بقيَ "راي" هائماً بالفراغِ خلالَ اليومين الماضيين، لم يفعل شيئاً سوى الاستلقاء على الرمال حيث كان الناس يدوسون عليه ذهاباً وإياباً، بعضهم يفعلها دون قصد والبعض الآخر يقصدها، لكن أحداً لم يلتفت إليه للاعتذار أو حتى للحديث معه، كأنه غير موجود، كما أنه اعتاد الذهاب إلى صنبور ماء قريب يشرب منه ثم يعود مكانه على الفور، وفي صباح ذلك اليوم المشمس ككل الأيام بينما كان "راي" مستلقياً كعادته، لاحظ أول غيمة في السماء، كان طقس الجزيرة بشكل عام صحواً وحاراً معظم النهار، لكن المحيط الذي يحيطها من الأربع جهات فيلقي نسيمه البارد عليها جعل طقسها مقبولاً، وبالطبع دون أي أمطار أو غيوم في السماء، لذا رؤية تلك الغيمة الوحيدة في السماء كان مشهداً يستحق الإمعان والنظر، وأدرك "راي" أيضاً أنه وأخيراً بات بوسعه التحكم بمشهد بركة الدماء في ذاكرته، سابقاً كان يراه طوال الوقت دوناً عن إرادته، لكن الآن بوسعه التحكم به تماماً فمحاه من ذاكرته على الفور، نهض "راي" فرحاً بحقيقة اختفاء ذلك المشهد من أمامه، ووقف لأول مرة دون نية شرب الماء أو قضاء حاجته، بل اجتاحته رغبة عارمة لاكتشاف الجزيرة، وباغتته حقيقة أنه بحاجة للبحث عن الطعام للنجاة، مشى "راي" قليلاً فوجد نفسه بدلاً من التجوال يمعن النظر نحو الشمال حيث الشاطئ والأمواج يتسارحان معاً، كان الشاطئ هو السطح الوحيد في الجزيرة الذي يلتقي مع الماء، فقد كانت الجزيرة مرتفعة عن مستوى سطح الماء بأقدام كثيرة، كما أنه لاحظ وجود ميناء بحري على الجهة الشرقية للجزيرة مع جسر خشبي يتوغل لمسافةٍ لا بأس بها خلال المحيط، لكن "راي" لم يعرف فائدة الميناء فقد كان متأكداً بأن السفينة التي أقلتهم رست على الشاطئ لا على الميناء، تابعَ "راي" المسير خلال الجسر، توغل بضع خطوات ثم قرر التراجع، فقد انتبه لوجود بعض الأشخاص ينظرون نحوه، مرَّ بجانبهم لكنَّ أحداً لم يتحدث معه، بل استمروا بتحديقهم نحو المحيط كأنهم ينتظرون قدوم أحدهم، سارعَ "راي" الخطى نحو الشاطئ، وتحديداً نحو المكان الذي تحدث فيه مع والده، لماذا جاء إلى هنا؟ هل كان يتوقع رؤية والده مجدداً أم أنه أراد ذلك؟ خلع حذاءه وتابع مسيره وفكر أن المشي على الرمال يكون أفضل بكثير دون حذاء، بل وقرر أنه لن يرتديه بعد الآن فيصير أكثر شبهاً بسكان المكان، وذلك سيكون تشابهه الثاني معهم، فالتشابه الأول أن جميعهم يمتلكون علامة مثل علامته، الفرق الوحيد أنه رأى علاماتهم باللون الأسود بينما علامته هو قد تحولت للأحمر، توقف "راي" عن مسيره بعدما لاحظ الفتاة الجالسة أمامه، كانت تخط شيئاً على الرمال، اقترب منها قليلاً فرآها ترسم، بدا له أنها أكبر منه كان شعرها أبيضاً قصيراً حد الكتفين وذات رموش وحواجب بيضاء أيضاً.
_ماذا ترسمين؟ هل هذه بيضة؟
التفتت الفتاة إليه فلاحظ "راي" عيناها على الفور، كانتا عينين زرقاوتين على قدر عالٍ من الجمال، لم يرَ "راي" شيئاً بهذا الجمال من قبل، ولم يستطع منع نفسه من التحديق بها للحظات طويلة حتى وإن كان أمراً غير لائق، كانت عينا "راي" زرقاوتين أيضاً لكنهما ليستا أبداً بهذا القدر من الجمال، كانت عيناه داكنتان شاحبتان بفعل ما مرَّ به بالأيام السابقة، لكن عيناها كانتا مليئتان بالتوهج والنضارة، كاللون الازرق عندما ُيخلط باللون الأسود في المحيط، أو يُخلط باللون الأبيض في السماء، لكلٍّ منهما جماله الخاص لكن في حالة "راي" الصغير والفتاة الغريبة فالكفة كانت تميل بقوة لعيني الفتاة، أزاحت الفتاة نظرها عن "راي" فما عاد بوسعه رؤية عينيها، وحاول النظر لعلامتها أيضاً فوجد أنها ترتدي قفازات، ولاحظ هذا الأمر مع عديدٍ من الأشخاص حيث يحاولون إخفاء علامتهم بطرق مختلفة، كلفَّها بالضمادات أو القماش، أخرجت الفتاة شيئاً من جيب سترتها ووضعته بجانب الرسمة على الرمال.
_فهمت إنها زهرة! آسف لقد كنت جائعاً لذا ظننت أنها بيضة، لكني أظن أنك أحسنتِ رسمها حقاً، لقد أعجبتني!
ابتسمت الفتاة ل "راي" ابتسامةً دافئةً، فعرف "راي" أنَّ جمال ابتسامتها يطغى كثيراً على جمال عينيها .
_ما اسمك؟ سألها "راي" والحماس يشتعل في عينيه فعادتا تنبضان بالحياة، شعر وكأنه قد عثر على صديق أخيراً.
_غانبو! قالتها الفتاة بينما الابتسامة لم تفارق شفتيها.
_اسمك غانبو؟ تساءل "راي" دون أن تبدو عليه علامات الفهم.
لم تجبه الفتاة وبدأت تكتب على الرمال داعيةً "راي" إلى قراءته، نظر "راي" إلى المكتوب وخيبة الأمل تملأ وجهه.
_أنا لا أجيد القراءة..
حدَّقت الفتاة فيه لبعض الوقت ثم عادت لتبتسم مجدداً وأضافت قائلة: غانبو!
_مهلا! هتف "راي" وكأنه قد اكتشف ما غاب عنه أخيراً، هل يعقل أنكِ.. لا تستطيعين الكلام؟
أومأت الفتاة برأسها مع ابتسامة دافئة لم تفارق شفتيها.
_فهمت.. قالها والعبوس يملأ وجهه، هي لا تجيد الكلام، وهو لا يجيد القراءة بالنسبة له بدا الأمر كنهاية صداقتهما التي دامت لخمس دقائق، وقفت الفتاة فتأكد "راي" أنها تكبره بكثير، أولاً قدرتها على الكتابة وثانياً طولها الذي يفوق طوله، استعدت الفتاة للرحيل، لكنها مدَّت يدها في جيبها مجدداً لتخرج بعض قطع البسكويت التي مدتها ل "راي".
_شكراً لكِ! أنا لم آكل شيئا منذ أيام ويمكن لهذا أن يبقيني على قيد الحياة لأيام كثيرة مستقبلاً.
استدارت الفتاة نصف استدارة ولوَّحت ل "راي" بابتسامتها الدافئة المشرقة، لوَّح "راي" لها بنفس الحماس الذي لوَّح به لمعلمته سابقاً.
_أراكِ لاحقا "غانبو"! آمل أننا صرنا أصدقاء.
***
عاد "راي" من رحلته القصيرة في المساء، فبعد أن نسي مكان نومه السابق، اضطره الأمر للبحث عن مكان نوم جديد، وجد مكاناً مثالياً مفروشاً بملاءة كبيرة تسع ثلاثة أشخاص، اعتقدَ "راي" لوهلة أن المكان حكرٌ لأحدهم، لكنه بحث حوله طويلاً فلم يجد علامةً تنذر بقدوم أحدهم، لقد تأخر الوقت وشعر أن أحداً لن يأتي ليملأ هذا المكان فما كان له إلا أن ألقى بنفسه على الملاءة البيضاء الناعمة، كم هو مريحٌ النوم على ملاءة بدلاً من الرمل الصلب الذي يثير الحكة، نظر نظرة إلى السماء فأدهشته كثرة ألوانها، صحيحٌ أن كلَّ ما فعله خلال اليومين الماضيين هو الاستلقاء على ظهره مواجهاً السماء، لكن ما كان ليدرك أبداً جمالها حتى اختفى مشهد بركة الدماء من ذهنه، رغم برودة الليل لكنه شعر بدفءٍ عارم وراحة غريبة، شعر وكأنه يحقق أحد أحلامه بالنوم تحت السما، دفعه هذا الأمر الى التساؤل، هل حلُم يوماً بالنوم تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم؟ وهل كان سيقبل بتحقيقه بهذا الشكل؟، جاهد "راي" نفسه على النوم لكنه لم يستطع ذلك، كانت معدته تؤلمه بشدة بفعل الجوع، هو ممتنٌ ل "غانبو" كثيراً لإعطائها بعض الطعام له، لكنه لن يخدع نفسه فما أكله لم يسكت جوعه ولو للحظة واحدة، وعندما أحسَّ أخيراً ببعض النعاس، قاطعه صوت غاضب يصرخ عليه من بعيد.
_أنت!! ماذا تفعل هنا! هذا مكاني.
فتح "راي" عينيه على الفور ونهض جالساً في خوف، لكنَّ خوفه قد تلاشى بعدما رأى الجسد الذي يحادثه، إنه ولدٌ صغير مثله تماماً!، اقترب الولد وجلس بجانب "راي" حاملاً معه جراباً تمتد منه قطعة خبز ضخمة والتي لم ينتبه لها "راي".
_أنا آسفٌ حقاً، لم أعرف أن المكان محجوز ظننته شاغراً لذا..
_لا بأس ابقَ، رمق الفتى "راي" بنظراتٍ تتفحصه بريبة ثم تابع قائلاً: فكما ترى المكان كبيرٌ هنا ولا أحد يشاركني به، لذا لا بأس بوسعك البقاء، لكني لن اسمح لك بالاستيلاء على المكان!
_أنت وحيد!؟ مثلي تماماً.
اعترض الولد بشدة قائلاً: لا أنا لستُ وحيداً ولستُ.. مثلك، قالها والنظرات المريبة تملأ وجهه، أكد على ما قاله بشدة وكأن في الأمر إهانةً أن يشبه "راي"، أخرج الخبز من جرابه فنظر "راي" إلى الخبز بلهفة، دون أن يسمح له كبرياؤه بطلب أي منه، لكن كان لمعدته رأي آخر فبدأت تصدر أصواتاً مزعجة طالبةً النجاة، رمقه الفتى بنظرات جانبية مزعجة، كانت نظراته دونية واضحة لكنَّ "راي" لم يكن مهتماً بملاحظة ذلك والظلام كذلك لم يساعده، لم ينتظر الفتى "راي" ليطلب، بل قسم له ثلث خبزه، فرغم شخصيته العدوانية والمتشككة في كل من حوله، إلا أنه كان ولداً طيباً، لكنه شعر أنه يستحق الحصة الأكبر من الخبز فقد قضى اليوم بطوله محاولاً البحث عنها، مدَّها الفتى إليه فلم يستطع "راي" رفضها.
_شكراً جزيلاً لك! هذا أكثر بكثير مما حلمت به.
_لا عليك، أنا أعرف أنك جائع فالجميع جوعى هذه الأيام، نحن نمر بمرحلة فقر مدقع بسبب تأخر رحلة الصيد هذه المرة.
_هذه الأيام؟ ماذا تقصد بهذه الأيام ألستم جوعى دائماً قالها والطعام يملأ فمه.
_لسنا كذلك! ثم أكمل بعدما ابتلع ما في فمه: أو على الاقل لستُ أنا، لديَّ مصادري، لكن المشكلة تكمن عندما لا أجد طعاماً من المصادر، انظر لهذه مثلاً، ظللت أتربص بها طوال اليوم حتى استطعت سرقتها، ورفع قطعة الخبز بيده.
_سرقتها!؟
_أجل، هكذا هي الحياة هنا، بالمناسبة تبدو جديداً، منذ متى وأنت هنا؟
_هذه ليلتي الثالثة.
_حقاً؟ إذا فأنت من أتى مع السفينة الأخيرة أليس كذلك؟ عرفتُ هذا!
اكتفى راي بالإيماء له فقد كان مشغولاً بتناول الطعام ثم أردف قائلا: وأنت منذ متى كنت هنا؟
_منذ عام.
إذاً فقد كنت بعمري عندما جئتَ إلى هنا أليس كذلك؟ قالها بحماس كأنه وجد قاسماً مشتركاً بينهم.
_كلا لم أكن! قالها محاولاً تحطيم أي قاسم مشترك.
لقد كنت في الثامنة عندما جئتُ إلى هنا والآن أنا في التاسعة، وأنت كم عمرك؟
_لا أدري..
_لا تدري؟ امتلأت نظرات الولد بمزيج من التعجب والاستنكار ثم أردف قائلاً وكأنه قد حصل على ورقته الرابحة، تابع: إذاً.. هل تريد أن تعرف؟
ولاحظَ "راي" أنَّ الفتى ابتسمَ للمرة الأولى، لكنها كانت ابتسامة ممزوجة بالسخرية ورائحة الانتصار.
_أن أعرف عمري؟ بالطبع أريد ذلك!
_أستطيع أن أجلبه لك، لكن بشرط أن تقدم لي خدمة.
_أي خدمة؟
_لا أعرف، سأفكر بها يوماً ما.
ثم اندفع مستلقياً واضعاً يديه خلف رأسه بابتسامة نصر تعلو ووجه، بينما "راي" الذي كان يتأنى بتناول طعامه ظلَّ ممسكاً بالخبز المتبقي بيديه الاثنتين، مفكراً بكلام الفتى مع قليلٍ من القلق.
_بالمناسبة.. ما قصة رحلة الصيد التي تحدثت عنها؟
_أوه رحلة الصيد؟ لا تقلق ليست شيئاً يهمك، كل ما عليك معرفته أننا نعيش النعيم بعد قدومهم.
_قدوم من؟
_البحَّارة بالطبع!
استلقى "راي" بجانبه عاقداً ذراعيه على بطنه، بعد أن فهم جزءاً قليلاً من الأمر، لكنه فهم على الأقل لماذا استمرَّ الناس بالنظر نحو المحيط عند الجسر الخشبي، لا بدَّ أنهم كانوا في انتظار رحلة الصيد تلك أو أياً كان اسمها.
***
استيقظ "راي" في الصباح بوجهٍ متعب، فلم تكن ليلةً مريحة كما توقع أن تكون، كان يصحو كثيراً بسبب ركلات الفتى الدائمة له، وفهم "راي" نوعاً ما لماذا ينام هذا الفتى وحده، كما أنه انتبه لمرور الكثير من الأشخاص بجوارهم ليلاً، شعر وكأنه نائمٌ على ناصية الطريق لمكان حيوي، ألقى نظرةً بجانبه فوجد رفيقه في النوم ما يزال نائماً، ومنح ذلك "راي" الفرصة لتفحص ملامحه , كان ذا بشرة بيضاء محروقة بفعل أشعة الشمس، وذا بنية جسدية قوية وفكر "راي" أنه لولا شُحِّ الطعام لامتلك هذا الفتى الكثير من العضلات، على عكس "راي" الذي كان من النحالة ما لا يؤيد ظهور أي عضلات، بل سيبدو مظهره غريباً إن حدث وفعل، والشعر القصير جداً ذا اللون الأسود إلا أنه لو سمح له بالنمو قليلاً فسيكسب لوناً بنياً داكناً، أمسك "راي" شعره الممتد أسفل أذنه وفكر بأن عليه قصَّ شعره هو أيضاً، لاحظ أيضاً وجود بقعتي صلع في مقدمة رأسه، لا بُدَّ أن هذا حدث بسبب حلقه الدائم لشعره، وأخيراً نظر "راي" إلى ما أراد رؤيته بشدة! علامته! فلاحظ أنها حمراء مثل علامتِه، أسعدَهُ ذلكَ كثيراً فبالنسبة له حصل على الفرصة ليكونا أصدقاء، أمعن "راي" النظر بوجه صديقه النائم، كان يبدو مسالماً أثناء نومه لكن "راي" يعرف أنه فورما يستيقظ ستعود له ملامحه الحادة دائمة العصبية، وسيعود ليقطب جبينه كالعادة وستصاحبه تكشيرته الدائمة، ملل "راي" من الانتظار فلاحظ وجود بقعة أرضية قريبةً من الماء وعلى مقربةٍ منه، سارعَ إليها لغسل وجهه لكن لم تكن فكرة جيدة أن يغسل وجهه بماء المحيط مالح، حاول تدارك خطأه بمسح وجهه بقميصه، ساعده الأمر على تخفيف ألمه قليلاً، اقترب من الماء فأدرك أنه يرى نفسه، تساءلَ في نفسه، هل هذا أنا ؟ كان لديه فكرة أولية عن شكله لكنها المرة الأولى التي يرى فيها نفسه منذ زمن، نظر إلى شعره الكثيف الفوضوي فهو لم يصففه منذ مدة، ولاحظ أن شعره أسودٌ يميل للزرقة، لكنه اعتقد أن سبب هذه الزرقة الظاهرة في شعره هو لون المحيط، ثم نظر إلى ملامحه وأزعجه كم هي ملامح طفولية تلك التي يمتلكها! عينان كبيرتان وشفتان صغيرتان وأنف بالكاد يتنفس على قدر الحاجة، تمنى لو أنه امتلك ملامح حادة وجدية مثل صديقه أو لو أنه كان جذاباً وملفتاً مثل "غانبو"، هل كانت أمه ذات ملامح طفولية أيضاً؟ أم أنها كانت راشدة بوجه أنثوي وناضج، هل ستظل عيناه كبيرتان وواسعتان هكذا للأبد أم أنه بفعل الطفولة؟، وأنفه! لا بُدَّ أنَّ امتلاك أنف معقوف أو مستقيم سيمنحه مظهراً أكثر هيبة من أنف الأطفال هذا! وبينما "راي" غارقٌ في أحزانه، لحق به الفتى من البارحة، صار وجهه مقابلاً لوجه "راي" الذي كان يحني رأسه، بدأ الولد بحك رقبته باحثاً عن طريقة لبدء الحديث.
_يبدو أني أطلت بالنوم لذا...
رفع "راي" رأسه فانتفض الولد لما رآه، رأى وجه "راي" غارقاً بالدموع بينما تحول بالكامل للون الأحمر.
_اممم، مالذي فاتني؟ استفسر الولد بنبرة متسائلة ونظرات أقل حدة.
_لا شيء، لم يحدث شيء أبداً!
وبدأ "راي" يمسح دموعه بطرف كميه، راحا يسيران معاً دون وجهة محددة، بينما بدا الفتى مرتبكاً يحاول البحث عن طريقة لإسكات دموع "راي"، وتوصَّل إلى أنه يجب أن يحكي مشكلته الخاصة كي يخفف مشاكل الآخرين، لكن أيضاً كان حذراً من البوح بأحد أسراره فقرر، اختيار السر الأقل أهمية.
_أتعرف.. ذات يوم كان لدي شعر ناعم تماماً كشعرك، كان ناعماً كالحرير وينسدل على عيني، لكنه احترق، حلقته وعندما نما مجدداً لم يعد أبداً كما كان فصرتُ أحلقه على الدوام، المسه وستعرف.
أحنى الفتى رأسه ل "راي" كي يلمسه، لكن لم يكن فرق الطول بينهما كبيراً، مدَّ "راي" يده ليلمس شعره بعد شعوره ببعض الارتياح، لم يكن عليه أن يحسد هذا الفتى على ملامحه فهو لديه مشاكل أخرى ترهقه.
_مؤلم! كأنِّي ألمسُ صباراً!
_صبار؟ أنا لم ألمس صباراً من قبل.
_ولا أنا، لكني تخيلت أني فعلت.
نظر الفتى إليه بنظرات إعجاب واضحة لكنه لم يتخلص من ابتسامته الساخرة.
_صحيحٌ أنَّ شعرك خشن، لكن على الأقل ملامحك رجولية و... مذهل! أهذه ندبة على عينك؟ أنت رجل حقيقي!
أطلقَ الفتى ضحكة ساخرة بقليل من التعجب وقال: أجل إنها ندبة، ستحصل على الكثير بينما أنت هنا، سكتَ قليلاً ثُمَّ أضاف:
_ألِهذا السبب كُنتُ تبكي؟ لأنَّ ملامِحَك طُفوليَّة؟ لا تقل لي بأنَّها كانت مرَّتكَ الأولى لِترى شكلك!
_غ. غير صحيح!، عاد وجه "راي" للون الأحمر مجدداً لكن هذه المرة بدافع الخجل.
_ما المشكلة بالحصول على ملامح طفولية؟ فأنت طفل.
لكن أنت طفل أيضا وملامحك ليست طفولية!
_أنا أكبر منك.
_لم أعرف عمري بعد لذا قد لا تكون كذلك!
_لكن نظراً لتصرفاتك، أنا متأكد بأني كذلك.
سكت "راي" لبرهة، فقال محاولاً إيضاح وجهة نظره.
_أنا لا أكره وجهي.. لكن بمثل هذا المكان فهذا الوجه لن ينجو!
نظر إليه الفتى متعجباً من ذكائه، وقد اختفت ابتسامته الساخرة، هذا الفتى بدأ يفهم طريقة سير الأمور هنا!
_نعم.. بهذا الوجه سيأكلونك حيا.
_كلامك لا يساعد! اشتعل وجه "راي" غضباً والتقط حفنة من الطين فلطخ بها وجهه.
_هكذا؟ أأبدو رجوليا أكثر؟
_لا، لكنك تبدو قذراً، بدا الفتى غير مبالٍ بتأثير كلماته على "راي"، لكن "راي" كان منزعجاً ومتضايقاً بشدة.
توقف الولد فجأة فاصطدم به "راي"، وقبل أن يرفع رأسه وجد أن الفتى قد استدار إليه بينما تعلو وجهه نظرات ساخرة لكنها أكثر وداً.
_أنا "جين" وأنت؟ على الأقل أنت تعرف اسمك صحيح؟
_"راي"! اسمي "راي"!
هتفَ بها بلهفة متجاهلاً نبرة "جين" الساخرة، فقد كان سعيداً بحصوله على شخص مهتم بمعرفة اسمه، ما كادا ينهيان حديثهما حتى أفزعهما صوت النفخ في البوق الذي اخترق طبلة أذنهما، لكن على عكس ملامح الفزع التي بدت على "راي"، فملامح "جين" كانت مبتهجة وعاجزة عن تصديق ما تسمعه.
_"راي"! "راي"! إنه!! تحدث "جين" بسرعة فائقة لدرجة أن "راي" بالكاد فهم ما يقوله لكنه فقط كان سعيداً لأن صديقه يستخدم اسمه للمرة الأولى.
_هذا البوق! هذا الصوت! إنه يعني أن شيئاً مهماً قد حدث! لا بُدَّ أن للأمر علاقة برحلة الصيد! هيا بنا.
بدأ "جين" الركض مسرعاً وشعر أن الأرض لا تسعه من السعادة، وكذلك الجميع من حوله كانوا يركضون ويهتفون، لم يفهم "راي" أبداً مبرر هذه السعادة لكنه كان سعيداً لسعادة صديقه، وصلوا إلى مكان يتجمع حوله الكثير من الأشخاص، ووجد في وسطهم رجلاً يقف على اسطبة خشبية يحمل في يده اليمنى بوقاً على شكل ناب، هذا هو الرجل الذي نفخ في البوق! هذا يعني أن لديه شيئاً ليقوله.
رفع الرجل كفَّ يده فسكت الجميع على الفور في انتظار كلماته، بينما ملامح اللهفة والترقب تعتلي وجوههم.
_استطعنا تعقب السفينة المفقودة!
تعالت أصوات الجميع هاتفين مشجعين فتعالى صوت "راي" معهم دون أن يفهم شيئاً، لكنه فقط كان ممن يندمج مع الآخرين بسهولة، رفع الرجل كفَّ يده مجدداً مما دعاهم إلى السكوت، هذا الرجل ما زال لديه الكثير ليقوله.
_لم نستطع التواصل معهم بعد، لكننا نعلم أنهم قريبون من هنا، ونُقدِّرُ أنهم سيصلون خلال أيام قليلة، أقل من أسبوع.
تعالت صيحات الجميع بشكل أقوى من السابق، وبدأوا يغنون وينشدون احتفالاً بقرب عودة الأبطال.
_هل سمعت ذلك يا "راي"؟ هل سمعت؟ أشعر أن أشعر أن.
_هل تشعر أن العالم لا يسعك من السعادة؟
_تماماً!
قاد "راي" "جين" إلى مكان بعيد عن الجموع والضوضاء ليستطيعا الحديث ف"راي" لديه الكثير ليسأله.
_كنا قد فقدنا الأمل بعودتهم، وبدأنا بالفعل بالتجهيز للرحلة القادمة، لكن هاهُم يعودون جالبين الأمل معهم!
_أنت لم تشرح لي بعد قصتهم.
_اسأل ما تشاء، أنا في مزاجٍ جيِّدٍ لإجابتك.
_قلت إنهم يذهبون للصيد صحيح؟ ماذا يصيدون؟
أجابَه "جين" محاولاً إخفاء حماسه:
_ليس بالشيء الكبير كل ما في الأمر أنهم يصيدون ... حوتاً! صرخ بآخر كلمة بأعلى صوته فلم يعد قادراً على كتمان حماسه.
_حوت؟؟ صرخ "راي" بالقدر ذاته من الحماسة، هل تقصد أكبر مخلوق في هذا العالم؟
_تماماً! ليس هذا فحسب بل أيضاً جميع أنواع الأسماك والطحالب، وكل كنوز المحيط من لؤلؤ ومرجان وأي شيء ثمين ونفيس يقبع بالمحيط.
_تقصد مثل تلك المجوهرات التي رأيتها على الأكشاك؟
_لا، تلك مزيفة، أما الأشياء التي يجلبونها فلن تتحمل عيناك النظر إليها حتى، كان يفترض أن يصلوا قبل مجيئك بأسبوع لكنهم تأخروا، وأتت سفينة البضائع متوقعةً الحصول على كنوزها مقابل بضائعهم لكنها لم تجد شيئاً ولم نحصل نحن على شيء.
_مهلا...! تعجب "راي" لما قيل له وقد أصابت الخيبة ملامحه، هل تقصد أن كل الكنوز التي يجلبونها يستولي عليها غيرهم؟
_نحن نقايضها، ما حاجتنا بالمرجان إن لم نجد ما نأكله؟
_لكنكم تعيشون وسط المحيط! يوجد الكثير من الأسماك لتأكلوها.
_النزول إلى المحيط خطير، ومعظم أهل الجزيرة لا يفضلون الطعام البحري، قال "جين" الجملة الأخيرة وقد نفذ صبره أما "راي" فلم يستطع مقاومة رغبته بالحصول على مزيد من الإجابات فسأله: ومنذ متى خرجوا إلى الرحلة؟
_منذ ثلاث سنوات، إنها رحلة دورية تقام منذ عقود وبعد أن يصلوا سيرتاحون لأسبوع فقط ثم سيعودون للمحيط مجدداً، لكن ليس الأمر أنهم يكرهون ذلك بل إنهم... أقصد أنَّهُ خُلِقَ ليعيشَ في المحيط.
_من هو؟
_قبطان السفينة، أنا لا أعرفه أيضاً فهذه أول رحلة أشهد قدومها، لكني فقط سمعت الكثير عنه.
سادت بينهما لحظة صمت قاطعها "راي" قائلاً: لدي أسئلة أخرى لكن عن موضوع آخر.
أجابه "جين" بابتسامة ساخرة: أجِّلها، لم أعد بمزاجٍ جيِّدٍ لأجيبَ على أسئلتك
_لكن..
_يجب أن أذهب الآن فلدي مهمة أقوم بها، هل نسيت؟ سأعرف لك عمرك ولا تنسَ ستكون مديناً لي.
_صحيح ...، سأكون مديناً لك بمرتين، مرة لمشاركتي طعامك ومرة لتقديمك خدمة لي.
_أوه لا تقلق بشأن الخبز، لقد حصلت عليه بالمجان لذا لا أريد ثمناً مقابله.
_تقصد سرقته، قال "راي" بابتسامة موضحة
_ستعتاد السرقة قريباً، أنا متأكد أنه خلال أسبوع سأراك سارقاً محترفاً أكثر مني، فلديك جسد صغير وغالباً لن يلاحظ الناس وجودك، يجب أن أذهب الآن، هل سأجدك مجدداً كما البارحة؟
_ربما..
قالها "راي" بابتسامة مُتردِّدَة، هو لم يمكن متأكداً من رغبته بالعودة، فالنوم بجوار "جين" لم يكن شيئًا مريحاً.
viloeto7789