كانَ الطقسُ غائماً، يُنذِرُ بِقُدومِ عاصفة، عاصفة مِنَ المشاعر، استيقظَ "راي" تحتَ سماءِ شهرِ يناير، لقد كانَ الوقتُ مُتأخِّراً، فتذكَّرَ أنَّهُ قد يكونُ دورهُ بجلبِ "رين" مِنَ المُرضِعة اليوم، نهضَ بِتثاقل وقد اكتئبَ تلقائيَّاً لطقسٍ كهذا، مالذي حلَّ بالسماء؟!
وصلَ إليها فوجدَ أنَّها تتمسَّكُ ب"رين" وقد استغرقتَ وقتاً حتَّى أعطتَهُ ل"راي"، ابتسمَ لها بسُخريَّةٍ وقال: هل تُريدينَ الاحتفاظَ بهِ؟
ضحِكَت السيدةُ وقالت: لقد تعلَّقتُ بهِ جدَّاً..
أخذَهُ "راي" بالقوَّةِ وقال بابتسامة: وكذلكَ نحن! عرضتُ هذا العرضَ عليكِ قبل أربعةِ أشهرٍ ولن أعرضَهُ مُجدَّداً.
تبسَّمت له السيِّدةُ بِقلَّة حيلة وسارَ "راي" عائداً إلى صديقيه، بينما يُداعبُ "رين" في الطريق، كانَ هذا الوقتُ الأكثرُ خُطورةً على الإطلاق، ف"راي" يكونُ وحدَه أيَّ أنَّ حماية والده لا تنطبقُ حينها على أحدٍ سِواه، فيقفُ "جين" و "غانبو" مُتأهِّبانِ لحمايةِ بعضِهِما البعض، لكنَّهُما لم يتعرَّضا لِمُضايقاتٍ مُزعجة قط، قاطعَ مسيرُ "راي" صوتُ بوقٍ ينفخ فتطلَّع جهةَ المُحيط، لقد علِمَ بأنَّ هذا إعلانُ بدء تسجيل مُسابقة الحُفرة لكن لسببٍ ما لم يُقاوم فُضوله، ما عزَّزَ ذلك هوَ إخبارُ لهُ "جين" سابقاً بأنَّ سببَ البُوقِ الذي سمِعُوهُ يومَ ولادةِ "رين" كانَ أخباراً عن رحلةِ الصيد، لكن لم يُخبرهُ بِنوعيَّةِ تلكَ الأخبار، سارَ بِشوقٍ رغمَ سذاجةِ فكرته، هل سيُقابلُ
"أوشن" أخيراً؟! وصلَ فوجدَ صاحبَ البُوقِ يتحدَّثُ عن مُسابقةِ الحُفرة بالفعل، أصابَهُ ذلكَ بالخيبة لكنَّهُ صُدِمَ كالجميع بظهورِ سفينةٍ غير مُتوقَّعة بالأفق! إنَّها بلا شكِّ سفينةُ القُبطانِ "أوشن"! اصطفَّ الجميعُ للقائها بِلهفة، هذا ليسَ موعِدَ عودتِها على الإطلاق، تداعت السفينةُ بِخُطواتٍ ثقيلة وبطيئة على الأمواجِ الهادئة، وكانت السماءُ غائمةً أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى، بدت السفينةُ مهجورةً خاليةً مِنَ الحياة، ولم يكن "أوشن" كعادتِهِ يُلِّوحُ لهم على ناصيَّتِها، والأدهى من كُلِّ ذلك أنَّ السفينةَ لم تجُرَّ حوتاً خلفها، رست السفينةُ على الجسرِ الخشبيِّ وبدأ قلبُ "راي" ينبضُ بِسُرعة، لم يكن مُستعدَّاً بعد للقائِهِ المصيريِّ مع "أوشن"! لماذا تحدثُ الأشياءُ بِسُرعةٍ دائماً لا نجدُ وقتاً للاستعدادِ لها؟! نزلَ الطاقمُ كاملاً واصطفُّوا بجوارِ بعضِهم، ولم يكن "أوشن" بينهم، لم يستغرب أحدٌ ذلك فكانت عادةُ "أوشن" أن يكونَ أخرَ من يُغادِرُ المُحيط، لكنَّ "راي" لاحظ.. لماذا لم يتركوا مكاناً بالمنتصفٍ ل"أوشن" بينَهُم؟ خلعَ أحدُ البحَّارةِ قُبَّعتَهُ وضغطَ عليها بِكلتَا يديه، حنا رأسَهُ مُخفياً دُموعَهُ ويقول: ننعى أنفسُنَا وجميعَ سُكِّانِ الجزيرة، بوفاةِ منارةِ الصَّيدِ الذي كانَ رمزاً للشَّجاعةِ والمُواجهة، بطلنا على مدارِ سنوات، أبلغكم وبكاملِ الأسى ومرارةِ الفُقدان وفاةَ "أوشن" المُحيط!
تعالت همهماتُ الجميع، وصوتُ البُكاءِ والنَّحيب باتَ مسموعاً، وسطَ كُلِّ ذلك، "راي" لم يبكِ فقد كانَ ما يزالُ في حالةِ العجزِ عن التَّصديق، كيفَ يُصدِّقُ ذلك؟! ماتَ "أوشن"؟! ألن يراهُ مُجدَّداً؟! ألن يسمعَ كلِماتِهُ السِّحريَّة مُجدَّداً؟!
قاطعَ البحَّارُ الضجَّة وقال بحزمٍ أكبر وصوتٍ أكثرَ قوَّة: لقد ماتَ غريقاً بينَ أحضانِ المُحيط تماماً كما تمنَّى!
بعدَها غادرَ البحَّارةُ المكانَ بِسُرعة، مُخفيينَ دُموعَهم وذاهبينَ لإنجازِ التقارير التي اعتادَ "أوشن" إنجازها، بينما لم يتحرَّك أحدٌ من الحشد، جميعُهم انتظروا خُروجَ "أوشن" من السَّفينة والقولَ بأنَّ كُلَّ شيءٍ كانَ مزحة، لكنَّ "راي" كانَ مُختلِفاً، انتهى من حالةِ الإنكارِ وقد انتقلَ لحالةٍ جديدة، الغضب! لم يذرف دمعةً واحدةً على موتِ "أوشن" وهذا قد فاجأه، ف"أوشن" شخصٌ يستحقُّ ذرفَ المُحيطِ دُموعاً لأجله، لكنَّ الغضبَ اعترى "راي" أكثر، كانَ غاضباً وساخطاً مِنَ المُحيطِ الذي قتلَ "أوشن"، ومِن والدهِ الذي قتلَ أمَّه، ومن "هيوغو" و"تيدي" اللذانِ جعلا حياتَهُ هُنا كالجحيم! حتَّى أنَّهُ شعرَ ببعضِ الغضبِ نحوَ "بنس" و"أوشن" لأنَّهُما قد غادراهُ بِسُرعة دونَ أن يشبعَ منهُما، وخصوصاً "أوشن"، شعرَ بِغليانِ الدمِّ في عُروقه وبانفجارِ الشعيراتِ الدمويَّة من أعينه، صرخَ صرخةً قاتلة قطعت حِبالَهُ الصوتيَّة، وجعلت جميعَ من في المكانِ يلتفتونَ إليه:
_متى سيتسنَّى لي مُغادرةُ هذا الجحيم!
الآن ولأوَّلِ مرَّة شعرَ "راي" بأنَّهُ مُستميتٌ على الرَّحيل، فبعدَ وفاةِ "أوشن" واستحالةُ رؤيتِهِ مُجدَّداً، فقدَ الأملَ تماماً في كُلِّ شيءٍ مِن حوله، وشعرَ بأنَّه لن يسترجِعُ أملَهُ إلَّا بِمُغادرةِ هذا المكان وموت ذِكراهُ في قلبهِ إلى الأبد، علا صوتُ بُكاءِ "رين" بسببِ صوتِ "راي" الذي اخترقَ عقله، توقَّعَ الجميعُ هُطولَ الأمطارِ في ذلكَ اليوم لكنَّ هذا لم يحدث، كان السماءُ غائمةً وغاضبة تماماً ك"راي" قالَ "راي" أمنِيتَهُ تلك بلحظةِ غضبٍ عارم، لكنَّهُ لم يعرف بأنَّ جسداً ضخماً يُراقبهُ من بعيد سمِعَ بتلكَ الأمنية، وقد قرَّرَ بأنَّهُ سيفعلُ المُستحيلَ لِتحقيقِهَا..
***
قابلَ البحَّارةُ "هيوغو" بِطريقِهم، وهوَ تماماً الشخصُ الذي أرادوا رؤيته، فقد سمِعَ "هيوغو" بالأخبارِ وجاءَ مُسرِعاً، كانَ حزيناً، لكنَّ دُموعَ البحَّارة التي جعلت من رؤيتِهِم ضبابيَّة منعتُهُم من مُلاحظةِ أيِّ تعابير، قال "هيوغو" بصوتٍ مُرتجف: _"أوشن"..
نطقَ أحدُ البحَّارةُ بٍسُرعة: لم يمُت "أوشن" غرقاً! طلبَ منَّا إخباركَ بأنَّ الأمرَ مثلما توقَّعتَ تماماً، إنَّهُ سُم، سعلَ دماً بِكميَّةٍ هائلة وانتهى بهِ الأمرُ صريعاً، كذبنا لِأجله، فالموتُ غرقاً كانَ حُلمَهُ دائماً، ميتةٌ كتلك هيَ مأساتُهُ الكُبرى، لذا كذبنا وكُلُّنا رجاءٌ أن يكونَ سعيداً بِكذبتِنا.
عرفَ "هيوغو" أنَّ "أوشن" لن يكونَ يوماً سعيداً بكذبةٍ كتلك، لو عرفَ "راي" بأنَّهُ لم يكن الشَّخص الأكثرَ بؤساً لِرحيلِ "أوشن"، فهل كانَ ذلكَ لِيُخفِّفَ من شعُوره؟
***
بدأ التسجيلُ لِمُسابقةِ الحُفرة، المُسابقةُ التي تُعطي تذكرةً مجانيَّةً للفائز ومُرافِقِه لِمُغادرةِ الجزيرة، لكن هذهِ المرَّة لم تكن العجوزُ ذات النَّظارات والتجاعيد بل فتاةً شابَّة وصغيرة في وجِهِها الكثيرُ مِنَ البراءة، انتهت من تسجيلِ الجميع وفي آخر الصفِّ كانَ قد حانَ دورُ "هيوغو" عرفتُهُ الشابَّةُ فورما رأته فقد وصفَهُ أصحابُ السفينةً كثيراً، قالت بحيويَّة: سيد "هيوغو"! لقد وصلتَ إلى السنِّ القانونيَّة أخيراً هذا العام! بلا شكَّ هذا خبرٌ سعيد فقد سمعتُ بأنَّكَ تُحاولُ التَّسجيل منذُ عشرةِ أعوام.
لم يكن "هيوغو" سعيداً بل كانت نظراتهُ حادَّة تبدو كمن سيقتلُ شخصاً في أيِّ لحظة، هكذا كانَ "هيوغو" مؤخراً، منذُ سرقةِ قلادته وموتِ "أوشن" باتَ شخصاً لا تتحدَّثُ معه دونَ أن يضرِبك، قالَ بهدوءٍ مُخيف: أريدُ رؤية قائمة المُشاركين.
_عُذراً؟ قالت باستغراب.
_قائمة المُشاركين، أريدُ رؤيتَها.
_أنا آسفة لكن ليسَ بوسعي فعلُ شيءٍ كهذا، إنَّهُ غشٌّ أن تُحاولَ معرفة من سيُنافِسُك و..
وقبلَ أن تُكمِلَ كلامَها، كانَ "هيوغو" قد أخرجَ خِنجراً وطعنها في كفِّ يدِها، كان خطأها أن تفرِدَ كفَّها على الطاولة بدونِ حمايةٍ أمامَ "هيوغو" الغاضب، أطلقت الفتاةُ صرخةً مكتومةً فقد تمَّ تدريبُهَا جيِّداً على التَّعامُلِ مع المُجرمين، خلالَ ذلك سحبَ "هيوغو" الورقةَ بيُسرٍ فرأى ما توقَّعَ رؤيتَه، اسمُ عدوِّهِ اللدود يتصدَّرُ القائمة، كانَ قد سمِعَ بأمنيةِ "راي" سابقاً فظنَّ أنَّ مُشاركة هذا الرُّجل تؤكِّدُ علاقتهُ ب"راي"، لكنَّ علاقتُهما كانت لُغزاً يُحيِّرُ "هيوغو" فهوَ لم يرَهُما يوماً معاً، ولم يكن قد استعادَ ورقة تعريفِ "راي" فيعرفَ أنَّ هذا الرُّجلَ والده، لم يشعرُ بأنَّ استعادتها ذات أهميَّة، وذُكِرَ في ورقةِ الآخر أنَّ ابنَهُ جاءَ مُرافقاً معه لكن لم يخطر ببالِ أحدٍ أنَّ هذا ابنُ ذاك، والأدهى من كُلِّ ذلك، أكثرُ ما يُحيِّرُ "هيوغو"، مادامَ هذا الرُّجلُ هوَ والدُ "راي" فلِماذا لم يستعن بهِ يوماً لِحمايته؟! كانَ لِيتجنَّبَ كل مُشلكة حدثت معه لو أنَّهُ قضى وقتَهُ مع والده، قالَ بِسُخريَّة:
_ما دامَ هذا الرُّجلُ مُشاركاً فلا أملَ لأحدٍ بالفوز.، ثُمَّ أعادَ الورقة إلى الفتاة المُتألمة أمامه وقالَ يُشاركُ أفكاره: أخشى أنِّي لم أعد مُهتمَّاً بالخروج، أنا أعيشُ كالملكِ فلماذا أخرج؟ أليسَ هذا مُضحِكاً؟ لِعشرِ سنواتٍ تمنَّيتُ المُشاركةَ في هذهِ المُسابقة، وعندما يصيرُ الأمرُ مُتاحاً، أغيِّرُ رأيي..
لا يستطيعُ تناسي ألمه أبداً، لكنَّهُ يُحاولُ تجاهلُه، رغمَ أنَّ فكرة تجاهُل حزُنهِ تؤلمهُ جدَّاً، ف"أوشن" شخصٌ يستحقُّ الحُزنَ على موتِهِ إلى الأبد، لكنَّ "راي" يتألَّم، ولن يستطيع التنفُّس دونَ مُحاولة إشغال نفسه، والجزيرةُ كاملةً كانت مثلَهُ كذلك، وصلَهُم خبرُ موتُ "أوشن" البارحة ويستحيل أن يتعافى منهُ أحد بهذهِ السُّرعة، لكنَّ مُسابقةَ الحُفرة كانت إلهاءً مُناسباً لِحُزنِهم، سيتذكَّرونَ الحِدادَ على "أوشن" مُجدَّداً بعدها، جاءَ "جين" من خلفِ "راي" وسأل:
_"راي"! ألن تاتي لمُشاهدةِ المُسابقة؟
كانَ "راي" مُستلقِياً على جنبِهِ يتأمَّلُ قلادةَ "هيوغو"، فقد كانت إلهاءً مُناسِباً لتجنُّبِ التَّفكيرِ ب"أوشن"، كانت قلادةً بلونٍ ذهبي وكانت سميكةً وثقيلةً، تساءلَ "راي" كيفَ أمكنَ ل"هيوغو" حملُها على رقبتِهِ طوالَ تلكَ المدَّة، لكن مالم يعرفهُ "راي" أنَّ "هيوغو" شعرَ بِكونِهِ يحملُ العالمَ كُلَّهُ عندما يحملُهَا، كانت سلسلتُها مفقودة فقد رماها "راي" سابقاً، ممَّا يجعلُها مُجرَّد دائرة ذهبيَّة قابلة للفتح، وفي داخلِها صورةُ فتاةٍ بشعرٍ لونُهُ كستنائي، لم تكن تلكَ الفتاةُ ذاتَ جمالٍ خاص ولم تكن مُميَّزةً بأيِّ شكلٍ من الأشكال، بل كانت عاديَّة المظهر ومقبولةً أيضاً، أثارَ ذلكَ فُضولَ "راي" جدَّاً، هل صورةُ هذهِ الفتاة تستحقُّ كُلَّ ذلكَ العناء؟ كانَ التَّفكيرُ بهذا السُّوال هوَ إلهاءهُ المُفضَّل، فكم أنَّهُ يفقدُ المعنى من الحياة كُلَّما تذكَّرَ موتَ "أوشن"، استدارَ بعدها ل"جين" الذي انتظرَهُ طويلاً وقالَ ببرود:
_نحنُ لم نحضُرها المرَّة السَّابقة، فلماذا نفعلُ الآن؟
ابتسمَ "جين" بحماسٍ وقال: لأنَّ شخصاً مُهمَّاً مُشاركٌ فيها! أنتَ لن تُصدِّقَ من هو.
أجابَهُ "راي" ببرود، فقد كانت إجابةً بديهيَّة: أهوَ والدي؟
_كيفَ عرفتَ ذلك؟!
لسببٍ ما تأكيدُ "جين" جعلَ شيئاً في "راي" يتغيَّر، جعلَ أملاً يلمع! هل يُعقلُ أنَّ والدَهُ قد شاركَ في سبيلِ إخراجه وإنقاذه؟! نهضَ وقالَ بلهفة: نعم لنذهب لمُشاهدِةِ تلكَ المُسابقة!
نهضَ لكنَّهُ انتبهَ لِسُقوطِ القلادة من جيبه، التقطَها وسألَ "جين" بينما يعرضُها عليه: من هذه؟
قالَ "جين" بفخر: نظريَّتُي تقولُ بأنَّها حبيبةُ "هيوغو".
_لكن لماذا تركَها وجاءَ إلى هُنا؟ كنتُ لأبقى في العالمِ الخارجيِّ لو وجدتُ شخصاً واحداً فقط يهتمُّ لأمري.
_بالفعل.. لا أظنُّنَا قد نعرفُ الإجابةَ يوماً.
قابلا "غانبو" في الطَّريقِ فاصطحباها معهم، سألَها "راي": هل "رين" معَ السيِّدة؟
أومأت "غانبو" بالإيجاب فضحِكَ "جين" وقال: تلكَ المرأةُ تقضي وقتاً مع "رين" أكثرَ منَّا!
وصلا إلى المكان وقد كانَ حُفرةً كبيرةً بُنِيَ داخلها ما يُشبِهُ حلبةَ النِّزال، كانت واسعةً يُحيطُها سِياج فرغمَ ازدحامِ المكان لم يشعر "راي" بذلكَ بسببِ تفرُّقِ النَّاس من حولِ السِّياج، دخلَ المُتسابقونَ فقالَ "راي" بحماس: يوجدُ الكثير!
_إنَّهُم أكثرُ من كُلِّ مرَّة، حوالي مئة مُقاتل هنا بالأسفل.
بدأ النِّزالُ وقد كانَ شيئاً يعجزُ عن الوصف، كانَ وحشيَّاً! كانَ دمويَّاً! فليسَ "راي" وحدَهُ من شعرَ بأحشائهِ تخرجُ من فمه، بل جميعُ المُشاهدينَ الآخرين، كانَ شيئاً لا يحتملُ المُشاهدة، لكنَّ شخصاً واحداً فقط لم يُشاهد ما يحدُثُ، كانَ "هيوغو" مُرتكِزاً على السِّياجِ وكانت نظراتُه الحادَّة تُحاولُ اختراقَ عقلَ "راي"، لم يشعر بالفضولِ يوماً مثلَ شُعورِهِ الآن، أرادَ بأيِّ وسيلةٍ مُمكِنَة أن يعرِفَ ما علاقةُ "راي" بالرُّجلِ الخطيرِ الذي يُحاولُ حِمايته، ولماذا يبدُو بأنَّ "راي" لا يعرفُ شيئاً بشأنِ تلكَ الحماية؟! لو كانَ "راي" يُدركُ حجمَ الحمايةِ التي تُحيطُهُ لكانَ بدأ يتصرُّفُ كأقوى شخصٍ في الجزيرة ويمشي مُتبختراً دونَ خوف، أزعجت حقيقةُ أنَّ "راي" لا يعرفُ بشأنِ الحِماية العظيمة التي تقفُ خلفَه "هيوغو" بشدَّة، درسَ نظراتِ "راي" بدقَّةٍ مُخيفة فردَّةُ فعلهِ على النِّزال هي التي ستُحدِّدُ علاقتَهُ بالضَّخمِ الذي يُقاتلُ بالأسفل، رغمَ تركيزهِ إلَّا أنَّهُ لم ينسى المُحادثة الجانبيَّة المُهمة التي يجبُ خوضها، سألَ "تيدي" المرعوب خلفه: لماذا تغيَّبتَ عن آخرِ اجتماعاتِنَا يا "تيدي"، أنتَ عُضوٌّ رسميٌّ في الجماعة، هل أنتَ خائف؟
أجابَهُ "تيدي" بارتباك: ل. لستُ خائفاً! لكنِّي أشعرُ بأنَّ هذهِ مسوؤليَّة كبيرة.
_ليسَ عليكَ أن تخافَ، فأنا أدعمُكَ.
_هذا ما يُخيفُني! أنا حائر! لماذا تدعُمُنِي؟! لا أستطيعُ التَّفكيرَ بشيٍ سوى كونِكَ والدي.
قالَ "هيوغو" بغضب: كيفَ أكونُ والدَكَ وأنتَ لم تُولد هُنا؟!
تراجعَ "تيدي" للوراءِ وقال بصدمة: ماذا تقصد؟! ماذا عن علامتي البنفسجيَّة؟!
_أنتَ لم تُولد هُنا، لقد جئتَ كرضيعٍ مِنَ الخارج وأمُّكَ الحقيرة خدعتني ببضعِ كلِمات لأقولَ أنَّكَ ابني، ظنَّت أنِّي مُراهقٌ يسهلُ خِداعُهُ، فعلتُ ذلكَ شفقةً عليها فحصلتَ على علامتِكَ البنفسجيَّة، وعندما رفضت نفيَ تلكَ الإشاعة لاحقاً بدأت تُزعِجُني، فقتلتُها!
كانَ "تيدي" يعرفُ بأنَّ "هيوغو" قتلَ أمَّهُ عندما كانَ في الخامسة، لكنَّهُ لم يذكر شيئاً عنها فتعجَّبَ لتلكَ القصَّة الغريبة عنها، سأل: لماذا فعلت أمِّي ذلك؟
_أرادت أن تصنعَ لك وطناً وأباً، حتَّى وإن كانَ ذلكَ مُزيَّفاً.
_ما المُشكلة إن ادَّعيتَ بِكونِكَ والدي؟ أعني.. أنتَ لديكَ الكثيرُ من الأطفالِ بالفعل! العديدُ من النِّساءِ يُنجبنَ منكَ في كُلِّ عام.
_عندما وُلدتَ أنت كنتُ ما أزالُ بريئاً، يُزعِجُني أن يظُنَّ النَّاسُ أنِّي حصلتُ على طفلٍ بِذاكَ العُمرِ الصَّغير، كما أنَّ جميعَ أولئكَ الأطفال قد ماتوا، التهمتُ أغلبَهُم.
ينصدمُ "تيدي" من وحشيَّةِ "هيوغو" كُلَّ يومٍ أكثرَ فأكثر، هوَ خائفٌ من أن يُحاولَ "هيوغو" التهامَهُ كذلك، قالَ "هيوغو" بهدوءٍ مُخيف: لكن هل تعلمُ بأنَّ أحدَ أولئكَ الأطفالِ حي؟
_من؟ سألَ "تيدي" وكلُّهُ رجاءٌ ألَّا يسمعَ اسمه.
أشارَ "هيوغو" باصبعِهِ وقال: طفلٌ بحوزةِ أولئكَ الثلاثة.. ذهبتُ لِرؤيةِ أمِّه فتفاجأتُ بكونِها ميِّتة ورضيعُها مُختفٍ، صُدمتُ عندما عرفتُ بأنَّهُ بِحوزتِهم.
سألَ "تيدي" بريبة: إذاً.. هل تُريدُ منِّي قتلَه؟
_نعم.. أنصحُكَ بِفعلِها عندما لا يكونُ معهم، سيكونُ ذلكَ أسهل.
وجَّهَ "هيوغو" نظرَهُ نحوَ الحلبةِ فابتسمَ بسُخريَّة وقال: فوزَهُ حتميَّ! اجمعَ الرِّجالَ لاجتماعٍ في المساء، فإن حصلَ على تذاكرِ الخُروجِ سنمتلِكُ سبباً إضافيَّاً لِقتله..!
انتهى النِّزالُ بالفعل، فراحَ "راي" يُحدِّقُ بالأسفلِ بذهولٍ ممزوجِ بالخوف، كانَ الفائزُ واقفاً على كومةٍ مِنَ الجُثث التي كوَّنت جبلاً، كانوا جميعاً موتى.. التِّسعُ وتسعونَ مُشاركاً الآخرونَ جميعُهم ماتوا! لم تقتضي المُسابقةُ بقتلِ جميعِ المُتسابقين فلِماذا قتلَهُم هذا الوحشُ جميعاً؟! نظرَ "راي" بفزعٍ نحوَ ذلكَ المنظر فقال بينما جسدُهُ يرتجف: والدي لم يفُز..
سألَهُ "جين" باستغراب: متأكِّدٌ بأنَّ ذلكَ الرُّجلَ ليسَ والدك؟ يُشبِهُهُ كثيراً!
_لا.. لا! هذا ليسَ أبي.. هذا ليسَ أبي.. هذا ليسَ أبي!
ظلَّ "راي" يُردِّدُ هذهِ الكلِمات بينما جسدُه يرتجفُ وفي صوتِه رعشة، غادرَ الجميعُ المكان دونَ أن يفهمُوا شيئاً فحتَّى "غانبو" و"جين" ملِلا من ترديدِ "راي" فغادرا، لم يبقَ سوى "راي" و"هيوغو" الذي مازالَ يُركِّزُ نظراتِهِ الحادَّة والفُضوليَّة على "راي"، ذُهِلَ عندما شاهدَ "راي" ينزلُ إلى الحلبة، ويفحصُ الوجوهُ بينما يستمرُّ بترديدِ الجملةِ ذاتها كُلَّما فحصَ وجهَ أحدِهِم، هل حقَّاً الفائزُ لم يكن والدُه؟! كانَ شبهَ مُتأكِّد من كونِ هذا الرُّجلِ الضَّخم وعدوه اللدود هوَ والدُ "راي"، أم ربما لا يُريدُ الاعترافَ بذلك؟! أرهقت تلكَ الأفكارُ "هيوغو" فغادرَ هوَ أيضاً، وبقيَ "راي" وحدَهُ مع تسعٍ وتسعينَ جُثَّة قتلها والدُهُ، كيفَ لهُ أن يُسمِّي وحشاً كهذا بوالدي؟!
***
اجتمعت جماعةُ "هيوغو" في حفلةِ شواءٍ في المساء، فقد كانت خسارةً كبيرة رميُ جميعِ الجُثث في المُحيط، لذا قرَّرُوا تناولَها تِباعاً رغمَ أنَّ بعضاً ممَّن يأكلُونَهُم كانوا رِفاقَهُم يوماً، لكنَّ أحداً لم يهتم، حشرَ سيخَ شواءٍ في فمِّ "تيدي" الذي كانَ جالساً يرتعدُ من الخوفِ بِجانبهِ وقال بينما يهزُّ كتِفَ "تيدي: تغذَّى جيِّداً يا "تيدي"، كي تحصُلَ على جسدٍ ممتلئٍ مُستقبلاً، سنحتاجُهُ!
ضحِكَ الجميعُ من سُخريةِ "هيوغو" لكنَّ "تيدي" ابتسمَ بقلق، ربما كانَ كُتلةً من السَّعادة عندما ضمَّهُ "هيوغو" إلى جماعته لكن الآن هوَ مذعور! فقد أدركَ بأنَّهُ يقنطُ بينَ مُجرمينَ قد يقتلُونَهُ في أيِّ لحظة، لم يمتلك أحداً يُحاولُ حِمايته وبدأ يحسدُ "راي" لِامتلاكِهِ أشخاصاً كثيرينَ يُحاولونَ حمايتَه، قالَ "هيوغو" مُتابِعاً سُخريته: أتساؤلُ كم طُنَّاً من اللَّحمِ سنحصلُ عليهِ إن ذبحناك.
انفجرَ الجميعُ بالضَّحكِ فقد فهِموا المعنى من كلامِ "هيوغو"، قالَ "تيدي" بتوتُّر: أنا مُتأكِّدٌ بأنِّي لم أصل لهذا الوزنِ بعد..
ضحِكَ "هيوغو" دونَ أن يضحكَ أحدٌ غيره، قال: سنستمرُّ بحشوِكَ إذاً حتَّى تصِلَ لهذا الوزن! فبعدَ موتِ "أوشن" سنمرُّ بمجاعة، وأفضلُ طريقةٍ لتخزينِ الطَّعام بإطعامِهِ للبدينينَ أمثالك، أعني.. سنستفيدُ مِنهُ لاحقاً!
عادَ الجميعُ للضَّحكِ وازدادَ "تيدي" رُعباً على رُعب، همسَ لهُ "هيوغو": بعدَ أن تقتُلَ طِفلي الأخير.. لن يبقَ أحدٌ يُسمُّونَهُ بابني سِواك، هذهِ إشاعةٌ مُزعجةٌ جدَّاً وأحياناً أشعرُ بأنِّي لن أتخلَّصَ منها إلَّا بِقتلك.
صفعت هذهِ الفكرةُ رأسَ "تيدي"، هل ينوي "هيوغو" حشوهُ وإطعامَهُ لِذبحَهُ لاحقاً كالحيوانات؟! إنَّهُ يرتجفُ خوفاً ويتصبَّبُ عرقاً، هوَ لا يُريدُ أن يموتَ ويؤكلَ بهذه الطَّريقة! يُريدُ النَّجاة بأيِّ وسيلةٍ مُمكِنة حتَّى والهُروبَ من إجرامِ "هيوغو"، تركَهُ "هيوغو" يغرقُ في أفكارهِ فنهضَ وقال: غداً سيموتُ من حصلَ على تذكِرَتينِ للخروج، سنقتلُ زعيمَ الوشومِ السَّوداء ثُمَّ نعودُ لسُلطتِنَا مُجدَّداً!
هتفَ الجميعُ فتابعَ "هيوغو": أنا مُتأكِّدٌ أنَّ بِوسعِنَا قتلَهُ بِرِماحِنا، لكن فقط للاحتياط..
وأخرجَ من جيبِهِ شيئاً صدمَ أنظارَ الجميع، هل هذا مُسدَّس؟! أجابَ نظراتِهِم المُتسائلة بحماسٍ غير مُعتاد: البارودُ بحوزتِنَا الآن! فلنتخلَّى عن طُرقِنَا القديمة!
تعالت الهِتافاتُ كما لم يحدث من قبل، لكن وسطَ ذلك الصَّخب كانَ الهُدوءُ مُريباً في عقلِ "تيدي"، لم يُزِل نظرَهُ عن السِّلاحِ الفتَّاكِ الذي أودى بالبشريَّة خارجاً، لماذا يشعرُ بأنَّ في هذا البرودِ خلاصه؟!
***
شرحَ "راي" لصديقيهِ مِراراً بأنَّ من فازَ لم يكن والده، ولم يفهم لماذا رفضا تصديقَهُ ابداً، كانَ جالساً في ظُهرِ ذلكَ اليوم على أحدِ العِمدانِ الخشبيَّة، كانت تابعةً للجسرِ الخشبيَّ وقد كانت تُطلُّ على المُحيط، نعم باتَ بوسعِ "راي" النَّظرَ للمُحيطِ لكنَّهُ لا يرتاحُ تماماً لِذلك، اضطُّرَّ إلى القدومِ إلى هُنا هرباً من "جين" و"غانبو" وأسئلَتِهِمَا الكثيرة، فهُمَا لن يُفكِّرا بالبحثِ عنهُ هُنا، كانَ سارحاً دونَ أن يُفكِّرَ بشيءٍ فشعرَ فجأة بالماءِ يُطرطشُ يساراً على مسافةٍ منه، هل سقطَ أحدٌ هُنا؟ تساءلَ عن ذلك دونَ أدنى اهتمام، لكنَّ اهتمامَهُ قد زادَ بنسبةٍ بسيطة عندما شاهدَ والدَهُ يخرجُ ويُصارعُ الغرق، كانَ والدُهُ يُحاولُ جاهداً قولَ شيءٍ ما، وكانَ خائفاً من أن يموتَ قبلَ أن يقولَه، رمى بكتابٍ سقطَ في حِضنِ "راي" وصرخَ بأنفاسهِ الأخيرة:
_غادر هذا المكانَ يا "راي"! واذهب إلى (أوكسيو)! لديَّ صديقٌ هُناك اذهب إليه! دوَّنتُ لكَ عِنوانه!
جاءَ من الخلفِ مجموعةٌ من الرِّجالِ يركضونَ وتوسَّطَهُم زعيمُهُم، الذي قفزَ ورمى بِرُمحِهِ في صدرِ والدِ "راي" فضحِكُوا جميعاً وغادروا وابتسامةُ الانتصارِ تعلو وجوههم، دونَ أن يُلاحِظُوا "راي" وكتابَهُ بِحضنه، لم يكترث "راي" للمياهِ التي تلَّونت بدماءِ والدهِ ولا بالفقاعاتِ التي تدلُّ على كونِهِ لفظَ أنفاسَهُ الأخيرة، فتحَ الكِتابَ فوجدَ فيهِ تذكرتينِ للخروج وعِنواناً مُدوَّناً بِجانبِهما مع قلم، قلَّبَ "راي" القلمَ بينَ أصابعِهِ ثُمَّ دوَّن: (ماتَ والدي ثلاثَ مرَّات، مرَّتينِ في قلبي، والأخيرةُ كانت ميتةً حقيقيَّة، اليوم وهوَ الخامسُ والعشرونَ من يناير، ماتَ والدي..)
أقفلَ الكِتابَ وذهبَ بهِ إلى "جين" و "غانبو" اللَّذانِ لم يسألا شيئاً، كانت كُلُّ الأمورِ واضحة بِمُجرَّدِ رؤيتِهما التذاكر، قالَ "جين": تنقصُنَا تذكرة..
_بل اثنتين، هاتانِ اثنتانِ ونحنُ أربعة.
_لا تقل بأنَّكَ تنوي أخذَ "رين" معنا!
وقبلَ أن يُتابِعا مُشجارتَهُما، قلَّبت "غانبو" الكِتابَ فأخرجت منهُ صورةً ووضعتهُا أمامهُما، أمسكَ "راي" بالصُّورةِ وطالعَها باستغراب، كانَ والدُهُ يرتدي درعاً حديديَّاً أحمر، وحولَهُ الكثيرُ مِنَ الأشخاصِ يرتدونَ الدُّروعَ الحديديَّة الضَّخمة ذاتها، وكانت وجوههم كذلك مُلَّونةً بطلاءٍ أحمرَ وأبيض، كانَ والدُهُ في المنتصفِ مُمسِكاً بكُرةٍ بُنيَّةٍ طويلة شِبه بيضاويَّة، الشكل عليها خُطوطٌ بيضاء، قلبَ "راي" الصورة وقرأ على ظهرِها بصوتٍ مسموع: دوري كُرة القدم الأمريكيَّة
لم يفهم "جين" و"غانبو" شيئاً ممَّا قاله لكنَّ "راي" الذي بدا كمن يتذكَّرُ شيئاً هامَّاً قال: أبي لاعبُ كُرةِ قدمٍ أمريكيَّة! لقد كانَ "أوشن" مُحقَّاً! أبي رياضي!
***
راجعَ "راي" مع صديقيهِ خُطَّة الهروب، فعلوا كُلَّ شيءٍ بسرعة فالوقتُ لم يكن حليفَهُم قالَ "راي": أنا و"غانبو" سنُغادرُ في مارس القادم وبِحوزتِنَا تذاكرُ الخُروج، وأنتَ يا "جين" ستُغادرُ هرباً بِرفقةِ "رين" على متنِ السَّفينة الخاصَّة بمُنظمي مُسابقة الحفرة، اخترناكَ لهذه المهمة لأنَّكَ الأقوى والأشجع.
_فهمت! وعندما أصل سأضعُ "رين" في دارٍ للأيتام.
قالَ "راي" بأسى: نعم.. فلا شيءَ آخرَ بوسعِنا فعلهُ لأجله، هل تظنُّانهِ سيكونُ شاكراً لنا لأنَّنا أخرجناهُ من هنا؟
ابتسمَ كلاهُما وقالَ "جين": هوَ لن يعرفَ ذلك أبداً، لكنَّهُ سيكونُ شاكراً.
_ماذا ستفعلُ بعدَ ذلك؟ ستقضي شهرين بالخارج في انتظارنا.
قالَ "جين" يتباهى بِمشاريعه: سأذهبُ للقاءِ أخي أوَّلاً، ثُمَّ قد أجهِّزُ لنا جميعاً مكاناً للسكن، والدَّخل كذلك، قد تكونُ الحياةُ خارجاً أصعبَ بكثيرٍ من هُنا أتعرفانِ ذلك؟ لا يُسمحُ للأطفالِ بالعيشِ بمُفردِهم، وإمساكُ الأطفالِ للمال أمرٌ صعبٌ جدَّاً، أنتَ لن تذهبَ لصديقِ والدك صحيح؟ ذكِّرني أينَ ستُقابلانني؟
_أخبرتُكَ ذلك عشراتِ المرَّات! سنتقابلُ في محطَّةِ القطار، ألا يبدو الأمرُ رائعاً؟! أنا لم أشاهد قطاراً من قبل، ولا غالباً لن ألجأ لصديقِ والدي.
_فهمت، كُلُّ شيءٍ جاهز، هل أذهبُ الآن؟
ونظروا نحوَ السفينة التي تستعدُّ للمُغادرة فقالَ "راي" يُحاولُ كسبَ مزيدٍ من الوقت بتوديعه: هل راجعتَ حقيبتك؟
_نعم فجميعُ غياراتِ الطُّفل جاهزة، وكُل زُجاجات الحليب التي أعددناها سابقاً، لا تقلقا عليَّ سأتدبَّرُ أمري.
ابتسمَ لهُ "راي" بحُزنٍ فصافحَهُ وقال: ستكونُ بخير.. صحيح؟
_طبعاً أيُّها الأحمق! اقلق على نفسِكَ و"غانبو"، إن لم تأتي برفقتِها فسأقتلك.
وبعدها صافحَ "غانبو" التي لم تكن حزينة، فهي لم تشك ولو للحظة بقُدرةِ "جين" على النَّجاة.
أطلقت السَّفينةُ أشرِعتَها عنان السَّماء وغادرَ "جين" بِرفقتِهِ "رين" إلى رحلةٍ مجهولةِ المصير، لكنَّها لم تكن رِحلتَهُ الأولى من هذا النَّوع فقد اختبرَ هذا الخوفَ سابقاً مع عائلته، ودَّعَ "راي" و"غانبو" تلكَ السَّفينة دونَ أن يُقاوما الدُّموع، شدَّ "راي" على كفِّ "غانبو" وقال: منذُ اليوم يجبُ ألَّا نفترق! قد يكونانِ شهرين صعبين علينا لكنَّهما سيكونانِ أكثرَ صُعوبة على "جين"، فسيكونُ وحدَهُ في العالمِ الغريب بينما سنكونُ نحنُ هُنا معاً!
كانَ "راي" مُخطئاً، فالخطرُ الذي يُحيطُ بهِ هوَ و"غانبو" يُساوي أضعاف الخطأ الذي يُحيطُ ب"جين"، فهمها كانَ "جين" في خطر فلن يُحاولَ أصحابُ السَّفينةِ قتله، لكن هُنا في الجزيرة يتطلَّعُ الجميعُ لِمعرفةِ كيفَ سيموتُ الطِّفلانِ اللذانِ حصلا على تذاكرِ الخُروج، نظرت "غانبو" إلى المُحيطِ بقلق، تمَّ تهريبُ "جين" على متنِ تلكَ السَّفينة وهوَ الآن مُختنقٌ في أحدِ تلكَ الصناديقِ الخشبيَّة، ماذا لو كانَ عاجزاً عن التنفُّسِ؟ ماذا لو خذلَهُ "رين" وبكى فجأةً رغمَ أنَّهُ طفلٌ قليلُ البُكاء، سيُفضحُ أمرُهُ إن حدثَ ذلك، قاطعَ "راي" أفكارها القلِقة وقال: أتمنَّى أن يكونَ "جين" بخير..
كانت أمورُ "جين" بخيرٍ تماماً على تلكَ السَّفينة، اكتشفوا أمرَهُ بعدَ أيَّامٍ قليلة وكانوا سعيدينَ بِرؤيته، فهِمَ "جين" لاحقاً أنَّ "هيوغو" قد توقَّعَ هربه فأطلعَهُم على ذلك، لكن الغريب أنَّهم لم يكونوا عدائيين تجاهه أبداً، وصُدِموا عندما شاهدوا "رين" معه، توقَّعُوا أن يجدوا "جين" بمفرده، لم يعلم "هيوغو" بأنَّ "رين" الذي يُفترضُ ب"تيدي" قتلهُ ما يزالُ حيَّاً، ولا يبدو أنَّ أحداً ينوي إخباره، أخذوا "رين" ووشموهُ بعلامةٍ بنفسجيَّة رغم مُحاولةِ "جين" لِمنعِ ذلك، قال بأسى: أردنا محوَ ارتباطهِ بهذا المكان.. لكن الآن لا يُمكنُ محوُ هذا الارتباط..
لن يُنكِرَ "جين" أنَّ اكتشافَهُم لأمرهِ كانَ بمثابةٍ إنقاذٍ له، فقد مدُّوهُ بالطَّعامِ والرَّضيع أيضاً، بعدَ بضعةِ أسابيع وصلت الَّسفينة، استفسرَ كثيراً عن موقعِ مدينةٍ تُدعى تاكيا التي قالَ شقيقُهُ بأنَّهُ فيها، فقد كانَ مُقرَّراً هوَ وعائلتُهُ سابقاً أن يُهاجروا إليها، رسا على مدينةٍ ساحليَّة وتاكيا لم تكن تطلُّ على الشاطئ، استغرقَهُ الأمرُ بضعةَ أيَّامٍ للتنقُّلِ تارة يمشي وتارة يسرقُ المال لاستقلالِ أجرة، وصلَ تاكيا أخيراً، وقد فاجأهُ منظرُ الثُّلوجِ فيها، اعتادَ رؤية الثُّلوجِ في موطنه لكن بعد خمسِ سنواتٍ قضاها في جزيرةٍ استوائية نسِيَ لونَ الثَّلجِ فيها، كانَ البردُ قارصاً فمع الأسفِ لم يُخطِّط لرحلةٍ بهذهِ البرودة، وكانَ "رين" يبكي أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى فما وجدَ "جين" حلَّاً إلَّا أن يحشُرَهُ في الحقيبة لِيحصُلَ على بعضِ الدفء، أمَّا هوَ.. فسيتحمَّل! لأجل شقيقه، ولأجلِ "راي" و"غانبو"، ولأجلِ حُريِّته.
viloeto7789