---
(مكتب التحقيق)
إدريس (يفرك جسر أنفه ببطء)
"هل من جديد؟"
ميخائيل (يسكب كوب قهوة آخر)
"لا جديد... ما زلنا نبحث."
راي (يمسح وجهه بكفّه ثم يُرجع شعره إلى الخلف)
"شحّ المعلومات يخنقني... كأنني أبحث عن إبرة في كومة قش."
ميخائيل (يجلس، يغيّر ضمادة يده المحترقة، يتأوّه من شدة الألم)
"شحّ المعلومات هو الجدار الذي أمامنا. نملك فقط بعض الأدلة المتناثرة هنا وهناك... هل وجدت شيئًا آخر، راي؟"
لأوّل مرة يناديه باسمه، لا بـ"الغِرّ الهاوي". اعتراف ضمني نادر من رجل قاسٍ كميخائيل، اعتراف يحمل ثقله...
راي (يرفع عينيه المتعبة إلى السقف)
"لا... لا جديد. مهما بحثت، لا أجد شيئًا."
الصمت يخيم على الغرفة، ثقيلًا كالسخام. يقطعه صوت رنين هاتف. هاتف راي يضيء: "عزيزتي". يفتحه سريعًا.
راي
"حبيبتي، لن أعود للبيت اللي... مـ... مهلاً، اهدئي نسرين، اهدئي. لا أفهم، ماذا به راميل؟ تكلمي ببطء."
في الجهة الأخرى، كانت نسرين تبكي بانهيار، تكاد تختنق من الذعر.
نسرين (تشهق وتلثِم كلماتها خوفًا)
"راي...! راي أرجوك، الحق ! راميل حرارته مرتفعة! يكاد لا يتنفس... أرجوك تعال بسرعة! ابني ...ابني... سيموت!"
راي (ينهض مفزوعًا من مكانه)
"أنا قادم! انتظريني... مسافة الطريق وسأكون عندك."
يُقفل الخط. راي له ثلاثة أيام لم يرَ فيها عائلته، ولا نام نومًا حقيقيًا، هو ورفيقاه.
راي (يأخذ محفظته بسرعة)
"سيدي إدريس... عليّ الذهاب، ابني مريض."
إدريس (يتنهد بهدوء)
"اذهب. سنتكفّل بالقضية نحن."
ينطلق راي إلى السيارة، وعشرات الأفكار تنهشه وهو في طريقه إلى البيت... أولها:
(أنت أبٌ مقصّر)
دخل البيت، فرأى ابنه ذو السنوات العشر ممددًا على الأريكة، وجهه محمّر، أنفاسه متقطعة، يتلوّى من الحمى.
سيرين كانت منهارة، وجهها متورم من كثرة البكاء.
يحمل راي ابنه ويركض به إلى السيارة، ينطلق مسرعًا نحو المستشفى.
في قسم الطوارئ... يُدخل راميل، بينما سيرين تبكي بانكسار وهي تراقب والدها يُبعد عنها شيئًا قد لا يُعوّض.
راي (يحتضنها بقوة)
"اهدئي يا سيرين، سيكون بخير."
سيرين (بصوت منهار)
"لا! ليس بخير! تكذب عليَّ؟ أنا رأيته... رأيته بأمّ عيني، جلده كان شاحبًا، وعيونه تذوب! كان يتقيأ، يختنق! لقد فقدت ريو... والآن سأفقد راميل أيضًا بسببي!"
تشهق، تواصل بكلماتها المكسورة:
"قال لي إن بطنه تؤلمه، إنه متعب... لكني لم أُصغِ له، لم أهتم! أنا السبب، أنا الخلل، أنا من أضعت أولادي!"
راي يجلس بصمت، يسحب نفسًا عميقًا، يحاول أن يتمسّك بما تبقى له من تماسك...
يتمنى في سرّه ألا يفقد ابنه الآخر...
---
(قبل لحظات)
حين كان طفلًا، رأى رجلًا يركض حاملاً والده بين ذراعيه، مفزوعًا عليه.
نظر الفتى إلى الرجل، ثم إلى يده... تلك اليد الصغيرة التي كانت تنزف دمًا.
دخل الفتى منزله، حيث كانت أمه قد عادت للتو من العمل.
البيت كان صغيرًا، بالكاد يتّسع لذكرياته، بخلاف البيت المجاور، الكبير، الصامت.
(الأم - مارسيليا)
"يا إلهي، كوري! ماذا حدث ليدك؟!"
(كوري - وهو ينظر إلى الأرض)
"آسف... جرحت نفسي عن طريق الخطأ."
(مارسيليا - تحتضنه بسرعة وتجلسه في حضنها)
"لا بأس، لا تقلق... سنعتني بها معًا."
(كوري - يضع رأسه على صدرها)
"ماما... أين أبي؟"
(مارسيليا - تضمد يده، يتحول صوتها الحنون إلى نبرة قاسية محمّلة بالغضب المكتوم)
"لماذا تسأل عن والدك؟... ألستُ كافية لك؟"
(كوري - تنهمر دموعه بصمت)
"لكن... كل الأطفال لديهم أب... أين أبي أنا؟"
(مارسيليا - تسكن قليلاً، تنظر إليه بعينين مثقلتين بالشفق والندم، ثم تعانقه مجددًا)
"أبوك... تخلى عنا، عني... وعنك."
(كوري - يبكي بحرقة)
"هل أنا السبب؟ هل... هل لا يريدني؟"
(مارسيليا - تربت على رأسه بلطف، تحاول احتواء الانكسار في صوته)
"لا، لا يا عزيزي... ليس ذنبك، أبداً. هل... هل تود أن تراه؟"
(كوري - يمسح دموعه بكمّه الصغير)
"أمم... نعم، أريد."
----
(جامعة جورج واشنطن)
لوك:
"هل من سؤال؟"
(في الصف الأمامي، يرفع أحد الطلاب يده)
لوك (تشير إليه بإيماءة خفيفة):
"نعم، أنت، تفضل."
الطالب (يخفض يده):
"لماذا لا توجد أدوية فعّالة لأمراض مثل السكري أو الأمراض المستعصية التي لا علاج لها حتى الآن، رغم وجود الكثير من الشركات التي تُنتج أدوية متنوعة؟"
لوك (تعدل رباط يدها الطبي بهدوء، تتنفس، ثم تقول بنبرة هادئة ولكن حادة):
"سؤال ذكي... لكن يُظهر أنك ما زلت في المرحلة الأولى، ولم تأخذ الجانب العملي بعد. في الطب، القول دائمًا أسهل من الفعل."
(تتقدم خطوة نحو السبورة)
"لنأخذ مثال مرض السكري، كما ذكرت... سببه الأساسي يعود إلى خلل في خلايا جُزُر لانغرهانس في البنكرياس، وهي المسؤولة عن تنظيم إفراز الأنسولين في الدم، صحيح؟
الآن، تخيّل أنك تريد دواءً 'يعالج' هذا الخلل. ماذا يعني ذلك؟ يعني تدخلًا مباشرًا في بنية ووظيفة البنكرياس وربما الكبد - وهما من أكثر الأعضاء حيوية في الجسم. أي خطأ أو عرض جانبي بسيط قد يعني كارثة طبية."
(تتوقف لحظة وتنظر إلى الطلاب)
"تذكّروا ما درسناه عن مضادات الاكتئاب - (Antidepressants) - والتي من المفترض أن تُحسن المزاج. ومع ذلك، ما آثارها الجانبية؟
غثيان، صداع، زيادة أو نقص في الوزن، كثرة نوم أو أرق، وأحيانًا أفكار انتحارية. وماذا عن (SSRIs)؟ مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية؟
نعم، قد تُفيد البعض، لكنها قد تؤدي إلى أعراض مثل جفاف الفم، النعاس، الأرق، بل وقد تؤدي إلى متلازمة السيروتونين - حالة خطيرة من فرط السيروتونين قد تُسبب نوبات وارتباك وارتفاع الحرارة، وربما الموت إن لم تُعالج فورًا."
(تنظر إلى الطالب مرة أخرى)
"فإذا كان هذا حال أدوية تؤثر على الدماغ والمزاج، فكيف تتصور أن نعالج عضوًا معقدًا كبنكرياس دون عواقب؟
لهذا، لا تُصنع أدوية 'نهائية' لمثل هذه الأمراض. نُقدّم حلولًا بديلة - مثل الأنسولين في حالة السكري - لحين تقدم العلم بدرجة تسمح لنا بالتدخل الجراحي أو الدوائي الدقيق دون تدمير ما نحاول إنقاذه."
(تسكت لحظة، ترفع يدها قليلاً وكأنها تُغلق باب الحوار)
"هل من سؤال آخر؟"
(صمت في القاعة)
"لا؟... حسنًا. كانت هذه محاضرتنا لليوم، نلتقي في لقاءٍ قادم."
---
(في مكتب التحقيقات)
ميخائيل (يفكر بينما ينظر إلى الجدار بصمت ثقيل)
"سُحقًا... لا شيء... لا يوجد أي دليل. هؤلاء القتلة لم يتركوا حتى خيطًا رفيعًا، لا نفسًا، لا أثرًا. ضيّقوا علي الخناق كأنهم يعرفون كل زاوية أفكر بها... لا يوجد حتى نصف دليل... سُحقًا... سُحقًا..."
(يرن الهاتف فجأة، يكسر صمت الغرفة الخانق... يهتز فوق المكتب المعدني، وصوت الرنين يبدو أعلى من المعتاد، ربما لأن السكون الذي يلفّ المكان أشبه بمقبرة)
يمد يده ببطء نحو الهاتف، ينظر إلى الشاشة، تتسع عيناه قليلًا. رقم لم يظهر منذ ثلاث سنوات... أو أكثر. رقم يعرفه جيدًا... لا يُخطئه.
ذاك الصوت...
ذاك الصوت الأنثوي الهادئ، الناعم كالمخدر، المتجبر كالإعصار. صاحبة العينين اللوزيتين الحادتين، والنمش الذي يزين وجنتيها كشذرات قمر على صفحة ليل.
امرأة واحدة، كانت ولا تزال، تحطّم صلابته دون أن تلمسه. ورغم خشونة ملامحه وقسوته المتأصلة، يلين أمامها كما يذوب الجليد أمام شعلة شمعة صغيرة.
ربما هو الحنين... ربما الشوق... وربما... الذنب. لا أحد يعرف.
ميخائيل (يرفع الهاتف إلى أذنه، بصوت هادئ ومتردد قليلًا)
"نعم... مارسيليا؟"
---
في الجانب الآخر من الخط...
مارسيليا كانت تترقّب صوته... ذلك الصوت الغليظ الجاف. جزء منها يشتاق إليه، لكن داخلها إعصار ناري يحرق كل ما تبقى من نسمات الحب والحنين.
كانت قد أحبت بصدق... لكنها احترقت بالخذلان، فلم تبقَ إلا رماد امرأة تُخفي الألم خلف صمتٍ بارد.
مارسيليا (بصوت هادئ، متزن، كأنها تخفي العاصفة خلف هدوء البحر)
"نعم، أنا... ابنك يريد أن يقابلك."
---
بين لحظة وأخرى، تشتعل داخله نار متناقضة:
بين رجل محافظ جرى إلى ابنه بدافع ندم متأخر، ورجل كان قد خانه قلبه وسار خلف مراهقة متأخرة رغم أنه على مشارف الأربعين.
زوجته السابقة؟ كانت أنثى بكل ما تعنيه الكلمة: جميلة، راقية، متعلمة، حنونة، وقد وهبته ابنًا لطيفًا.
لكن غروره أوحى له أن الزواج قيد، أن العائلة سجن، وأن الحرية تكمن في خلع هذا القفص.
بدأ يراها قيدًا لا نعمة، يرى حرصها غلًا، واحتواءها كبتًا.
صار يقارنها - بظلم - بنساء عابرات يراهن في الأماكن المشبوهة التي صار يرتادها.
حينها... كانت مارسيليا - بجمالها الصارخ - مجرد صورة زائفة ظنها الحقيقة. وظن أن سعادته تكمن هناك... عندها.
لكن الحقيقة؟ أنه لم يكن طائرًا محبوسًا... بل غرابًا هدم عشه بيده.
حين خلعت زوجته المحطّمة خاتم زواجه، أخذت معها قلبه - وابنه.
لم يكن يعرف ابنه... عاش لسنوات دور الضحية... حتى أدرك أخيرًا أنه الجلاد.
---
يفيق من دوامة التفكير... يعود للواقع.
يمرر يده على وجهه كمن يحاول استيعاب ما حدث.
ميخائيل (بهدوء مكسور)
"حسنًا... سأتي لأخذكما بعد قليل. استعدّا."
(يغلق الخط، يتنهد ببطء)
وكأن جزءًا من كيانه المفقود... عاد إليه.
---
(في المستشفى)
دخَّن "رأي" علبة سجائر كاملة محاولًا أن يُهدّئ من روعه.
زَفَرَ آخر نفس متبقٍ من السيجارة الأخيرة، ثم ألقاها جانبًا وداسها بنعل متعب، قبل أن يعود إلى الداخل، حيث ترقد زوجته المنهارة بجانب سرير ابنهما الصغير.
الطفل كان محاطًا بالأجهزة الطبية من كل جانب، والأسلاك تلتف حول جسده النحيل كأنها شِباك تصطاده من الحياة.
يده الصغيرة موصولة بمغذٍ، وجهه شاحب، وأنفاسه ضعيفة بالكاد تُسمَع.
نسرين (تمسح دموعها بيديها المرتجفتين، تنحني فوقه وهي تهمس وكأنها تحاول إيقاظه من حلم ثقيل)
"ماما... حبيبي يا روحي، افتح عينيك، أرجوك... لا تحرمني منك...
يا إلهي، ارحم قلبي، لن أحتمل أن أفقده هو الآخر...
أرجوك... لا توقظ فيّ شعلة أخرى من رماد الحُرقة القديمة...
ربي، عاقبني بأي شيء... إلا أولادي..."
كان حالها يبكي الحجر... يبعثر أعصاب أي قلب.
و"رأي"؟ يقف هناك، لا يملك شيئًا...
زواجهما كان تقليديًّا، لم يبدأ بالحب، لكنه أحبها...
أحب طُهرها، صبرها، صونها لبيته، ومشاركتها له أحمال الدنيا دون شكوى.
وما يُؤلم الرجل ليس موت رجولته... بل عجزها.
النكسات لا تقتل جسده، بل تكسر نفسه، تسلبه رجولته وتلبسه ثوب العجز، تُجرّده من قوّته وتلقي به على قارعة الرثاء.
وهذا ما يشعر به "رأي" الآن...
كأن نكسة قلبه الأولى، حين رحل والده، لم تنطفئ بعد...
وكأنه الآن يسير على الجمر، وظهره يحمل جبلاً من الحجارة، ويداه مكبلتان بحزنٍ لا يُطاق.
كأن قلبه يصرخ: "أما من مغيثٍ يغيثني؟"
لكنه... أخرس لا يتكلم.
صوته مكتوم، محبوس في صدره، كأنه يُعذَّب حيًّا...
كأن الطعنات باردة، لكنها عميقة، لا تنزف دمًا، بل صمتًا.
يتبع ...
ilham