في صباحِ اليومِ التالي، صدُمَ سُكَّانُ الجزيرة لأخبارٍ انتشرت كاللَّهيب، شائعاتٌ غريبة لم يعلموا من صحَّتها شيئاً، حادثةٌ ليس لها من سابقة، جاءَ "جين" من اتِّجاهِ الشَّاطئ وسألَ بعدَ أن لاحظَ ارتباكَ النَّاسِ من حوله: ماذا يجري؟
سألَه "راي" الذي لاحظَ تبلُّلَ شعره فهو لم يكن مُهتمَّاً على نحوٍ خاصَّ بأيِّ شيءٍ يهتمُّ بهِ سُكَّانِ الجزيرة: هل كُنتَّ تستحمَّ؟
_نعم، وجلبتُ لكَ دلَواً لتستحمَّ أنتَ أيضاً.
أخذَ "راي" الدلو وبدأ يخلعُ ملابَسهُ وهو يقول: شكراً لك.
قال "جين" بضجر: تعرفُ أنَّك لو ذهبتَ لتستحمَّ على الشاطئ فسيكونُ الأمرُ أسهلَ بكثير، حتَّى "غانبو" تستطيعُ فعلَ ذلك!
ثُمَّ أشارَ ل"غانبو" التي أومأت برأسها مؤيِّدةً لكلامِ "جين"، ابتسمَ "راي" بحزن وقال: أعرفُ ذلك.. لكنَّ الأمرَ ليسَ بيدي، لو كانَ كذلك لما كنتُ هنا حتَّى، كنتُ سأكونُ على متنِ الرَّحلةِ مع "أوشن".
قال "جين" يُشجِّعُه، فهوَ لم يسخر يوماً من مشاعرِ "راي" تجاه "أوشن" والمحيط، كان يعلمُ أنَّ الأمرَ حسَّاسٌ بالنَّسبةِ له: اصبر يا "راي"، تبقَّى ثلاثةُ أعوامٍ فقط!
_أتمنَّى ذلك..
_سأذهبُ لاستطلاعِ ما يجري.
ذهبَ "جين" وفي غضونِ ذلك كان "راي" قد استحمَّ وجفَّفَ شعره بمساعدةِ "غانبو"، عندها عاد "جين" وكانَ القلقُ بادياً عليه فقال: هل ضمَّ "هيوغو" "تيدي" لجماعته؟! إنَّهُ صغيرٌ جدَّاً لِلانضمام! الأمورُ بدأت تأخذ مُنحىً غريباً.
قال "راي" بحماس: هل تظنُّ أنَّ هذا تلميحٌ لكونِه ابنه؟!
ضحِكَت "غانبو" على فكرةِ "راي" فالتفت كلاهُما إليها دونَ أن يفهما لماذا تضحك، عادَ "جين" يقول: هذا مستحيل، لكن أيَّاً كان السبب فهذا لا يُبشِّرُ بخير.
حكَّ "راي" ذقنَهُ وهوَ يقول: هذا يُفسِّرُ أموراً كثيرة..
_ماذا تقصد؟! قال "جين" بتوتُّر، لطالما لاحظَ "راي" أشياءً لم يستطع هوَ مُلاحظتَها، وهو خائفٌ من هذا الشيء الذي لاحظَهُ "راي".
_لطالما فكَّرتُ بسببِ مُطاردِة "تيدي" الدَّائمة لي ولك، يستحيلُ أنَّ "هيوغو" قرَّرَ ضمَّهُ لجماعته خلالَ يومٍ وليلة، لا بُدَّ أنَّه فكَّرَ بالأمر منذ زمن، ألا تعتقدُ أنَّ "هيوغو" يأمرُ "تيدي" بمُضايقتِنا؟ ربما كان ذلكَ اختباراً لضمِّ "تيدي"
شعرَ "جين" بهذه الفكرة تصفعه، إنَّ ما قاله "راي" يترتَّبُ عليه الكثيرُ من الأشياء الأخرى الخطيرة، قال يحاولُ إنكارَ ذلك: لكن لماذا يفعلُ "هيوغو" ذلك؟ هوَ ليسَ مُهتمَّاً بالأطفال!
_نعم هوَ ليس كذلك، لهذا كلَّف طفلاً آخر بتلكَ المُهمَّة، ألا يبدُو كلامي منطقيَّاً؟
شعرَ "جين" بالخيبة من نفسه وقال: منطقيٌّ تماماً.. لا أصدِّقُ أنِّي لم ألحظ ذلك!
راقبت "غانبو" ملامحَ "جين" باستغرابٍ شديد، ممَّا هو مستاءٌ هكذا؟ ما الفرق فيمَ إن كانَ "تيدي" يضايقهم بأمرٍ من "هيوغو" أو لا؟ سألَ "راي" مُغيِّراً الموضوع: _هل هذا كلُّ ما يتحدَّثُ عنه النَّاس؟
بدأ "جين" يصحو من صدمتهِ شيئاً فشيئاً وقال: لا هُنالِكَ شيءٌ آخر.. مسابقةُ الحُفرة ستُعقدُ مطلَعَ الأسبوعِ القادم.
_بعد ثلاثة أيَّامٍ من الآن؟ هذا مثير!
_لكنَّها مليئةٌ بالدَّمويَّة، لا أنصحُكَ بمُشاهدتِها.
_لا تقلق لن أفعل، وأنا سعيدٌ لأنَّكَ تخلَّيتَ عن فكرةِ الهربِ السَّخيفةِ تلك.
أجابَهُ "جين" بغضب: لم أتخلَّ! بل أجَّلتُها.
قال "راي" بضجر: حسناً حسناً.. ثُمَّ تابع بسعادة:
_والآن لا شيءَ من هذه الأخبارِ يهمُّنا ما دُمنا معاً صحيح؟!
أمسكَ الثلاثةُ بأيدي بعضِهم البعض وصنَعُوا دائرة يُغلِّفُها الكثيرُ من الحُبِّ والامتنان، كانت يدُ "راي" باردةً بسبب استحمامه، ويدُ "غانبو" كانت الأكثرَ دفئاً، لكن يدُ "جين" كانت حارَّةً تغلي غضباً، كيف يقومُ "هيوغو" بتحريضِ "تيدي" عليه؟!
***
راحَ "جين" يشدُّ الخُطا الغاضبة نحوَ القُبَّة الزُجاجيَّة، لو كانَ وزنُه أثقل قليلاً لكانت الأرض تهتزُّ من تحتِ أقدامه، هذهِ هيَ المرَّةُ الثانيةُ التي يذهبُ فيها لمقابلة "هيوغو" دونَ أن يطلُبَهُ الآخر، وهوَ حتماً لن يُعجِبَهُ ذلك، قابلَ عدُّوَه "تيدي" في طريقه وقد أزعجَهُ رؤيتُه كثيراً، "تيدي" الآن عضوٌ رسميٌّ في جماعةِ "هيوغو" ممَّا يعني أنَّ رؤيتَهُ حولَ القُبَّة الزُجاجيَّة لن تكونَ غريبة، لكن المُشكلة هي رؤيةُ "تيدي" ل"جين"، لا يرتابُ الآخرونَ عندما يرونَ "جين" حولَ القُبَّة الزُجاجيَّة لكن "تيدي" لأنَّهُ يعرفُ "جين" فسيجعلُه هذا يرتاب، ابتسمَ "تيدي" بخبثٍ عندما رآه وتقدَّم يقولُ بسُخريَّة: انظروا من هنا! الفاشلُ الذي يخسرُ دوماً ضدَّي!
لسوء الحظِّ، كان "جين" ينجرفُ دوماً خلفَ استفزازتِ "تيدي" على عكسِ "راي" الذي يتجاهلُه بنضوج كما نصحتُه "غانبو" ضيَّق "جين" عينيه وقال بضيق صبر: _نعرفُ جميعاً لمن تكونُ الغلبةُ بيننا.
انتفخ أنفُ "تيدي" كالخنازير فقد كان شخصاً يسهلُ استفزازه، خصوصاً عندما تستفزُّه بالحقيقة، قال بغضب: هذا لأنَّكُم تُقاتلونَ قتالاً غيرً عادل!
ثُمَّ تشابكا بالأيادي، خلالَ ذلك صرخ فيه "جين" الذي كان في أوجِّ غضبه:
_لماذا كنتَ تطاردُنا طوال ذلك الوقت!؟ هل أمركَ "هيوغو" بذلك؟
رغمَ ارتباك "تيدي" إلا أنَّهُ تماسكَ واستعادَ توازنَهُ بعد أن فقدَهُ للحظات، صرخَ فيهِ بغضبٍ مُماثل: لا شأنَ لكَ بما يجري بيني وبين "هيوغو"! أيُّها الخاسر!؟
من النَّاحيةِ الجسديَّة، لم يكن "جين" يملكُ فُرصةً لهزيمةِ "تيدي" بعراكٍ في الأيادي، لكنَّ غضبَهُ آنذاك جعلَ موازينَ القوَّة تختلُّ، ممَّا جعل "تيدي" خائفاً ومُحتاراً من هذا الشَّخصِ المُختلفِ تماماً الوقف أمامه، هذا ليسَ "جين" الذي يعرفه! ولو رأى "جين" نفسَهُ في تلك الحالة ما كانَ ليتعرَّفَ على نفسه، في اللحظة التي سقط فيها "تيدي" أرضاً، نهضَ لكنَّه لم يعد إلى القتال، بل فرَّ هارباً ينوي الدُّخولَ إلى القُبَّة الزُجاجيَّة، التفَّ حولَها للدخول من الباب الخلفي، فتبِعَهُ "جين" وما يزالُ يشتعلُ غضباً، توَّقفَ "تيدي" أمامَ البابِ فجأة ورفعَ رأسه بخوفٍ شديد، فرأى "جين" "هيوغو" أمامه الذي وضع يديه في جيوبِه وارتسمت على وجهه الكثير من علامات الاستفهام عندما رآهُما، لسببٍ ما اختفت رغبتُهُ في ضربِ "تيدي"، ربما لأنَّ رغبته في ضرب "هيوغو" كانت أكبر، لكنَّهُ لن يجرؤ على ذلك، ولأنَّهُ أرادَ أن يعرفَ شيئاً عن طبيعةِ العلاقة بينَ هذينِ الاثنين، أجالَ "هيوغو" بصرَهُ بينَهُما حتَّى قالَ ببرودٍ ل"تيدي" المرعوب: ظننتُكَ قلتَ أنَّ الغلبةَ بينكُما تكونَ لكَ دائماً.
زادَ ذعرُ "تيدي" ووجدَ نفسَهُ عاجزاً عن الإجابة، تابع "هيوغو" بكلمةٍ بدت كطعنةٍ بالنَّسبةِ ل"تيدي" فهيَ تعني أنَّ "هيوغو" ينوي مُعاقبتَه: ادخل.
دخلَ مُطاطئاً رأسه مُنتظراً من "هيوغو" أن يتبعه، لكنَّ "هيوغو" لم يفعل بل ظلَّ يُركِّزُ نظراتَهُ الباردة على "جين"، والحائرة كذلك، عندما التقت أعينُهُما زاد حقدُ "جين" وتذكَّرَ سبب غضبه، قال وعيناهُ تُشعَّانِ كُرهاً: لقد خدعتَني!
تجاهلَ "هيوغو" تلكَ النَّظراتِ التي تنوي قتله وسأل ببرود: فيمَ خدعتُكَ بالضَّبط؟
انفجرَ "جين" بعدَها غضباً، وراحَ يتحدَّثُ بسرعة دونَ التقاطِ نفسه:
_لقد خالفتَ بنودَ عقدِنا! ليس واحداً بل كليِهُما! لقد قلتَ بأنَّك لن تجعلَ أحداً من جماعتك يتعرَّضُ ل"راي" لكن هأنتَذا تُرسلُ "تيدي" لِمُطاردته طوالَ عامٍ كامل! والعقدُ الأوَّلُ بيننا يقولُ بأنَّك لا يُمكِنُكَ التدُّخلِ بأيٍّ من نزالاتي، لكنَّكَ كنتَ تكذب! كنتَ تُحرِّضُ "تيدي" طوالَ الوقتِ على مُطاردتي، منذُ عامي الأوَّل! لماذا تفعلُ ذلك؟! لتجعلَني أقوى؟ لأكونَ اصلب؟
تنهَّد "هيوغو" تنهيدةً طويلة وتابع: الكثيرُ من الافتراضات الخاطئة، من قالَ لكَ بأنِّي حرَّضتُ "تيدي" على مُطاردةِ ذاك الفتى؟ كان "تيدي" يتعرَّضُ لكَ وحدكَ فقط، وبإرادته الخاصَّة، وحتَّى وإن حرَّضتهُ فأنا لم أعلن عن "تيدي" كعضوٍ في جماعتي إلا البارحة، السنينُ السابقة لا تُحتسب.
_بل تُحتسب! ليست مُشكلتي أنَّكَ جعلتَه عضواً سريَّاً، وكيفَ لي أن أصدِّقكَ حتَّى؟ مهما حاولتَ تبرئةَ نفسك واضحٌ أنَّكَ كُنتَ تخونُ عقدَنا.
بدا "هيوغو" أقلَّ صبراً من أيِّ وقتٍ مضى، لكنَّه لم يغضب وظلَّ هادئاً
_تذكَّرَ أنَّكَ خالفتَ عقدنا سابقاً وقد كنتُ كريماً معك، نحنُ لم نضع عواقبَ فعليَّة لمن يُخالفُه، وحتَّى إن دفعتُ "تيدي" لمضايقتك فأنا لا أرى في ذلكَ مُخالفةً لعقدِنا على الإطلاق، لا أذكرُ أنِّي وضعتُ شرطاً لمنعِ الآخرينَ من مضايقتك أو حتَّى عدمَ توجيهِهم لذلك، ما المُشكلة إن كنتُ أفعلُ ذلكَ لأجعلكَ أقوى؟ أنا بحاجةٍ لشخصيَّةٍ صلبة تُنجزُ نوعيَّتكَ من المهام، وتذكَّر أنَّهُ لولاي وأسلوبي لما نجوتَ، احتراقُ شعرك، هذه النَّدبة على عينك، حصلتَ عليهم بفضلي وقد نجوتَ بذلك.
نظرَ إليه "جين" بنظراتٍ زادت حقداً وقال: أنتَ شخصٌ لا يؤتمن! تصنعُ عُقوداً مليئةً بالثغرات لتستغلَّها كما تشاء! ودونَ أن يُلاحظَ أحد، وعندما يُلاحظوا ذلك يكونُ الأوان قد فاتَ بالفعل.
ابتسمَ "هيوغو" بسخريَّةٍ وقال: سعيدٌ أنَّكَ اكتشفتَ ذلك.
في كلِّ ثانيةٍ كان غضبُ "جين" يزيد، شعرَ بحاجةٍ شديدة لإخماد غضبه لكنَّه لم يجد وسيلةً لذلك، أخبرَهُ عقلهُ الباطنيُّ أنَّ عليهِ مُحاولةَ استفزازِ "هيوغو" فقال:
_أهذا ما كنتَ تفعلُه أيضاً قبلَ مجيئكَ إلى هنا؟ هل كنتَ مُحتالاً من هذا النَّوع؟
لم تخفت ابتسامةُ "هيوغو" بل زادت رغمَ الصدمة التي شعرَ بها، كان سعيداً لأنَّ أحداً بحجمِ "جين" قد امتلكَ الجُرأة لسؤاله سؤالاً من هذا النوع، وللمرَّةِ الأولى.
_ربما.. بالفعلِ أعتقدُ أنِّي كنتُ مُحتالاً حتَّى قبلَ قُدُومي إلى هنا.
لم يكتفي "جين" بمحاولةِ الاستفزاز البسيطة تلك، بل شعرَ بالخيبةِ لكونِ مُحاولتِه باءت بالفشل، تابعَ بمحاولةِ استفزازٍ أخرى: حتَّى مع تلكَ الفتاة ذاتِ الشَّعرِ الكستنائيّ؟ كنتَ تبدو سعيداً حقَّاً معها..
اتَّسعت عينا "هيوغو" على آخرِهما وقال دونَ أن تختفي ابتسامته:
_عجيبٌ أنَّكَ تعرفُ بشأن ذلك! من أخبرك؟! "بنس"؟
أجفلَ "جين" لكونِ "هيوغو" يذكرُ اسمَ "بنس" فهوَ لم ينسَ ما حدث عندما ذُكرَ اسمُهُ لآخر مرَّة، خمدَ غضبه بعدما لاحظ نظرات "هيوغو" الفضوليَّة، إنَّها تشبهُ نظراتَهُ عندما اكتشفه لأوَّلِ مرَّة وقد أخافَهُ ذلكَ كثيراً، قال بتردَّد:
_ولماذا افترضتَ أنَّهُ كذلك؟
_لا أحدَ يعرفُ بشأنِها سِواهُ و"أوشن" الرَّاحل في المحيط، أنا مُتأكدٌ أنَّ "أوشن" لن يُخبرَ أحداً، أم أنَّكَ رأيتَ قلادتي؟! لكن هذا مستحيل فأنا لم أظهرها لأحدٍ قط.
فهِمَ "جين" ما يقصدُه "هيوغو"، هو يتحدَّثُ عن قلادةٍ يُخبئُها جيَّداً في ملابسه، لم يستطع "جين" أن يلمحَها سوى مرةٍ واحدةٍ في حياته، عندما ارتدى "هيوغو" ملابسَ فضفاضة وانحنى خلفَ "جين" ممَّا أجبرَ السلسلة الرفيعة لتلكَ القلادة المخفيَّة على التدَّلي، اختفت تلكَ الذكرى من رأسِه بسرعة عندما أدركَ أنَّهُ يجبُ عليه الدِّفاعُ عن "بنس"، هو لا يُريدُ أن يُوقعَهُ بالمشاكل.
_لم يذكر "بنس" كلمةً واحدةً عن تلك الفتاة، رأيتُكَ معها في صورة، كانت في ألبومٍ صورٍ لدى "بنس" وقد اطَّلعنا عليه أنا و"راي" خلسة، "بنس" بريءٌ تماماً منَّا.
قال "هيوغو" بتعُجِّبٍ تامّ وقد اختفت ابتسامته: لدى "بنس" ألبومُ صور؟ ثُمَّ تابع يقولُ في نفسه: أريدُ أن ألقي نظرةً عليه..
viloeto7789