نشاط كيرا الإلكتروني.»
ilham