في وسطِ الجزيرة، وُضعت طاولةٌ مُستطيلةُ الشكل ووضع كرسيٌ على كلِّ طرفٍ، تلهَّفت الجزيرةُ بأكملها لعقدِ هذا الصُّلحِ التاريخيِّ بين أصحابِ الوشومِ الحمراء وأصحابِ الوشومِ السوداء، كان الطَّرفان في حالةِ حربٍ لحوالي عقد من الزمان.
_هل ستأتي لمُشاهدةِ الصُّلحِ يا "راي"؟ سأل "جين"
_لستُ مُهتمَّاً بهذه الأمور.. مازلتُ أبحثُ عن طريقةٍ لكسبِ رضا "بنس"!
طوالَ الأيَّامِ السَّابقة كان "راي" سارحاً في هذه الفكرة، قال "جين" بحماس مُتجاهلاً بؤسَ صديقه: كم هذا مفاجئ! الآن وأخيراً بعدَ كلِّ تلكَ السنين سيعقدونَ صُلحاً هكذا وبدونِ سابقِ إنذار، لا أصدُّقَ كم أنَّ الأمورَ هنا غريبة.
سأل "راي": أهذا يعني بأنَّنا لن نرى مزيداً من الدِّماء مُجدَّداً؟ لن نرى مزيداً من الرؤوسِ المُعلَّقة والأعضاء المُتناثرة؟ رغمَ أنِّي بدأت أعتادُ المشهد..
_لا يجبُ أن تعتاد! عُموماً لا تستبق الأمور، مازلنا لا نعرفُ بنودَ الصُّلح، لكنِّي لا أصدِّقُ بأنَّك لن تأتي لحدثٍ تفوقُ أهميُّتَهُ رحلةَ الصيد!
_ليسَ بالنَّسبةِ لي..
تجاهلَ "جين" بؤس صديقهِ مُجدَّداً وتابع يُناقشُ بحماس: أتساؤل عن مُمَّثلِ الوشومِ السوداء، أعني في السابق كانَ "بنس" يبدو كقائدٍ لهم رغمَ أنَّ ذلكَ استمرَّ لفترةٍ قصيرة، لكن الآن من سيكونُ هذا الشَّخصُ الذي سيجلبُ السَّلام؟
_لستُ مُهتمَّاً ففي جميعِ الأحوال هو مجرم، عموماً إليكَ ما سأفعلُه! سأستغلُّ أنا و"غانبو" انشغالَ الجميعِ في الجزيرة بحدث السلام هذا، فنذهبَ ونُقابلَ "بنس" بكلِّ هدوء، ظللتُ طوال الأسبوعِ أحضِّرُ لما سأقوله.. هل أنتَ متأكدٌ من عدم رغبتكِ بالذَّهاب؟
أجابه "جين" باستهزاء: لو كنتَ تُخيِّرُني بين حضورِ أهمِّ حدثٍ في الجزيرة، أو الذَّهابَ للحصولِ على رضا "بنس"، فسيكونُ واضحاً جدَّاً ما سأختارُه! صحيح؟!
اجابهُ "راي" بانزعاج: أنتَ حرُّ! لكنِّي لن أدافعَ عنك.
_افعل ما تشاء.
غادرَ "جين" بينما يُلِّوحُ لصديقِه بيدِه ذاتِ العلامة الحمراء.
***
جلسَ "هيوغو" على الكرسيِّ الأيمن بينما جلسَ (البطلُ) والدُ "راي" على الكرسيِّ الأيسر، لم يتعرَّف "جين" عليه ولم يبدُ أنَّ أحداً تعرَّف عليه، لكنَّه سمع أحد الرِّجالِ من خلفه يقولُ بسخريَّة:
_أليسَ هذا من استمرَّ يبحثُ عن الزَّعيمِ طوالَ عامٍ كامل؟! لو عرفتُ أنَّهُ سيعقدُ معه اتَّفاقيةَ صلحٍ لدللتُه على القُبَّة الزُجاجيَّة منذُ اليومِ الأوَّلِ!
قرأ رجلٌ يقفُ بينَهُما بُنودَ الصُّلحِ على مسمعٍ من الجميع، ثُمَّ علَّقها على المنصَّة التي اعتادوا تعليقَ الرؤوسِ عليها، نهض "هيوغو" ووالدُ "راي" ثُمَّ تصافحا على مرأى منَ الجميع، وعندها بدأت الهتافاتُ تعلُو والأيادي تُصفِّق، وتعانقت الأجسادُ وتصافحت الكُفوفِ بكلِّ تلقائيَّة، كلا الطرفين كانَ قد تعبَ من حربِ الاستنزافِ هذه حيث تشعرُ بأنَّك مُعرَّضٌ للقتلِ في أيِّ لحظة، تُمسِكُ سلاحكَ طوالَ الوقتِ وتكونَ على أهبَةِ الاستعدادِ لتُقاتل، والقلائلُ الذينَ لم تُعجبهمُ فكرةُ الصُّلحِ أخفوا غضبهم فمن هذا الذي يجرؤ على اعتراض قرارِ أقوى رجلين في الجزيرة، تفرَّقَ الجميع يُغنُّونَ ويتعانقونَ وسارَ "هيوغو" مع أحدِ رجاله الذي سأله: كُنَّا في طريقِنا لقتلِ هذا الرُّجلِ يا زعيم، ذكِّرني كيف آلت الأمورُ بنا لنعقدَ صُلحاً معه؟ بل ومع بني جنسِه كاملا!؟
_بعضُ الأمورِ لن يفهمها تابعٌ مثلك، لكن ذلكَ الرُّجل.. خطير! أيُّ اشتباكٍ معه سيُودِي بحياةِ الجميعِ إلى الهاوية، بصفتي زعيمَكَم اتَّخذتُ القرارَ الأمثل.
_هل حقَّاً هذهِ هي النَّهاية؟ لن يتسنَّى لنا قتلُ المزيدِ من الأشخاصِ مُجدَّداً؟ حفلاتُ الشِّواء ستنتهي؟!
أجفلَ "هيوغو" كأنَّ كلَّ ما يهُّمه كانَ حفلاتِ الشِّواء، قال باستنكار: من قالَ ذلك؟ أنا لا أستغني عن حفلاتِ الشِواء! لذا فكَّرتُ بتناولِ الأطفالِ الرُّضعِ كبديل، أصحابُ العلامات البنفسجيَّة غيرُ محميين، ألا تقرأ ما بينَ السُّطورِ؟! في ذلك الاتِّفاقِ ثغراتٌ كثيرة وُضِعت بعناية، وبالطَّبع كانت باتَّفاقٍ بيني وبينَ الرَّجلِ الضخم، لكن ارتأينا ألَّا يعلمُ سُكَّانِ الجزيرةِ شيئاً عنها لذا خبَّأناها بين السُّطورِ ولن يُلاحِظها أحد، عندما أدركتُ مدى قوَّتِه عرضتُ عليه صُلحاً، لكن اتَّضحَ أنَّهُ غيرُ مُهتمَّ، استطعتُ في النِّهايةِ إقناعَهُ بأنَّ أحصلَ على حمايةٍ لأفرادِ جماعتي مُقابلَ حمايةٍ لأفرادِ جماعته.
_إذاً نستطيعُ قتلَ شخصٍ ما لم يكن ضمنَ جماعته؟!
_لا.. كان هنالك شخصٌ مزعجٌ في صفِّه أقنعَه بأن يحصُلَ على حمايةٍ لجميعِ أفرادِ الوشومِ السوداء وليسَ فقط أفراد جماعته، لم يُعجبني الأمر لكن لم أرد إفشالَ الأمر، مع قليلٍ منَ التَّفاوض اتَّفقنا على عدم الاعتداء على جميع أفراد الوشوم السوداء المُنضمَّينَ لجماعات والأمرُ نفسُه لنا، لن يكونَ بوسعنا قتلهم على العلن لكن بوسعنا دوماً القتلُ في الخفاء، والنَّساءُ والأطفالُ لا ينضمُّون للجماعاتِ غالباً لذا هم ليسًوا محميِّين، مازالَ بوسِعِنا إقامةُ حفلاتِ الشِّواءِ كما كانَ الأمرُ دائماً!
_أرحتني جدَّاً يا زعيم، هل أخبرُ باقي أفرادَ الجماعةِ بذلك؟
_لا تخبر أحداً بأيِّ شيء، سأعقدُ اجتماعاً معهُم اللَّيلة وسأشرحُ لهم التَّفاصيل جيِّداً، فأنا لا أريدُ تسليمَ رأسِ أحدِهم إلى ذاكَ الرَّجل.
_ماذا تقصدُ بتسليمِ رأسه؟!
_لقد اتَّفقنَا على هذا للأسبوعِ الأوَّلِ بهدفِ منع المُتمردين، أيُّ من يُخالفُ بنودَ الاتِّفاق يتمُّ تسليمِ رأسِه للطَّرفِ الآخر، هذا سيكبِحُ جِماحَ الجميع.
_فكرةً حكيمة، سأذهبُ لإبلاغِ الآخرينَ باجتماعِ اللَّيلة
_نعم افعل، لا أريدُ أيَّ تغيُّبٍ الليلة، وشيءٌ آخر.. ابحث عن ولدً يُدعى "تيدي" واجلبه معك، لديَّ إعلانٌ مهمٌّ أقولُه بشأنه.
_حاضر.
كان "هيوغو" يعلمُ بأنَّ هذا الاتِّفاق الذي صنعَه يجعلُ من "تيدي" مُجرَّداً من أيِّ حماية، هوَ ليسَ مُهتمَّاً بحياتِه بالطَّبع، لكنَّهُ لم ينتهي من استخدامِ "تيدي" بعد، هوَ يحتاجُه لمدَّةٍ أطول، وبهذا سيُعلنُ عنه كعضوٍ رسميٍّ في جماعته فيصيرَ محميَّاً.
عادَ "هيوغو" إلى مكتبِهِ في القُبَّة الزُجاجيَّة فتفاجأ ب"جين" ينتظرهُ بلهفة، لم يتحدَّثُ أيٌّ منهُما لفترةٍ من الوقت بل اكتفى "جين" بنظراته المُتلهِّفة و"هيوغو" بنظراته المُتعجِّبَة، قال "هيوغو" أخيراً: إنَّها المرَّةُ الأولى التي تأتي فيها لِمُقابلتي دونَ أن أطلُبَك..
_لم أستطع الانتظارَ حتَّى تطلُبَني! هل انتهى العقدُ بيننا؟!
_عُذراً؟ قال "هيوغو" بكثيرً من الدَّهشة.
أجابَهُ "جين" بتردد كونَ ما ظنَّه بديهيَّاً لم يبدو كذلك بالنَّسبةِ لهيوغو: تعرف.. هذا الصَّلحُ الذي حدث.. إنَّه يعني أنَّه ليسَ بوسعكَ قتلُ أحدٍ بعد الآن.
لم تخفَّ دهشةُ "هيوغو" بل زادت وهو يقول: وما علاقةُ ذلكَ بالعقدِ بيننا؟ ستستمرُّ بفعلِ ما تفعلُه ولا شيءَ سيتغيَّر!
قال "جين" بخيبة: لكنِّي ظننتُ أنَّ الأمورَ قد انتهت..
سادت لحظةُ صمتٍ بينهما حتَّى قطعَها "هيوغو" ببرود، لم يكن يعني ما سيقولُه فعلاً بل أرادَ فقط التأكَّدَ من شيءٍ ما.
_بوسعكَ التوقُّفُ إن أردت فكما أرى باتَ لديكَ مصادرُ دخلٍ أخرى..
هتفَ "جين" بحماس: حقَّاً؟! لكنَّه عادَ يقولُ بحزنٍ بعدما تذكَّرَ شيئاً: لا أستطي.. أقصدُ لا أريد.
اتَّسعت عينا "هيوغو" غضباً، لقد تأكَّد بالفعل ممَّا كانَ موضعَ شكٍّ بالنَّسبةِ له، قال بغضب: بل لا تستطيع! أيُّها المُخادع الحقير! أنا أفهمُ جيِّداً أنَّك لا تستعملُ أجركَ في المُقايضة، بل لسببٍ آخرَ تماماً.
ابتسمَ "جين" بحزنٍ وقال: لكن مع ذلك، أنتَ لا تُحاولُ منعي..
أجابَه "هيوغو" بحدَّة: لأنِّي واثقٌ من فشلك!
***
بينما الجميعُ في الجزيرةِ مُنشغلٌ بحدثِ الصُّلحِ المُهمَّ، وصلَ "راي" حتَّى المكتبةِ يستجمعُ شجاعتَهُ كلَّها ليُقابلَ "بنس"، ليسَ عليهِ أن يكونَ قلقاً كثيراً فقد استعدَّ جيِّداً لهذه اللحظة، كما أنَّ "غانبو" كانت معه تُطمِئنُه وتشدُّ من أزره، دخلَ المكتبةَ فوجدَ "بنس" مُتربِّعاً قبالة أحدِ الرُّفوفِ يطالعُ كتاباً، لم يبدو عليه أنَّهُ غاضب بل كانَ هادئاً جدَّاً وملامِحُه مُرهقةٌ كالعادة، اطمأنَّ "راي" لكونِه يرى "بنس" الذي اعتاده وليس النُّسخةَ الغاضبةَ منه التي رآها في السرداب، تقدَّم نحوَه فلاحظَ "بنس" وقعَ خُطواتِ "راي" على الفور والتفتَ ليراه، في تلكَ اللحظةِ عندما التقت أعينُهما تجمَّدَ "راي" في مكانه ونسيَ كُلَّ ما جاءَ لقوله، نسيَ كيفَ يرمشُ وكيف يتحرَّك لكنَّه لحسنِ الحظِّ لم ينسَ كيفيَّة التنفُّس والتي كانت عمليةً صعبةً جدَّاً في تلكَ اللَّحظة، حصلَ "راي" على أكبرِ خيانةٍ في حياته، حيثُ خانتهُ جميعُ الكلمات والتعبيراتِ التي سعى جاهداً لتذكُّرِها، شعرَ براحةٍ كبيرة ونسيَ تلكَ الخيانة العُظمى عندما بادرَ "بنس" بالحديث وقال: أهلاً بعودتك، المكتبةُ تُرحِّبُ بكَ دوماً.
ترقرت عينا "راي" بالدُّموع وقال بعاطفةٍ مبالغٍ فيها: أنا آسفٌ يا سيِّد "بنس"، أنا آسفٌ لقد كنتُ.. ما كانَ يجبَ عليَّ أن..
ربَّت "بنس" على رأس "راي" الغارق بالدموع وقال يُطمئِنُه: كفاكَ بُكاءً، كانَ الخطأُ خطأي، ما كانَ عليَّ أن أغضب هكذا، أعمى الغضبُ بصيرتي.
_غيرُ صحيح! لقد ارتكبتُ بوضوحٍ ما نهيتَنِي عن القيامِ به، أنتَ كريمٌ جدَّاً إن كنتَ ستُسامِحُني، غطَّى وجهَهُ بكلتا يديه وتابعَ ببؤس: ما أفظعني!
_لستَ كذلِك يا "راي"، أردتَ المُغامرةَ فحسب، هذا طبيعيٌ لِفُضوليٍّ مثلك.
هدأ "راي" قليلاً ثُمَّ رفعَ رأسَه نحوَ "بنس" وقال: كيفَ تحوَّلتَ لمجرمٍ يا "بنس"؟
ابتسمَ "بنس" لهذا السؤالِ الذي سُئلَ بكلِّ براءة، قال بلهجةٍ أكثر لُطفاً: لقد خيَّبتَ ظنِّي يا "راي"، هل أبدُو لكَ كمُجرم؟
_ألستَ كذلك؟! قال "راي" بكثيرٍ من الأمل
أدارَ "بنس" رأسه للاتِّجاهِ الآخر وقال: يالها من قصَّةٍ طويلة.
_إن لم تُرِد ذِكرَها فلا بأس.
_لا.. من حقِّكَ أن تفهم، فأنا مُعلِّمُكَ ومن واجبي الإجابةُ على سؤالك، وأيضاً سيكونُ ذلكَ تعبيراً عن ندمي، وسأعطيكَ الألبومَ لترى صورَهُ قدرَ ما تشاء، لكن بإذني هذهِ المرَّة، ما رأيك؟
ابتسمَ "راي" وقال: لا لا داعيَ لذلك، لقد تطفَّلتُ بما يكفي، لكن اسمحَ لي بأن أتطفَّلَ وأسمعَ قصَّتك، بالمناسبة أنا أتفَّهمُ سببَ غضبك فقد عصيتُكَ بعدَ كلِّ ما قدَّمتَه من أجلي، واستغرقَني الأمرُ أسبوعاً كاملاً لأعتذر! كم أنا فظيع.
_أخبرتُكَ بأنَّكَ لستَ كذلك! والآن تعالَ لِنسمعَ قصَّتي.
أشارَ "راي" ل"غانبو" التي كانت تُراقبِهُما من بعيد، بإشارةٍ لكونِ جميعِ الأمور قد حُلَّت، اقتربت منهُما فقال "بنس": صديقتُكَ تعرفُ القصَّة بالفعل.
ارتكزَ ثلاثتُهم على حائطٍ أسفلَ النَّافذة، جلسَ "بنس" بينَهُما وبدأ يروي قصَّته.
_بدأ الأمرُ عندما رأيتُ "هيوغو" في كاملِ حُلَّتِه ذلكَ اليوم، كان "هيوغو" يكبُرني بثلاث سنوات، أنا لا أريدُ ذكرَه كثيراً في هذه القصَّة، في ذلكَ اليوم لم ينظر إليَّ "هيوغو" أبداً، كأنِّي غيرُ موجود، رغمَ أنَّ تلكَ كانت عادتَه لكنِّي رغبتُ بشدَّة أن ينظُرَ إليَّ يومَها، أن يشرحَ لي شيئاً، قالوا فجأةً أنَّ أمِّي مجرمةٌ وأنَّ "هيوغو" كانَ شريكاً لها، كانت أمِّي مُختفيةً بالفعل يومَها وارتدى "هيوغو" ثيابَهُ بأناقةٍ لم أرَ مثلَها قطُّ وزيَّنَ رائحتَهُ بعطرٍ فخمٍ اعتادَ والدُنا استخدَامه، ثُمَّ خرجَ واختفى، إلى الأبد، عرفتُ بعدَها أنَّه تمَّ إرسالَهُ هوَ وأمِّي إلى جزيرةٍ معزولة، لكنَّ الصدمةَ أنَّ هذا حدث باختيارٍ منه، لم أصدِّق أنَّ "هيوغو" اختارَ مُرافقةِ أمُّنا وتركني أنا وأختي التي تصغُرني بعامٍ وحدَنا، لم يكن هناكَ سببٌ يدفعُه لذلك! قالوا أنَّ ذلكَ كانَ اختيارَهُ بأكمله، تكفَّلت أحدُ بيوتِ الأيتامِ برعايتنا لكنِّي هربتُ بعدها بمُدَّةٍ وجيزة، وتركتُ أختي التي لم تكن حياتُها في الميتمِ بذاك السَّوء فقد كانت بنتاً مُهذَّبة لكن أنا اعتدتُ التمرَّد، قضيتُ أسوأ أسابيعِ حياتي في الشارع حتَّى وجدَني الشَّخص الذي علَّمني فنَّ المُبارزة، لم أفهم سببَ عطفِه عليَّ وقتها لكنِّي حتماً أدينُ لهُ بحياتي، قضيتُ أربع سنين من عُمري برفقته ثُمَّ عدتُ إلى الميتم لمقابلة أختي، صُدمتُ بكونِها باتت شابَّةً حسناء ولم تعد الطفلةَ الصغيرةَ التي تركتُها، تحدَّثنا كثيراً وعرفتُ بكونِ جامعي ديونِ والدي يُلاحِقُونَها ويهدِّدونَ بقتلها، وبرغبتِها الهروب من الميتم برفقة ساعي البريد الذي وقعت بِحبُّه، وأنا الذي كانت فكرةُ مصيرِ أخي وأمِّي والجزيرة الغريبة التي ذهبا إليها تشغلُ عقلي، قرَّرنا بعد كثيرٍ من التفكير أن أصطنعَ قضيَّة قتلِها فتهربَ بهوَّيةٍ مُزيَّفةٍ وتنجو من مُحصِّلي الديون، نجحت خُطُّتُنا وأخبرتُ رجالَ الشرطةً عن أخي وأمِّي وجريمتِهما السابقة، لم يتردَّدوا في إرسالي للَّحاقِ بهم قائلينَ أنَّ عائلةً من المُجرمينَ يجبُ أن تجتمع، وبهذا أتيتُ إلى هنا.
ابتسمَ "راي" ابتسامةً واسعة وضمَّ قبضتيه وقال: كم هذا مريح، أنتَ لستَ مُجرماً بعد كلِّ شيء، إذا ف"هيوغو" كان شريكاً لأمِّك؟ لطالما عرفتُ بأنَّه لم يكن بريئاً، ثُمَّ ماذا حدث؟ مادمتَ مُتلهِّفاً هكذا لمُقابلةِ أخيك فكيف صرتَ عدُّوه؟ أقصدُ بناءً على قصَّةِ السَّيفِ التي سمعناها، وفوقَ كلِّ ذلك، لماذا تكرهُ "أوشن؟
_أنتَ تريدُ معرفةَ الكثيرِ من الأشياء حقَّاً، أنا لم أسمع قطُّ بالحكايةِ من "هيوغو" لذا حتَّى أنا لستُ مُتأكِّداً من براءته، عُموماً عندما عدتُ إلى هنا تفاجأتُ بكونِ "هيوغو" قد قتلَ أمَّنا، لم تكن مُجرمةً في نظري قطُّ بل أحببتُها جدَّاً، عندما رأى "هيوغو" وشمي الأسود وعرفَ بكوني قتلتُ أختنا غضِبَ كثيراً ولم ينتظر سماعَ دليلِ براءتي، منذُ ذلكَ اليوم وقد كانَ اليومَ الأوَّلَ لي على الجزيرة اتَّخذتُ "هيوغو" عدُّواً لي، و"أوشن" الذي كانَ صديقَه صار عدُّوي بالفطرة، كرهتُ "أوشن" كثيراً لأنِّي ظننتُ أنَّه هو من غيَّرَ "هيوغو" وجعلَهُ يقتلُ أمَّنا، وقد غرتُ كثيراً منه لظنِّي بأنَّه سرقَ أخي منِّي فقد أحبَّه "هيوغو" كثيراً ومنحَهُ حُباً لم يمنحَه لأحدٍ قبله، لكن أؤكدُ لك أنِّي اكتشفتُ لاحقاً بكوني مُخطئ، ف"أوشن" طيبٌ جدَّاً وأنتَ من أكَّدَ لي ذلكَ يا "راي"، منذ أن رأيتُكَ تنفرُ من "هيوغو" وتستلطفُ "غانبو"، عرفتُ بقدرتك المذهلة على جذبِ الأشخاص الطيبين من حولك، وعندما قُلتَ بأنَّ "أوشن" بمثابةِ والدك تأكَّدتُ من كونِه شخصاً جيِّداً، قراءتُكَ للأشخاص رائعة ودقيقة.
_شكراً لك، هل ستُخبِرُني بكيفيَّة انتهاء مسيرتِكَ كعدوٍّ ل"هيوغو"؟! ماذا حدثَ خلال نزالكُما في المكتبة؟!
_سأخبِركَ بكلِّ ما تُريدُ معرفته، لم يكن نزالاً بالمعنى الحرفيِّ، سمعتُ حينها بأنَّ "هيوغو" عازمٌ على قتلي وأضعفني ذلك، لم أصدَّق أنَّ أخي يريدُ قتلي فطلبتُ الاجتماع به في المكتبةِ وحدنا، ظننتُ أنَّ فوزي محتوم لكن عندما رأيتُ أخي فقدتُ قدرتي على القتال تماماً، نسيتُ سنيني الأربع في تعلُّمِ المُبارزة، وعندما رأيتُ الموتَ أمامي كذبت، كذبتُ عليه لأنجو، لا أستطيع إخبارَك بالكذبة لأنَّك لن تفهمها.
_أتفهَّمُ ذلك، أنتَ لا تُريدُ إخباري بأسرارِ "هيوغو"، فعلَها "أوشن" معي قبلاً.
ابتسمَ "بنس" بلطفٍ وقال: بخصوصِ "أوشن" بعدَ النِّزالِ كانت مرَّتي الأولى في الحديثِ معهُ وحدي، وأظهرَ لي أنَّه طيبٌ حقاً، لكن كُرهي لهُ منعني من رؤيةِ ذلكَ حينَها، وجدتُّه يتسلَّلُ من أحدِ النوافذ ويقول: مرحباً "بنس"! جلبتُ لكَ بعض الدَّواء والطَّعام، لا بُدَّ أنَّك جائع.
نظرتُ له بغضبٍ بينما أضغطُ على ذراعي النازفة وقلت: ماذا تفعلُ هنا!؟ أنا لا أريدُ رؤيتك!
حشرَ طعاماً في فمِّي وقال بملل: كفاكَ غُروراً، أنتَ تحتاجُ إلى الطعام، آسفٌ لأنَّ "هيوغو" حاولَ قتلك، حاولتُ عدلَه كثيراً عن ذلك لكن لم أفلح، سعيدٌ بأنِّكَ نجوت!
مضغتُ الطعام بغضبٍ وقلتُ له: حاولت عدله؟! أنتَ من أقنعه بقتلِ أمِّي!
_غيرُ صحيح، كنتُ في المُحيطِ عندما ماتت وتفاجأتُ مثلكَ عندما وجدتًّ أنَّه قتلها.
_كنتَ في المحيط؟!
أخبرني "أوشن" بعدَها كلَّ شيءٍ عن رحلة الصيد وتحدَّث كثيراً بينما انشغلتُ أنا بتناولِ الطعام، وجَّه لي سؤالاً فجأة: هل تريدُ مُرافقتي في الرحلة؟ حاولتُ إقناعَ "هيوغو" مراراً لكنَّه رفض
قلتُ ببرود: تُحاولُ اصطحابَ "هيوغو" إلى المحيط؟! أنتَ لا تعرفُ شيئاً عنه.
أجابني "أوشن" بغضب: بل أعرفُ الكثير، لقد أخبرني كلَّ شيءٍ عنه وعن عائلته وعن حياته السابقة، اسمع.. وفقاً لما سمعتُه عنكَ فأنتَ تبدو لطيفاً، لا أستطيعُ التصديقَ بكونِكَ مجرم، أنتَ شقيقُ "هيوغو" وأريدُ أن أكونَ صديقك تماماً كما كنتُ صديقه، أخبرني ماذا حدثَ معك في الخارج؟ لماذا قتلتَ أختك؟!
صُعقتُ من كلِّ شيءٍ قاله، لماذا يُخبِرُه "هيوغو" بكلِّ تلكَ الأشياء عن نفسه؟ "هيوغو" الذي لم يفتح قلبَه لأحدٍ يوماً سوى شخصٍ واحد وقد ندِمَ أشدَّ الندم على ذلك، فما بالُه يخبرُ هذا الغريبَ بكلِّ تلكَ الأشياء؟ وكم آلمني أنَّهُ سألني السؤالَ الذي رغبتُ بشدَّةٍ أن أسمعَه من أخي، لم أتمالك نفسي وأخبرته بكلِّ شيءٍ حدثَ منذُ تُركنا وحدنا في الخارج، قال "أوشن" بفزع: لا أصدِّق! ارتكبَ "هيوغو" خطأً فظيعاً بمحاولةِ قتلك! يجبُ أن أخبِرهُ بذلك! يجبُ أن أخبرَهُ بما حدث!
_لا تفعل! صرختُ بينما أمسحُ دموعي، إن لم يسألني "هيوغو" عن ذلك لا أريدُه أن يعرف! هوَ لا يهتمّ!
_لكن هذا خطير! سيُحاولُ قتلكَ مجدَّداً فأنتَ مجرم!
صحتُ بفزعٍ: ومن قالَ بأنِّي لستُ كذلك؟! لقد قتلتُ الكثيرَ منذُ قُدُومي إلى هنا! ثمَّ التقطت السيف بجانبي وتابعت بينما أرتجف: هذا السيف قتلَ الكثير!
أخذَ "أوشن" السيف منِّي وقال بحزم: تماماً السيفُ فعلَ وليس أنت، إن أخفيتَ هذا السيف عن ناظريَك فستختفي الأرواحُ التي قتلها كذلك، ثُمَّ نهض وتابع: والآن يجبُ أن أخبرَ "هيوغو" بقصَّتك كيلا يقتلُكَ عن طريقِ الخطأ.
_هو لن يفعل.. أنا مُتأكدٌ من ذلك لذا لا تُخبره..
_ما الذي يجعلُكَ مُتأكِّداً؟! أنا آسفٌ لكن يجب عليَّ إخبارُه.
غضبتُ كثيراً وقتها بسبب عِنادِ "أوشن" وصحتُ فيهِ بغضب: لن أسامحكَ أبدَ الدَّهر إن فعلت! إن فعلتَها فسأقتُلكَ فورما أراك!
نظرَ إليَّ "أوشن" بنظراتٍ غاضبة وقالَ بحزنٍ لم أفهمه: أخشى أنَّنا لن نكونَ أصدقاء أبداً.
غادرَ بعدَها وإلى الأبد، عرفتُ أنَّه أخبرَ "هيوغو" بقصَّتي بالفعل لكنَّه لم يأبه بها ومنعَهُ كبرياؤه من الاعتراف بخطأه، جعل ذلك غضبي تجاه "أوشن" يزداد وكرهتُه أكثر، وبطبيعةِ الحال لم يعد إلى المكتبةِ بسبب كلامي عن كوني لن أسامحه وسأقتله، أغلبُ الظنِّ أنَّ هذا سببُ ظنِّه بكوني أكرهه لكن كرهي له قد خفَّ منذُ زمن وقد زالَ تماماً عندما أخبرتني أنتَ عنه، قرَّرتُ تنفيذ نصيحةِ "أوشن" الغريبة وحفرتُ سرداباً وخبَّأتُ السيف فيه، ثمَّ عزلتُ نفسي داخل المكتبة ومنعتُ أيَّ شخصٍ من الدخول، فقد كنتُ قويَّاً، كان سببُ عزلي لنفسي كي أحميَها من التأثُّرِ بمجرمي الجزيرة والتحوُّلِ لأكونَ مثلهم، فأغلبُ الظنِّ أنَّ هذا ما حدث مع "هيوغو"، رمَّمتُ المكتبة وتعلَّمتُ فيها عدداً لا مُتناهياً من الأشياء، كنتُ قد تعلَّمتُ القراءة سابقاً في الميتم، والآن ما رأيك؟ هل أعجبتك قصَّتي؟
_جدَّا! قال "راي" بحماس وكذلكَ "غانبو" التي كانت مرَّتها الأولى لتسمعَ بمُغامرةِ "بنس" في الجزيرة، تابعَ "راي": أخبرتُكَ بأنَّ "أوشن" شخصٌ رائع! لقد مدَّ لكَ يدَ المُساعدة عندما تمنيَّت أن تحصل عليها من أخيك، رغم أنَّك فهمتَ ذلك بطريقةٍ شريرة لكن سعيدٌ أنَّ نظرتكَ تغيِّرت في النهاية، وفضَّلَ إخبارَ "هيوغو" بحقيقةِ براءتك لحمايتِك على أن يكونَ صديقاً، وكانَ هوَ صاحب فكرة إخفاء السيف كذلك! لطالما كان "أوشن" غريباً! السَّيف هو من تسبَّبَ بقتلِ الأرواحِ لا أنت؟ كان يجبُ أن أتوقَّعَ أنَّ إشاعةً غريبةً كهذه قد تخرجُ منه، اعتاد نسبَ أسباب الأحداث للأشياء لا البشر، والآن كيفَ أعبِّرُ لكَ عن ندمي أنا كذلك؟ لقد أخطأت في حقِّكَ كثيراً.
_بشأنِ ذلك، ظللتُ طوالَ الأسبوعِ أجمعُ مخطوطاتٍ من أجلكَ فقد كنتُ واثقاً من عودتك، هل ستُساعدُني بكتابتِها؟ سيكونُ ذلكَ مُناسباً للتكفيرِ عن ذنبك.
_طبعاً سأفعل!
لم ينزعج "راي" أبداً من كلِّ ذلكَ العملِ الكثيرِ في انتظاره، بل ابتسمَ بسعادةٍ وأردف: _بالنَّسبةِ ل "جين".. هل تسمحُ له بدخولِ المكتبة أيضاً؟
_أنا مُتأكدٌ من أنَّهُ لن يرغبَ بذلكَ لكن حسناً، بصراحة ذلكَ الفتى لا يُعجبُني إنَّه يكذبُ كثيراً، لكن مثلما قلتُ سابقاً أنا أثقُ بنظرتِكَ في الأشخاصِ لذا لا بأس.
لم يُجبه "راي" واستمرَّ بالابتسام، "جين" دوماً يُعطي انطباعاً أوَّلَ خاطئاً و"راي" ليسَ بوسعه القيامُ بشيءٍ للدِّفاعِ عنه، أحنى "بنس" رأسَه وقال بهمس: يجبُ أن تشكرَ "غانبو" لاحقاً، كانت عاملاً أساسيَّاً في تهدئتي.
_سأفعل! لماذا أنتُما مُقرَّبانِ جدَّاً بالمناسبة؟!
ابتسمَ "بنس" ابتسامةً غامضة وقال: لنقل فقط أنَّنا.. مُتشابهان، صمتَ لبُرهةٍ ثُمَّ تابعَ مُغيِّراً الموضوع: والآن بعد أن حصلتَ على سيفكَ الأوَّل، هل ترغبُ في أن تحظى بشرفِ مُنازلتي؟
ضحِكَ "راي" بقوَّة وقال: أنا لستُ مُهتمَّاً بالسُّيوفِ بعد الآن، لقد حصلتُ على كفايتي منها!
***
بعد انقضاء النهار وحلول المساء عاد "راي" و"غانبو" ليرويا ل"جين" كلَّ ما حدثَ معهما، دونَ أن يغفلا تفصيلةً واحدةً ممَّا قاله "بنس".
_جيدٌ أنَّ الأمورَ حُلَّت مع "بنس"، يبدو أنَّكما قضيُتما وقتاً مُمتعاً.
_جدَّا! ألم تقضي وقتاً ممُتعاً أنتَ أيضاً؟! ماذا حدثَ في اتِّفاقية السلام تلك؟
تأفَّفَ "جين" بعدما تذكَّر تحطُّم أحلامه، "هيوغو" لن يُعفيه من العملِ أبداً، قال بخيبة: لم يكن الأمرُ مُمتعاً أبداً، ولا حتَّى مُهمَّاً، وأيضاً البنود غريبة، تبدُو وكأنَّها خدعةٌ من نوعٍ ما، لكنَّ الأغرب في الأمرِ أنَّ أحداً لم يًلاحظ ذلك مثلما فعلت.
_ومن كانَ زعيمُ الوشومِ السوداء؟ بطلَهم المزعوم؟
_لا أعرفُه.. كان مُجرَّد رجلٍ ضخم، لكن بالتَّفكير بالأمرِ الآن فشعرُه يُشبه شعرَك
قالها "جين" بقمَّةِ اللامبالاة بينما تسمَّرَ "راي" في مكانه، هل يكونُ زعيمُ الوشومِ السوداء هو والده؟! كان قد نسيَ فكرةَ وجوده على قيدِ الحياةِ أصلاً، تابعَ "جين": _لكنَّه كما وصفتَه ب (بطلِهم المزعوم)، أتعرفُ ما يعنيهِ هذا؟ إنَّهُ يعني أنَّ سيفَ الفارس "بنس" باتَ بلا قيمة، بِوسعك َالتجوُّل بهِ بأريحيةٍ هكذا.
أجابه "راي" بتردُّد: بخصوصِ ذلك.. لقد أعدتُ السَّيفَ ل"بنس"، وأعدتُ السيفَ الآخرَ لصاحبهِ أيضاً..
_ماذا؟ صرخَ "جين"، لماذا فعلتَ ذلك؟ قد أفهمُ الأمرَ بخصوصِ سيفِ "بنس" لكن السيف الاخر! لماذا؟ لقد ربحتَهُ بنزالَ!
_حسناً.. لقد تعلَّمتُ الكثيرَ من الأشياءِ هنا، القراءة والكتابة تعلَّمتُ استخدامَ الخناجر والسكاكين وأخيراً السُّيوف، لكن الآن فلنقل أنِّي مهتمٌّ بتعلُّم شيءٍ أكثرَ شاعريَّة من القتال، خصوصاً بعدما باتت الجزيرةُ بحالةِ سلام..
قال "بنس" باشمئزاز: عن أيِّ هراءٍ تتحدَّث؟
_يقولُ "بنس" دائماً بأنَّ خطِّي جميل.. أريدُ أن أصيرَ خطَّاطاً
ظلَّ "جين" في حالة صدمة للحظات وبعدها انفجر ضاحكاً:0
_في كلِّ مرةٍ تُبهرني بأحلامك يا "راي"!
احمرَّ وجهُ "راي" غضباً وقال: لستُ أمزح!
نظرت "غانبو" ل"جين" الضَّاحك بحدَّة وقامت بتشجيعِ "راي"، إنَّها تقومُ بدورِها كأختٍ كبرى على أكملِ وجه، تابع "جين" بجديَّة بعدما خفَّ ضحِكُه: ومن قال بأنَّكَ لن تحتاجَ إلى القتال؟ "تيدي" مازالَ طليقاً يُطاردنا للحصولِ على خنجره.
_نعم.. بخصوصِ ذلك، تردَّدَ قليلاً ثُمَّ تابع: سأعيدُ له خنجرَه
_ماذا؟ أصابت الصدمةُ "جين" وصاح، بعدَ كلِّ هذا الوقت في حمايةِ الخنجر تقولُ بأنَّك ستُعيدُه بتلكَ السُّهولة؟
_بصراحة لم أشعر يوماً بأنَّ "تيدي" يُطاردُنا لأجلِ الخنجر، فقد حصلَ على فرصٍ كثيرة ليأخُذَه ويهرب لكنَّه لم يفعل، وكأنَّ لديه حافزاً أكبرَ يُحرِّكُه
أمعنَ "جين" التفكيرَ فيمَ قالَهُ "راي" بجديَّة، فأحاسيسُ "راي" غالباً تُصيب، جرَّبوا هذا كثيراً من قبل، لكنَّهُ لم يجد تفسيراً منطقيَّاً فأردف: سنُفكِّرُ بهذا غداً، تُصبِحانِ على خير
_تصبحُ على خير.
استلقت "غانبو" في المنتصفِ وعن يمينها "راي" ويسارها "جين"، فرغمَ وعدِ
"راي" السَّابق بكونِه سينامُ في المنتصف، لكنَّ الأمر لم يعد مُهمَّاً بالنَّسبةِ ل"جين"، فبالنسبة لكليهما كانت "غانبو" أختاً كُبرى يحتاجِنِها ولا يستغنيانِ عنها، تنصحُهما عندَ الحاجَّة وتُوبِّخُهما عندما يستدعي الأمر، فخمسُ سنواتٍ بينهم كانت كفيلةً لها لتتصرَّفَ بنضوجٍ مُقارنةً بهما، ضمَّتُهما إليها ولم يرتح لها جفنٌ إلا بعدَ أن علِمت أنَّ كلاهُما غرِق في أحلامٍ سعيدة.
viloeto7789