اللَّامُ الشَّمْسِيَّةُ

اللَّامُ الشَّمْسِيَّةُ

23 0

‏اللَّامُ الشَّمْسِيَّةُ

‏---

‏(في جامعة واشنطن)

‏كانت لوك أخيرًا تتهيّأ للعودة إلى البيت، حيث الفراش وقططها التي تفتقدها. تجمع أغراضها بدقة، وتخلع رباط يدها الطبي عن معصمها الأيسر، وتضعه في حقيبتها، استعدادًا للمغادرة.

‏لكن قبل أن تخطو خارج المبنى، اعترض طريقها بعض الزملاء في العمل.

‏الدكتور ويل (يبتسم بخفة):

‏"آنسة سيان دي سيان، ما رأيك أن تخرجي معنا هذا المساء؟ كأس خمر، وقليل من المرح؟"

‏ترددت لوك في الرفض، ولكنها وجدت نفسها تُسحب مجبرة إلى مطعم صاخب، يشتهر بأطباق اللحوم والمشروبات الكحولية.

‏جلست بينهم تتظاهر بالبهجة، تبتسم وتشاركهم الضحك، بينما في داخلها كانت تغلي ألف لعنة.

‏ليلي (تشرب وتضحك بصوت مرتفع):

‏"ههههه!! تخيلي، سمعت أن زوجها خانها مع السكرتيرة! وتركها لوحدها مع طفلها!"

‏لوك (تفكر، ببرود قاتل):

‏"وما المضحك؟ المرأة تعرضت لخيانة، ثم تُركت وحيدة... وهذه المعتوه تضحك؟ أتمنى أن تتذوق الألم نفسه يومًا، لعلها تتأدب."

‏لمار (تترنّح وهي ترفع كأسها):

‏"معك حق! هه... آنسة سيان دي سيان، لماذا لا تشربين؟"

‏لوك (تبتسم ابتسامة مصطنعة):

‏"أُعاني من السكري، لذلك لا أشرب أبدًا."

‏لوك (تفكر، بنفور صامت):

‏"ولن أسمح لنفسي بأن أنجرّ إلى هذه الخبائث المقيتة... عفنُ الروح يخرج من كأس."

‏الدكتور ويل (يضحك بسخرية وهو يرفع كأسه):

‏"ما بكِ؟ إنه مجرد مشروب! شرب القليل من الكحول مفيد أحيانًا للصحة!"

‏لوك (تكتم ضحكة ساخرة بصعوبة):

‏"أمرٌ ممنوع عليّ."

‏لوك (تفكر بتهكّم لاذع):

‏"كرشك يسبقك بمترين، ورائحتك تسبقك بثلاثة، وأسنانك تصرخ طلبًا للرحمة... مشروع أكل أموال اليتامى هذا من أين حصل على شهادته؟! دكتور جامعي يتحدث عن فوائد الكحول؟ لا ألومه، يبدو أن شمس الظهيرة قد خبزت صلعته جيدًا حتى بات يفكر من أمعائه الغليظة، لا من عقله."

‏---

‏(في بيت إدريس)

‏إدريس (ساخطًا)

‏"كاميل! أين ابنك الحقير؟! كيف يتجرأ على ابنتي؟! وأنت؟! تسلّمه إياها وأنا بعيد؟! تسمح لولدك أن يضربها؟!!"

‏كاميل (مفزوعًا)

‏"أخي... ماذا تقول؟! لم يخبرني كريس بشيء. منذ بداية زواجه انتقل إلى بيت مستقل، ولا يزورني إلا نادرًا. هل حدث شيء؟"

‏إدريس (يسحب نفسًا محاولًا أن يهدأ)

‏"كريس كان يضرب صابرين. ذلك اللعين الحقير لم يترك موضعًا في جسدها لم ينله أذاه. كل شبر فيها متورم ومزرق من الضرب.

‏هي في بيتي... لم أرفع صوتي عليها يومًا.

‏ذلك الكلب النجس يرفع يده عليها؟!

‏أَيظنّ أنني ضعفت؟ أنني خرفت ولن أفعل شيئًا؟!

‏اسمعني جيدًا، حضِّر ابنك... اليوم قبل الغد سيطلّق ابنتي!

‏أقسم بمن رفع السماء بغير عمد، ومن خلق النفس وما سواها، لأكسرنّ ظهره بقضية ألعن فيها الساعة السوداء التي زُفّت له فيها ابنتي!"

‏(في الجانب الآخر، كان كاميل مذهولًا، مرتعبًا، وصوت شهقات صابرين يتسلل من خلف الهاتف كطعنة في صدره.)

‏كاميل (يسعل، بصوت متقطّع)

‏"اهدأ... أرجوك... أنا الآن في المستشفى، لكن غدًا سأحضره لك.

‏افعل به ما تشاء... فقط أخبرني، كيف حال صابرين؟"

‏إدريس (يتنهد، مزيج من الغضب والأسى يغلف صوته)

‏"مزرية… ذلك الوغد المسعور لم يترك شبرًا سليمًا في جسدها!"

‏---

‏(في المدرسة الابتدائية)

‏تتوقف سيارة BMW موديل 2020 أمام بوابة المدرسة. يترجّل منها رجل أعرج، يستند إلى عكازه الثقيل. من الجهة الأخرى تنزل امرأة بثوب أبيض حليبي، تزين أطرافه لمسات سوداء، سمراء البشرة، أنيقة القوام، راقية المظهر.

‏من المقعد الخلفي، يهبط طفل صغير بملابس أنيقة، تحمل حقيبته شكل أرنب وردي. نظراته خجولة، وخطواته حذرة.

‏الرجل، بوجهه المليء بالجروح وتعبير وجهه المليء بالقسوة، يثير في النفوس شيئًا من الجزع. صوته غليظ، وحضوره ثقيل على من حوله، على النقيض تمامًا من المرأة التي كانت ترافقه… كانت تعدّل ملابس الصغير بحنو، حركتها ناعمة، أناقتها ظاهرة، وابتسامتها تشيع هدوءًا في المكان. بدت كسيّدة مجتمع من طراز رفيع، في حركاتها ومصطلحاتها وتلك اللباقة الفطرية التي تحيط بها.

‏مشهدهم كان مثل الشمال والجنوب… ضدّان لا يجتمعان، ومع ذلك، وقفا معًا.

‏ميخائيل (يغلق باب السيارة بنبرة هادئة)

‏"هيا... وصلنا."

‏كوري (يردد "بابا" مرارًا، وكأن في صوته رجاءً قديمًا)

‏"بابا... بعد اجتماع أولياء الأمور، أريد أن نذهب إلى مدينة الألعاب."

‏لم يكن كوري يطلب ذلك فقط للمتعة… بل لأنه حُرم منه كثيرًا.

‏كان، ببساطة، يريد أن يسمع الجميع يقولون: "هذا والده".

‏كان يربت بذلك الطلب على نفسه الصغيرة المكسورة من نظرات الشفقة، ومن همسات وسخرية بعض الأولاد الذين تشربوا سمّ أفكار أهلهم الطبقية… تلك "الأعراف" و"التقاليد" البالية التي تجعل من المرأة الوحيدة هدفًا للطعن في شرفها، والشك في نسب أولادها.

‏مجتمع مريض... يقترف جرائمه بهدوء في حق البراءة.

‏مارسيليا (تضع أحمر شفاه وردي خفيف، دون أن تترك ملامحها دفئها)

‏"كوري، إن كانت علاماتك مرتفعة هذه المرة، ستحصل على مكافأة."

‏كوري (تلمع عيناه الواسعتان، ينبض صوته بالحلم)

‏"حقًا؟! هل يمكننا أن نتعشى في مطعم معًا؟!"

‏كادت مارسيليا أن ترد: "أنا وأنت فقط."

‏لكن ميخائيل قاطعها بصوته الأجش، وهو يجلس على أحد المقاعد:

‏ميخائيل

‏"وما رأيك أن نشتري بعد العشاء بعض المخبوزات... ونأكلها مع حليب ساخن؟"

‏كوري (بحماس طفولي، يهز رأسه)

‏"نعم! ونحضر شوكولاتة ساخنة أيضًا!"

‏مرّ وقت طويل منذ أن ارتسمت على وجه كوري تلك الابتسامة الواسعة.

‏ابتسامة لا تسعها الدنيا… لحظة من النور تتسلل وسط سواد طويل.

‏مارسيليا (تغلق المرآة الصغيرة وتعيدها إلى حقيبتها برفق)

‏"حسنًا... إن كانت درجاتك عالية، بالميزانية مفتوحة لك."

‏(…)

‏دخل ميخائيل مع مارسيليا إلى مكتب المدير، للسؤال عن كوري.

‏المدير (ضاحكًا وهو يتصفح أوراقًا)

‏"كوري فتى لطيف وهادئ، علاماته مرتفعة جدًا. أغلب المعلمين يحبونه. سيكون من الأوائل هذا العام، وسنكرّمه في الحفل السنوي للمتفوقين."

‏ميخائيل (يبتسم بفخر خافت)

‏"هذا هو ابني."

‏مارسيليا تلتفت إليه بنظرة سريعة، لا تقول شيئًا، لكن عينيها تنطقان:

‏"ومن يسمعك… يظن أنك من درّسه وعلّمه وسهر على واجباته."

‏أخذت الملف الدراسي لكوري، أوراقه كاملة… دقيقة… كما تحب.

‏يخرجان من مكتب المدير تبدو مارسيليا سعيده بدرجات العالية

‏ملرسيليا (تربت على رأس كوري)

‏"أحسنت العمل صغيري"

‏كوري(بحماس)

‏"نلت المكافأة ؟؟؟"

‏مارسيليا(تبتسم)

‏"نعم نلتها بجداره"

‏كوري (ينظر إلى ميخائيل بحذر)

‏"بابا... هل ستقود السيارة؟"

‏ميخائيل (يرد بجدية مصطنعة):

‏"نعم... لماذا؟"

‏كوري (يهمس لمارسيليا وهو يفتح عينيه):

‏"امي، اربطي الحزام بسرعة... في طريق قبل قليل صارت الحقيبة في المقعد الأمامي وأنا في صندوق السيارة!"

‏مارسيليا (تضحك):

‏"آه... وماذا عن المخبوزات؟"

‏كوري (بجدية مضحكة):

‏"لا نشتريها قبل القيادة، نشتريها *بعد*... حتى تبقى صالحة للأكل!"

‏ميخائيل يصمت عابساً إبنه أعطاه ضربه كلاميه موجهه..

‏ميخائيل (بانزعاج)

‏"اين نذهب الآن ؟؟"

‏كوري(بحماس)

‏"مدينه الألعاب!"

‏ميخائيل (يرتدي حزام الامان):

‏"سنذهب إلى مدينة الألعاب... إن لم يفسد الطقس."

‏كوري (ينظر إلى السماء بقلق ثم يتمتم):

‏"أرجوك يا رب، لا تمطر... أو على الأقل، أمطر فوق بيت الجيران فقط."

‏تفيض السماء بمطر وهم في السيارة يعبس كوري

‏كوري(بانزعاج)

‏"هفف... أيام المدرسه الشمس تسطع بكل قوتها وفي العطله! تتعب و تأخذ اجازه تفسد إجازتي!".

‏مارسيليا (تحول أن تكتم ضحكتها)

‏"بفـــ.. لا بأس عزيزي لنذهب الي مطعم ما رأيك"

‏كوري(بانزعاج)

‏"هممم.. حسنا "

‏قاد ميخائيل السيارة بصمت نحو مطعمٍ اعتاد أن يزوره مع مارسيليا في أيام خطوبتهما وسنوات زواجهما المستقر. كان المكان يحمل بين جدرانه بقايا ذكرياتٍ دافئة، رغم كل ما مرّ عليهما.

‏حين وصلا، ترجل من السيارة أولاً، ثم دار حولها ليفتح الباب لمارسيليا. كانت ترتدي كعبًا عاليًا، فيما الأرض مبتلّة وزلقة بفعل المطر. أمسك يدها بعناية، كما اعتاد أن يفعل قديمًا، لكن هذه المرة... كان بين أصابعهما ارتباكٌ حميمٌ خفي، فيه من الحنين بقدر ما فيه من الحذر.

‏في تلك اللحظة، حاول "كوري" القفز نحو بركةٍ طينية بجانب الرصيف، فامتدّ ذراع ميخائيل بسرعة خاطفة وأمسكه قبل أن يبلل نفسه. رغم أنه كان يعرج، وقدمه المتألمة بالكاد تحتمل الضغط، ويده المحروقة بالكاد تصلح للاستعمال، إلا أنه لم يشعر بأي ألم.

‏غريزته كـ"حامٍ" لعائلته، غريزةٌ أعمق من الوجع، أشعلت بداخله دفقةً من الدوبامين اجتاحت جسده كالنار، جعلته يتجاوز كل شيء: الألم، الإرهاق، والذكريات. في تلك اللحظة، لم يكن سوى أبٍ، وزوجٍ، يحاول لملمة ما تبقّى من عالمه.

‏---

‏(في المطعم)

‏ويل (يقهقه وهو يترنّح مخمورًا):

‏"وهكذا انتهى الأمر! أطفال هذه الأيام... طويلو اللسان!"

‏لوك (تُطبق أصابعها على الكأس الفارغة بعصبية مكتومة، تفكّر):

‏"لو كان عنقك بين يدي بدل هذه الكأس، لكنت هشّمته. متحرّش وضيع، عديم الذوق... تفه! أي قذارة تسمّى بالمجتمع الإنساني؟!"

‏وبعد أن استنفد الجميع مفعولهم القميء من تلك المشروبات المسمومة، خرجوا يتمايلون تحت سماء لم تعد صامتة.

‏الغيوم تكدّست ببطء، تغطي وجه القمر ككفن رمادي،

‏العاصفة تزمجر، والرياح تعوي ككلاب جائعة،

‏والسماء تبدأ تبكي… لا، ليست فقط مطرًا.

‏وفي شقة ما، في زاوية نائية من المدينة،

‏يندلع صوت الرعد فجأة، كصرخة غضبٍ من السماء،

‏يرتجف الأطفال، يركضون إلى داخل منازلهم،

‏بينما الشاهد الوحيد بقي: الرعد.

‏هناك، في الظلام...

‏كانت الجريمة تُعلن عن نفسها دون كلمات.

‏الغيوم تنوح،

‏الرياح تناجي من بقي في الأرض:

‏"الحقوا... زاهق الأرواح أخذ روحًا أخرى!"

‏والرعد... لا يصمت، بل يدوّي وكأنه يُشهِد السماء على ما رآه.

‏في وسط الشقة،

‏جسدٌ صغير لفتاة

‏مُمدّد في بركة من الدماء،

‏كأن الأرض نفسها تحاول احتضانها من هول ما جرى.

‏البركة تتسع،

‏المطر يشتد،

‏الرياح تهبُّ بجنون،

‏البرق يومض في لقطة خاطفة،

‏كأن الزمن تجمّد لثانية،

‏تُعلن فيها الطبيعة كلها:

‏"حدث ما لا يُغتفر."

‏جريمة خارج إطار الإنسانية.

‏جريمة لن تغتسل أبدًا،

‏لا بالمطر...

‏ولا بالزمن

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اللُّعْبَةُ

المؤلف ilham
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة