أحضان

أحضان

20 0

‏صوت عقارب الساعة يعلو شيئًا فشيئًا...

‏كل حركة منها تُحدث صدىً داخليًا، كأن الزمن نفسه يئن.

‏يتأرجح بندول الساعة ذهابًا وإيابًا، ومع كل تأرجح، يزداد وقع الثواني، يتضاعف، يتكاثر...

‏أنفاسها الثقيلة تختلط بهذا الإيقاع الميكانيكي المزعج،

‏صوت العقارب يتكرر ويتصاعد، يشق سكون الليل ويخترق الجمجمة كطنين لا يتوقف.

‏في الخلفية، ضحكات أطفال بعيدة...

‏أغنية طفولية قديمة تتسلل من اللاوعي، مشوَّهة، ممدودة، كأنها تصدر من آلة خربة.

‏كل شيء يختلط... كل صوت يزداد شدة...

‏التنفس يصبح صعبًا... خانقًا...

‏وصوت خطوات أقدام يقترب... أقرب... فأقرب...

‏الظل يزحف نحوها، يتمدد فوق جسدها العاجز...

‏قواها تنهار...

‏أطرافها تتخدر...

‏دموع تغمر عينيها دون إرادة...

‏وصوتها يختنق في الحنجرة...

‏حتى تنهض من نومها فجأة، وهي تشهق بشدة!

‏لوك تجلس على السرير، يدها على صدرها، تحاول استعادة توازنها.

‏تشعر بانخفاض حاد في السكر، تلتقط بسرعة مصّاصة حلوى من درجها، تضعها على لسانها.

‏تسبقها بكأس ماء، لكن فمها جاف بشكل مزعج، مذاق غريب يملأ لسانها...

‏مذاق حديدي، كأنها عضّت على قطعة صدئة.

‏تحاول أن تبلع، بصعوبة،

‏تشرب كوبين من الماء البارد على أمل أن يبلل جفاف حلقها،

‏لكن المذاق لا يزول...

‏شيء في الجو ليس طبيعيًا...

‏تنهض بتثاقل نحو الحمام،

‏تفتح صنبور الماء البارد وتضع رأسها تحته،

‏تحاول تنظيم أفكارها، تهدئة قلبها الذي يطرق صدرها بجنون...

‏الكورتيزول يرتفع، التوتر ينهش أعصابها.

‏ثوانٍ تمر، باردة، مرتجفة،

‏حتى تهدأ.

‏تنظر إلى الساعة.

‏3:22 فجرًا.

‏ما زال الوقت مبكرًا جدًا... هذا لا يشبه روتينها المعتاد أبدًا.

‏ثم، تشم رائحة غريبة...

‏رائحة صدأ في الهواء،

‏ممتزجة بشيء آخر...

‏رائحة عرق بارد؟ أم معدن قديم؟

‏هواء الغرفة محمّل بشيء غير مرئي، لكنه حاضر.

‏تغلق نافذة غرفتها، تشغّل التدفئة المركزية،

‏تحاول أن تعود للنوم،

‏لكن...

‏هناك شيء ما يمنعها.

‏لكنها لا تعلم...

‏أن في الشقة التي تحتها،

‏جثة طفلة صغيرة

‏تردد مناجاة بصوت مخنوق،

‏كأنها تهمس من قاع الموت:

‏ "ما.. ما.... ماما. ..."

‏لكن الموت لم يأتِ رحيمًا، بل تركها معلقة على حافة الحياة.

‏ربما كان الأفضل لها أن ترحل،

‏فهذا العالم مشوَّه،

‏لا يستحق البراءة...

‏أو ربما نحن من شوَّهناه، حتى صار لا يصلح أن يُعاش فيه.

‏---

‏(7:30 صباحًا)

‏ساعي البريد يطرق باب الشقة رقم 21...

‏يطلق الطَرقات واحدة تلو الأخرى،

‏لكن لا مجيب.

‏يتشمم الهواء، فتصل أنفه رائحة ثقيلة، ثابتة، قذرة...

‏يلتفت،

‏يرى الباب مواربًا.

‏يمد يده بتردد، يمسك المقبض...

‏صوت صرير خافت يخرج منه، كأن الباب يئن.

‏يخطو ببطء داخل الشقة...

‏الأرضية الخشبية تصدر أنينًا تحت قدميه،

‏الكهرباء مقطوعة...

‏الظلال تملأ المكان.

‏لم يمشِ كثيرًا،

‏حتى اصطدمت عيناه بما لا يجب أن يُرى.

‏طفلة.

‏وجهها ليس وجهًا...

‏محطم، مشوَّه، مدفون تحت آثار الضرب.

‏لم تعد ملامحها تُقرأ،

‏اللحم امتزج بالعظم، والجلد يابس كقشر محترق.

‏جسدها الصغير ممدد وسط بركة من دمٍ جاف...

‏صورة تقطع الوعي.

‏يرتج جسد الرجل،

‏يتراجع مترنحًا،

‏يخرج إلى الممر وهو يصرخ بصوت مكسور:

‏> "جثة!! أيها الناس!! ماتت الطفلة... ماريان!!"

‏أبواب العمارة تُفتح،

‏سكان يهرعون،

‏رجال يركضون...

‏ونساء يختبئن خلف الأبواب، يحمين أبناءهن من مشهد لم تُخلَق أعينٌ لرؤيته.

‏الذباب يتراقص فوق الجثة،

‏كأن الحياة غادرت، وتركَت الوليمة للموتى.

‏الصمت يخيّم،

‏لا أحد يقترب،

‏المنظر قاسٍ حد الكُفر.

‏لكن...

‏امرأة واحدة شقّت الصمت.

‏لوك.

‏كانت واقفة، عيناها البنيتان مفتوحتان حتى أقصاهما،

‏لكن لا دمعة فيهما.

‏تدخل بهدوء،

‏بخطى واثقة وسط ارتباك الجميع،

‏تنحني على الطفلة...

‏لا تتهرب، لا ترتجف.

‏تلف الجثة ببطانية بيضاء كانت على الأريكة،

‏تجمع بقايا الشعر الأسود المتدلِّي،

‏ثم تحملها بين ذراعيها كأنها لا تزال حيّة.

‏> لوك (بصوت ثابت، بارد):

‏"اتصلوا بالشرطة...

‏وأعزِّيكم بهذا المصاب الجلل."

‏الناس يتفرّجون، مشدوهون...

‏كأن لوك ليست منهم، ولا من هذا العالم أصلاً.

‏بعضهم اتصل،

‏وبعضهم ما زال لا يصدق،

‏فالمنظر ليس فقط يُفزع،

‏بل يخترق النفس حتى أعماقها.

‏فالطبيعة البشرية، رغم ما فيها من قدرة على التكيّف،

‏تقف عاجزة أمام مثل هذه اللحظة...

‏إلا من بُترت عاطفته منذ زمن.

‏---

‏(مركز الشرطة)

‏في مكتبه،

‏راي جالس أمام أكوام من الأوراق،

‏يحاول تتبّع خيوط القضية السابقة،

‏لكن لا شيء يتقدّم.

‏يأخذ نفسًا عميقًا، يحتسي قهوته،

‏ثم يتمتم وهو يضرب الطاولة بخفة:

‏> "سحقًا... لا شيء!!"

‏يدخل ضابط مسرعًا، وجهه مشدود:

‏> "سيدي!

‏جريمة قتل في مجمع "بيكان" السكني!"

‏ينهض راي فورًا،

‏قلبه يخفق، ذهنه في فوضى:

‏لم ينهِ القضية السابقة، والآن... قتيلة جديدة.

‏---

‏في المجمع السكني،

‏تبدو العمارة وكأنها تلعن نفسها.

‏سكان متجمهرون، أنفاس مقطوعة،

‏لا أحد يجرؤ على الاقتراب من ما تبقّى.

‏الجثة الصغيرة ملفوفة ببطانية بيضاء،

‏شعر أسود ينسدل من طرفها،

‏والرائحة... تخنق.

‏راي يتقدم بخطى ثقيلة،

‏ينحني، يرفع طرف الغطاء ببطء...

‏ثم يغلقه بسرعة،

‏عينيه تتراجعان من هول ما رأت.

‏يشير نحو الطب الشرعي.

‏الجثة تُنقل،

‏والذباب ما زال يرفرف حول الهواء...

‏كأن الجريمة لم تُغلق بعد.

‏---

‏(في حيّ شعبي)

‏خرج رجل أعرج، غليظ الوجه، من بيت متواضع في زقاق قديم، متجهًا نحو المخبز. لم يكن معتادًا على الاستيقاظ مبكرًا، ولا على النوم باكرًا... فالليل كان سكّته، وأفكاره قطارًا يحرمه النوم حتى ينجلي الفجر، تاركًا وراءه صمته المتعب.

‏ميخائيل (يتمتم وهو يتفقد قائمة بسيطة في ذاكرته):

‏"خبز وحليب... وماذا أيضًا؟ آه، مربى التوت الأزرق... وبيض."

‏يلفّ بين رفوف المتجر الصغير، يجمع ما تبقى من حاجيات البيت. مزاجه جيد بشكل نادر. ربما لأنه لم يفرط في الكافيين هذا الصباح، أو لأنه - ولأول مرة منذ زمن - توصّل إلى هدنة مع "زوجته".

‏ميخائيل (يضع الأغراض أمام البائع):

‏"كم الحساب؟"

‏البائع (يضع الأغراض في كيس بلاستيكي):

‏"عشرة."

‏دفع ميخائيل النقود، وخرج من المتجر وهو يظن أن لا شيء يمكن أن يعكر صفو هذا الصباح... وهذا ما كان يظنه، على الأقل.

‏عاد إلى البيت بخطى بطيئة، بينما كانت مارسيليا تركض خلف كوري، الطفل الذي كان يقفز في الممر الحجري المبتلّ، ضاحكًا كأن المطر هدية من السماء.

‏كانت الأمطار قد أغرقت الحيّ ليلة أمس، لذلك أُلغيت المدرسة... غريب كيف يبكي المطر عيونًا، ويفرح عيونًا أخرى.

‏ميخائيل (يضع الأغراض على الطاولة):

‏"اجلس يا ولد."

‏كوري (يواصل القفز بضحكة عذبة):

‏"هههه! أتمنى أن تمطر كل يوم!"

‏مارسيليا (تتنهد وهي تشير إلى الهاتف):

‏"هاتفك لا يتوقف عن الرنين."

‏ميخائيل (يأخذ الهاتف من الطاولة في الصالة، يحدّق في الشاشة):

‏"هممم... راي؟"

‏يخرج إلى الشرفة، يُشعل سيجارة، ثم يرد على الاتصال...

‏راي (بغضب):

‏"أين أنت؟! أتصل بك منذ نصف ساعة!"

‏ميخائيل (يقلب عينيه بملل):

‏"يا سلام! في آخر الزمن، غرّ مثلك يرفع صوته عليّ؟ لا بأس، سأضع عكازي في فمك الأهوج حتى تتعلّم كيف تتحدث مع الكبار."

‏راي (منزعج):

‏"جرحنا مشاعر السيد العجوز... تعال بسرعة، وقعت جريمة قتل في مجمع بيكان السكني."

‏يتوقف ميخائيل لحظة. ينفث الدخان في بطء، وشيء ما في عينيه يتغيّر.

‏ميخائيل:

‏"مجمع بيكان؟... أليس هذا مجمّع المشتبه به رقم 21؟"

‏راي (يشعل سيجارة):

‏"تقصد الآنسة سيان دي سيان؟ نعم، هي تسكن هناك."

‏يبتسم ميخائيل، ابتسامة واسعة أشبه بالشماتة أو الترقّب.

‏ميخائيل:

‏"أغلق الخط، أنا قادم."

‏يغلق الهاتف، يرمي السيجارة على الأرض ويدهس عقبها بنعله.

‏يدخل البيت مسرعًا.

‏مارسيليا (تنظر إليه):

‏"إلى أين؟ لم تأكل بعد."

‏ميخائيل (يرتدي سترته بهدوءه المعتاد):

‏"عندي عمل طارئ."

‏لا يتغير صوته ولا بروده، كأن الأمر لا يستحق شرحًا.

‏مارسيليا (تحضّر له قهوة في حافظ حراري، وتضع بجانبها شطيرة مربى التوت الأزرق والجبن):

‏"رأيت كوري يركض نحوك... أقنعته بشق الأنفس أن يتناول فطوره."

‏يأخذ ميخائيل ما أعدّت، رغم أنه معتاد على قهوة سوداء وسجائر فقط. لكن هذا الاهتمام... كان مميزًا، بنظره.

‏---

‏(المشرحة)

‏امرأة ممتلئة القوام قليلًا، بشعر أسود مرفوع إلى أعلى، تضع كمامة تخفي معظم ملامح وجهها. لكن عينيها... كان فيهما شيء غريب، نظرة حادة كأنها تنظر إلى فريسةٍ لوحشٍ مفترس طليق في البرية، يرتدي وجه إنسان... لكنه ليس إنسانًا، بل مخلوق مشوّه.

‏أزاحت الغطاء عن الجثة ببطء، بيد ثابتة لكن بعينين تشتعلان.

‏حين يُقتل المرء، يُجرَّد من لقب "إنسان"، ويُختصر إلى "جثة"...

‏مصطلحٌ جاف، لكنه يحمل الحقيقة كلها: الروح قد غادرت، والجسد أصبح كمدينةٍ اجتاحها الإعصار... مدينةٌ خالية، بلا نبض، بلا صوت، بلا حياة.

‏سمعت ميران صوت العكاز يضرب الأرض. لم تحتج إلى النظر لتعرف من صاحب العكاز.

‏ميخائيل (بصوت مرتفع وهو يدخل مع راي):

‏"هيه، ما بك؟ كأنك ترى جثة لأول مرة! ما هذا الوجه المطرب؟"

‏راي (يتنهد، صوته متهدج):

‏"ليتني لم أرَ هذا المشهد..."

‏ميخائيل (ساخرًا):

‏"راي، الذي يُمسك عظام البشر كأنها ألعاب، خائف من جثة؟! يا لسخرية القدر."

‏يدخلان إلى الغرفة، حيث كانت ميران تقف بجانب الطاولة، تكتب تقريرها بصمت.

‏كانت تمسك قلمها بيد، وباليد الأخرى... تمسك دموعها.

‏ميخائيل (ينظر إلى ميران بدهشة):

‏"مذهل... السيد الغِر، والسيدة المتحجرة! مشرحة الجثث ستبكي؟! ما هذه الرحمة المفاجئة؟"

‏اقترب من الطاولة، ورفع الغطاء الأبيض بعدم مبالاة...

‏لكن في اللحظة التي رأى فيها الجسد الصغير، اختنقت السخرية في حلقه.

‏ذلك الجسد الصغير...

‏طفلة.

‏في جزء من الثانية، تخيّل ميخائيل ابنه كوري مكانها.

‏الصوت الذي كانت تهتز له القلوب، اهتز من داخله.

‏الرجل الذي لم تدمع عينه وهو ينزف على سرير في المشفى، كادت دموعه تنهمر الآن.

‏من فعل هذا... لا يمكن أن يُسمى إنسانًا، ولا حتى حيوانًا.

‏وحشٌ بري... حرّ طليق.

‏المنظر أثقل قلبه، جرحه في عمقه، تهاوى شيء بداخله دون أن يظهر على ملامحه، إلا في تلك اللمعة التي غسلت عينيه.

‏راي، الذي فقد أحد أبنائه وكاد يفقد الآخر، كان يقف صامتًا.

‏لم يكن يستطيع تخيّل راميل في هذا الوضع.

‏كان يردد في داخله: يا رحيم، لا تضع طفلًا في هذا المشهد...

‏عمّ الصمت المكان، كثيفًا، ثقيلًا، لا يُكسر سوى صوت كتابة ميران.

‏ميخائيل (يبتلع الغصة التي علقت في حنجرته، محاولًا استعادة صلابته):

‏"...ما هي ملابسات القضية؟"

‏راي (يتجنب النظر إلى الجثة، صوته منخفض وثقيل):

‏"وجدنا القاتل... مقتولًا."

‏ميخائيل (يلتفت نحوه بسرعة):

‏"ماذا تعني؟"

‏راي (يناوله عدّة صور مطبوعة):

‏"الرجل الذي اعتدينا أنه الفاعل... وُجد معلقًا في الحديقة العامة."

‏ينظر ميخائيل إلى الصور.

‏رجل سمين، أصلع الرأس، جسده مغطى بالشعر، يتدلى كأنه مصلوب.

‏الغرابان ينهشان من لحمه في مشهد بشع، كأن الطبيعة نفسها تأخذ بثأر أحدهم.

‏ومع الوحشية... شعر ميخائيل براحة غريبة، متخللة بالقلق.

‏ميخائيل (يدقق في العلامات الحمراء على الصور):

‏"إنها نفس الرموز... نفس الرسائل."

‏راي (يهز رأسه بتأكيد):

‏"اسمه أنتوني. زوج أم الطفلة. تبيّن من التحاليل أنه اعتدى عليها... وجدنا آثارًا من جلده تحت أظافر الضحية، ماريان. هذه الجريمة تختلف عن قضية أنتِغرا... هذه المرة، القاتل لم يُخفِ شيئًا. علّقه، وكتب جرائمه على العلن."

‏ميخائيل (بدهشة وريبة):

‏"ولم تلتقط الكاميرات أي شيء؟ لا صور؟ لا تحركات؟"

‏راي (يتنهد، بنبرة فيها إحباط):

‏"لا، للأسف. الكهرباء كانت مقطوعة في الحديقة. لكننا حدّدنا وقت وفاة أنتوني... الساعة 4:22 دقيقة صباحًا."

‏ميران (تقاطعه وهي تقلب في ملف الجثة):

‏"لا. مات قبل ذلك... الساعة 3:05 دقائق تحديدًا. تم نقل الجثة لاحقًا. ويبدو أن أحدهم حاول إنعاش الطفلة قبل أن تموت. هناك آثار ضغط على صدرها... وأيضًا آثار لمادة معقّمة على جسدها."

‏راي (يتنحنح، يستدرك):

‏"صحيح... وهذه نقطة مهمة. جثة أنتوني كانت محفوظة بشكل غير طبيعي. القاتل منع تعفّنها باستخدام الزعفران والملح."

‏ميخائيل (ينظر مجددًا إلى الصور، بتأمل):

‏"هذا يعني أنه ذكي... أحضر معداته معه، لم يستخدم شيئًا من بيت الضحية."

‏راي (بشك، كأن خيطًا لا يُمسك يفلت منه):

‏"تس... هناك حلقة مفقودة في هذه القضية."

‏ميخائيل (يضع الصور على الطاولة ببطء):

‏"أشعر بذلك أيضًا... هناك شيء غير منطقي. لحظة، قلت إنه زوج الأم؟ إذًا... أين الأم الآن؟"

‏راي (يلتفت إليه، يجيبه دون تردد):

‏"في غرفة الاستجواب."

‏---

‏(غرفة الاستجواب)

‏يجلس إدريس على الكرسي المقابل، بملامح صارمة وهادئة كعادته، أمام امرأة منهكة، وجهها شاحب وعيناها متورمتان من البكاء. كانت تلك هي كيرا، أم الضحية.

‏إدريس (بصوت منخفض ومحترف):

‏"سيدة كيرا... أين كنتِ وقت وقوع الجريمتين؟"

‏كيرا (تفتح عينيها على اتساعهما، كأنها تصحو من كابوس متجدد):

‏"ذلك اليوم... خرجتُ للعمل. توسلت إليّ ماريان أن أبقى معها، ظننت أنه مجرد تعلّق أطفال... وخرجت.

‏ياليتني لم أفعل... ياليت قدمي انكسرت على الباب، وبقيت معها."

‏(تخفض رأسها، ثم ترفعه فجأة والدموع تنزل في صمت. تتنفس بعمق وتكمل، تتحدث كمن يحفر الكلمات من صدره.)

‏كيرا:

‏"عدتُ في الثالثة وخمس دقائق صباحًا. كنتُ أعمل في وردية إضافية لأشتري لها دمية لولو بوب التي كانت تحبها...

‏لكن حين وصلت... رأيته. كان يقف هناك، في الصالة، يدخن، وماريان... غارقة في دمها."

‏(تنهض فجأة، تمثّل المشهد بارتجاف جسدها، كأنها تعيشه مجددًا بكل تفاصيله.)

‏كيرا:

‏"كان الحقير يبتسم... وهو مغطّى بدمها. ماريان كانت تناديني، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

‏ركضت إليها، حاولت حملها... لكنه صبّ عليها ماءً ساخنًا... ثم انقضّ عليها بضربات بسخان!

‏كان يضحك. كان يضحك وهو يقتلها!"

‏(تصمت لحظة، تكاد تنهار، ثم تستجمع قواها وتكمل بصوت مختنق.)

‏كيرا:

‏"ركضت إلى المطبخ. أمسكت سكينًا. طعنته... خمسة، لا... عشر طعنات! في كل مكان بجسده.

‏ثم خرجت... لا أعلم كيف وصلت إلى الشارع. هناك... رأيت رجلًا، طويل القامة، قال لي إنه سيساعدني.

‏لم أرَ وجهه، لكن... كانت تحت فمه شامة، وعلى يده اليمنى وشم. يده اليسرى كانت مغطاة بقفاز أسود... ورائحته... كانت خليطًا من عطر رجالي ورائحة... صدأ."

‏إدريس (يسجل الملاحظات، بينما وجهه يزداد حذرًا. في داخله، يدرك أن شيئًا في عقل كيرا بدأ يتفكك، وأن تلك التفاصيل قد تكون ناتجة عن صدمة نفسية حادة):

‏"شكرًا لتعاونك، سيدة كيرا... قضيتك سيتم تصنيفها على أنها قتل تحت تأثير العاطفة. هذا يعني أن العقوبة قد تُخفف."

‏كيرا (ترفع نظرها إليه، عيناها جافتان بشكل مخيف، وكأنها لا تطلب شفقة، بل نارًا تحرق الجميع):

‏"لا أريد تخفيفًا... أريد القصاص. منه، من أهله، من كل من تركه حيًا بيننا. كلهم مذنبون!"

‏(تنفجر بالبكاء، شهقاتها تقطع الصمت، كأن كل جدار في الغرفة يئن معها.)

‏كيرا (بين شهقاتها):

‏"ماريان... كانت تحلم أن تصبح طبيبة. كانت ترقص... تحب الباليه.

‏كانت كفراشةٍ متألقة، ترقص وتضحك وتملأ البيت حياةً.

‏ما ذنبها؟ لما قُتلت؟"

‏(تخفض رأسها فجأة، ثم تهمس بصوت يكاد لا يُسمع)

‏كيرا:

‏"في تلك الليلة... كانت متحمسة. كانت تريد أن تخبرني شيئًا بعد العشاء.

‏لكنها لم تستطع. آخر كلماتها... كانت تناديني: ماما.

‏كانت تتألم... لكن رغم الألم، كانت تناديني: ماما، ساعديني...

‏ولم أستطع... لم أستطع أن أصل إليها."

‏ فعلاً... بأي حقٍ قُتلت؟

‏ومن يملك الحق في أن يقتل؟

‏هل تُلغى الجريمة لأن القلب مكسور؟ بأي حقٍ يُزهق دم؟

‏يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اللُّعْبَةُ

المؤلف ilham
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة