وسطَ الظلامِ سارَ "هيوغو" والأفكارُ تتخبَّطُ في رأسه، عادَ إلى مكتبِهِ فوجدَ المكانَ على حالِه كما تركَه، المكانُ مُحطمٌّ بالكامل، كانَ هذا ما فعلَهُ عندما أدركَ خيانةَ "جين" له، لكن الآن لديهِ أمورٌ أهمُّ بكثير ليهتمَّ بشأنِها، هل رحلت قلادتُه العزيزةُ للأبد؟ القلادة التي كانت هديَّةً من "بلموت"، "بلموت".. لماذا لا يزالُ يهتمُّ بأمرِها؟ حتَّى بعدَ كُلِّ ما حدث، هوَ لا يستطيعُ نسيانَها، خصوصاً بعدَ الأملِ الكاذب الذي منحَهُ لهُ "بنس" بشأنِها، فكَّرَ مليَّاً، ربما فقدانُ هديَّةِ "بلموت" للأبدِ سيكونُ أفضلَ له، لكن إن كانَ سيتخلَّى عنها للأبدِ فهوَ على الأقلِّ.. يُريدُ تذكُّرَ حُبِّهما الفاشلِ للمرَّةِ الأخيرة..
***
تساقطت الأوراقُ وتداعت الأغصانُ مُعلِنةً هُبوبَ رياحِ نوفمبر العاتية، اعتادَ "هيوغو" العيشَ في بلدةٍ ريفيَّةٍ مُسالِمة، لكنَّها كانت أكبرَ مِنَ البلداتِ المُجاوِرَة، تأمَّلَ "هيوغو" خريفَهُ الخامسَ عشر بشوقٍ حقيقيِّ، لو رأى أحدٌ منظرَهُ آنذاك لقالَ أنَّهُ عاشقٌ للخريف لكنَّهُ ليس كذلك، هو عاشقٌ للونِ الأوراقِ الكستنائيِّ كلونِ شعرِ "بلموت"، صديقةُ طُفولتِه التي كانت حُبَّهُ الأبديِّ، يرى ذِكراهُما الأولى كأنَّها كانت البارحة، تقابلا على الأرجوحة منذُ عقدٍ من الزمان نمت فيه صداقتُهُما وتالياً حُبُّهما، أو ربما حُبَّهُ وحدَه، كانَ قد اقتنعَ بشكلٍ تامَّ بأنَّهُ وُلِدَ وحُبُّها في قلبه، عادَ المُراهقُ الغارقُ في الحبِّ ذلكَ المساء من المدرسة، ووجدَ عائلتَهُ كُلَّها بانتظاره على طاولة العشاء، كانَ بيتاً صغيراً يُعطي هالةً رماديَّة، جلسَ والدُهم على رأسِ الطاولة وقد كانَ رجلُاً خشِنَ المظهر يرتكزُ عُكَّازَهُ على الطاولة، استعملَهُ في السير تارةً والضربِ تارة، سألَهُ والده بهدوء: لماذا تأخَّرت؟
أجابَهُ "هيوغو" بحماسٍ وقد وضعَ حقيبتَه: لقد كنتُ مع "بلموت"! لكنَّ حماسَهُ قد خمدَ بعدما أدركَ نظرةَ الاستياءِ على والدِه فتابع: كُنَّا نُراجعُ دُروسَنا..
تدخَّلَ "بنس" في النِّقاشِ وقد كانَ بشعرٍ أشعث وبشرةٍ مُتسِّخة.
_"هيوغو" يكذب! هما لا يتحدَّثانِ عن الدِّراسةِ أبداً!
لم يأبه أحدٌ باعتراضِ "بنس" الذي بدا وكأنَّهُ شخصيَّةٌ غيرُ مهمة، استقرَّ "هيوغو" على موقِعِه في الطاولة وقد كانَ الكُرسيَّ المُنفِردَ المُقابلَ لِوالده، في الحالاتِ الطبيعيَّة يُفترضُ بهذا المكانِ أن يكونَ حقَّاً للأمِّ، لكن في هذه العائلة فالموازينُ مُختلِفة، قال الوالد: لا تسمح لها بإلهائك عن دراستِك.
كانَ "هيوغو" مُنغمساً بتناولِ الطعام فقد كانَ جائعاً منذُ الصباح، قال: هذا مُؤكَّد! إذا بدأت علاماتي بالتُّراجع فسأبتعدُ عن "بلموت" دونَ حتَّى أن تقولَ لي.
وقد كانَ "هيوغو" مُحقَّاً، فقد امتلكَ القدرةَ على المُوازنةِ بين حياته الاجتماعيَّة ودراسته، فقد كانَ شعبيَّاً لكنَّهُ لم يُعر أحداً اهتماماً سوى "بلموت" التي لم تكن مُهتمَّةً بهِ على نحوٍ خاص، بل كانَ مُجرَّدَ صديقٍ تتسلَّى به، غادرت والدةُ "هيوغو" دونَ أن تجلسَ على المائدة حتَّى، بينما أنهى "بنس" وأختَهُ طعامَهُما على عجلٍ وتبِعاها، لم يُلاحظ "هيوغو" مُغادرتهم إلا بعدَ مُدَّة فسأل: لماذا غادروا؟
_تضامُن..
لم يحتج "هيوغو" كلمةً أخرى لِيفهم، ولم يُزعج والدُه نفسَه لشرحِ المزيد، لا شكَّ أنَّ الأمَّ تعرَّضت للتعنيف مجدَّداً والإخوة الصغار يحاولونَ التضامن معها، كانت كل تلك العراكات تحدث و"هيوغو" في المدرسة، وإن كانَ يقضي وقتاً كثيراً بالحديثِ مع "بلموت" فذلِك كيلا يعودَ إلى المنزل فيشهدَ أياً من تلك المشاكل، هو لا يُريدُ إزعاجَ نفسه، لم يكره "هيوغو" والدَهُ ولم يُحبَّهُ أيضاً، لكن حتماً بالنَّسبةِ لوالده كانَ هوَ الفردَ في أعلى الهرم، رأى والدُه فيهِ سبيلاً لتحقيق أحلامٍ عجِزَ عن تحقيقِها، و"هيوغو" الذي لم يمتلك طُموحاً لم يُمانع أن يكونَ دُميةً تُحقِّقُ أحلامَ والده، وعلِمَ أيضاً أنَّهُ بعيشِه هذا الدور فإنَّهُ سيحصلُ على امتيازاتٍ أكثر كحُصَّةِ طعامٍ أكبر في عائلةٍ فقيرة، وكانَ هوَ الوحيدَ الذي لم يضربهُ والدُه قط، ليسَ حُّباً في ابنه بل لأنَّ "هيوغو" لم يستدعي يوماً سبباً لضربه، فقد كانَ مُطيعاً ووالدُه أصلاً لم يُزعجه بالكثيرِ من الطلبات، كلُّ ما طلبَهُ منه هو السَّعي في تحقيقِ حُلمه الدراسيَّ.
عادَ إلى غُرفتِه في بيتِهم الصغير المُكَّون من غُرفتين، حصلَ "هيوغو" على إحدى الغرفتين وطرد إخوتَهُ لِيناموا خارجَ الغُرفةِ على الأرض، وليسَ هذا امتيازَهُ الوحيدَ فقط، فقد حصلَ "هيوغو" على سرير! كانت تلكَ رفاهيَّةً عظيمة لم يحصل عليها سواهُ في العائلة، فقد سبقَ وأقنعَ والدَهُ بأنَّ النَّومَ على الأرضِ لا يُساعِدُ عقلَهُ على التَّفتُح، ولم يأبه بحقيقة أنَّ عائلتَه تخلَّت عن الكثيرِ من وجباتِها لجلبِ سريرٍ له، لكن هو فقط أزعجَتهُ فكرةُ أن تعرفَ "بلموت" بِكونِه ينامُ على الأرض وهيَ تنامُ على سرير، لم يُرد الشعورَ بأنَّهُ فقيرٌ غيرُ جديرٍ بها، فقد أخفى حقيقتَهُ عنها جيِّداً، كانت تعيشُ على بعُدِ شارعينِ منه ولم تكن ممَّن يعلمونَ عن حالةِ عائِلته الاجتماعيَّة أو الماديَّة، كانت تلكَ العائلة هيَ أكثرَ شيءٍ يكرهُهُ "هيوغو"، أرادَ تحطيم أيَّ رابط أو عاطفة يربطُه بأمِّه وإخوته، لكنَّهُ لن يُنكرَ أنَّهُ يرى أنَّ أختَهُ قليلةُ الكلامِ لطيفة، وأنَّ "بنس" مخلوقٌ لطيفٌ كذلك رغمَ كُلِّ إزعاجه.
في اليومِ التالي، انتظرَ "هيوغو" بلموت خارجَ المدرسة لحوالي نصفِ ساعة، وتجاهلَ سربَ الفتياتِ اللاتي حاولنَ الحديثَ معهُ وقتَها، خرجت بفُستانِها المدرسيِّ بلونِ النَّبيذِ وحولَها مجموعةٌ من الفتيات تفرَّقنَ عنها عندما شاهدنَ فارسَها العزيزَ في انتظارِها، ضحِكت "بلموت" من فِعلتِهنَّ و"هيوغو" الذي ظنَّ أنَّها ضحِكت لرؤيته، اقتربت منهُ وهيَ تقول:
_الفتياتُ في فصلي جميعُهنَّ يتحدَّثنَ عن كوني أسيرُ.. معك! أنتَ تُثيرُ الفُضول.
_ماذا تقصدين؟
كانَ "هيوغو" بلاشكَّ الأوَّل في مدرستِه والأكثرَ شعبيَّة، لكن رفضُه الاقترابَ من أحد جعلَهُ مصدراً للفضولِ والإشاعات، لكن بالنسبةِ له وجودُ "بلموت" يكفي.
_أعني أنَّكَ مثالي، وأنا عاديَّة، لماذا تختارُ فتاةً مثلي إن لم يكن لديكَ بعضُ المشاكل المخفيَّة؟! هذه الإشاعة الجديدة..
ضحِكَ "هيوغو" وقال: نحنُ أصدقاء طفولة! لا تسمحي لتلكَ الإشاعات بإزعاجك، عرفتُكِ قبلَ أن أدخُلَ المدرسة.
توقَّفت "بلموت" فجأةً وقالت: ليست هذهِ الإشاعةُ التي تُثيرُ إزعاجي.. وصلَ لمسامعِ والداي بعضُ الكلامِ الغريب عن عائلتِك، وكما ترى والدي لا يُريدُني أن أسيرَ معكَ بعدَ الآن..
رغمَ ادِّعاءِ "بلموت" للجهلِ بهذا الشأن، لكنَّها لم تجهل وضعَ "هيوغو" بالكامل، بل هي فقط تجاهلتَهُ ففتاةٌ مثلها لم تحلم يوماً ب"هيوغو" يسيرُ معها، هي لم تُضيِّع الفرصة، لكن الآن وبعدَ تدُّخلِ والدِها الصارم قد تتغيَّرُ الأمور، أمَّا "هيوغو" فقد استاء كثيراً لسماعِ ذلك، هل ستُلاحِقُهُ سمعةُ عائلته إلى الأبد؟ حتَّى بعدما بنى مكانةً وشعبيَّةً لنفسه؟ لم يقدر على الغضبِ بحضرةِ بلموت بل ابتسمَ وقال:
_مهما كانَ ما يعتقِدانِه عنِّي، فسأثبتُ لهُما عكسَ ذلك!
وسحبَ يدَها وأسرعَ يسيرُ نحوَ منزلِها، بينما هيَ التي عرفت وجهتَهُ حاولت مُقاومتهُ وقالت: "هيوغو"! ماذا تُحاولُ أن تفعل!
في النهاية لم تُجدي مُحاولاتُ "بلموت" في المُقاومة فوصلا حتَّى منزلِها الذي تكوَّنَ من منزلِين وقد بدا مثاليَّاً ونظيفاً جدَّاً ل"هيوغو"، لكن بالنسبةِ للآخرين لم يكن هذا سوى بيتاً عاديَّاً، طرقَ "هيوغو" البابَ فخرجَ والدُ "بلموت" الذي تعجَّبَ من رؤيةِ "هيوغو" مُمسِكاً يدَ ابنته، ألم يأمرها صباحاً بالابتعادِ عنه؟! ألقى "هيوغو" التحيَّةَ عليهِ وقال: شكراً على دعوتِكُم الطيَّبة للعشاء! أخبرتَني "بلموت" بأنَّكم تُحاولونَ التَّعارف وأنا ممتنٌّ جدَّاً لذلك!
ابتسمت "بلموت" بتوتر لوالدِها الذي رمقَها بنظراتٍ غاضبة، لم تمتلك خياراً سوى مُجاراة كذِبة "هيوغو" التي لم تُمانِعها، دخلوا المنزِلَ الذي كانَ فائقَ النَّظافة والترتيب لكنَّ "هيوغو" لم يسمح لِنفسِه بالانبهارِ بذلك، كانَ واثقاً من قُدرتِه على أن يكونَ مثاليَّاً أمامَ هذهِ العائلة التي تُحبُّ كُلَّ الأشياءِ المثاليَّة، وامتلكَ استعداداً للاحتيالِ فإن لم تتقبَّلُه عائلةُ "بلموت" سينتهي حُبهُ ل"بلموت"، اعتادَ "هيوغو" إظهارَ حُبَّهُ لها علانية والجميعُ كانَ يعلمُ بشأنه، جلسوا على المائدةِ فقالَ "هيوغو" بقمَّةِ الذوق: الطَّعامُ الذي تعدُّه أختُكِ لذيذٌ جدَّاً.
ضحِكَت "بلموت" فقد كانت الوحيدةَ التي فهمت مُحاولتَهُ للتملُّق وقالت: هذهِ أمِّي.
لسببٍ ما كان والدُ "بلموت" غاضباً جدَّاً من مُحاولةِ هذا الفتى الإعجابَ بزوجتِه، ابتسمت الأمُّ بقلقٍ بعدَ مُلاحظتِها غضبَ زوجِها وقالت مُحاولةَ إخفاءَ نبرةِ صوتِها المُتطفِّلة: كيفَ هي والدتُكَ يا بُنيَّ؟ أعني.. لقد رأيتُها تتسوَّقُ قبل أسبوعٍ وكانت.. كانت مليئةً بالكدمات! ثُمَّ سقطت فجأةً ولم تُعاوِد النُّهوضَ إلا بعدَ مُساعدةِ الآخرينَ لها، كيفَ هيَ الآن؟ أصحُّتُها بخير؟
صُعِقَ "هيوغو" ممَّا سمِعَه، منذُ متى كانَ مسموحاً لوالدتِه الخروج والتسوُّق في الشارع؟! فلطالما حبسَها والدُه، وها هيَ عندما تُقرِّرُ الخروج تجلبُ لهم المتاعبَ والإشاعات، وجدَ "هيوغو" شيئاً يقولُه فقال ببعضِ الخيبة: لقد اكتشفتِ سرَّنا يا سيِّدتي.. لم أعتقد أنِّي سأحتاجُ يوماً للبوحِ به..
_أ. أيُّ سر؟!
نظرَ والدُ "بلموت" ل"هيوغو" بترقُّب مُنتظِراً إثباتَ الحُجَّةِ على هذا الفتى وإبعاده عن ابنته، لكنَّ "هيوغو" قال بثقة وحماس في آنٍ واحد:
_والدتي مُمثِّلَة! لقد كانَ ما رأيتِه مشهداً من فيلمٍ سريٍّ يقومونَ بتصويره، جرى التَّصوير من كاميراتِ المُراقبة فهوَ كما قلتُ سري ولا يحبُ على أحدٍ مُلاحظته.
قالت "بلموت" بحماسٍ دونَ انتظار بلعِ طعامِها: أمُّكَ مُمثِّلة؟! هذا رائع!
أجابَها "هيوغو" بفخر: نعم هيَ كذلك، آسفٌ لإخفاءِ ذلكَ عنكِ لكنَّنا في مكانٍ ريفيٍّ وأمِّي لا تُحبُّ لفتَ الأنظار، لذا هيَ تُخفي هذهِ الحقيقة.
حدَّق فيهِ والدُ "بلموت" بغضبٍ عارم لإعجابِ زوجتِهِ وابنته بهذا الفتى، قالَ مُتحدَّياً: _إذاً فأمُّكَ هيَ المُعيلَةُ لعائِلتِكُم؟! كما هو مُتوقَّعٌ من أبٍ عالة لا يبحثُ عن الرزق لأبنائه، بل يترُكُ زوجتَهُ لِتفعلَ ذلكَ عِوضاً عنه.
قال "هيوغو" مُدِّعياً الغضب: والدي ليسَ عالة! بل هو شُجاعٌ مقدامٌ حاربَ جُنودَ العدوِّ ببسالة، ونتجَ عن ذلكَ فُقدانِه لقُدرتِه على المشيِّ بحادثٍ مأساويِّ.. أراهنُ أنَّكَ لا تعرفُ شكلَ البُندِقيَّة يا سيدي! عُموماً يحصلُ والدي على راتبٍ شهريٍّ وهو ما يُعيلنا، أمَّا عملُ أمِّي فهيَ تُحبِّهُ ووالدي لا يمنعُها من فعلِ ما تُحبُّ.
نظرت والدةُ "بلموت" لزوجِها بنبرةٍ تأنِيبيَّة وكأنَّهُ منعَها من فعلِ ما تُحبُّ سابقاً، ولأنَّهُ أيضاً حاولَ إهانةَ والدِ الولد، قالت بإعجاب:
_عائلتُكَ رائعة! ليسَ هذا ما سمعناهُ على الإطلاق!
_ربما لا يبدو علينا الثَّراُء فنحنُ نُحبُّ البساطة، لكنَّ عائلتي مليئةٌ بالمواهب! فأخي الصَّغيرُ لديهِ وجهٌ جميل وأمِّي تنوي إلحاقَهُ بمجالِ التَّمثيلِ معها عندما يكبر.
_وماذا عنكَ أنت؟ سمعتُ أنَّ علاماتِكَ جيَّدةٌ بالمدرسة.
_بالطبع! أنا العقلُ النَّابغُ في العائلة، فقد امتلكَ والدي حُلماً ليكونَ مُهندِسَ طيران، وفعلَ ذلك لكنَّهُ في إحدى المرَّات بينما يختبرُ طائرتَهُ الحربيَّة، وقعت بهِ وحصلَ على قدمٍ يُمنى مشلولة، كان حادثاً أليماً، لذا عهِدَ إليَّ بإكمالِ مِشوارِه من بعده.
لم يكن كُلُّ ما قالَهُ "هيوغو" كذِباً بالمعنى الحرفيِّ، فحُلمُ والدِه واتِّباعُ "هيوغو" لهُ كانَ صحيحاً، لكنَّهُ لن يذكُرَ أنَّ تلكَ الطائرة كانت دونَ ترخيص، وأنَّها تسبَّبت بدخولِه السجن فخرجَ منهُ رجُلا مُختلفاً تماماً لا يعرفُ سوى العُنف فاستخدمَهُ مع عائلته.
_سألتُه "بلموت" وماذا عن أختِكَ الصُّغرى؟
_لم نكتشف موهبتها بعد.. قال "هيوغو" ذلك لكن من داخِلِهِ كانَ مُتأكِّداً بأنَّ والدَهُ ينوي بيعَ أختِهِ لرجلٍ ثريِّ عندما تمتلكُ جسداً مُناسِباً.
سألتَهُ السيِّدةُ "بحماس": وهل أنتَ راضٍ عن طُموحِك؟
_بالطَّبعِ أنا كذلك! فهذا سيُسعِدُ والدي وانا بارٌّ بهِ جدَّاً، لكن ليسَ هذا فقط ما يحلُمُ بهِ والدي، بل هوَ يرغبُ بِدُخولِي إحدى الجامعاتِ المرمُوقة، ثُمَّ ذكرَ "هيوغو" اسمَ جامعةٍ وقد كانَ مُتأكِّداً أنَّها الجامعةُ التي يطمحُ والدُ "بلموت" أن تنتقلَ إليها ابنته، وتابعَ بينما يضغطُ على كلامه: وإن امتلكت "بلموت" طُموحاً مُشابهاً فسيُسعِدُني أن أساعِدَها في ذلك، فكما تعلمُ يا سيِّدي أنا الأوَّلُ في مدرستي!
زفرَ والدُها بغضبٍ فقد تذكَّرَ لِوهلةٍ علاماتِ ابنته المُنخفِضة، والتي لم تكن لِتُخوِّلَها الدُّخولَ لأيِّ جامعة، وقال بضيق: إن كانت هيَ لا تُمانعُ فأحبِّذُ حُصولَها على بعض المساعدة..
ابتسمَ "هيوغو" ابتسامةَ الانتصار وشكرت "بلموت" والدَها على سماحِه بذلك، أوصلتَهُ "بلموت" إلى الخارجِ وقالت بارتباكٍ: أنا أعرفُ بأنَّ كُلَّ ما قُلتَهُ..
قاطعَها "هيوغو" بحماسٍ لِنجاحِ كذبته: كذبة!
_نعم.. لكن لا تقلق ولن أخبِرَ والدي بالحقيقة.
_شكراً لكِ يا "بلموت"، وتأكَّدي من كونِي مُختلف، أنا لا أنتمي لتلكَ العائلة المريضة.
أجابتَهُ "بلموت" بخيبة: نعم.. أتمنَّى ذلك.
عادَ "هيوغو" إلى منزِلِه مُتأخِّراً فوجدَ والدَهُ وجميعَ أفرادِ عائلتِه ينتظرونَه بِغيظ، ضحِكَ "هيوغو" عندمَا رآهم والأطباقُ أمامَهم باردة فهوَ لم يفهم ما هذه العادَّة المُقدَّسة بانتظارِه مهما تأخَّر، قال: لماذا انتظرتُمُونِي؟!
أجابَهُ والدُه بغضبٍ جعلَ "هيوغو" يندمُ على ضحكِه: أينَ كُنت؟!
_كنتُ.. أراجعُ دُرُوسي مع "بلموت".
_حتَّى هذهِ السَّاعة؟!
شعرَ "هيوغو" بالغضبِ فجأة، هل يجبُ أن يذكُرَ السببَ الحقيقيِّ لِتأخُّرِه؟! هل يُخبِرُهم بأنَّهُ كانَ في مُحاولةٍ بائسةٍ لتحسينِ سُمعتِهم التي أفسدُوها وأفسدَوا سُمعتَهُ معهم، قال بغضب وباحَ فيما يجولُ بِخاطِره: نعم! فكما تعلم لديَّ الكثيرُ من الأشياءِ لأدرسَها فهذهِ العلاماتُ لا تجلبُ نفسَها بنفسِها! وبالنَّسبةِ للعشاء تناولتُ طعامي، ولن أتناولَهُ معكم غداً أيضاً لأنِّي سأتأخَّرُ مُجدَّداً وربما لطوالِ الأسبوع فلا داعيَ لانتظاري، وبالمُناسبةِ يا أمِّي كُلَّما تذوَّقتُ طعامَ الآخرين أدركتُ لأيِّ درجةٍ طعامُكِ مُقرف.. وأيضاً لماذا ذهبتِ للتسوُّقِ الأسبوعَ الماضي؟ لقد شوَّهتِ سُمعتَنا بكلِّ تلكَ الكدمات وبِسُقوطِكِ المُفاجئ! امتدَّ خبرُكِ لِثلاثةِ شوارع.
كانت أمُّه غاضبة، لكن ما كانَ بوسِعِها فعلُ شيءٍ سوى مُحاولة بائسة للدِّفاعِ عن نفسِها: لقد اضطررت لذلك! ف"بنس" أرادَ تجرُبةَ حسِّ التمرُّدِ خاصَّتهِ عليَّ، وأختُكَ لا تُجيدُ الحديثَ معنا فكيفَ تُجيدُه مع الغُرباء!؟ وأنتَ طبعاً تقضي النَّهار كُلَّه في الخارجِ دونَ أن نرى وجهك، ما كنتُ لأستطيعُ تحمُّل غضب والدك في حالِ لم يجد شيئاً يأكلُه.. مُخالفةُ أوامرِه أهون!
صعدَ "هيوغو" إلى غُرفتِه دونَ أن يستِمعَ لِمُحاضرةِ أمِّه الغبيَّة، امتلأ بالسَّخطِ على عائلتهِ التي بُلِيَ فيها، ولم يُفكِّر بتداعياتِ ما قالَهُ على والده، أو كم سيكونُ غاضباً..
في أحدِ أيَّامِ الإجازة جلس "هيوغو" على مكتبِهِ تائهاً وعابساً، فهوَ اليومُ الوحيدِ الذي لا يدرسُ فيه مع "بلموت"، كيفَ سيحفظُ هذهِ المعلومات وحدَهُ بعدما جرَّبَ حفظها مع "بلموت"؟ طُرِقَ البابُ ودخلَ "بنس" الذي سألَ "هيوغو" بإحراج:
_كيفَ أبدو..؟
كانَ شعرُه مقصوصاً بطريقةٍ مُستقيمةٍ مُرتبَّة وملابسُه ناصعةُ البيَّاضِ والنَّظافة، زيَّنتهُ كأنَّهُ ملاكٌ من السَّماء، كانَ منظراً لم يعتدهُ "بنس" قطُّ، قال "هيوغو" بسُخرية: مثيرٌ للشفقة..
لم يأبَه "بنس" لكلامِهِ وقال: هيَّا تعالَ لِتُوصِلني! والدي قالَ ذلك.
نزلَ "هيوغو" فهوَ لم يُمانِع حدوثَ شيءٍ يشغلُه عن دراسته، شرحَ لهُ والدُهُ العنوانَ فقالَ "هيوغو" بتأفُّف: إنَّها رحلةٌ طويلة!
ربَّتت الأمُّ على رأسِ صغيرِها "بنس" بِحُنوٍّ وقالت: اعتنِ بنفسِك.
ركِبا قطاراً لِقطعِ المسافة وغادرا البلدة مُتوجِّهينِ نحوَ إحدى المُدنِ القريبة، تأمَّلَ "هيوغو" المُروجَ الخضراء من حولِه بشرودٍ وشعرَ برغبتِهِ بِرؤيتِها مكسوَّةً بالأبيضِ في الشتاء، هل ستسنحُ لهُ الفُرصةُ يوماً لِرؤيةِ "بلموت" مكسوَّةً بالأبيض؟ لاحظَ بعد فترةٍ نحيبَ "بنس" الصَّامت ودَموعَهُ التي أفسدت من نظافة وجهه، قالَ بوجهٍ خالٍ مِنَ العواطف: كفاكَ بُكاءً، لا نُريدُ ظُهورَك بأعينٍ حمراء ومنفوخة في يومِكَ الأوَّل.
مسحَ "بنس" وجهَهُ بِملابسِ "هيوغو" كيلا يُوسِّخَ ثيابَه، شعرَ "هيوغو" بالقرفِ لكن لم يجد حلَّاً آخرَ لذلك، قالَ "بنس" يُقاومُ البكاء: لماذا يقومُ والدي ببيعي؟
_هو لم يبِعك، نحنُ بحاجةٍ للمال.
_لكن أن يقومَ ببيعي لامرأةٍ عجوز! لماذا يتخلَّى عنِّي!
_لا تكن دراميَّاً هكذا، إنَّهُ عقدُ إيجارٍ لثلاثةِ أشهرٍ وبعدَها ستعودُ إلينا، تابعَ "هيوغو" في سرِّهِ: للأسف..
_لكن ما خطبُ تلكَ العجوز؟! رأتني في الشارع صدفةً ومنذُ ذلكَ اليوم وهي تبحثُ عنِّي!
_نعم وقد دفعت مبلغاً هائلاً لأجلِك، رغمَ أنَّكَ كُنتَ مُلطخَّاً بالطِّين وقتها لكن لاشيء يعجزُ عن جعلِ الآخرينَ يلتفِتونَ لِجمالِك، يُريدُ والدي الاستفادةَ من وجهك.
صرخَ "بنس" بخوف: لكن ماذا ستفعلُ بي!؟
_لا أعرف.. يقولُ العقدُ بأنَّكَ ستعملُ كخادمٍ لديها
_ لكن جيِّدٌ أنَّهُ توقَّفَ عن ضربي، فقد طلبت تلكَ العجوزُ أن تحصلَ عليَّ دونَ كدمات
_نعم لذا يجبُ أن تكونَ شاكراً لهذهِ الوظيفة الجديدة.
_ومع ذلك، مازلتُ لا أصدِّقُ أنَّ والدي قامَ ببيعي..
وصلا إلى العُنوانِ المطلوب فدُهشا عندما رأوهُ قصراً رُخاميَّاً ضخماً، ربما كانت بوابةُ هذا القصر بعرضِ وطولِ منزلِهمَا كاملاً، استقبلتهُما العجوزُ في الحديقة وشعرَ بنفسِهِ يضغطُ على يدِ أخيهِ بقوَّةً دونَ مُبرِّر، و"بنس" كان سعيداً لِكونِه سيعيشُ الثلاثة أشهرَ من حياتِهِ هنا، في الحديقة لاحظَ "هيوغو" حوالي عشرين طفلاً حولَهم يرتدونَ ملابسَ مُشابِهةٍ ل"بنس"، وقصُّوا شعرَهم مثلَهُ كذلك، تقدَّمت العجوزُ ذات أسنان الهامستر بحماسٍ نحوَهُما، فلاحظَ "هيوغو" كُلَّ الجواهرَ المُتدلِّية على عُنقِها فقال بريبة: لديكِ الكثيرُ منهم..
ظنَّت العجوزُ أنَّ "هيوغو" يتحدَّثُ عن الأطفالِ من حوله، فاستدارت حولَ نفسِها وقالت بسعادة: أحبُّ جمعَهُم!
سألَها "هيوغو" بارتباكٍ لاستدارتِها: تقصدينَ الجواهر؟
_بل الأطفالَ الجميلين.
بعدَ تلكَ الجُملة، لاحظَ "هيوغو" كم كانت ابتسامةُ تلكَ العجوز خبيثة.. وسرقت "بنس" من يدِ "هيوغو" وبحركةٍ واحدةٍ منها تركَ جميعُ الأطفالِ ما في يدِهم من أعمال كسِقايةِ العشبِ وتبِعُوها إلى الداخل، قلِقَ "هيوغو" على "بنس" لكن بعدَ رؤيةِ العجوز ترحل شعر بأنَّهُ.. تعرَّض لسوءِ ضيافة، فهي لم تُقدِّم لهُ كأس شاي!
انقضى شهرانِ منذُ مُغادرةِ "بنس" وكانَ "هيوغو لا ينفكُّ عن زيارةِ "بلموت" طوالَ تلكَ المُدَّة، وكانت تزورُه بدورِها كذلك، كانت تدخلُ من النَّافذة خلسةً فيأخذُ "هيوغو" حصص أمِّهِ من الطَّعامِ لِأجلِها مُدِّعياً أنَّهُ يحتاجُ مزيداً من الطعام لاستخدامِ عقله، وعندما كانَ الطعامُ قليلاً أخذَ حُصَّةَ أختِه كذلك، لكنَّهُ لم يتجرَّأ على طلبِ حصة والدِه، في أحدِ الأمسياتِ استطاعَ "هيوغو" تهريبَ "بلموت" من النافذة وتأكَّدَ من كونِها خرجت بسلام، ذهب إلى المطبخِ ليُعيدَ الأطباق فصُدِمَ هوَ وعائلتُه ب"بنس" واقفاً في وسطِ الدَّار بوجهٍ مُلطَّخ بالدِّماءِ والخُدوش، مدَّ لهم ورقةً مُمزَّقةً وقال:
_لقد طُردت..
نظرَ لهُ والدُه بريبة فلم يكن مُتأكِّداً من كيفيةِ التصرُّف، سأل بأوَّلِ شيءٍ خطرَ في باله: هيَ لن تُحاولَ استعادةَ أموالِها صحيح؟
_لا أدري.. لكن أرجوكَ دعني أموتُ في الشارع ولا أعودُ إلى هُناك! إنَّها تُعامِلُنا كالدُّمى! لديها رجالٌ أقوياءُ يضربونَ من يسيءُ التصرُّف!
سألَهُ "هيوغو": هل كُنتَ تُسيءُ التصرُّف؟! هل ضُربت؟
ارتابَ "بنس" كونَ "هيوغو" يُشارِكُهم أحدَ مواضيعِهم العائليَّة وقال: لا.. لم يضربني أحدٌ مهما أسأتُ التصرُّف، كُنتُ المُفضَّلَ لديها، كانت مهمتي مُرافقتَها إلى كُلِّ مكانٍ وأن أقبَّلَ يدها كُلَّما مدَّتها، لكن الأسوأ أنِّي كنتُ أنامُ معها! النَّومُ بحضنِ سيدِّةٍ عجوز ليسَ كالنَّومِ في حضنِ أمِّي.. لكن بصراحة سريرُها مريحٌ جدَّاً! في النهاية لم أحتمل الظلمَ الواقعَ على باقي الأطفال فضربتُها! وانتهى الأمرُ بضربي..
أخفت الأمُّ ابتسامتها الفخورةَ بِمُقاومةِ ابنِها، لكنَّ "هيوغو" لاحظَ تلكَ الابتسامة وشعرَ بأنَّ أمَّهُ تمتلكُ ابتسامةً جيِّدة، قال والدُهم بغضب:
_منذُ متى تُثرثرُ هكذا!؟ لا تكن فخوراً بطردِكَ فلولا فعلتُكَ الغبيَّة لجدَّدنا العقد معها! أوقعَهُ والدُه أرضاً وتابع: لماذا لا تكونُ مُطيعاً مِثلَ إخوتك؟!
كان "بنس" وعلى عكسِ "هيوغو" يهوى التمرُّد، ويفعلُه طوالَ الوقت، لاحظَ ابتسامةَ سُخريةٍ في وجه "هيوغو" فقال بغضب وأشارَ باصبعِه على "هيوغو": لماذا تُفضِّلُه في كُلِّ شيء!؟ تعلمُ أنِّي ذكيٌّ كذلك! لِماذا لا ألتحقُ بالمدرسة أنا أيضاً!؟
_لا داعيَ لذهابِكَ إلى المدرسة، ف"هيوغو" قد أثبتَ جدارتَهُ بذلكَ المجال بالفعل، هل تظنُّنا نملكُ مالاً لإهدارِه عليك؟ ماذا لو فشلت؟
_أنا لن أفشل! سأحصلُ على علاماتٍ أفضلَ من "هيوغو" فأنا.. أحبُّ الدِّراسة!
تدخَّلَ "هيوغو" بالحديثِ وقالَ بسخرية: كيفَ ستتغلَّبُ عليَّ وعلاماتي كاملة؟! ما هوَ الأفضلُ من الكمال؟
صرخَ والدُهم: كفى! لا داعيَ لتُشاهدَ ذلكَ يا "هيوغو" لذا اذهب لغرفتك.
عرفَ "هيوغو" وجميعُ من في الغُرفة ما سيحدُثُ تالياً، سحبَ يدَ أختِهِ التي تبلغُ من العُمرِ عشرةَ أعوامٍ وأخذها معه، وعندَها أدركَ "بنس" صاحبُ الاثنا عشرَ عاماً بأنَّهُ سيتعرَّضُ لضربٍ مُبرَّح، هو وأمُّهُ البريئةُ كذلك..
قالَ "هيوغو" لِ "بلموت": هل تذكُرينَ ذلكَ المنتزه؟ كانَ أوَّلَ مرَّةٍ تقابلنا فيها.
ضحكِت "بلموت" وقالت: كانَ ذلكَ منذُ سنينَ طويلة، لذا لا تلُمني كونِي لا أذكرُ.
صعدَ على الأرجوحةِ بخفَّة فتِبعتُه "بلموت" وقال: هُنا حيثُ تأرجحنا معاً للمرَّةِ الأولى، كنتِ تخافينَ من كونِي أريدُ التأرجُحَ بسرعةٍ بينما أردتِّ الإبطاء.
قالت "بلموت" بريبة: أنتَ تعرفُ الكثير..
_أنا أحفظُ كُلَّ تفاصيلك.
لم يُحاول "هيوغو" يوماً إخفاءَ حقيقةِ مشاعرِه عن "بلموت" ولم يشعر يوماً بالحرجِ من ذلك، لكنَّ "بلموت" لم تشعر بالمشاعرِ ذاتَها تِجاهه، كانَ مُجرَّد صديقٍ تتسلَّى معه، لكنَّها استمتعت كثيراً برفقته وشعرت أنَّهُ بقضائها المزيدَ من الوقتِ معه فستميلُ إليه وتُحبُّه، فجأةً أعمى بصرُهُما ضوءٍ ساطع ينعكسُ على وجهيهِمَا شاهدا بعدَها "بنس" يقفزُ بحماسٍ ويقول: حصلتُ عليه! والدي مقتنعٌ بأنَّكَ تقضي وقتكَ مع "بلموت" بالدِّراسة! عندما يرى هذه الصورة سأثبتُ لهُ عكسَ ذلك!
_"بنس"! هل كُنتَ تُلاحِقُنا! هل تُحاولُ معرِفةَ مكان المدرسة بِمُلاحقتي؟
_أنتَ تخرجُ باكراً كُلَّ يومٍ وتكذبُ بأنَّكَ تستغلُّ وقتَ الصَّباحِ لمزيدٍ مِنَ المُذاكرة! فيُجبِرُنا والدي جميعاً على الاستيقاظِ مُبكِّراً معك! أنا أكرهُ ذلك!
قالَ "هيوغو" بغضب: حسابُكَ في المساءِ عندما أعودُ مِنَ المدرسة!
أمَّا "بلموت" فكانت تُحدِّقُ مصدومةً بهذا الفتى وسألت بإعجابٍ واضح: هل هذا شقيقك؟! إنَّهُ جميلً حقَّاً كما تقول! لم أتخيَّلهُ هكذا أبداً
_نعم.. هوَ لا يمتلكُ شيئاً حسناً سوى وجهه.
_أنا مُستاءةٌ لكونِي أعرفُكَ منذُ سنوات وأجهلُ الكثيرَ عن عائلتَكَ رغمَ ذلك.
_صدِّقيني، أنتِ لا تُريدينَ معرِفةَ شيءٍ!
ذاتَ يومٍ عندما صادفَ يومُ ميلادِ "هيوغو" السَّادسَ عشر، شعرت "بلموت" ببعضِ التيقُّن حيالَ مشاعرِها، هي الآن تميلُ لهُ نوعاً ما.. قرَّرت إهداءهُ قلادة بمُناسبةِ حُبِّهِما وبِمُناسبةِ يومِ ميلاده، أهدتُه قلادةً ذهبيَّةً فيها دائرة قابلة للفتحِ وقالت: هُنا في هذهِ القِلادة صُورتي، وبهذا سأكونُ معكَ إلى الأبد، ولديَّ أنا أيضاً قِلادةٌ تحوي صورتَك، حصلتُ عليها من ألبومِ المدرسة لذا قد لا تُقدِّرُك حقَّ جمالك، والآن هل ستأخذُنِي للقاءِ عائلتِكَ لتُعلنَ عن عِلاقتِنا بشكلٍ رسميِّ؟
كذَّبَ "هيوغو" كُلَّ كلمةٍ سمِعها، هل هوَ حقَّاً محظوظٌ لدرجةِ أن يحصُلَ على حُبِّ بلموت؟ لم يتمالك نفسَهُ من السَّعادةِ فعانقها بقوَّةٍ وقد كانت مرَّتُه الأولى لِعناقِها، قال: هل هذا هوَ الوقتُ الذي نحصلُ فيهِ على قُبلتِنا الأولى؟
أبعدتُه "بلموت" بسرعةٍ وقالت بينما تضحك: لا! العناقُ حاليَّاً يكفي!
قال "هيوغو" مُمازِحاً: لن أكتفي إلا بقُبلة.
شدَّت "بلموت" على حقيبتِها وأخفت وجهها الأحمر بعيداً عنه، ماذا ستكونُ ردَّةُ فعلِ صديقاتِها على رفضِها طلبَ "هيوغو"؟ سيُغرقنِها حسداً، لكنَّ والداها لم يعرِفا بشأنِ هذهِ العلاقة بعد لذا هيَ لا تُريدُ التسرُّع، عليها أن تُعلِمهُما بالأمرِ على الأقلَّ، تبِعها "هيوغو" يركضُ وقال: إلى أين؟ ألن تذهبي للقاءِ عائلتي؟
اشتعلت "بلموت" حماسةً وفُضولاً وقالت: أنا مُتحمِّسة!
جلسا على المائدةِ بتوتَّرٍ كامل، بينما اضُّطرت الأخت الصُّغرى للجلوسِ على الأرض بسببِ عدمِ توفُّرِ كراسي كافيَة، صبَّ والدُهم شراباً أحمرَ في كأسِهِ وقال قاطعاً الصمتَ المُتوتِّر: أنتِ ابنةُ عائلةٍ مُحترمة تعيشُ في الشارعِ الثاني، مالذي تفعلُه فتاةٌ مثلكِ في منزلي؟
ضغطَ "هيوغو" على يدِ "بلموت" من أسفلِ الطاولة فشعرت بكثيرٍ من الحُبِّ والأمان، قال: لقد دعوتُها لأنَّ لديَّ إعلاناً هامَّاً! أنا و"بلموت" نحبُّ بعضنَا!
لم يتغيَّر تعبيرُ والدِه أو والدتِه فربما توقَّعا ذلك، لكن "بنس" الذي شعرَ بالصدمةِ أسقطَ الملعقةَ من يدِهِ وأحدثت ضجَّةً في صحنِ الحساء، لم يكترث أحدٌ لِمُشاهدةِ ذلك سوى "بلموت" قال والدُه ببرود: إن لاحظتُ أنَّكَ تنشغلُ عن درُوسِكَ بسببِ هذهِ الفتاة فلن أرحمك.
أجابَهُ "هيوغو" بثقة: على العكس! نحنُ نساعدُ بعضنا البعضَ بالدِّراسة.
تدخَّلَ "بنس" وقال بغضب: تقصدُ أنَّكَ أنتَ من تُساعِدُها! أخبرتنِي بِنفسِكَ أنَّ "بلموت" غبيَّة وأنَّك تستغرقُ وقتاً طويلاً لِتشرحَ لها! حتَّى أنا أذكى منها.
شعرَ "هيوغو" بالحرجِ كونَ "بلموت" التفتت إليهِ بصدمةٍ وقد تحوَّلُ وجهُ كليهِما للأحمر، قال بغضب: لم أقل ذلك! لكن نعم ربما أساعدُها أكثرَ ممَّا تُساعدُنِي..
قال والدُه: يجبُ على دِراستِكَ معها أن تُطورِّكَ لا أن تُبقيكَ عالقاً في مكانك.
_ما دامت علاماتي مُمتازَة فلا شأنَ لكَ كيفَ أقضي وقتي! لا شأنَ لأيٍّ منُكم!
شهقت "بلموت" و "بنس" عندما شاهدا "هيوغو" يتطاولُ على والدِه هكذا، كانت مرَّتها الأولى لِترى "هيوغو" غاضباً وقد أشعرَها هذا ببعضِ الخوف، وفاجأها أنَّ والدَهُ لم ينهض لِيضرِبَهُ على الفور فهذا ما توقَّعت حُصولَهُ بناءً على ما سمِعته من "هيوغو"، لكنَّ "هيوغو" لم يمنح والدَهُ –الذي بدا هادئاً على نحوٍ غريب- فُرصة للردِّ بل نهضَ بسرعةٍ و "بلموت" معهُ وأخذَها إلى غُرفته الرماديَّة الشبه فارغة، فورما دخلَ أقفلَ الباب بسرعةٍ واستدار إليها وقال بأسى: أنا آسفٌ لذلك.. أنتِ لستِ غبيَّة، لقد حاولتُ تبريرَ سببِ قضائي السَّاعاتِ معكِ لكنِّي كنتُ مُخطئاً.
ابتسمت "بلموت" وقالت: أعرف، وأعترفُ بأنَّهُ لم يكن انطباعاً جيِّداً لِكِلا الطَّرفين.
_لا تُلقي بالاً لذلك، فيوماً ما سنتزَّوجُ ونرحلُ بعيداً عنهم.
وضعت كلتا يديْها على خدَّيهُ فشعرَ "هيوغو" بغيومٍ ناعمة تُلامسُ وجهه، وأمطارٌ من السَّعادة تُغرقُ قلبَه، لكنَّ تلكَ السَّعادة لم تدم عندما لاحظ عينا "بلموت" الحزينتين فقالت:
_هذا ليسَ ما أخشاه، بل أخشى عليكَ أن تتأثَّرَ بهم! بعُنفِ والدك..
أبعدَ "هيوغو" يديها عن وجهه وتمسَّكَ بِهما، فقد شعرَ أنَّ مُلامستهُما ستمنحُه قوَّةً أكبرَ للحديث، قال: أنا لن أتاثَّر بهم! فأنا أكرهُ والدي..
لم ينظر "هيوغو" لعيني "بلموت" عندما نطقَ بتلكَ الكذبة، فربما هوَ لا يحبُّ والدَهُ لكنَّ الأمرَ لا يُسمَّى كُرهاً، هوَ فقط مُجرَّدٌ من مشاعرِ الكُرهِ والحبِّ تِجاهَ أيِّ شخصٍ في هذا العالم، باسثناءِ "بلموت" التي لن يكرهها أبداً.
قاطعَ خُلوتُهما "بنس" الذي دخلَ دونَ استئذانٍ وقال بانتصار: والدي لن يسمحَ لكَ بقضاءِ ساعاتٍ مع فتاةٍ بِمُفردِكُما! لذا طلبَ منِّي أن أراقِبَكُما منذُ الآن وأبداً.
كشَّرَ "هيوغو" عن أنيابِهِ وقال: لن يستمرَّ هذا طويلاً! ليسَ عندما نتزَّوج!
تتابعت أيَّامُ شهرِ يناير وكانَ "هيوغو" مُستاءً لكونِ عِلاقتِه مع "بلموت" لا تتقدَّمُ بسببِ "بنس"، لكنَّ أكثرَ ما أزعجَهُ هوَ مُلاحظتُهُ لِكونِ عينا "بلموت" تنقادُ للنَّظرِ إلى "بنس" أغلبَ الوقت.. واستشاطَ غضباً عندما دخلَ في أحدِ الأيَّامِ فوجدَهُما جالسينِ على سريره يتحدَّثانِ بحماسٍ، قال "هيوغو" بغضب: ماذا تفعل!؟ هل تُحاولُ سرقةَ "بلموت" منِّي؟! الآن فقط عندما صارت حياتي الورديَّةُ معها مُمكِنة!
ضحكَت "بلموت" وقالت: كفاكَ سذاجة! إنَّهُ أخوكَ الصَّغيرُ وهوَ.. لطيفٌ حقَّاً! أتعرفُ بأنَّ عائلتَكَ ليست كما وصفتها؟ والدُكَ ليس بهذه القسوة وأمُّكَ تُحاولُ جاهدةً جعلي مُرتاحة، وأختُكَ الصغيرةُ لطيفةٌ للغاية! والآن هذا الأخُ الذي لطالما نعتَّهُ بالمُتمرِّدِ المُشاغب والعنيف، إلَّا أنَّهُ لطيفٌ حقَّاً وممتع! أنتَ فقط لم تقدر على دُخولِ قلوبهم.
شعرَ "هيوغو" بنفسِهِ لِأوَّلِ مرَّةٍ في حياته غاضباً من "بلموت"، قال: طبيعيُّ أن تكونَ الأمورُ هكذا بالنَّسبةِ لكِ فأنتِ ضيفة! أنتِ لا ترينَ ما بين السُّطور عندما تمتلكينَ أسرةً فقيرةً تعيشُ على الإحسانِ في أحيانٍ والاحتيالِ على الآخرين في أحيانٍ أخرى، مع والدٍ مُعاقٍ جسديَّاً وذهنيَّاً يُنفِّسُ عن غضبِه بضربِ زوجتِه وأبنائه، وأمٌّ ضعيفة تُضرَبُ كُلَّ يومٍ أمام أولادِها وأختٍ صغيرة خرساء لا تسمعُ منها كلمة، وأخٌ صغيرٌ يغارُ حتَّى مِنَ الطريقةِ التي أصفِّفُ بها شعري! فهل كنتِ لِتكُوني سعيدةً بعائلةٍ كهذه؟ ماذا يكونونَ أكثرَ من حثالةٍ غريبي أطوار!
_وما المُشكلةُ عندما يراكَ "بنس" كقدوةٍ ويُحاولَ تقليدك؟! وأيضاً كما أرى فأنتَ لا تتعرَّضُ للضربِ من والدك، بل ويصرِفُكَ كُلَّما أرادَ ضربَ أمِّك.
هدأ "هيوغو" بعدما لاحظَ نبرةَ "بلموت" الحادَّة، هوَ حتماً نادمٌ على غضبِهِ عليها لكنَّهُ ليسَ نادِماً من توضيحِ وجهةِ نظره، قال: لا يفعل ذلكَ حُبَّاً بي بل لأنِّي أذهبُ إلى الخارج، لا يُريدُ أن يُلاحظَ أحدٌ كدماتي فتتشوَّهَ سُمعتُه، هو يهتمُّ كثيراً بشأنِ سُمعته، وماذا لو أصابني في رأسي فأفقدُ جُزءاً يسيراً من ذكائي؟ هو لا يُريدُ ذلك.
_ما أقصدُهُ أنَّ حالكَ أفضل بكثيرٍ من باقي أفرادِ أسرتِك.. قرصت خدَّ "بنس" وتابعت بمرح: أفضلَ من حالِ هذا المسكينِ على الأقلِّ!
اشتعلَ "هيوغو" بنيرانِ الغيرة عندما شاهدَ كفَّ "بلموت" يُداعبُ خدَّ "بنس"، شعرَ ألَّا شيءَ قادرٌ على إخمادِ غضبه إلَّا أن يغرقَ فيها وتغرقَ به.
ذاتَ ظهيرة رمى والدُ "هيوغو" بورقةٍ على الطاولة بغضبٍ وقال: ما هذا؟! لقد تدنَّى مُستواك بأكثرِ من عشرِ علاماتٍ بسببِ تلكَ الفتاة!
كان والدُ "هيوغو" مُحقَّاً، فقد انشغلَ "هيوغو" مؤخَّراً بالتَّفكيرِ ب"بلموت" و"بنس" الذي يُهدِّدُ علاقتَهما، كانت تلكَ الأفكار تصنعُ حاجزاً منيعاً يمنعُ أيَّ فكرة أخرى من الدُّخول، لكنَّهُ كانَ نادِماً.. ما كانَ عليهُ السَّماحُ لأيِّ شيءٍ بالتأثيرِ على علاماته، عقدَ ذراعيهِ خلفَ ظهره وأنزل بصرَهُ وقال: أنا آسف.. لكن بصراحة وجودُ "بنس" معنا أثناءَ الدِّراسةِ يُشتِّتُنِي كثيراً، سأؤدِّي أداءً أفضلَ بِدُونِه.
لم يعتقد "هيوغو" ولو لوهلةٍ أنَّ والدَهُ قد يُصغي إليه، لكنَّهُ فعل وما عادَ "بنس" يُقاطِعُهُما في خُلوتِهما، وقد حاولَ "هيوغو" كثيراً الاقترابَ منها وتطويرَ علاقتِهما، لكنَّ "بلموت" لسببٍ تجهلُه استمرَّت بصدِّه كُلَّما حاولَ ذلك، لم يُبالي "هيوغو" كثيراً بشأنِ صدِّها فقد علِمَ أنَّهُ إن استمرَّ بالمُحاولةِ فستسلمُ بالنِّهاية ولو بعد مئةِ عام، كما أنَّهُ على الأقلِّ تحدَّثَ معها بعشراتِ المواضيعِ الجانبية والتي كانت غيرَ مُمكِنة أثناءَ وجودِ "بنس"، فذاكَ الأخيرُ يشي بكلِّ حرفٍ لِوالدِه، في أحدِ الأيَّامِ استسلمت "بلموت" لأحدِ مُحاولاتِ "هيوغو" الذي لم يعتقد أنَّ هذا اليومَ سيأتي بسُرعةٍ هكذا، لامست أصابعُه النَّحيلة خدَّها بكلِّ حنان، ومالَ بجسدِهِ ووجههِ شيئاً فشيئاً عليها، وعندما شعرَ أنَّ هذهِ اللِّحظة ستكونُ أسعدَ من أن تدوم، فجأةً فُتحَ الباب! لقد حصلَ على شرفِ المُحاولة لكنَّهُ لم يحصل على لذَّةِ الانتصار، ابتعدَ عنها بِسُرعة البرق، لكنَّ تلك السُّرعة لم تمنع المُتطفِّل عليِهما من رؤيةِ مُحاولتِه الفاشلة، والذي كانَ بِكلِّ أسفٍ، والده.. شحبَ وجهُ "هيوغو" مِنَ الخوف وأشاحت "بلموت" بنظرِها شاعرةً بالإحراج، هل كانت حقَّاً على وشكِ تقبيلِ "هيوغو"؟!، أمَّا والدُه فقد تلَّونَ وجههُ بِحُمرةِ الغضبِ فشعرَ "هيوغو" أنَّ بُركاناً سيخرجُ من رأسِ هذا الرُّجل الذي قال: أهذِهِ الدِّراسةُ التي كُنتَ تتدَّعِيها؟!
لم يمنحُه والدُه فُرصةً للردِّ بل اقتربَ منهُ بِخُطواتٍ تهزُّ الجبالَ فصفعَهُ صفعةً حطَّمت الصُّخورَ بصوتِها، ارتعشت "بلموت" خوفاً وشعرت أنَّ دورَها التَّالي لكنَّ والدَهُ قال: _خُذْ فتاتكَ إلى منزِلِها وعد إلى هُنا.
طوالَ الطريق لم يتحدَّث "هيوغو" بِكلمةٍ واحدة، كانَ يتقدَّمُ "بلموت" ببضعِ خُطواتٍ ويمشي بسرحانٍ يُحاولُ تخيُّلَ مصيره، ما يزالُ خدُّهُ أحمر لكنَّهُ لم يشعر بألم الصفعة بقدرِ ما شعرَ بالألمِ لِفشلِ لحظتِهِ مع "بلموت"، وصلا حتَّى منزلِها فقطعت "بلموت" الصمتَ أخيراً وقالت: "هيوغو".. أنا آسفةٌ لذلك! ليتني صددتُكَ مثلَ كُلِّ مرة.
ابتسمَ "هيوغو" بألمٍ وقال: لا.. كانَ الأمرُ خطأي، أنا آسفٌ لِكونِي طمَّاعاً لن أحاوِلَ فعلَها مُجدَّداً.
سألتُهُ بنبرةِ اطمئنان: هل ستكونُ بخير؟
_لا أدري..
شعرت بتوتِّرِ "هيوغو" الشديد فقالت مُداعِبةً وكأنَّها تُحاولُ وداعَهُ إلى الأبد:
_لقد كُنتَ محطَّةً رائعةً في حياتي.
_لقد كُنتِ.. لقد كُنتِ حياتي كُلَّها.
تأخَّرَ كثيراً خلالَ طريقِ العودة، رغمَ معرفته بأنَّه كلَّما تأخَّرَ أكثر كلَّما صارَ عقابهُ أكثرَ قسوة، لكن مهما حاولَ التهرُّب فإنَّه سيصلُ في النهاية، دخلَ ففاجأهُ أنَّ منزِلَهُ كانَ ساكناً تماماً، لا أثرَ لوالدِه الغاضب في انتظاره، لكنَّهُ وجدَ جسداً هامِداً عرفَ أنَّهُ جسدُ أمِّه جالساً على الأرض ويرتكزُ برأسِهِ وذراعيهِ على الطاولة، كم ارتاحَ لِمعرفتِهِ أنَّ أمَّه تلقَّت العقابَ عنه، لكنَّهُ بعدها أحسَّ بالشفقة، لا بُدَّ أنَّ والدَهُ لم يصبر حتَّى عودته ونفَّسَ غضبَهُ كاملاً على تلكَ المسكينة، لقد ضربَها لدرجةِ أنَّهُ تعِبَ بعدها وذهبَ لِينام، اقتربَ منها "هيوغو" وبعضُ الخوفِ قد أصابه، لو لم تكن أمُّه موجودة كانَ هوَ من سيتعرَّضُ لكُلِّ هذا الضربِ المُبرَّح؟! كانَ لِيموتَ لو أنَّ ذلك ما حدث، اقتربَ منها وقد أسِف لحالِها للمرَّةِ الأولى في حياته، سألها: هل أنتِ بخير؟
_ابتعد.. أعرفُ أنِّي أثيرُ اشمئزازك.
سماع أنفاسِ أمِّه المُتقطِّعة ورؤيةُ عِظامِها المُهشَّمة كانَ صعباً عليه.. كلُّ هذا حدثَ بسببه! كانَ هوَ من يجبُ أن يُضربَ هكذا! حملَ أمُّه بحرصٍ كيلا يؤذيها، ولم تقدر أمُّه بل لم تُحاول حتى المقاومة، أخذَها إلى سريرِه لِتنامَ مُرتاحة وقال:
_لنقل أنَّهُ تعبيرٌ عن ندمي لأنَّ أبي ضربَكِ بسببي..
_والدُكَ دوماً يضرِبُنِي بسببك.
_أعرف.. لكن ما أقصدُه أنَّهُ هذهِ المرَّة ضربَكِ على غلطةٍ ارتكبتُها، قال بعدما تدَّربَ كثيراً على ما سيقوله: أنا آسف.. أنا لم أدافع يوماً عنكِ لكنِّي لا أريدُكِ أن تُضربي نيابةً عنِّي، لكنِّي لا أستطيعُ إخفاءَ ارتياحي لِكونِي نجوت، أنا آسفٌ على كُلِّ ذلك.
ابتسمت أمُّه بصدق، لم تعتقد بأنَّها قد ترى يوماً مثلَ هذهِ الكلِمات الصادقة تخرجُ من ابنِها، قالت: هل يُمكِنُكَ جلبُ أخويك ليناما معي؟ يُحبَّانَ ذلك كثيراً.
تذمَّرَ "هيوغو" وقال: ستكسرونَ سريري هكذا!
لكنَّهُ استسلمَ لطلبِ أمِّه ونامَ ثلاثتهم على السرير، وقد كانا سعيدين جدَّاً بحصولِهما على فُرصةٍ لِتجربةِ سريرِ "هيوغو" الملكيِّ، وافترشَ هو مكاناً على الأرض، كانَ الجوُّ غريباً بالنّسبةِ له فهوَ ينامُ في غُرفةٍ واحدة مع أسرتِهِ للمرَّةِ الأولى، لكنَّهُ شعرَ بالارتياح.. فهذا بِمثابةِ تدريبٍ له لِينامَ مع "بلموت" في غُرفةٍ واحدةٍ مُستقبلاً.
لم يُكفَّ "هيوغو" و"بلموت" عن الالتقاءِ والتسكُّع، لكنَّهما فعلا ذلِكَ بشكلٍ سري، كان حريصاً على ألَّا يكتشفَ لا "بنس" ولا والدُه ذلك، في إحدى الأيَّامِ في المدرسة حصلَ "هيوغو" على ورقةِ اختبارِهِ الأخيرة، كانت تلكَ الورقةُ مصيريَّةً فهيَ ما ستُحدِّدُ مصيرَهُ مع والدُه، صُعِقَ عندما شاهدَ نفسَهُ راسباً، بعيداً عن عِقابِ والده فكبرياؤهُ لم يسمح لهُ بتصديقِ ذلك، قالَ بغيظٍ لأستاذِهِ خلفَ الطاولة:
_هذا مستحيل! لا بُدَّ أنَّ هُناكَ خطأً في التصحيح!
لمعت مُقدِّمة رأسِ الأستاذ الصلعاء وقال بغضب: أيُّ خطأ؟! هل قرأتَ ما كتبتَه؟!
_ هل قرأتهُ أنت؟!
أغضبت نبرةُ التحدِّي في صوتِ "هيوغو" أستاذَهُ كثيراً.
_كيفَ تجرؤ!؟ خطٌّ كهذا لا يُقرأ حتَّى!
_سأقرأهُ لكَ إن أصابكَ العمى!
كانَ الأستاذُ مُحقَّاً فانشغالُ تفكيرِ "هيوغو" ب"بلموت" جعلَهُ يُنهي الاختبارَ بُسرعةٍ بأبشعِ الخُطوط، وأستاذُه لم يُتعب نفسَهُ بِمُحاولةِ قراءةِ خطٍّ لا يُقرأ، لكنَّ غضبَ "هيوغو" سمحَ لهُ بالتَّطاولِ على أستاذه، وخوفُه من والدِه كذلك، إن رأى هذهِ العلامة قد يحصلُ "هيوغو" على إعاقةٍ دائمة، اشتدَّ غضبُ الأستاذِ بعدما سمِعَه وقرَّرَ تلقينَ "هيوغو" درساً على تحدِّيه، سحبَ الورقةَ ومزَّقها لقطعٍ صغيرة فراقبَ "هيوغو" تلكَ الأجزاء المُتناثرة غير قادر عن التعبير عن شعورِه بالصدمة.
_أهذا أفضل؟! لا ورقةَ لك يا "هيوغو"! صفرٌ كاملٌ سيُوضَعُ بجانبِ اسمك.
أجابَ "هيوغو" بهدوءٍ فاجأ مُعلِّمه: هل عقدتَ الاختباَر لباقي الفصول؟
_هل تُحاولُ الحصولَ على فُرصةٍ أخرى؟ لن أسمحَ لكَ بخوضِ الاختبارِ مُجدَّداً.
ابتسمَ وقال: هذا يعني أنَّهم لم يحصلُوا على الاختبارِ بعد..
أجابَهُ أستاذُه بريبة: فصلُكَ كانَ مُتقدِّماً فحصلتم على الاختبارِ باكراً، لكنَّ جميعَ الفُصولِ ستجتازُه بحلولِ نهايةِ اليوم لذا لا فُرصةَ لك!
غادرَ "هيوغو" بينما يُخفي ابتسامتَه المُنتصرة وقال: نهايةُ اليوم؟ هذا وقتٌ كافٍ.
شرعَ "هيوغو" يُنفِّذُ خُطتَه، تغيَّبَ عن جميعِ حِصَصِهِ ذلكَ اليومَ للتَّحضيرِ لِمشروعِ انتِقامِه، كتبَ وكتبَ ثُمَّ بدأ بالطِّباعة، وراح يُعلِّق، في ذلك اليوم امتلأت الممرَّاتُ بورقةٍ ما، كانت ورقةُ الاختبارِ الذي فشِلَ فيهِ وتحتَهُ عبارة:
(إليكم حلولَ الاختبارِ التافه، رأيتُ انعكاسَها على صلعةِ الأستاذ، أحبُّ "بلموت")
عمَّت الضِّحكاتُ أرجاءَ المدرسة، عرفوا جميعاً فاعلَها بسببِ التَّوقيعِ الأخير، فلم يكن "هيوغو" مُهتمَّاً بإخفاءِ هُوَّيته أو حُبِّه، خبَّأ بعضُهم الورقة عندما بدأ المُعلِّمونَ بِمُصادرتِها، ونجحَ الجميعُ في ذلكَ الاختبارٍ وبعلاماتٍ عالية، بينما توجَّه الأستاذُ الأصلع لغُرفةِ المعلمين غاضباً وقال لأحدِ الأشخاصِ هناك: كيفَ تسمحُ لطالبٍ باستخدامِ طابِعَةِ المدرسة؟!
_ق. قال بأنَّهُ يطبعُ اختباراً لأحدِ الأساتذة! أعني.. إنَّهُ الأوَّلُ على المدرسة لذا لم أعتقد أن يكونَ كاذباً!
_ابحثوا عن "هيوغو" في كُلِّ مكانٍ بالمدرسة!
كان "هيوغو" وباقي الطلاب كذلك قد غادروا بالفعل، رأى "بلموت" من بعيدٍ فلَّوحَ لها بينما جاءتُه هيَ مُسرعة، قالت بحماس: هل كُنتَ أنتَ من فعلتها؟! كيف؟!
قال بتباهٍ: حفظتُ أسئلةَ الاختبارِ وكتبتُها، رغمَ أنِّي وجدتُ نفسي قد نسيتُ بعضَ الأسئلة لكن لا بأس، حقَّقتُ مرادي!
_أنتَ رائع! لقد كُنتَ حديثَ المدرسةِ بأكملِها! بصراحة لم أدرس جيِّداً لذلكَ الاختبار لذا كُنتَ كالمُنقذِ بالنَّسبةِ لي، شكراً لك.
عندما علِمَ "هيوغو" أنَّ "بلموت" تكونُ جميلةً هكذا عندما تشكُرُه ودَّ لو تشكرُهُ كُلَّ يوم، وقرَّرَ أنَّه سيفعلُ ما فعلَهُ دوماً ما دامَ يُسعِدُها. تابعت تتحدَّثُ وقد تحوَّلت وجنتيها للأحمر: غداً لديَّ مُفاجأة لك..
سألَها باستغراب: ما هي؟
لم تُجبهُ بل زادَ وجهُهَا احمراراً، ثُمَّ ابتسمت وقالت:
_اخرج معي في موعدٍ غداً، وسنصيرُ حبيبين بشكلٍ رسميّ، ولِعلمِكَ يُفترضُ بالفتيانِ أن يطلبوا هذا لكنَّكَ تأخَّرتَ كثيراً، هل هذا وعد؟!
رغمَ كُلِّ المعيقات التي ارتسمت في عقلِ "هيوغو"، فقد ابتسمَ بحماسٍ وقال: لقد تخيَّلتُ الأمرَ عشراتِ المرَّات! أنا آسفٌ لأنِّي لم أطلب منكِ أوَّلاً، لكن نعم هذا وعد!
عادَ "هيوغو" إلى منزلِهِ مُبكِّراً، لقد ملأهُ الحماسُ من طلبِ "بلموت" وهوَ لا يُطيقُ صبراً حتَّى يومِ غد، دخلَ فوضعَ حقيبتَهُ بمُنتهى الفوضوية ثُمَّ دخلَ المطبخ فوجدَ أمُّه واقفة تُعدُّ الطَّعام، دخلَ بحماسٍ مع ابتسامةٍ واسعة وسألها: ماذا للعشاءِ اليوم؟
أجابتهُ ببرود: لم أحدِّد بعد، لدينا خياراتٌ كثيرة.
صغُرت ابتسامةُ "هيوغو" وظهرت عليهِ بعضُ الحيرة، منذُ متى امتلكت هذهِ العائلة الفقيرة خيارات كثيرة للطعام؟ ومالذي تطهوه ما دامت لم تُحدِّد بعد، جالَ نظرُه في أرجاءِ المطبخ فلاحظَ الحالة الفوضويَّة التي كانَ عليها المكان، لاحظَ الأدراجَ المُبعثرة والزجاج المكسور، والأهم لاحظ سيلَ الدَّماءِ الذي تناثرَ في كُلِّ مكان. سألَها "هيوغو" بحيرة: لذا.. ماذا تفعلين؟
_لقد كدتُّ أنتهي، تعالَ وساعدني.
مدَّت له سكِّيناً فتعجَّبَ "هيوغو" من فعلِها، لكنَّهُ جاراها لأنَّ مزاجه جيِّدٌ حاليَّاً، وقفَ بجوارِ أمِّه فلاحظَ كم يفوقُها طُولاً، لاحظَ أنَّ ما تفعلُه أمُّه هوَ تقطيع قطعة لحم كبيرة، التقط قطعةً أخرى مِنَ القِطعَ الكثيرة على الطَّاولة وصدمتُهُ كثرتُها وحجمُها، في كُلِّ ثانية ازادت حيرتُه وشُعورُهُ بالريبة، سأل: أينَ والدي..؟
لم تُجبهِ أمُّهُ فتابعَ يسأل: أينَ أخواي؟
وضعتُهُما عندَ أحدِ الجيران، ثارَ والدُكَ مُجدَّداً فطلبَ منِّي ذلك، أرادَ الانفرادَ بي..
_هوَ لا يطلبُ ذلك إلَّا إن كانَ غاضباً جدَّاً، ماذا فعلتِ؟
_دائماً أنا المُلامة صحيح؟
صمتَ "هيوغو" هُنيهة ثُمَّ سأل: من أينَ حصلتِ على كُلِّ هذا اللحم؟
تنهدت أمُّهُ ووضعت السِّكينَ جانباً، اقتربت من ابنِها وقالت:
_لم أشعر يوماً بأنَّكَ ابني..
سألَها "هيوغو": ما علاقةُ هذا بِموضوعِنا؟
التفتت إليهِ أمُّهُ وقالت مُغيِّرةً الموضوع: لماذا كُنتَ سعيداً عندما دخلت؟ ماذا حدث؟
ابتسمَ "هيوغو" وقد عادَ لهُ حماسُه فقال: هل أنتِ مُهتمَّة؟ لم أعتقد يوماً أنَّكِ قد تكونينُ مُهتمَّة، حصلتُ على يومٍ رائع في المدرسة، تحدَّثتُ مع "بلموت" و..
قاطعتُهُ أمُّه: هل استلمت اختباركَ الأخير؟
_نعم.. أينَ والدي؟ يجبُ أن أخبٍرَه.
تجاهلت أمُّهُ سؤالَهُ مُجدَّداً وقالت: جيِّدٌ أنَّهُ كانَ يوماً جيِّداً، فهوَ الأخير.
استشعرَ "هيوغو" الجديَّة بكلامِها فسألَ بقلق: م. ماذا تقصدين؟!
_ألم تفهم الأمورَ بعد؟ ظننتُكَ أذكى من ذلك، عُموماً والدُكَ ليس هُنا بعدَ الآن، لذا منذً اليوم أنا المسوؤلة، أنتَ لن تخرجَ من هذا المنزلِ مُجدَّداً، ولا حتَّى للمدرسة.
_ل. لماذا؟! ماذا حدثَ لِوالدي!؟ ولماذا لن أذهبَ إلى المدرسةِ مُجدَّداً؟
_ لا داعيَ للذهابِ وتحقيق حُلمِ والدِكَ بعد الآن، وفي رأيي "بنس" أحقُّ بالذَّهابِ منك، لقد برَّني وأحبَّني وأنتَ لم تكن إلَّا ابناً قذراً يستمرُّ بتحريضِ والدِهِ عليَّ.
صاحَ "هيوغو": لم أحرِّض أحداً عليكِ! كُنتِ أنتِ من تجلبينَ المتاعبَ لنفسك! انظري إليَّ أنا مطيعٌ ولم يتعرَّض والدي لي قطُّ.
فجأةً قبضت أمُّه السِّكين بقوَّة وسُرعةٍ جعلت "هيوغو" يخافُ منها، وجَّهتُه نحوَه ممَّا أجبرَهُ على التراجع، ثُمَّ اصطدمَ بالحائطِ فسقط، جلست أمُّه أمامَهُ تُثبِّتُ جسدهُ بالحائط والسِّكينُ ملتصقٌ بهِ حتَّى خافَ أن يرمُشَ فيقطعَ رُموشَه، قالت تُهدِّدهُ:
_أمامكَ خياران، إمَّا أن تستُرَ عليَّ، أو أن تموتَ على يدي، والدُكَ هو من استدعى القتل لِنفسِه فلا تفعل مثله.
صرخَ فيها "هيوغو": أتمزحينَ؟ لقد قتلتِه؟! أنتِ مجنونة! من أين دبَّت فيكِ كُلُّ هذهِ القوَّة فجأة؟! فورَ خُروجي سيكونُ مركزُ الشرطةِ وجهتي الاولى!
وضعت أمُّهُ السِّكينَ جانباً ووضعت يديها على رُكبتيها وقالت: أحببتُكَ حتَّى اللَّحظة الأخيرة، تمنَّيتُ لو دافعتَ عنِّي يوماً، كنتَ ابني البكر والوحيد الذي يستطيعُ الوقوف في وجهِ والده، لكن كانَ خطأي أنِّي أنجبتُ شيطاناً لا يفهمُ شيئاً مِنَ المشاعر.
_غ. غيرُ صحيح! لقد أحببتُ "بلموت".. وأيضاً، لا أحدَ يستطيعُ الوقوفَ ضدَّه..
_أنا فعلت! قالت فخورةً بملابسها المُلطَّخة بالدِّماء، ليس دمَها هذه المرَّة بل دمُ قاتلِ رُوحها، تابعت: لقد التمستُ الأعذارَ لهُ كثيراً، لكن طفحَ الكيلُ بي! راودَني شُعور ارتياحٍ عظيم فورَما لفظَ أنفاسَهُ الأخيرة.
طالعَ "هيوغو" أمَّهُ بفزعٍ: أسعدكِ قتله؟! أنتِ مُجرِمة! أتوقُ لإخبارِ الجميع عنكِ!
ابتسمت أمُّه وقالت: وهل ستُخبِرُ حبيبتك أيضاً؟ هل ستكونُ سعيدةً بك؟ هل سترغبُ حبيبَتُكَ بالبقاءِ مع شخصٍ قتلت أمُّه والدَهُ الذي دخل السِّجنَ سابقاً واتُّهمَ بالاحتيال؟
فقدَ "هيوغو" القُدرةَ على الرؤية، لم يرى أمامَهُ سوى صورةِ "بلموت" وعلامات الخوفُ على وجهِها، هل ستخافُ منه إن عرفت تاريخَ عائلته؟ ماذا لو منعَها والدُها من لقائه مُجدَّداً؟ مالذي سيقولُهُ الآخرونَ عنها؟ سيقولونَ بأنَّها حبيبةُ عائلةِ المُختلَّين، لن يسمحَ بأن تُقال أمورٌ مُماثِلة عن "بلموت"!
قرأت الأمُّ ما يجولُ في عقلِ ابنِها فقالت: ماذا ستختارُ يا عزيزي؟ تسليمي للشرطة وتحقيقِ العدالة مُقابِلَ خسارةِ حبيبتِكَ، أو أن تكونَ أنانيَّاً وتكتُمَ سرِّي فتصيرَ فُرصتُكَ أكبر في عيشِ تلكَ الحياة الورديَّة التي تتمنَّاها؟
اتَّخذَ "هيوغو" قرارَهُ بسُرعة، نهضَ بوجهٍ فارغ وعادَ يُقطِّعُ اللحمَ بينما يقول:
_لو صنعنا شرائحَ لحمٍ كثيرة على العشاء، فذلكَ سيُسعِدُ إخوتي كثيراً.
ابتسمت أمُّه فبدأت تُلقي عليهِ التعليمات وقالت: منذُ اليوم ستكونُ كالخاتمِ في يدي، لا خروجَ لك ولا رؤيةَ لأحدٍ إلَّا بإذني، قد أسمحُ لكَ بالخُروجِ فقط عندما أتأكدُ بأنَّ جريمتي مرَّت بسلام
لم يكن "هيوغو" واعياً بما يراهُ حولَهُ لدرجةِ أنَّهُ جرحَ نفسَه، لكنَّهُ استمعَ لكلِّ كلمةٍ قالتها أمُّه وحفِظَها حفظاً تامَّاً، فغلطةٌ واحدةٌ ستُكلِّفهُ خسارةَ "بلموت" إلى الأبد.
_حضِّر العشاءَ ونظِّف المكان، أمَّا أنا فسأذهبُ للاستحمام، وستستحمُّ من بعدي كي تزولَ أيُّ رائحةٍ للدماء، لا يجبُ على إخوتِكَ أن يعرفوا ما حدث، هل فهمت؟
_حاضر..
جلسَا على الطَّاولةِ وأمامَهُما لحمٌ كثير، أنزلَ رأسَهُ مُجنِّباَ النَّظر إلى والدتِه التي جلست حيثُ يجلسُ والدُه بكلِّ ثقةٍ وغرور، وكانَ واضعاً يديهِ على رُكبتيِه يُخفي ارتجافه، بدأت والدتُه تطرقُ بغضبٍ وتأفَّفت: لماذا تأخَّرا؟! اذهب واجلبهما!
انصاعَ لكلامِ والدته رغمَ أنَّهُ تفاجأ من كونِها ستسمحُ له بالخُروج بهذه السُّرعة، ربما هي ظنَّت أنَّ "هيوغو" لم يعُد يُشكِّلُ تهديداً بعدَ الآن.
فعلَ ما طلبتُهُ أمُّهُ وأثناء ذلك اقتربت منَّهُ جارتُهم وقالت: سمعنا صراخاً كثيراً سادَ بعدَها لحظةُ صمتٍ طويل، هل أمُّكَ بخير؟ هل كلُّ شيءٍ بخير؟
ابتسمَ لها "هيوغو" بحزنٍ وقال: شُكراً على لُطفك، كُلِّ الأمورِ بخير
همست له: هل أنتَ مُتأكِّد؟ هل أستدعي الشرطة؟
صرخَ "هيوغو" بفزع: لا! لا داعيَ للشرطة! صدِّقيني نحنُ بخيرٍ هذه المرَّة، أعتذرُ على الإزعاجِ الدَّائمِ الذي نتسبَّبُ به، لا بُدَّ أنَّنا جيرانٌ فظيعون.
ربما كانَ "هيوغو" فظَّاً وخشِناً مع عائلته، لكنَّهُ مع الآخرين كان مُهذَّباً ولبِقاً، تماماً كما كانَ والدًه، واكتسبَ منهُ الكبرياءَ كذلك على عكسِ "بنس" الذي اعتادَ التسوُّل.
جلسوا على المائدةِ والصغيرانِ لا يكُفَّانِ عن الاندهاش، بدآ يأكلانِ بنهمٍ بينما أمُّهُما تُطالِعُهما بحنان، و"هيوغو" الذي لم يجرؤ على مُطالعةِ أحدٍ فيهم فهوَ الوحيدُ الذي عرفَ حقيقةَ ما يأكلونه، قال "بنس" بحماس: من أينَ لنا كلُّ هذا الطعامِ يا أمِّي؟!
_إنَّهُ رزقٌ من السماءِ يا بُنيَّ.
_وأينَ أبي؟
صُدِمَ الجميعُ من هُوية المُتحدَّث، إنَّها أختهم التي كانت مرَّتها الأولى في الحديث معهم، ظنُّوا جميعاً أنَّها فقدت القُدرةَ على الكلام، قالت الأمُّ باستغراب:
_والدكم سافرَ إلى مكانٍ بعيدٍ وقد يطولُ غيابُه.
هتفَ "بنس": والدي ليسَ هُنا ولدينا الكثيرُ مِنَ اللَّحمِ، هذا أفضلُ يومٍ في حياتي!
سادَ الدفءُ والسَّعادةُ أجواءَ تلكَ العائلة، باستثناءٍ شخصٍ واحدٍ فقط كانَ عاجزاً حتَّى عن رفعِ بصره، لم ينتبه أحدٌ له فقد كانوا مشغولينَ بأطباقِهم، لكن بعدَ أن شبِعَ
"بنس" بدأ يُلاحظُ "هيوغو" فقال: لماذا "هيوغو" لا يأكل؟
احتدَّت نظراتُ أمِّهمِ فقالت بنبرةٍ تهديديَّة: تناول طعامكَ يا "هيوغو".
تصبَّبَ العرقُ من جبينه، أخرجَ ذِراعيهِ ببطءٍ من أسفل الطاولة فظهرت الضِّماداتُ التي لفَّها على أصابعِهِ سابقاً، كانت أصابعُهُ ترتجفُ بالفعل وخافَ من فكرةِ إمساكِ السِّكين فيجرحَ نفسَهُ مُجدَّداً، حرَّكَ كل خليَّة في جسدِه لِيقدِرَ على الإمساكِ بالشَّوكِ والسِّكين فيقتطعَ قطعةً لحمٍ ويضعُها في فمه، مضغَها ببطءٍ بضعَ مضغاتٍ وأجبرَ نفسَهُ على بلعِها، لم يفهم الشُّعورَ الذي راودهُ، لم يُميِّز الفرقَ بينَ هذا اللَّحمِ واللَّحمِ العاديِّ الذي نسيَ طعمَه، ولكن بعد اللُّقمة الثالثة، أدركَ أنَّ طعمَ والدِهِ ليسَ بهذا السَّوء، وانَّ سببَ عدم إقبالِه عليه مُجرَّدُ أثرٍ نفسيِّ، فهوَ حقَّاً جائع.
صاحت أمُّه: اذهب وبِعْ هذا في السوق!
كانَ اليوم السابع لحبسِ "هيوغو" فتفاجأ بوالدتِهِ تأمرُه ببيعِ لحمِ والدِه في السوق. سأل باستغراب: ألن نأكُلَه؟
_لدينا الكثيرُ منه.. دعنا نحصل على بعضِ المال، بالمناسبة ستذهبُ غداً إلى المدرسة.
اتَّسعت عينا "هيوغو" دهشةً وقال: حقَّاً؟
_نعم.. فالصبيانُ في الشارع لا ينفكُّونَ يسألونَ "بنس" عنك، حتَّى الأساتذة عندما عرفوا بأنَّهُ أخوك سألوه عنك، لم أعرف أنَّكَ بهذهِ الشعبية.
اعتقدَ الجميعُ بأنَّ "هيوغو" يتغيَّبُ عن المدرسة خوفاً مِنَ العقاب، لذا استغرقوا وقتاً طويلاً لِمُلاحظةِ غيابه، تساءل ما إن كانت "بلموت" قد سألت عنه، أو على الأقلِّ تذكرُ وعدَهُما سابقاً.
كانَ "هيوغو" فاشلاً في التِّجارة، فلم يكن مظهرُه يُوحي بكونِهِ بائعاً، ورغمَ أنَّ اللَّحمَ بحوزتِه لم يكن كثيراً إلَّا أنَّهُ استغرقَ النَّهارَ بطوله في بيعه، و"هيوغو" الذي أحبَّ الإبقاءَ على مظهرِه مُرتبَّاً وأنيقاً، تعرَّض في ذلكَ اليوم لجميعِ أنواعِ القاذورات، وقعَ على بركةٍ من المياهِ العكِرَة، ثُمَّ على كومةٍ من النِّفايات، فوجدَ نفسَهُ في نهايةِ النَّهار برائحةٍ كريهةٍ وشعرٍ مُتَّسخٍ غيرَ مُرتَّب، ناهيكَ عن ملابسِهِ التي صارت أشبهَ بملابسٍ مصنوعة من الطِّين، في آخرِ النَّهارِ صُدِمَ "هيوغو" بأحدِ مُعلِّميهِ -وقد كانَ مُعلِّماً مُفضَّلاً- يقفُ أمامه، حاولَ "هيوغو" تجنُّبَهُ لكنَّ مُعلِّمهُ تعرَّفَ عليهِ على الفور، سحبَهُ من كتفِهِ وقال بقلق:
_ماذا تفعلُ هُنا؟! أنتَ لم تحضر إلى المدرسةِ منذُ أسبوع.
ودَّ "هيوغو" لو يختفي إلى الأبد، ربما تقبَّلَ اتِّساخَ شعره وملابسه فبوسعه الاغتسال، لكن الأسوأ أنَّ أحدَ مُعلِّميهِ قد رآه! وابنهُ كذلك الذي كانَ يرتادُ المدرسةَ ذاتَها، لعنَ "هيوغو" حظَّه فخبرُه سينتشرُ في المدرسة بأكملِها، ماذا لو وصلَ خبرُهُ إلى مسامعِ "بلموت"؟ زوجُها المستقبليِّ المزعوم يسبحُ بينَ القاذوراتِ والنِّفاية! تلعثمَ "هيوغو" في كلامه وقال: أ. أنا..
_ماذا حدث؟! كيفَ وصلَ بِكَ الأمرُ إلى هذا الحال؟
بلا شكِّ كانت نوايا مُعلِّمه طيِّبةً وبريئة، لكنَّ ضحكةً خافتةً انزلقت من ابنِهِ جعلت "هيوغو" يستشيطُ غضباً، لم يعد واعياً بتصرُّفاته فقال بغضب:
_وما شأنُكَ أنت؟! ليسَ من شأنِكَ ما أكونُ عليهِ خارجَ المدرسة!
صُدِمَ الأستاذُ ممَّا قيل وابنُهُ كذلك الذي كانَ مُستاءً من رؤيةِ والدِهِ يُهان، قال وقد احتقنَ وجهه: أنا أردتُ الاطمئنانَ عليكَ لا أكثر! فبِصِفَتِي مُعلِّمكَ فمن واجبي أن أعرفَ ما يجري! أنتَ أحدُ أفضلِ الطُّلابِ ويُحزِنُني حقَّاً ما تعيشُه من ظروف.
غضبُ "هيوغو" العارم أعماهُ عن حقيقةِ أنَّ أستاذَهُ في الواقع يُحاولُ مُساعدتَهُ، ولا يُحاولُ التَّقليلَ منه، لكن الآن أدركَ حقيقةَ أنَّهُ بوسعِهِ طلبُ المُساعدة.
_أنا لا أحتاجُ شفقتك! لكن إن أردتَ المُساعدة فأودُّ لو يقتحمُ أحدُهم منزلي!
بدأ "هيوغو" يركضُ بينما يُدرِكَ خُطورةَ ما قاله، لكنَّهُ فقط لم يعتقد أنَّ أستاذَهُ سيأخذُ ما قالَهُ على محملِ الجدِّ أو أنَّهُ قد يتِّخذُ خطوةً حقيقيَّةً لتغييرِ أي شيء، بدأ "هيوغو" يحومُ حولَ منزِلخ دونَ رغبةٍ في الدُّخول، بعدَ مُدَّةٍ وصلَ فرأى منزِلَهُ بالأفق، لكنَّهُ صُدِمَ عندما رأى سياراِت الشُّرطة مُتجمِّعةً أمامَه، تقدَّمَ بهدوءٍ نحوَ الضُّباط حتَّى انتبهوا له فأشارَ أحدُهم نحوَهُ وقال بسذاجة:
_ها هوَ شريكُها في الجريمة!
اعتلت الصدمةُ ملامحَ "هيوغو" فقال: ماذا؟!
تركَهُم جميعاً من حوله وبدأ يركض، هوَ الآنَ يكرهُ نفسَهُ أكثرَ من أيِّ وقتٍ مضى تجاهلَ الأيدي التي حاولتَ الإمساكَ به ودخلَ الحمام، أقفلَ على نفسِهِ وفتحَ صُنبورَ المياه بقوَّة، فوالدُهُ ليسَ هُنا بعدَ الآن ليمنعَهُم من تبذيرِ المياه، انتظرَ لبضعِ دقائق حتَّى انغمرَ حوضُ الاستحمامِ الخشبيِّ بالماء الساخن، خلالَ انتظارِه رمى ملابسَهُ من النَّافذة، ملابسَهُ القذِرة التي لا يُريد ارتداءها بعدَ الآن، لم يكن "هيوغو" مهووسَ نظافة لكنَّهُ فقط أرادَ أن يكونَ نظيفاً دائماً، وكان هذا أمراً غريباً في عائلةٍ تمنعُ الاستحمامَ لأكثرِ من مرَّة في الأسبوع، لم يُصدِّق أنَّ "بنس" كانَ بوسِعِه البقاء بوجهٍ مُلطَّخ بالطين دونَ أن يغسِلَهُ لأسبوع، لم يُعلِّمهُ أحدٌ لكنَّ "هيوغو" كان لديِه دافعٌ لِتعلُّمِ كُلِّ ذلكَ بمُفرده، أن يبدو بأفضلِ هيئة أمامَ "بلموت"، غمرَ أنفَهُ بالماء وبدأ يصنعُ فُقَّاعات تنفُّس، شاهدَ رُكبتيهِ العاريتين أمَامهُ ففي الأوضاعِ الحاليَّة كانَ لِيتخيَّلَ حوضاً أوسعَ و"بلموت" جالسة قِبالتَهُ ضامَّةً رُكبتيها تماماً كما يفعل، لكنُّهُ الآن لديهِ شيءٌ أكبرُ بكثيرٍ لِيتخيَّله، ماذا سيحدثُ بعدَ ذلك؟
ارتدى زيَّهُ المدرسيِّ الأخضرَ الأنيق، الذي جعلَهُ يبدو كعسكريٍّ مُخضرَم، اعتمرَ قُبَّعتَهُ وانتعلَ حذاءه وهمَّ بالخروج، في اللَّيلة الماضية سمحت الشرطةُ له بقضاءِ الليلة في المنزل، لكنَّهم راقبُوه وحرسوا المنزل، ليسَ وكأنَّ الأمرَ يهمُّ ف"هيوغو" لم يكن لِيحاولَ الهرب، ربطَ "هيوغو" حادثَ الشرطة بالأستاذ لكنَّهُ اكتشفَ لاحقاً أنَّ صديقاً لوالدِهِ هوَ من أبلغَ عن اختفائه، ذهبَ بإخوتِهِ إلى أحدِ منازلِ الجيران غيرَ مُبالٍ بِمعرفةِ مصيرِهم، وصلُوا لقاعةِ الاستجواب ففهِمَ "هيوغو" أنَّ أمَّهُ جعلتهُ شريكاً في الجريمة، ربما لتخفيفِ حُكمِها، لم يهتمَّ لذلك فحتَّى لو سُجن، هوَ يعرفُ أنَّ شخصاً واحداً في هذا العالم يُصدِّقُه، يعرفُ أنَّ "بلموت" ستُحبِّهُ حتَّى آخرِ رمق.
_صف لنا كل ما حدث.
أخبرَهُم "هيوغو" بكلِّ ما حدث بصدقٍ غير معهودٍ، لكنَّهُ لم يُفصح عن مشاعره الداخلية، سألوه: ولماذا لم تستدعي الشُّرطةَ على الفور؟
_لقد هدَّدتنِي، لم تسنح لي الفُرصةُ للخروجِ أصلاً.
_لكن عندما وصلنا كُنتَ خارجاً، أينَ كنت؟
تساءلَ "هيوغو" في نفسه عمَّ إذا كانَ الكذِب سيصبُّ في صالحِه أو سيزيدُ الأمورَ تعقيداً، قال: كنتُ.. لقد خرجتُ لأبيعَ اللَّحمَ الذي طلبت منِّي بيعَهُ.
_بعتَ لحماً مع علمِكَ أنَّهُ غيرُ صالحٍ للأكل!؟ هذهِ جريمةٌ أخرى.
نظرَ "هيوغو" لعيني من يُحادِثُه للمرَّةِ الأولى وقال بهدوءٍ مُخيف،: من قالَ بأنَّهُ غيرُ صالحٍ للأكل؟ إنَّهُ لذيذ..
ضربَ الشرطيُّ الطاولةَ بقبضتيهِ وصاح: إنَّهُ مُتواطئٌ معها! إنَّهُ كذلك!
خرجَ بعدَها من مركزِ الشرطة ومازالَ بكاملِ أناقته، وكأنَّهُ كانَ في حفلِ تكريمٍ للتوِّ، حاولَ الدِّفاعَ عن نفسهِ وإثبات أنَّهُ بريء لكنَّ الشرطة لم تُصدِّقه، أو ربما لم يبذل هوَ جُهداً كافياً، شاهدَ "بلموت" أمامَهُ فصدمتهُ رؤيتُها، شعرَ بسيلٍ من المشاعر يتدفَّقُ عبرَ جسده، انعكسَ لونُ الغروبِ الجميل على شعرِ "هيوغو" الأشقر وبشرةُ "بلموت" الملساء، انتظرَ عِناقَها له وطمأنته بأنَّ الأمورَ ستكون بخير، لو انعكست أدوارُهُما كانَ هذا ما سيفعلُه، لكنَّ "بلموت" لم تفعل، بدلاً من ذلك اخترقت قلبَهُ بنظراتِها الخائبة والغاضبة، قالت بحزم: سؤالٌ واحدٌ، هل كُنتَ تعرف!؟
شعرَ "هيوغو" بالاستياءِ لتشكيكِها به، قال بضيق: أعرفُ ماذا؟!
_أنَّ والدتكَ قتلت والدك، هل كُنتَ مُتواطئاً معها؟
_كيفَ تقولينَ هذا!؟ كيفَ تقولينَ هذا عنِّي؟!
صرخت "بلموت" بغضب: لطالما قُلتَ بأنَّكَ تكرهُ والدِك!
_لم أكن لأقتُلَهُ أبداً!
حصدَ "هيوغو" نتائجَ كذِبهِ السابق، ما كانَ عليهِ الادِّعاء بكونِهِ يكرهُ والدَه بل وجبَ عليهِ مُصارحتُها بِكونِهِ كُتلةً خاليَّةً مِنَ المشاعرِ لأيِّ شخصٍ سِواها، لكن فاتَ الأوانَ على ذلكَ الآن.
_كيفَ كانَ مذاقُ لحمِ البشر؟ هل أعجبك؟
_لم أستطع التمييزَ بينَهُ وبينَ اللِّحمِ العاديِّ..
وقعا في لحظةِ صمتٍ عميق وتلألأت عينا "بلموت" بشعاعِ شمسِ الغروب، قالَ مُتأمِّلاً جمالً عينيها: أنا لا ألومكِ، أعرفُ أنَّ والدِكَ يضغطُ عليكِ للانفصالِ عنِّي.
فركت "بلموت" جبينها بغضبٍ وقالت: أنتَ لا تفهم.. ليسَ والدي من يمنعني من لقائك، بل هذا قرارٌ نابعٌ منِّي أنا! أعني.. لستَ سوى مُجرم!
أدركَ "هيوغو" تلكَ الكلمات مُتأخِّراً، مُتأخِّراً جدَّاً، فعلَ كُلَّ ما فعلَهُ في حياته فقط لأجلِها، كانَ يتنفَّسُ كُلَّ يومٍ لأجلِ أن يستمرَّ برؤيتِها، لكن ها هيَ الآن تدعُوه بالمجرم دونَ استعدادٍ لتصديقه، حتَّى أنَّهُ لم يتستَّر على جريمةِ والدتهِ إلَّا لأجلِها، ما الجرمُ الذي ارتكبه؟ هل أخطأ بتناولِ لحمِ البشر عندما كانَ قد نسِيَ مذاق اللَّحمِ العادي؟ لكنَّ إخوتَهُ تناولاهُ أيضاً فلماذا لا يُحاسبانِ مثله؟! دمَّرَ الحزنُ وِجدانَهُ بالفعلِ فقال: لكن.. لماذا؟
_"هيوغو".. أنتَ لم تكن يوماً مُناسباً لي، لقد خدعتُ نفسي لأنَّكَ امتلكتَ وجهاً جميلاً وعقلاً كبيراً، لكنَّ جُرمَ عائلتكَ لا يُغتفر، ليس هذهِ المرَّة على الأقلِّ، لا أحتملُ رؤيةَ وجهِكَ بعدَ الآن، سعيدةٌ لأنَّ الوعدَ بيننا لم يُنفَّذ.
تهشَّمَ قلبُ "هيوغو" لمئاتٍ مِنَ القِطعِ الصغيرة، كانت أفكارُه مُتضاربةً وشائكة، كانَ غاضباً لكنَّ حُزنَهُ طغى، فقدَ كُلَّ شيء، فقدَ الفتاة التي أحبَّها، وسُمعتَهُ التي استمرَّ يصنعُها على مدارِ سنين، لا شكَّ أنَّ كُلَّ بيتٍ في البلدة يُذكرُ فيهِ اسمهُ حاليَّاً، خُصوصاً بوصفِ رائحتهِ الكريهة ليلةَ البارحة، شدَّت "بلموت" على حقيبةِ كتِفِها دونَ أدنى رحمة، تطايرَ شعرُها الكستنائيُّ في وجهه ممَّا سمحَ له باستنشاقِ رائحتهِ للمرَّةِ الأخيرة، مهما كانَ ما سيحدثُ له، فهو لا يهتم! ما عادَ له سببٌ ليعيش..
انتقلت ذكرياتُ "هيوغو" فوراً لِتلكَ الذكرى الأخيرة المُتعلِّقة ب"بلموت"، كانَ ذلكَ عندما قرَّرَ وضعَ حدٍّ لأخيهِ المُجرم "بنس"، والذي ظلَّ يفتكُ بِرجالِهِ واحداً تلوَ الآخر، دخلَ إلى المكتبةِ وبضربةٍ واحدةٍ منه سقطَ "بنس"، أوشكَ "هيوغو" على قتلِهِ لكنَّ "بنس" الذي أحسَّ باقترابِ موته قال: أنتَ لم تسألني أبداً بشأنِ "بلموت".. ألا فُضولَ لديكَ عمَّ حدث؟ فكما تعلم لقد عشتُ خمسةَ أعوامٍ من بعدِكَ في العالمِ الخارجيِّ.
بعدَ خمسةِ أعوام يسمعُ "هيوغو" اسمَ "بلموت" للمرَّةِ الأولى، بل و"بنس" لديهِ أخبارٌ عنها كذلك! لم يتمالك نفسَهُ فسقط الرُّمح من يدِهِ وقال بفزع:
_ماذا بشأنِها؟! ماذا حدث؟!
أدركَ "بنس" أنَّ هذهِ فُرصتَهُ الوحيدةَ للنَّجاةِ فقرَّرَ أنَّهُ سيستغلُّها كما يجب.
_ألم تكن على وشكِ قتلي؟ افعلها ولن تسمعَ شيئاً حينها.
جثا "هيوغو" أمامَ أخيه، ضمَّ يدي "بنس" وقالَ برجاءٍ حقيقيِّ: سأعفو عنك! أنا لن أقتلُكَ! أخبرني بما حدث! ماذا بشأنِ "بلموت"؟!
ضحِكَ "بنس" وقال: كما توقَّعتُ تماماً، حتَّى بعدَ كُلِّ تلكَ السِّنين أنتَ لم تنسَ أمرها..
غضِبَ من سُخريةِ "بنس" فقال: كُفَّ عن المماطلةِ أيُّها الحقير وأخبرني!
_إنَّها تُحبُّك..
شعرَ "بنس" بأنَّ الحقيقة غيرُ مُهمَّة، إن لم يقل ما يُريدُ "هيوغو" سماعّهُ فسيموت، تابعَ يقول: قالت بأنَّ والدِها هدَّدها، أجبرَها على قولِ كُلِّ شيءٍ قالته، هيَ جدُّ آسفة وتنتظرُ عودتك.. قالت بأنَّها ستظلُّ عزباءَ طوالَ حياتِها حتَّى تأتي فتتزَّوجها
لمعت عينا "هيوغو" ببريقِ الأملِ والمحبَّة، "بلموت" في الخارجِ بانتظارهِ؟! "بلموت" تحبه؟!
في الوقتِ الحاضر، أخرجَ "هيوغو" صورةً من جيبِ سُترته، بينما يُمسكُ العينانِ الجميلتانِ في اليدِ الأخرى، كانت صُورةَ "بلموت" بفستانِ زفافها، لقد كانت مُجرَّد كذبةٍ لعينة مِنَ الحقيرِ "بنس"! كذبةٌ قالَها لينجوَ مِنَ الموت! تزوَّجت "بلموت" بعدَ عامينِ فقط من رحيلِ "هيوغو" هل كانَ حُبُّهُما بتلكَ السَّخافة؟! حدَّقَ في زوجِها، إنَّهُ حقَّاً قبيح! لماذا تزَّوجت من رجلٍ بشعٍ مثله؟ صحيحٌ أنَّها عاديةُ الجمالِ لكنَّها حتماً تستحقُّ شخصاً أجمل، رغمَ كُلِّ ما حدث، ف"هيوغو" لن يخدعَ نفسَه، فبعدَ كُلِّ شيء، هوَ مايزالُ يُحبُّ "بلموت"..
viloeto7789