\"كلٌ يبكي في ليلته.\"

\"كلٌ يبكي في ليلته.\"

25 0

‏(في الجامعة)

‏لوك (تنظر إلى ساعتها، ثم إلى الجدول):

‏"تبقّت لي محاضرةٌ واحدة... ثم أنتهي."

‏تستعد لتقديم محاضرتها الأخيرة لهذا اليوم. تخرج دفتر ملاحظاتها، وتجول بعينيها على الصفحات. يمرّ إصبعها ببطء فوق امتداد الورق حتى يتوقف عند العنوان:

‏> "الشعبة B - الموضوع: فلوكستين (Fluoxetine)"

‏تسحب نفسًا عميقًا وهي تمرر يدها بين خصلات شعرها، ثم تفتح درج مكتبها وتخرج رباطًا أبيض تلفّه حول يدها اليسرى بحركة آلية، أقرب إلى الطقس اليومي منها إلى الحاجة الطبية.

‏تعيد الدفتر إلى حقيبتها، وتخرج. بينما تمشي في ممرات الجامعة، تتساقط أفكارها بصوت داخلي هادئ، متداخل كالمطر الخفيف فوق زجاج نافذة.

‏لوك (تفكر، بينما تسير):

‏"بعد هذه المحاضرة، سأتناول الغداء... لا بأس، الشاي في الحافظة لم يبقَ منه الكثير.

‏سأحضّر كوبًا بالنعناع عندما أعود... لا، سأحضّره بماء أقل كي لا يبرد سريعًا.

‏آه... المطر. يجب أن أجمع الغسيل.

‏وميلو؟ هل نامت على وسادتي مجددًا؟

‏السماد... الجهنمية لا تزهر هذا العام. لماذا؟ هل تحتاج ضوءًا أم اهتمامًا؟

‏نفدت إبر الإنسولين.

‏سأمرّ على المنفذ، وأشتري لها مكافأة. كانت قطة جيدة هذا الأسبوع... بخلاف بقيتي."

‏يعلو ضجيج طلاب الجامعة من حولها، لكنها لا تسمعه. تمشي كأنها تطفو في غرفة زجاجية، كل شيء يبدو بعيدًا... حتى صوتها.

‏تصل إلى القاعة. تقف أمام الباب لحظة، تتنفس بعمق، ثم تدخل.

‏تفتح حاسوبها وتوصله بالسبورة الإلكترونية. تقف أمام الطلاب، ترفع كمّها قليلاً، وتبدأ حديثها.

‏---

‏لوك (بصوت منخفض، لكنها تحافظ على نبرة واضحة):

‏"محاضرتنا اليوم بعنوان: فلوكستين (Fluoxetine)

‏دواء ينتمي إلى عائلة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية...

‏يُستخدم في علاج الاكتئاب، القلق، الوسواس القهري، واضطرابات ما قبل الطمث عند النساء."

‏تتوقف للحظة، تنظر إلى وجوه الطل

‏الشريحة الأولى: "مقدمة عامة"

‏لوك

‏"فلنبدأ من العنوان الكبير...

‏فلوكستين هو دواء مضاد للاكتئاب ينتمي إلى مجموعة تُعرف بـ مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية - SSRIs.

‏هذه الفئة الدوائية تعمل على زيادة مستوى السيروتونين في الدماغ، أحد أهم الناقلات العصبية المرتبطة بتنظيم المزاج، النوم، الشهية، وحتى الاندفاعات السلوكية."

‏تتقدّم بخطوة، يضع القلم على الطاولة، ثم يرفع يده مشيرًا إلى الشاشة:

‏---

‏✦ الشريحة الثانية: "التركيب الكيميائي للفلوكستين"

‏على الشاشة، يظهر الصيغة الكيميائية:

‏> الصيغة الجزيئية (Molecular Formula):

‏C17H18F3NO

‏> الاسم الكيميائي الكامل:

‏(RS)-N-methyl-3-phenyl-3-[4-(trifluoromethyl)phenoxy]propan-1-amine

‏> الوزن الجزيئي:

‏309.33 g/mol

‏> البنية الجزيئية:

‏(وتعرض رسم ثلاثي الأبعاد للجزيء، يظهر فيه حلقتان بنزينيتان، ومجموعة ثلاثي فلور ميثيل -CF₃ بارزة في أحد الأجنحة)

‏لوك (بهدوء):

‏"الفلوكستين يحتوي على مجموعة CF₃ (تري-فلور-ميثيل)، وهي المسؤولة عن ثبات المركب وطول مدة تأثيره داخل الجسم، مما يجعله أحد مضادات الاكتئاب ذات النصف الحيوي الطويل."

‏---

‏✦ الشريحة الثالثة: "الاستخدامات العلاجية"

‏لوك

‏"الفلوكستين ليس فقط مضادًا للاكتئاب. إليكم قائمة ببعض الحالات المعتمدة التي يُستخدم فيها:

‏1. الاكتئاب السريري (Major Depressive Disorder)

‏2. الوسواس القهري (OCD)

‏3. اضطراب الهلع (Panic Disorder)

‏4. النهام العصبي (Bulimia Nervosa)

‏5. اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي (PMDD) - ويُعد من الأسباب الشائعة لاستخدامه لدى النساء.

‏في بعض الحالات، يُستخدم الفلوكستين أيضًا خارج النشرة الرسمية (Off-label) في حالات مثل اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD)، أو القلق العام."

‏---

‏✦ الشريحة الرابعة: "آلية العمل"

‏لوك (تشير إلى رسم توضيحي لتشابك عصبي):

‏"في الدماغ، يُطلق السيروتونين من خلية عصبية إلى أخرى عبر المشبك.

‏في الحالات العادية، يتم امتصاص السيروتونين الزائد مرة أخرى عن طريق ناقل خاص، في عملية تُعرف بـ إعادة الامتصاص (Reuptake).

‏هنا يأتي دور الفلوكستين...

‏يقوم بمنع هذا الامتصاص، مما يؤدي إلى بقاء السيروتونين مدة أطول في المشبك العصبي، وبالتالي يزداد تأثيره الإيجابي على المزاج والسلوك."

‏---

‏✦ الشريحة الخامسة: "الجرعات والنصف الحيوي"

‏لوك:

‏الجرعة الابتدائية المعتادة: 20 ملغ يوميًا

‏أقصى جرعة يومية: 80 ملغ (حسب تشخيص الطبيب)

‏النصف الحيوي (Half-life):

‏فلوكستين: 1-4 أيام

‏ناتج التحلُّل النشط (نورفلوكستين): حتى 16 يومًا!

‏"هذا يعني أن تأثير الدواء يمتد لفترة طويلة جدًا حتى بعد التوقف، مما يجعله مفضلاً في بعض البروتوكولات النفسية الطويلة الأمد."

‏---

‏✦ الشريحة السادسة: "الآثار الجانبية والتحذيرات"

‏لوك. (تنظر للطلاب بنظرة جادة):

‏"كما لكل دواء تأثير، له أيضًا ثمن."

‏غثيان

‏أرق أو نعاس

‏قلق، أحيانًا زيادة في الاندفاع

‏فقدان الشهية أو تغيّر الوزن

‏الصداع

‏وقد يُسبب في حالات نادرة جدًا:

‏متلازمة السيروتونين (Serotonin Syndrome)

‏أفكار انتحارية في بدايات العلاج - خاصةً لدى المراهقين

‏تحذير:

‏"لا يجب إيقافه فجأة دون استشارة الطبيب... لأن ذلك قد يُسبّب أعراض انسحابية."

‏---

‏✦ الشريحة الأخيرة: "ملاحظات ختامية"

‏لوك (بهدوء، بينما تنظر إلى طلابه):

‏"الفلوكستين ليس حبة سحرية.

‏هو أداة... أداة تساعدك على استعادة القدرة على المواجهة، لا أن تواجه نيابة عنك.

‏يعطيك المساحة لتتنفس، لتفكّر، لتقرر... لكنه لا يحلّ مشاكلك.

‏في نهاية المطاف، العقار يُصلح الكيمياء، لكن من يُصلحك... هو أنت."

‏سكت قليلًا... ثم أنهت المحاضرة بجملة مقتضبة:

‏"في المحاضرة القادمة، سنتناول المقارنة بين SSRIs المختلفة، وأسباب اختيار دواء دون آخر حسب الحالة النفسية والجسدية."

‏---

‏لوك (تغلق الداتا شو، لكنها لا تتحرك):

‏"الفلوكستين لا يُخبرك أن الحياة أجمل، بل يقول لك:

‏'اصمد قليلًا، وسنرى.'

‏إنه أشبه بكوب شاي فاتر... ليس دافئًا بما يكفي ليُشعرك بالراحة، ولا باردًا لدرجة أن تكرهه.

‏تمامًا كالذي يعيش على الحافة بين الرغبة في النهوض والرغبة في التلاشي."

‏تضع جهاز العرض جانبًا. تسند يديها على حافة الطاولة، تميل قليلاً للأمام.

‏لوك (بصوت ناعم، كأنها تتحدث مع نفسها):

‏"هل الفلوكستين ينقذنا؟

‏ربما...

‏أو ربما يمنحنا فرصة نختبر فيها إن كنا نريد النجاة أصلًا."

‏يصمت الجميع. حتى الطلاب الذين كانوا يعبثون بهواتفهم رفعوا رؤوسهم. شيء في نبرة صوتها، في وقفتها، جعلهم يستمعون.

‏لوك (تعدل جلستها، بصوت مهني مجددًا):

‏"في اللقاء القادم سنتحدث عن التأثيرات الجانبية، والتفاعلات الدوائية المحتملة.

‏لا تنسوا قراءة الورقة العلمية المرفقة على منصة المادة."

‏تغلق الحاسوب بهدوء. تلتقط حقيبتها وتغادر القاعة بخطًى متزنة. لكن عقلها... ظل جالسًا على الكرسي، بجانب السبورة، يهمس:

‏"اليوم أيضًا، مرّ ببطء."

‏تلقي نظره اخيره كأنها تبحث عن أحدهم لكن لم تجده هناك من يشغل بالها أو ربما عاده كعادتها الغريبه و هه ...و ما أكثرها

‏----

‏(في حي شعبي من أحياء العاصمة واشنطن)

‏توقفت سيارة من نوع BMW أمام بيت بسيط، قديم الطراز، لا يلفت النظر كثيرًا لولا هذا التباين: رجلٌ أعرج يترجل منها، يستند على عكازه بخطوات بطيئة، ووجهٍ غريب عن سكان الحي...

‏لكنه ليس غريبًا عن هذا المنزل. بل هو كابوسٌ قديم عاد يطرق الباب.

‏لم يعرف كيف يستقبل فكرة أن ابنه يريد رؤيته.

‏أيفرح؟

‏أم يحزن لأنه سببُ كل هذه الفوضى؟

‏أم يحنّ لحياته الهادئة، تلك التي عاشها في عزلة طوعية؟

‏الأفكار تتزاحم في رأسه، من لحظة نزوله حتى وصوله إلى عتبة الباب.

‏خطواته ثقيلة...

‏أتراه قيد الماضي ما زال يضغط على صدره؟

‏أم أن الإصابات قد أثقلت ذلك الجسد الذي كان يومًا ما صلبًا كالفولاذ؟

‏أم أن العرج هو من يخذله الآن، ساقه كأنها تستجديه أن يفرّ، أن يهرب قبل أن تسقط به؟

‏لا يدري.

‏فوضى عارمة... إعصارٌ من المشاعر لا يعرف كيف يُعبّر عنه.

‏وهو الذي نشأ في بيئة لا تسمح للمشاعر بالوجود.

‏بيئة علّمته أن يُطفئ كل ما يشبه الضعف.

‏طفولته، مراهقته، شبابه... كلها كانت طمسًا، وقتلاً، وكتمانًا لكل إحساس قد يُكشف.

‏نسميها بيئة سامة؟

‏أم مجتمعًا رجعيًّا؟

‏أم مجرد أفكارٍ بالية توارثوها دون أن يسألوا عن الثمن؟

‏رجل بمقام محقّق، يتراجع الآن عن منطقه... لأنه ببساطة لا يفهم ما بداخله.

‏لا أحد يفهم مكنونات النفس البشرية.

‏إنها طبقات، طبقات عميقة، وكل طبقة تخفي ما قبلها.

‏ولكي تصل إلى "الحقيقة"... عليك أن تنقّب خلف كل واحدة منها.

‏ميخائيل (يرنّ الجرس ويقف أمام الباب، وجهه متوتر لكنه بلا تعبير)

‏الباب يُفتح ببطء.

‏العيون تلتقي.

‏تراه... يراها.

‏بشرتها الحنطية، وشعرها الأسود الطويل المنسوج من خيوط الليل، وعيناها اللوزيتان الفاتحتان الحادّتان... تكسر حِدّة نظرتها رقّةٌ في الملامح، ووهج نمشٍ ناعمٍ يلمع فوق وجنتيها.

‏وجهها... كأنه القمر، والنجوم تلتفّ حوله.

‏هل يراها الآخرون بهذا الشكل؟

‏أم هو فقط؟

‏هل الشوق والحنين يجعلنا نرى من آلمونا كأنهم أجمل مَن مرّوا؟

‏أم أن الحب أعمى فعلاً عن كل العيوب؟

‏كأنه يقول في صمته:

‏"سبحان من خلقها في أحسن تقويم."

‏ذوقها كما هو... أنيق دون ابتذال.

‏ثوبٌ أبيض بخطوط سوداء بسيطة عند الأطراف، بلا زخارف ولا مبالغة.

‏كعب أسود، عقدٌ ناعم ينسدل على عنقها، حلق وخاتم بسيطان... لكنها تبدو كأنها خُلقت لتكون أنثى هادئة، راقية، ناعمة، لا يليق بها إلا الهدوء والحب.

‏ينتقل نظره إلى كوري...

‏شعره الأسود، جسده الصغير، خدوده التي لا تُقاوم.

‏"لطيف"...

‏أكثر صفة تليق به.

‏بريء، دافئ، يشبه تفاصيل الطفولة التي لم يعشها.

‏كيف استطاع تركه عندما وُلِد؟

‏كيف سمح لنفسه أن يغيب وهو يلعب وحده؟

‏ميخائيل (يتنهّد):

‏"هل انتهيتما؟"

‏مارسيليا كادت أن ترد، لكن سبَقها ذلك الصوت الصغير...

‏صوت الحماس والفخر الطفولي، صوت من لا يعرف شيئًا عن خيبات الكبار.

‏كوري (يهز رأسه بحماس، وجنتاه محمرّتان من البرد):

‏"نعم!! نعم، جاهزون يا بابا!"

‏"بابا"...

‏كلمة وقعت عليه كالسهم.

‏كيف يتقبّل لقبًا لا يستحقه؟

‏كيف يصبح "أبًا" وهو الذي لم يكن حاضنًا ولا حاميًا؟

‏لكن رغم كل شيء...

‏ابتسم.

‏ميخائيل (يبتسم بخفة، رغم الألم):

‏"جيد... هيا بنا، سنتأخر على اجتماع أولياء الأمور."

‏---

‏(في المستشفى)

‏جلس "راي" على المقعد، يهزّ قدمه بتوترٍ ظاهر. كان رأسه مزدحمًا بالأسئلة، بقلبٍ يضجّ بالقلق، ودوّامةٍ لا تنتهي من الندم ولوم الذات. كيف انتهى بهما الأمر إلى هنا؟

‏إلى جواره، جلست "نسرين" وهي في حالٍ يُرثى لها؛ وجهها منتفخ من البكاء، وملامحها مشوهة بالقلق والخوف. لم تكن بخير... لا جسدًا ولا نفسًا.

‏أما "راي"، فقد أنهكه ضغط العمل، فقد مضت عليه ثلاثة أيام بلا نوم، واليوم لم يكن استثناءً. لم يغمض له جفن.

‏وفجأة، فُتح باب غرفة الطوارئ، وخرج الطبيب. انتفض "راي" واقفًا وتقدّم نحوه بخطوات متسارعة.

‏راي (بقلق حاد):

‏"أرجوك، طمئني... ما به ابني؟"

‏الطبيب (ينزع نظارته بهدوء):

‏"مع الأسف... ابنك مصاب بالتهاب الكبد الفيروسي من النوع (A)."

‏نسرين (بفزع، تقبض على ذراع راي):

‏"هل... هل يوجد علاج؟! هل هو خطر؟!"

‏الطبيب (بصوت مطمئن):

‏"لا تقلقي، حالته ليست خطيرة. المرض فيروسي معدٍ لكنه غير مزمن. يحتاج فقط إلى الراحة التامة، وتلقي اللقاح والدعم الغذائي. يمكنكم إخراجه اليوم إذا أردتم، على أن يتابع العلاج في المنزل."

‏راي (يتنهد بعمق وهو يغلق عينيه):

‏"أحمدك وأشكرك يا رب..."

‏نسرين (تجهش بدموع الفرج):

‏"الحمد لله... الحمد لله... ألف حمد وشكر لك يا رب."

‏شعر الاثنان وكأن أحدهم قد سقاهما ماءً بارداً بعد عطشٍ طويل...

‏وكأن الله قد أنزل عليهما مطر رحمته بعد أن تشققت روحيهما من جفاف السنين.

‏لحظةُ فرجٍ لا توصف، لحظة عاد فيها النبض إلى القلوب المثقلة، واستعاد فيها الأمل لونه بعد أن بهت طويلاً.

‏---

‏(في بيت راقٍ بإحدى المناطق الهادئة)

‏يجلس إدريس على كرسيه الوثير في زاوية المكتب، يتصفح الملفات المتناثرة أمامه، يبحث عن خيط، أيّ خيط، يُحرّك ركود هذه القضية المعقدة. قلب كل ورقة، فتش كل سطر، ولم يجد شيئًا.

‏(يُطرق الباب بلطف)

‏إدريس (يتنهد، بنبرة مرهقة):

‏"ادخل."

‏تدخل صابرين، ابنته الكبرى، تحمل صينية عليها بعض المخبوزات المنزلية، وكوب من شاي البابونج. تعرف أن والدها كان متوتراً طوال الأسبوع، وأن البابونج وحده يمكنه تهدئة أعصابه.

‏صابرين (بابتسامة دافئة، تحاول إخفاء تعبها):

‏"مساء الخير، يَبة."

‏يرد إدريس الابتسامة تلقائيًا. وجود ابنته يُنير روحه. كل أولاده تفرّقوا بين زواجٍ أو دراسة في الخارج، لكنهم لم ينسوه، يتناوبون على زيارته. فتياته الثلاث، كل واحدة منهنّ تأتي في يوم، تطبخ، تنظّف، تجلس معه. فقد زوجته، لكنّه لم يفقد أثرها في نفوس أولاده. ربّاهم على التكاتف، فصاروا له وطنًا صغيرًا.

‏إدريس (بحنان):

‏"أهلاً أهلاً، عزيزة أبوها... متى وصلتي؟"

‏تضع صابرين الصينية على الطاولة، ثم فجأة، ترمي نفسها في حضن والدها، منهارة بالبكاء.

‏يتجمّد إدريس للحظة. يرتجف قلبه. لم يرها تبكي هكذا منذ كانت طفلة.

‏إدريس (يحتضنها بقوة، مذهولًا):

‏"بابا، حبيبتي، ما بك؟! لماذا كل هذه الدموع؟"

‏صابرين (تجهش بالبكاء، بصوت مكسور):

‏"يضربني يا أبي... يضربني. لا أستطيع أن أكمِل معه."

‏ترفع كمّها لتريه آثار الضرب على ذراعها، وعلى وجهها تورّم واضح واحمرار لم يُخفِه المكياج.

‏يتسمر إدريس، عينيه تتسعان، قلبه يكاد يخرج من صدره.

‏إدريس (مفجوعًا، بصوت يغلي غضبًا):

‏"كرس؟!! كرس هو من فعل هذا بك؟"

‏تهز رأسها بصمت، دموعها تغسل وجنتيها، بينما تتشبث بأبيه كأنها تريد أن تختبئ في صدره من العالم.

‏يمد إدريس يده المرتجفة لهاتفه، ويتصل بأخيه... الأخ الذي سلّمه ابنته أمانة، فخان الأمانة.

‏يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اللُّعْبَةُ

المؤلف ilham
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة