كانَ كلٌ من "جين" و"غانبو" و"راي" وخلفَهُما حشدٌ من الأطفال، مُجتمعِينَ على قبرِ "بنس" الوهميِّ، حفروا له قبراً خلفَ المكتبة لتظلَّ ذكراهُ محفورةً في قلوبهم بينما رُميت جُثَّتُه في المحيط، كان "هيوغو" حريصاً على التخلُّصِ من جُثَّةِ "بنس" كيلا يُنكِّلَ الآخرون بجُثَّتِه، هذا الفارسُ الذي قتلَ كبرياءَ الجميعِ كونَ أحداً منهم لم يستطع تجاوزَ حدودهِ لسنوات.
كانت "غانبو" تبكي بصمتٍ بينما "راي" بكى بحُرقة، أمَّا "جين" فرغمَ حُزنهِ لم يكن من النَّوعِ الذي يذرفُ دُموعاً، كانَ قويَّاً ومُتماسكاً لأجلِ أصدقائه.
بدأ أحد الأطفالِ الكبار يُلقي خُطبةً أمامَ قبرِ "بنس" وصنعوا طابوراً ليضعَ كلُّ طفلٍ وردةً وهميَّةً على القبرِ الوهميِّ، ثُمَّ تفرَّق الجميع، قالَ "راي" بصوتٍ مُختلطٍ بالدُّموع: كيفَ حدثَ هذا!؟ لم يكن يبدو وكأنَّه سيموتُ قبل شهرٍ من الآن!
_هوَ لم يمت مقتولاً فجسدُه خالً من الجروح، على الأرجحِ مرضٌ مجهولٌ فتِكَ به..
لم يُعِر "جين" اهتماماً كبيراً لبؤسِ "راي" بجوارِه، فقد كانَ يعلمُ بأنَّهُ سينسى موتَ "بنس" تماماً كما نسِيَ جميعَ الأمواتِ من قبله، كانت ل"راي" قُدرةً عجيبةً على التأقُّلمِ مع أيِّ شيءٍ يحدثُ في حياته، ونسيانِ كلَّ ما يُحزِنُه من أحداث.
***
بعدَ موتِ "بنس" عاثَ الفسادُ في ارجاءِ المكتبة، دخلَ المُجرمونَ وحطَّموا كُلَّ الرفوف، وجمعوا عدداً هائلاً -ما استطاعوا نقلَه- من الكُتبِ وأحرقُوها بنيرانٍ مُلتهِبة في مُنتصفِ الجزيرة، كإشارةِ تهديدٍ لأيِّ شخصٍ يُحاولُ تحدِّيَهم مُستقبلاً، لكن بعدَ توالِي الأسابيع والشهور نسِيَ المُجرمونَ انتقامَهُم من "بنس"، وعادت الحياةُ إلى مجراها، فسنحت الفُرصةُ للأطفالِ الكبارِ الذينَ حملوا إرادةَ "بنس" معهم بإعادةِ ترميمِ المكتبة، كانت "غانبو" أحدَ قادةِ تلكَ الحملة و"جين" كانَ جُزءاً منهم، فهوَ لم يُحبَّ المكتبة لكنَّهُ كانَ مُتفرِّغاً وأرادَ إشغالَ نفسه، أمَّا سببُه الخفيِّ فكانَ إعجابَهُ الشديد بتصدِّي "بنس" للمُجرمين على مدارِ سنين، ووجهُ "بنس" الخلَّاب كذلك، أمَّا "راي" فلم يجرؤ على دخولِ المكتبة وهيَ على تلكَ الحالة، حتَّى وإن مرَّت ثلاثُ شُهور فهوَ لم يتخيَّل فكرةَ دخولِ المكتبة فلا يجدُ "بنس" مُستلقِياً على جانبِ الباب..
_يجبُ عليكَ أن ترى المكتبةَ يا "راي"! منظرُها باتَ كما كانَ قبلَ موتِ "بنس" تماماً! أعني.. صحيحٌ أنَّ أكثرَ من نصفِ الكُتبِ والرُّفوفِ مفقودةٌ لكنَّنا عوَّضنا هذه المُشكلة، صارَ الطَّابقُ الأرضيُّ ساحةَ استقبالٍ شبه فارغة لكنَّها جميلة، ونقلنا كُلَّ الكُتبِ والرُّفوفِ إلى الطابقِ العُلويِّ.
سألَ "راي" الذي كانَ يُمسِكُ كتاباً يُطالِعه، أحدُ الكُتبِ التي استطاعَ إنقاذها من الحريق: وماذا حلَّ بالسِّرداب؟
استغربَ "جين" السُّؤالَ وقال: لم يمسسهُ أحدٌ من المُجرمين، لم يعلموا بوجوده، السَّيفُ والصُّندُوقُ بداخلِهِ الألبوم في مكانِهم كما هم، نظَّفنا المكانَ من الغُبار وأغلقناهُ كما كان.
_حسناً، سآتي لزيارةِ المكتبةِ بعدَ إنهاءِ هذا الكتاب، فيجبُ عليَّ إعادته.
مُتجاهلاً نبرةَ "راي" الباردة، ابتسمَ "جين" بصدقٍ وقال: هذا جيد!
***
في أحدِ أيَّامِ شهرِ نوفمبر، حانَ الوقتُ بالنَّسبةِ لهذا الثُّلاثيِّ لتُجربةِ جهازَ اتِّصالِهم مع العالمِ الخارجيِّ، قال جين: إنَّهُ جاهزٌ منذُ مُدَّة، لكن كليكُما كان مشغولاً وأنا لم أجرؤ على تجربته بمُفردي.
ابتسمَ "راي" لحماسِ صديقه وقال: اشرح لي مُجدَّداً، مالذي سيفعلُه هذا الجهاز؟
_سيتِّصلُ بنُسخَتِه الأخرى، في العالمِ الخارجيِّ! مِنَ المُفترضِ أن تكونَ بحوزةِ أبي وإخوتي، هذا فقط إن كانت بحوزتِهم..
استبدلَ "جين" الجُملةَ الأخيرة بجُملةِ (إن كانوا أحياء)، لم يُهيئ نفسَهُ بعد لتلكَ الاحتماليَّة، بدأ الجهازُ الذي بدا كهاتفٍ نقَّال بالعمل، مرَّت مدةٌ طويلة ولم يُجب أحد.
سأل "راي" بقلق: هل الهوائيُّ يعمل؟ ربما هوَ مُعطَّل.
رفعَ "جين" الجهازَ عالياً وقلَّبهُ يفحصُه وقالَ بضجر: لا لا كلُّ قطعِ الغيار سليمة.
_مرحباً..
التفتوا جميعاً لهذا الصَّوتِ المُتردِّد الذي سمِعُوه، حتماً لم يكن صوتَ أحدٍ منهم، امتنعوا عن التنفُّسِ جميعاً بعدما أمرَهم "جين" بالتزامِ الهدوء، سيتحلَّى بالحذرِ حتَّى آخرِ لحظة فقد يكونُ الجهازُ بحوزةِ شخصٍ آخر، تابعَ الصوتُ بتردَّد:ا
_أخي "جين".. أهذا أنت؟
لم يستطع "جين" تمالُكَ نفسه، وتجاهلَ حقيقةَ أنَّ هذا الصوتَ ليس شبيهاً بصوتِ أخيهِ الذي لم يسمعه منذُ أكثرَ من أربعةِ أعوام، لا شكَّ أنَّهُ تغيَّر وكبُرَ كثيراً.
_إنَّهُ أنا! أنا "جين"! هل أنتم جميعاً هناك في الخارج؟! هل استطعتُم الوصول..
_أنا.. أنا وحدي، هل ستأتي لِتجتمعَ بي؟
اغرورقت عينا "جين" بالدُّموع وقال بحرقة: أينَ أنتَ يا أخي؟! أينَ أنت!
تلا الصوتُ على الجهةِ الأخرى عِنواناً دوَّنتُه "غانبو" على الرِّمالِ وحفِظَهُ "جين" برُوحِه وقلبه.
_هذهِ دارُ الأيتامِ التي أمكثُ فيها، أرجوكَ تعالَ في أسرعِ وقت!
قبلَ أن يُكملَ أيٌّ منهُما الحديث انقطع الاتِّصال، مسحَ "جين" دُموعَهُ التي باغتته وراقبَهُ راي بحيرة، كانَ قبلَ تلكَ اللَّحظة نسيَ أنَّ لدى "جين" مشاعر وأنَّهُ أيضاً قادرٌ على البُّكاء، سألَ "راي" أخيراً فلم يجرؤ قبلاً على التدَّخلِ بتلكَ المُحادثةِ العائليَّة: هل نتَّصلُ ثانيةً؟
_لا.. هذا يكفي، إن حاولَنا الاتِّصال مُجدَّداً قد يحدثُ مكروهٌ للجهاز.
وتابعَ بعدَ لحظاتٍ بشوقٍ ملأ رُوحَه: أخي هُناكَ في العالمِ الخارجيِّ ينتظرُ قُدومي!
بينما تبادلَ "غانبو" و"راي" نظراتِ الشَّفقة والخيبة، أيُّ معجزةٍ هذه التي ستأخذُ بهم للعالم الخارجيِّ؟!
***
للأسبوعينِ التاليين، حاولَ "جين" التواصلَ مع أخيهِ مُجدَّداً، لكنَّ مُحاولاتَهُ باتت بالفشل، لم يُقلقِهُ الأمر بل كانَ مُطمئناً لعلمِه بأنَّ أخاهُ حيٌّ على الأقلِّ، حصلَ ذاتَ نهارٍ على دعوةٍ من "هيوغو" لمكتبه، أثارت تلكَ الدَّعوةُ استغرابهُ كثيراً فقد ظنَّ أنَّ مهمته الأخيرة تبعدُ شهرينِ على الأقلِّ، دخلَ مكتبَ "هيوغو" وكلُّه حيرةً فقال: _ظننتُ أنَّ موعدَ مهمتي الأخيرة لم يحن بعد..
_الأمورُ تغيَّرت الآن.. هل استطعتَ التَّواصلَ مع عائلتك؟
أجابَهُ "جين" بحزم: مرةً واحدةً فقط، إنِّهُم بانتظاري! بعد مُغادرتِكَ لهذا المكان سيزولُ خطرُك وسأجدُ طريقةً للهرب.
قالَ "هيوغو" ببرود: هذا فقط إن غادرت.
تعجَّبَ "جين" وسأله: هل فقدتَ ثقتَك فجأة؟!
_فقدتُ الرَّغبة.. عُموماً هل أنتَ مُستعدٌّ لمهمتك الأخيرة كحاصدٍ للأرواح؟
_نعم أنا كذلك!
_إنَّها مهمةٌ ثقيلة، لكنَّكَ أنتَ من سيُحدِّدُ صعوبَتها، حانَ الوقتُ لكَ لتختار بين أصدقائكَ وأنانيَّتك.. ناقشنا هذا الأمرَ منذُ زمن
أجفلَ "جين" ممَّا سمِعَه وقال بعزمٍ: حاصدُ الأرواحِ لا يقتلُ إلَّا ذوي العلامة السوداء!
_لم أطلب منكَ شيئاً غيرَ ذلك، مهمتك هيَ هذهِ الفتاة، ستبلغُ السادسةَ عشرةَ قريباً وأظنُّ الوقت قد حانَ لحصادِها، تركتُها تعيشُ لمدَّةٍ طويلة..
ازدرد "جين" ريقَهُ بصعوبة بعدَ رؤيتهِ لصورةِ "غانبو" موضوعة أمامه، لطالما حاولَ إنكار حقيقة "غانبو" وأنَّها بعلامةٍ سوداء، لم يرغب قطُّ بالتَّفكير باليوم الذي سيتمُّ اصطيادُها فيه، لكن ها هوَ ذاكَ اليومُ يأتي لِتصفعُه الحقيقة، سألَ "جين" بارتباكٍ: هذه؟؟ هيَ بعلامةٍ سوداء؟
لاحظَ "هيوغو" مُحاولةَ "جين" ادِّعاءَ الجهل، لكنَّهُ تجاهلَها ولم ينزعج، أشياء أسوأ بكثير تُزعِجُه، بلا شكَّ لاحظَ "جين" وكلُّ شخصٍ على الجزيرةِ ذلك، منذُ موتِ "بنس" و "هيوغو" ليسَ طبيعيَّاً، لم يُشارك بتدميرِ المكتبة رغم أنَّهُ أكثرُ من استماتَ لدُخولِها سابقاً، كانَ مُرهقاً ومُجهداً من التَّفكير، وهالاتُه سوداءُ من الأرق.
_ألم تعلم ذلك؟ هيَ من أسوأ المُجرمينَ هُنا، جلبوها في عمر العاشرة بعدما أحرقت أخاها الرَّضيع واقتلعت عينَ أختِها الصُّغرى.
شعرَ "جين" بالصدمة، بل هذه كلمة ضعيفة لوصفِ شُعوره.
_هذا.. هذا مستحيل! أنا أعرفُها منذُ أربعةِ أعوام! هي لن تؤذي نملة!
أجابَهُ "هيوغو" بضجر: هل سنستمرُّ بهذا الحديث؟ أنتَ مجبرٌ على أدائها بغضِّ النَّظرِ عن رأيك، منذُ متى أستشير رأيكَ فيمن نقتُلهم؟
كانَ "جين" ما يزالُ غارقاً في شُعوره، عادَ "هيوغو" يسأله مُستغلَّاً مشاعرَ "جين": هل تستطيعُ فعلَها؟ إنَّها مجرمة، ستفقدُ حياتك إن لم تفعل، فكِّر بالأمر.. أيُّهما أهمَّ؟ حياةُ تلكَ المُجرمة أو حياتُكَ ومُقابلةُ عائلتك؟
تماماً كما توقَّعَ "هيوغو" فإنَّ ذكرَهُ لعائلةِ "جين" قد أثَّرَ كثيراً في قراره، دفعَهُ الحزمُ الذي انتابُه للتوقُّفِ عن التَّفكيرِ بالأمر، قالَ بعدما حزمَ قراره:
_سأفعلُها! سأقتلُ هذه المُجرمةَ وأذهبُ للِّقاءِ عائلتي، متى تُريدُ منِّي فعلَها؟
أجابَهُ "هيوغو" ببرودٍ وذرَّة من الانتصار: في الوقتِ الذي تراهُ مُناسباً.
_سأستدرِجُهاإليكَ لتقتُلَها قريباً! ستكونُ المهمةَ الأسهلَ على الإطلاق!
viloeto7789