عندما لاحظَ "تيدي" أنَّ "رين" ما عادَ يظهرُ بالأفق، سقطَ قلبهُ في سرواله! هل يُعقلُ أنَّهم هرَّبوا الرَّضيعَ مع "جين"؟! كيفَ سيُصارِحُ "هيوغو" بشأنِ هذهِ الحقيقة المُرَّة؟! في الحالتينِ عرفَ "تيدي" بأنَّهُ ميِّتٌ لا مُحالة، فإن عرفَ "هيوغو" بأنَّهُ سمحَ للرَّضيعِ بالهربِ قبلَ أن يقتُلَهُ سيموت، وإن كذبَ عليهِ بِقتلهِ فسيموتُ أيضاً لأنَّ "هيوغو" ينوي قتلَ "تيدي" من بعده، لقد تأكَّدَ "تيدي" من هذهِ الفكرة مؤخراً، ينوي "هيوغو" قتلَهُ والتهامَهُ فيستفيدُ من اللُّحومِ الكثيرة في جسدِ "تيدي"، لكنَّ "تيدي" كانَ مُتأكِّداً أو ربما تمنَّى، بأنَّهُم إن ذبحوهُ لن يجدوا سوى الدُّهن، قرَّرَ "تيدي" بأنَّ الخيارَ الثاني سيكونُ أقلَّ ضرراً، فتوجَّهَ إلى "هيوغو"، مُتمنِّياً أن تكونَ المرَّة الأخيرة، فبعدَ تيقُّنِهِ من كونِ "هيوغو" ليسَ والده فقدَ الرَّغبةَ تماماً في أن يكونَ بِقُربِهِ، أو أن يكونَ جُزءاً من جماعته، فمنذُ أن انضمَّ لتلكَ الجماعةِ الغبيَّة حتَّى باتت حياتُه أصعبَ بدلَ أن تكونَ أسهل! ابتعدَ التوأمِ الذي منحَهُ قوَّةً بأمرٍ من "هيوغو"، قائلاً بأنَّ الاعتمادَ على نفسهِ في القتالِ سيجعلهُ أقوى، فقد تحكَّمَ "هيوغو" بُكلِّ شيءٍ يخصُّ "تيدي" بدءاً من طريقةِ سيره وحتَّى الكلمات التي يجبُ قولَها، كانَ "تيدي" سعيداً بذاك الحرصِ بدايةً فقد ظنَّ أنَّ "هيوغو" إن اهتمَّ به فهوَ يؤكِّدُ كونَهُ والده، لكن خابَ أملُهُ لاحقاً باكتشافِ عكسِ تلكَ الحقيقة.
دخلَ غُرفةً باضاءةٍ خافتة، توسَّطَها "هيوغو" من أمامهِ طاولةٌ يُلمِّعُ فيها خناجِرهُ وسكاكينه، ظنَّ "تيدي" بأنَّ هذهِ نهايته، هل سيقتلهُ "هيوغو" هُنا والآن؟! لم ينتبه "هيوغو" لدخولِ "تيدي" بسببِ تركيزه الجادّ، لكنَّهُ سمِعَ أنفاسَ "تيدي" الثقيلة والمُرعوبة بعد أن تركَ أسلحته، سألهُ: ماذا حدثَ معك؟ أيُّ أخبار؟
_غادرَ واحد وبقِيَ اثنان، وقبلَ أن يُحاولَ "هيوغو" السُّؤالَ عن "رين" حاولَ "تيدي" تغييرَ الموضوع فتابع: ماذا الآن؟ نحنُ لن نسمحَ لِمن تبقَّى بالهُروبِ أيضاً!
_من تقصدُ بِنحن؟ أنا من يُحدِّدُ ويُقرِّرُ هُنا.
رغمَ نبرةِ "هيوغو" الهادئة والتي لم تكن مُخيفةً إطلاقاً، لكن أيُّ ذرَّةِ غضبٍ يستشعرُهَا "تيدي" منه كفيلةٌ بِجعلِهِ يرتعب.
_أنت نعم أنت! طبعاً أقصدُكَ أنت!
قالَ "هيوغو" بهدوءٍ بينما يُعيدُ التَّحديقَ في سِلاحهِ: هل قتلتَ الطِّفل؟
لمسَ "تيدي" سِروالهُ لِيتأكَّدَ من كونِهِ لم يُبلِّل نفسه، وقالَ: نعم فعلت!
_توقَّعتُ أن تجلِبَ جُثَّتَهُ لي..
_ل. لم أفعل لأنِّي أغرقته! لم أرِد تكفُّلَ عناء تنظيف نفسي من الدِّماء!
للمرَّةِ الأولى منذُ بدايةِ حديثِهِما، التفتَ "هيوغو" إليهِ وقالَ بابتسامةٍ مُتعجِّبَة وشبه فخورة بالوقتِ ذاته: أقتلتَهُ غرقاً؟! أنتَ شرير!
ابتسمَ "تيدي" ابتسامةً مُزيَّفة، فلم يستطع التمييز ما إن كانَ كلامُ "هيوغو" حقيقيَّاً أم مُجرَّد سُخرية، لكنَّهُ كانَ سعيداً بكونِ "هيوغو" قد صدَّقَ كذبته، قالَ "هيوغو" بعدَ بُرهة: أتعرف؟ أظنُّ أنَّ لا بأسَ لي بإخبارِكَ هذا السر لكن..
_لكن ماذا؟
_لكن لا بأسَ الآن كونَ كليكُمَا سيموتانِ قريباً.
اعتلى وجهُ "تيدي" الرُّعبَ مُجدَّداً، دونَ أن يهتمَّ "هيوغو" بِمُلاحظةِ تلكَ الملامح، تابعَ يقول: كانَ "جين" أي الولد الذي هربَ تابعاً سريَّاً لي، كُلُّ أولئكَ المُجرمينَ الذين ماتوا دونَ أن يعرفَ أحدٌ كيفَ حدثَ ذلك، وكُلُّ من مات في اللَّيلِ والخفاءِ دونَ أن يسمعَ أحدٌ أنفاسَهُ الأخيرة، كلُّهم كانوا من صنيعِ "جين"، لقد كانَ عبقريَّاً، لولا استدراجهُ لهم إليَّ وإلى موتِهِم لما كانَ قتلُهم بتلكَ الطَّريقة مُمكِناً.
اتسَّعت عينا "تيدي" بعدَ كُلِّ كلمةٍ يسمعُها، امتلكَ أسئلةً كثيرة لكن لم يطرحها، فقد كانَ خائفاً لِشُعورِه بأنَّ نهايةَ هذا الحديثِ لن تأتي بأيِّ خير.
_لكنَّ ذلكَ الولدَ فشِلَ في مهمته الأخيرة، مهمتهُ الأكثر أهميَّة، لقد خانني ولم تزُل تأثيراتُ خيانتهِ عليَّ ولو للحظةٍ واحدة، سأنتقمُ منهُ في الوقتِ المُناسب، أريدُ تعذيبَهُ بأسوأ شكلٍ ممكنٍ قبلَ أن أقتُلَه، لم أجد تعذيباً أفضلَ مِنَ الأملِ الزَّائف، ذلكَ الفتى سيخرجُ إلى العالمِ الخارجيِّ فلا يجدُ لا أباً ولا أخاً ولا أختاً، سأحطِّمُهُ بالكامل.
_و. وكيفَ تفعلُ ذلك بينما أنتَ جالسٌ هنا؟
_أنا آمرُ لا أنفِّذ، يمكنُ تمييزِ المُنفِّذينَ بسهولة فجميعُهُم سُمرُ البشرة يرتدونَ بزَّاتِ رسمية مع نظاراتٍ شمسيَّة تُغطِّي عُيونَهم.
_هل هم أتباعك؟
_لا.. إنَّهُم أتباعُ أولئكَ الأشخاص الذين لا يُريدون لأحدٍ مُغادرةَ هذهِ الجزيرة.
لم يُمانع "هيوغو" الإفصاحَ عن هذهِ الحقائق المهمة أمامَ "تيدي"، فهذا الآخرُ سيموتُ قريباً، لاحظَ "هيوغو" صمتَ "تيدي" طويلاً فقال: هل تُريدُ أن تعرفَ ماذا كانت مهمتهُ الأخيرة؟ تلكَ التي فشِلَ في تنفيذِها؟
لم يُجبِهُ "تيدي" فتابعَ "هيوغو" يقول: مُجرِمةٌ صغيرةٌ بشعرٍ أبيض ورموشٍ بيضاء، كانت صديقتَه.. اختارَ صداقتَهُ على أنانيَّتِه..!
عرفَها "تيدي" على الفور فقد كانَ يراها بِصُحبَتِهم دوماً، لكنَّهُ لم يفهم نبرةَ الخيبة المُتألِّمة بصوتِ "هيوغو"، ورغمَ أنَّهُ لم يفهم ذلك لكنَّهُ شعرَ بِنفسهِ يرسمُ خطةً تُساعدُهُ على النَّجاة، هوَ لن يبقى هُنا فيسمحَ ل"هيوغو" بِقتله! أمرَهُ "هيوغو" بالمُغادرة فأسعدَهُ ذلك لأنَّهُ سيعيشُ يوماً آخرَ يُنفِّذُ فيهِ خُطَّته، بعدَ سماعِ رغبةِ "هيوغو" العارمة بقتلِ طفلٍ ك"جين" وتحطيمهِ بأبشعِ الطُّرق، تأكَّدَ "تيدي" من كونِ "هيوغو" شيطاناً لا يملكُ أدنى عاطفة.
لاحظَ شيئاً ساطعاً يخرجُ من مكتبِ "هيوغو"، والذي كانَ مفتوحاً على غيرِ العادة، لسببٍ ما شعرَ أنَّ شيئاً يُناديهِ داخلَ تلكَ الغُرفة، فدخلَ ووجدَهُ على الطاولة.. المُسدَّسُ اللَّامعُ باستقباله، أخذَهُ بكُلِّ سهولة وعقلهُ مشغولٌ بفكرةٍ واحدةٍ فقط، هذا السِّلاحُ سُيساعدُه بالخروجِ من هُنا، وقد عرفَ تماماً كيفَ يفعلُ ذلك..
***
توسَّطت الشمسُ السَّماء، شمسٌ هادئة ناعمة تُخفِّفُ من حرارتها على رؤوسِ مُجرِمينَ لا يستحقَّونَ رحمتَها، لمعت جبهةُ "تيدي" الواسعة ومُقدِّمةُ رأسهِ الصَّلعاء البيضاوية تحتَ شُعاعِ الشَّمسِ الأصفر، كانَ يبدو كرئيسِ عصابةٍ فعليِّ مُتوِّجهٌ لساحةِ حربٍ وبحوزتِهِ مُسدَّس، لم يكن أحدٌ لِيُصدِّقَ أنَّ هذ الأصلعَ الضَّخمَ هو طفلٌ في حوالي الثَّانية عشرة، رأى فرائسَهُ أمامه فبدأ يُحلِّلُهم بعقلِهِ محدود المُستوى، مسحَ أجسادهم بِعينيه كأنَّهُ جهازُ رادار، إنَّهُ يعيشُ الدَّورَ فعلاً، أمامَهُ فتى يتراوحُ طولُهُ بين مترٍ وثلاثين ومترٍ وأربعينَ، جالسٌ فارداً قدميهِ ويضعُ على فخذيهِ كتاباً يُطالعه، ويبدو غيرَ مُنتبهٍ لما حوله فيسُهُلُ اصطيادُه، خلفَهُ فتاةٌ بِطولِ مترٍ وخمسين تجلسُ وظهرُها مُرتكزٌ على ظهره، وقد ركَّزت بصرَها لكُلِّ حركة تجري من حولِها، وأصغت سمعها لُكلِّ همسة تدور، سيكونُ من الصَّعبِ الدُّخولُ من جِهتِها!
بينما "تيدي" منغمسٌ بالدَّور، باغتتَهُ نظراتُ "غانبو" التي نظرت نحوَه، رغمَ أنَّ نظرتَها كانت ناقصةً عيناً واحدة إلَّا أنَّ هذا لا يعني أنَّ حِدَّة نظراتِها نحوُ الأعداءِ قد خفَّت، وكزت "راي" فالتفتَ بِدورِهِ، بدآ يتهامسانِ ولم يبدُ على أيٍّ منهُما القلق، فلم يعد "تيدي" مصدرَ قلقٍ بالنَّسبةِ لهُما، صفعَ "تيدي" وجهَهُ واستجمعَ شجاعتَهُ وتقدَّمَ نحوَهُما، أخرجَ المُسدَّسَ من جيبهِ ووضعَهُ في منتصفِ وجههِما، أمَّا هُما فقد وقفا بدورِهِما استعداداً للخطر، سقطَ الكتابُ من يدِ "راي" فورما لاحظِ المُسدَّس، قرأ عنهُ كثيراً في الكُتبِ وعرفَ كيفَ أنَّهُ سلاحٌ يقتلُ فوراً، بينما نظرت "غانبو" للسِّلاحِ بريبة فقد استغربت شكله، لكنَّها توقَّعت أن يكونَ أداةَ قتلٍ ما.
قالَ "تيدي" بابتسامةٍ خبيثةٍ وواثِقة: سلِّمانِي التَّذاكر!
لاحظَ "راي" أنَّ "تيدي" لا يضعُ اصبعَهُ على الزنَّادِ فراودتُهُ الثقة، هذا الغبيُّ المُتكبِّر لا يُجيدُ استعمالَه! قالَ بثقة: لا!
ضربَ "تيدي" رأسَ "راي" بمؤخِّرةِ مُسدِّسه فهوَ عرفَ كم أنَّ هذا سلاحٌ قويٌّ، لكنَّهُ أخطأ عندما لم يتثبَّت من طريقةِ استخدامه، سقطَ "راي" أرضاً فقبضَ "تيدي" على عُنقِ "غانبو" ووضعَ فُوَّهةَ المُسدَّسِ على صِدغِها وقال:
_لا تتحرَّك وإلَّا سأقتلُها! امنحني التذكرة!
قرَّرَ "راي" التصرُّفَ بحذر، فقد لاحظَ اصبعَ "تيدي" على الزنَّاد، فحتَّى وإن لم يعرف أنَّ الضغطَ عليهِ سيؤدِّي لانطلاقِ الرَّصاص فلن يُخاطِرَ "راي" باستفزازهِ ودفعِهِ على فِعلِها، قالَ "راي" وعيناهُ مُركِّزتانِ على الزنَّاد:
_اهدأ! سأعطيكَ التذكرة لكن أرجوكَ اتركُها! ثُمَّ وضعَ يدَهُ في جيبهِ فسحبَ التذكرة وقالَ بينما يمدُّها له: خُذ! خُذها!
_وأينَ الورقة الثانية؟
لم يكن هدفُ "تيدي" الوحيد هوَ الهرب، بل أمِلَ أيضاً بإيجادِ طريقةٍ ينالُ فيها عفوَ "هيوغو"، قد يعفو عن حياته إن جلبَ لهُ تذكِرةً أيضاً.
رأى "راي" أملَهُ الذي ماتَ والدهُ من أجله يتبخَّرُ أمامه، قالَ وقد اغرورقت عيناهُ بالدُّموع: من أمركَ بذلك؟! "هيوغو"؟! لكن لِماذا؟!
غضِبَ "تيدي" ممَّا سمِعَه وصرخ: أتظنُّ بأنَّهُ يأمرُنِي كما يحلُو له!؟ أنا أتِّخذُ القرارتِ بِمُفردي! لا أحدَ يأمرُنِي أبداً!
تحرَّكَ اصبعُهُ بٍسُرعةٍ يضغطُ على الزنَّاد فصرخَ فيهِ "راي" بهلع: توقَّف!
ضحِكَ "تيدي" فقد حدثَ ما توقَّعَهُ تماماً! قال بانتصار: توقَّعتُ ذلك! استمررتَ بالنَّظرِ إلى اصبعي طوالَ الوقتِ وكأنَّهُ مفتاحُ القتل، إذاً فالضغطُ على هذا الزنَّادِ هوَ وسيلةُ القتل؟! أنا مُتحمِّسٌ لِمعرِفَةِ كيفيَّةَ حُدوثِ ذلك!
_لا! قالَ "راي" بنبرةٍ راجية، لا تفعل أرجوك!
أدخلت "غانبو" يدَها في جيبِها خلسةً دونَ أن يُلاحِظَها "تيدي"، وضعت التذكرةَ في يدِ "راي"، انهمرت الدُّموعَ من عينيها لكنَّ ابتسامةً مُشرقةٍ لم تُغادر وجهها، كانت كقوسِ المطرِ وسط سماءَ مُلبَّدة بالغيوم، كانت الكلمة الأولى التي قالتها ل"راي" والوحيدة، هيَ كذلك الكلمة الأخيرة التي ستقولُها، نطقت: "غانبو"!
دوى صوتُ الرَّصاصِ في الأرجاء، تناثرت قطراتُ الدِّماء على وجهِ "راي"، و"غانبو" التي لم تُفارق الابتسامةُ المُشرِقةُ وجهها يوماً بدت في تلكَ اللَّحظة أكثرَ إشراقاً بالذَّات، لم يقف "راي" مُتسمِّراً في مكانهِ كيومِ ماتت أمُّه، ولم يبكي ويشجب كيومِ ماتَ "بنس"، ولا حتَّى شعرَ بِدمهِ يغلي والغضبُ يعتريهِ شاعراً بالظلمِ لموتِ "أوشن"، بل فقط دُموعٌ صامتة غزيرة تغمرُ وجهه، دموعٌ لاإراديَّة يستحيلُ إيقافُها، كانَ يضغطُ على تذكرةٍ في يدٍ ويدهُ الأخرى تزيَّنت بقُفَّازِ "غانبو" الأزرق، التي تهاوى جسدُها على الأرض..
viloeto7789