أشرقت الشمس فدبَّت الحياة في أرجاء الجزيرة، خضع الموج خانعاً ولم يعد لصوته أي عُلُوٍّ على أصوات الحياة والطبيعة، صحوَ "راي" على صوت الأغاني والأناشيد احتفالاً بقرب عودة الابطال، احتفلوا كثيراً جداً والبَّحارةُ لم يعودوا بعد فكيف إن عادوا؟ لكن في مكان بائس كذاك احتاج الجميع لأي سبب تافه لإظهار السعادة والاحتفال، ألقى نظرة على يمينه فلم يجد "جين"، شعر بالريبة لذلك فأولاً يعود متأخراً وثانياً لا يركله أثناء النوم وثالثاً يستيقظ قبله، لم يخطر ل"راي" ولا لجزءٍ من الثانية أن "جين" ربما لم يعد الليلة الفائتة، سار بجوار الجموع فرأى شيئاً أدهشه، فتاة في الثانية عشرة ترتدي سترةً وتضع يديها في جيب سترتها، مع سروالٍ قصير يرتفع كثيراً عن ركبتها، ترتدي قفازات زرقاء من النوع الذي يكشف عن نصف الأصابع، وأخيراً شعرها الأبيض المتلألئ الذي يعلو كتفيها.
_"غانبو" أهذا أنتِ؟، هتف "راي" وقد كانت المسافة بينهما كبيرة، التفتت إليه "غانبو" بالفعل، فهناك شخصٌ واحدٌ فقط يناديها بهذه الطريقة، بل شخصٌ واحدٌ فقط في الجزيرة بأكملها قد يحاول الحديث معها.
ركض "راي" نحوها وضمَّ يديه نحو صدره ليقول بسعادة غامرة: أنا سعيدٌ حقاً لإيجادك، ظننتني لن أراكِ ثانيةً!
أردفت له "غانبو" بابتسامة دافئة لا تخلو من الابتهاج، كانت سعيدةً أيضاً برؤية "راي" مجدداً رغم أنها لم تحاول البحث عنه، فقد ظنت أنه فقد اهتمامها به منذ عرف أنها بكماء، لكنَّ "راي" كان له رأي آخر.
_لقد قررت بأني سأتعلم القراءة لِأتحدَّث معكِ، لكنِّي فكَّرتُ بأنَّ تعلمها سيكون صعباً جداً، وأنتِ لا تحصلينَ على فرصةٍ للكتابةِ دائماً أليس كذلك؟، لذا قرَّرتُ بأنِّي لن أتعلم القراءة بل سأتعلَّم لغة الإشارة، لكنِّي أيضاً أظنُّها صعبة وسيستغرق تعلمها وقتاً.
بدا على "راي" انزعاجٌ واضح وبدأ بفركِ شعره بقسوة، دلالةً على التفكير ثم سألها بنفاذ صبر.
_ماذا تظنين سيكون أفضل وأسهل تعلم لغة الإشارة ام تعلم القراءة؟
وضعت "غانبو" سبابتها على خدها وقد استغرقت ملامحها بتفكير جاد وعميق، ثم رفعت كلاً من سبابتها واصبعها الأوسط ليواجها وجه "راي".
_هل تقولين بأنَّه يجب عليَّ تعلم الاثنين؟ حسناً.. أظنُّكِ محقة، لكن هذا يعني أني سأحذف تماماً كلمة سهل من قائمة كلماتي.
حركت "غانبو" كتفيها بإشارة ل "راي" ليتقبل الواقع، مع ابتسامة تحاول طمأنته أن بوسعه فعلها، ثم أشارت بسبابتها على رأسها، استغرق الأمر بضع ثوان من "راي" ليهتف وقد فهم قصدها:
_هل تتحدثين عن قصة شعري؟ هل أعجبتك؟ قالها ببراءة تليق بطفل مثله
أومأت "غانبو" رأسها بقوة تأكيداً على كلامه.
_شكراً لكِ! رغم أني أفسدته بالفعل...
كان "راي" ينظر إليها متعجباً من نفسه، هو بوسعه فهمها وكأنه يقرأ ما يجول في عقلها، يستطيع قراءة لغة جسدها وملامحها وتفسير ما تحاول قوله، كان سعيداً بذلك شعر أنه أمر يختصُّ به هو وهي فقط، أمرٌ بينهما فقط فلا أحد يستطيع فهمها كما يفعل هو، وهو لن يفهم أحداً كما يفهمها، أو على الأقل هكذا ظن.
استدار "راي" لصوتٍ ينادي عليه من بعيد، يلوح له بيده ويركض نحوه، لم يُميز "راي" الصوت على الفور لكن عندما اقترب المُنادي منه عرفه على الفور، إنه "جين"! كم كان ساذجاً لأنه لم يعرفه على الفور فمن غيره سينادي اسمه في هذا المكان؟ ونظراً لوجه "جين" المتلهف، الذي بدا كأنه يرى "راي" للمرة الأولى منذ فترة، فأدرك "راي" بشكلٍ متأخر أن "جين" لم يعد ليلة البارحة، وأنه الآن عائدٌ بحوزته ما ينتظر معرفته.
_"راي"! "راي"! لقد كنت أبحث عنك طويلاً و...
تحوَّلت ملامح "جين" المتلهٍّفة إلى ملامح خوف، وتعجَّب فورما انتقلت أعينه إلى "غانبو" وتابع بينما هو مُتَسمّرٌ في مكانه:
_ر. "راي" مالذي تفعله هنا؟ هيا بنا لنذهب.
وأمسك بيد "راي" وحاول سحبه لكن "راي" أبى الذهاب معه وظلَّ ثابتاً، كان قد لاحظ نظرات "جين" المتعجبة إلى "غانبو" ولم يخطر بباله أنها نظرات خوف، ففكر أنها الفرصة المناسبة ليعرفهما على بعضهما البعض.
_"جين" هذه هي "غانبو"، وغانبو هذا هو...
قاطعه "جين" وأمسك بكتفي "راي" بقوة وهمس غاضباً.
_"غانبو"؟؟ أعرفتَ اسمها أيضاً؟! "راي" هيا بنا يجب أن نذهب!
_أنا لن أذهب إلى أي مكان!
أبعدَ "راي" يدَي "جين" عن كتفه وتابع:
_كُنَّا نتحدَّثُ أنا و"غانبو" عن رغبتي بتعلم بعض الأشياء، هل تعرف شخصاً يمكنه أن يعلِّمني؟
أجابه "جين" بصوتٍ أكثر حزماً وهو يصكُّ أسنانه متجاهلاً سؤال "راي" تماماً:
_أنا لن أبقى مادامت هي هنا!
لم يجبه "راي" بينما "غانبو" التي لاحظت للتوّ وشم "راي" بعدما رفع كفَّه ليُبعدَ يدي "جين" فقابل وجهها، أشارت ليده ثم رفعت يدها وِأشارت لظهر يدها، رفع "راي" يده لينظر حيثُ أشارت، كان "جين" يتابع حديثهما بصمت تماماً مثلما تابعت "غانبو" حديثه و"راي" بصمت، الخوف يملأه وما يجري لا يُعجبه لكنَّه باتَ فضولياً بشكل كبير أيضاً.
_هل تقولين بأني يجب أن أخفي علامتي أيضاً؟ سألها "راي" باستغراب.
أومأت "غانبو" برأسها لتوافق كلامه.
صرخ "جين" وقد قطع صراخه الحديث الهادئ: هو لا يحتاج لإخفاء علامته! فهو ليس.. ليس مثلك! قال "جين" الجملة الأخيرة وقد شعر بأنه استجمع كل شجاعة الكون ليقولها، نظر إليه "راي" دون أن يفهم بينما "غانبو" حملقت فيه بنظرات ثابتة أفزعت "جين" والتي ظنَّها" راي" نظرات معاتبة.
سأل "راي" قاطعاً التوتر الحاد الذي ساد بين "غانبو" و"جين":
_هل عرفت عمري؟
_أوه صحيح.. أنت في السابعة
_رائع! وهل تستطيع معرفة أشياء أخرى:
قال "جين" مستعيداً مشهد ابتلاعه لورقة تعريف "راي": لا هذا مستحيل! لقد كدتُّ أموتُ هناك، انظر إلى الجرح الذي حصلتُ عليه في رقبتي.
ورفع "جين" رقبته لتصير بمستوى نظر "راي".
_أوه أنا آسف لذلك ...، إذاً ماذا تُريد مقابل ذلك؟ أنا مستعدٌ لفعل أي شيء!
_مقابل؟؟ أي مقابل؟ أنا لا أريد مقابلاً!
أجابه "جين" بينما يتصبب عرقاً، فقد لاحظ أن "غانبو" التفتت إليه فوراً بعدما سمعت كلمة مقابل بنظرات اخترقته كالرصاص.
_متأكد؟ لكنَّك قلتَ سابقاً أن لا شيء بالمجان و...
_هل قلتُ ذلك حقاً ...؟ حسناً لقد غيَّرتُ رأيي الآن ولا أريد مقابلاً.
هدأ "جين" مجدداً بعد انزياح نظرات "غانبو" عنه، وقال بعد أن استجمع شجاعته:
_هذه آخر مرة سأراك فيها! أنا لن أسمح بأن يراني أحدٌ... معها! وأنصحك ألا تسمح بذلك أيضاً!
بعدها التفت إلى "غانبو" يرمقها بنظراتٍ حادَّة ليحاول اختراقها كالسكاكين، منتقماً لاختراق نظراتها له كالرصاص.
أزاح "جين" نظره وأدار ظهره وبدأ بالهرولة، بينما تتبعه نظرات "راي" و"غانبو"، حتَّى توقف فجأة وصاحَ بعدما أوحشته فكرة النوم وحيداً مجدداً: لكني أرحب بك لتنام على الملاءة الناعمة في أي لحظة!
ثم غادر و"راي" ما يزال يتساءل، لماذا كان "جين" عدوانياً بهذا الشكل تجاه "غانبو"؟، لقد كان حذراً معه قليلاً في اللقاء الأول لكن لم يتصرف معه بتلك العدوانية، بدا ل "راي" أنَّ "جين" كان على معرفة بها لكنَّ "راي" كان متأكداً أن "غانبو" تراهُ للمرة الأولى، وخلال انشغال "راي" بالتفكير لم يلحظ يد "غانبو" التي خلعت أحد قُفازيَّها ومدَّتهُ إليه، أخذه "راي" منها بابتسامة حزينة وقال:
_لازلتُ لا أفهم لمَ عليَّ تغطية هذا الشيء.
أومأت له "غانبو" برأسها كأنها تقول له (ستفهم).
ثم تذكر "راي" عرض "جين" له، تضايق "راي" كثيراً من "جين" بسبب عدائيته تجاه "غانبو"، لكنَّه على عكس الليلة الماضية عندما كان متردداً بالعودة، فإنه اليوم قد عقد العزم على العودة، لكن ليس رغبةً بالملاءة الناعمة، ولا شوقاً لرؤية "جين"، بل لرغبته العارمة بالحصول على الإجابات، سيسألُ "جين" عن معنى هذه العلامة وعن سبب عدوانيته المفاجئة تجاه "غانبو"، وعن سبب احتراق شعره كذلك.
***
اصطحبت "غانبو" "راي" معها إلى أحد الأبنية القليلة في الجزيرة , كان "راي" يظنُّ أن القبة الزجاجية هي أكبر مبنى في هذا المكان، لكنَّه عندما رأى المبنى الذي اصطحبتهُ إليه "غانبو" عرف أنه كان مخطئاً تماماً، دخل إلى الداخل فاكتشف أنها مكتبة ضخمة جداً، كانت تتكون من طابقين والطابق الثاني مفتوح على الطابق الأول، فقد كان بوسعك الولوج إليه من خلال درج حلزوني داخلي، ووجد على يمينه رجلاً مستلقياً اتكأ رأسه على الحائط، يضع كتاباً على وجهه يغطي فيه نفسه، لكن "راي" لمح بعض الخصلات الشقراء تظهر من تحت الكتاب، سحبته "غانبو" ليتوغلَّا داخل المكتبة فوجدا تجمعاً للأولاد الصغار، بدوا من جيل "غانبو" لا من جيلِ "راي"، جلسوا وسط حلقة دائرية يمسك كلٌ منهم بكتاب، بدا أشبه بنادٍ للقراءة بالنسبة ل "راي"، التفتت أنظارهم جميعاً نحو "راي".
و"غانبو" ووقف ولد من منتصفهم بدا في عمر "غانبو" أو أكبر، دفعت "غانبو" "راي" بيديها تدفعه للكلام وتراجعت عنه ببضع خطوات، استاء "راي" لذلك، تركت "غانبو" المواجهة له وتراجعت هي للخلف! خاصةً أنَّ نظرات أولئك الصغار بقبعاتهم السوداء التي تغطي معظم تفاصيل وجههم أخافته.
_امم مرحبا، قال "راي" بصوت ملأهُ التردد وقد ا بدأ يتعرق بالفعل.
قال الفتى امامهم مركزاً نظراته على "راي":
_هل أنتم هنا للقراءة؟
_أنا.. أنا لا أجيد القراءة.
تعالت شهقات الجميع من الخلف بينما ظلَّ أكبرهم ساكناً وقال.
_فهمت، أنتَ هنا لتعلم القراءة، كنا جميعا مثلك يوما ما، خائفين حتى تذَّرعنا بالقراءة.
لم يجبه "راي" لأنه لم يفهم لماذا يجب أن يخاف إن كان لا يجيد القراءة؟
_أهلاً بك في أكثر مكان آمن على متن هذه الجزيرة، كلُّ الأقوياء والمجرمون أغبياء لذا هم لا يترددون على المكتبة، والقليلون منهم الذين يجيدون القراءة لا ُيسمح لهم بالدخول أصلاً.
_أمعظم الناس على هذه الجزيرة لا يجيدون القراءة؟
_صحيح، فهم إما جاؤوا إلى هنا صغاراً عاجزين عن القراءة، فقرَّروا ألا يتعلموا شيئاً، أو جاؤوا متعلّمين لكن لقلة استعمالهم عقولهم نسوا كيف تكون القراءة.
_إذا هل ستعلّمني القراءة؟ قالها "راي" بحماس بينما أجابه الفتى ببرود.
_هل تظن أن أحداً هنا يجيد القراءة؟ ثم استدار لباقي أفراد مجموعته.
_لكنكم تمسكون كتباً ماذا تفعلون هنا إن كنتم لا تجيدون القراءة؟ أم هل يعقل أنكم هنا لتعلم القراءة أيضاً؟
_هذه ليست مدرسة بل مكتبة، نحن نأتي إلى هنا لنكون آمنين من بطش المجرمين في الخارج، ونتظاهر بالقراءة أثناء ذلك، فإن لم نكن نقرأ لما سمح لنا ذلك الرجل بالبقاء، هو يظن بأننا نتعلّمُ شيئاً مفيداً ويجب على ظنِّه هذا أن يدوم.
_عن أي رجلٍ تتحدث؟
_الرجل النائم على الباب.
_ولماذا سيطردكم، لا حق له في ذلك!
_إنها القوة، هو قوي وقد احتكر هذا المكان لنفسه، من يستطيع منعه؟
_الزعيم يستطيع!
قالها "راي" بغباء ظاناً أن "هيوغو" شخص جيد، تعالت شهقات الجميع تتزايد بينما بدأ الفتى الذي أمامه يتخذ حذره.
_الزعيم؟ تقصد "هيوغو"؟ أخشى أن أقول لك أنه حتى زعيمكم الأحمق عاجزٌ عن التصدي له.
_ليس زعيمي.. قالها "راي" بهدوء وقد أدرك خطأه، لماذا ذكر اسم الزعيم فجأة هكذا؟ ربما لأن شعر الرجل الأشقر هناك قد ذكَّره بالزعيم ثُمَّ تابع مُغيِّراً الموضوع: أجميعكم هنا لا يجيد القراءة؟ سأله "راي" مغيراً الموضوع
_فقط أنا أستطيع، جئتُ إلى هنا متعلماً وتعلمت بعض الأشياء القليلة من الرجل النائم في الخارج.
_إذاً هل تستطيع تعليمي؟ قالها "راي" بلهجة حماسية وراجية.
_هذا مستحيل، ليس لدي القدرة الكافية لتعليمك فما تزال لديَّ الكثير من الهفوات، لكن إن كنت مصراً فهناك طريقة.
_حقاً؟ وما هي؟
_اطلب من الرجل النائم تعليمك، لقد علَّمني بعض الأشياء من قبل، هو صعب المِراس لكن إن كان هناك شخصٌ في هذا العالم سيتطوع لتعليمك فسيكون هو، لأنه يحب الصغار الذين يقرأون ويشجعهم، لهذا يسمح لنا بالدخول، ويسمح للفتاة خلفك أيضاً.
انتفضت "غانبو" فقد ظنَّت بأن أحداً لم يلاحظ وجودها، كونهم لم يلتفتوا لها.
_فهمت! سأطلب منه ذلك لذا شكراً لك.
عاد الولد ليتوسَّط دائرته بينما استدار "راي" و"غانبو" يقصدان مقابلة الرجل النائم.
_ألهذا السبب جلبتني إلى هنا؟ لأتعلم القراءة؟
أشارت "غانبو" برأسها أن نعم ثم تابع "راي"
_هل تظنين أن ذلك الرجل قد يعلِّمني شيئاً؟
فأشارت له "غانبو" مجدداً بأن نعم، وعندما وصلا إلى الرجل النائم، اكتشفا أنه ما يزال نائماً، عندما رأى شعره الأشقر لأول مرة راودته فكرة بأنه قد يكون الزعيم، لكنه متأكد الآن بأنه ليس كذلك.
_من غير اللائق أن نوقظه الآن صحيح؟ ما رأيك بالعودة غداً؟
وافقت "غانبو" على كلامه وعندما همَّ "راي" بالخروج دعته "غانبو" لصعود الطابق الثاني، اصطحبته إلى أحد الزوايا المتوارية عن الأنظار، ووجد الكثير من الكتب تغطي المكان وفي وسطها وسادة.
_فهمت! أنتِ تنامين هنا؟
أشارت له "غانبو" بنعم ولا
_مهلاً لحظة إني أحاول الفهم ... هل تنامين هنا أحياناً وأحياناً لا؟
نفت "غانبو" كلام "راي" فعاد للتفكير مجدداً.
_لقد فكَّرتُ باحتمالٍ آخر، أنتِ تنامين هنا لكنكِ مهددةٌ بالطرد في أيِّ لحظة.
أومأت "غانبو" برأسها بحماس، لم تجد أحداً قط يفهمها بهذه الطريقة، و"راي" وجد الأمر ممتعاً جداً، إنها لعبة يحاول فيها تفسير ما يجول في خاطر "غانبو".
_هل للأمر علاقةٌ بالرجل النائم؟ ألا يعرف بنومكِ هنا؟ هل سيطردكِ إن عرف؟
وافقت "غانبو" كل كلمة قالها "راي" بينما ابتسم لها راي ابتسامة مراعية، هي مُعرَّضةٌ للطرد في أية لحظة.
وبدأت "غانبو" تصنع بعض الإشارات بيدها، إنها تُصعِّبُ اللعبة على "راي"، فهذه مرَّتُها الأولى التي تستخدم فيها إشاراتٍ كثيرة.
_هل تعرضين عليَّ البقاء هنا؟
صُدم "راي" لاقتراحها، فقد كان متأكداً أنها سمعت "جين" عندما طلب منه العودة، شعر لوهلة بأنها تحاول سرقته من "جين"، أو ربما ظنَّت أنَّ "راي" لا ينوي العودة ل "جين" لذا لا مكان له ليبيت فيه، كانت تحاول تصحيح خطأها بأن سبَّبَتْ خِصامهما.
_أنا لا أستطيع ذلك.. سأعود لأقابل "جين"، لا تقلقي هو ليس شخصاً بهذا السوء، وسأذهب لأؤنبه على ما قاله لكِ، أنا حريصٌ جداً على جعلكما أصدقاء.
ابتسمت له "غانبو" برضا، فهي بعد أن كان "راي" صديقها الأوَّل لم تمانع الحصول على صديق آخر.
ودَّعها "راي" ثم عاد ينزل السلالم الحلزونية، وعند خروجه لاحظ أن الغروب قد حلَّ بالفعل، استغرق كثيراً من الوقت في الداخل ولاحظ أنَّ التنقل بين الأماكن يستغرقه كثيراً من الوقت أيضاً، كانت الجزيرة صغيرةً نسبياً، لكن ما جعل الأمر صعباً على "راي" هو الطرق الرملية المتشابهة، وهو يستغرق وقتاً طويلاً ليتذكر الطريق الذي سلكه.
***
وصل أخيراً حيث "جين"، كانَ الليلُ قد أسدلَ ستاره بالفعل، وجد "جين" هناك ضاماً ذراعيه إلى صدره بوجهٍ عابس، لكنَّ وجهه تبدَّل بالكامل فورما رأى "راي".
_كنتُ أعرف أنك ستعود.
جلس "راي" بجانبه، مدَّ قدميه وأسند ذراعيه خلفه، رفع وجهه إلى السماء متجنباً النظر ل "جين".
_مالذي جعلك تعتقد أني سأعود؟
لم يجبه "جين"، فقد لاحظَ كم أنَّ "راي" منزعجٌ منه نظراً لنبرة صوته، قال بعد أن ركزَّ نظره على يد "راي".
_إذاً فقد ارتديت قفازاً بالفعل ...
نسيَ "راي" على الفور انزعاجه من "جين"، وتربَّع في جلسته ثم سأله بنبرةٍ غاضبةٍ متعطشةٍ للإجابة.
_ما قصة تلك العلامة على أي حال؟ أنت لم تجبني إطلاقاً!
_ليست علامة، بل وشم، ورفع "جين" يده لتصير مقابلةً لوجه "راي".
_وشم؟ أهذا وشم؟ ظننتها آثار حروق.
_أحمق.. قالها "جين" بسخرية وقد نسي تماماً أن "راي" غاضبٌ منه، وأنَّ عليه أن يكون حذراً باختيار كلماته
_هذا وشمٌ يُطبَعُ بالحرارة، وهذا وشمك قد تحول للون الأحمر، أما النوع الآخر من الوشوم فإنه يتحول للأسود.
_وما معناه وما الفرق بينهما؟
_انظر هنا للوشم وستلاحظ كلمة ضحية مكتوبة.
قاطعه "راي" مغيراً الموضوع تماماً
_هل تجيد القراءة؟
_لا.. أجابه جين بتردد.
_كاذب، كيف قرأت كلمة ضحية إذاً؟ قال "راي" بكل هدوء مشككاً بصديقه.
_أخبرني بذلك شخص ما.
_حقاً؟ وكيف إذاً عرفتَ عمري؟ أنا متأكد بأنك قرأته في مكان ما.
سأله "راي" وكأنه كان جاهزاً بالحُجَّة التي ستكشفُ كذِبَ "جين"، لكنَّ "جين" صدَّ حُجَّة "راي" بحُجَّةٍ أخرى، وقد تعجَّب كذلك بكون "راي" قد استنتج كيف عرف "جين" عمره، وكان استنتاجاً صحيحاً.
_كان عمرك رقماً! أجيد قراءة الأرقام.
كاذب! قالها "راي" هذه المرة داخل رأسه، كان متأكداً أنَّ صديقه يكذب، وأزعجه هذا كثيراً، أن يكونَ صديقه الأول شخصاً لا يمكن الوثوق به.
_إذاً لنتابع قصة العلام.. أقصد الوشوم، أنا لست ضحيةً لأحد، فوالدي لم يقتلني أنا بل قتل أمي، فكيف أكون أنا الضحية؟
أجابه "جين" وقد صدمه كون "راي" يتحدَّثُ عن ماضيه لأول مرة، إذاً فقد أتى إلى هنا مرافقاً لوالده...
_هم لا يقصدون أنك ضحيَّةٌ لمرافقك، بل أنتَ ضحيَّةُ هذا المكان، ضحيَّة هذهِ الجزيرة والمجرمين على هذه الجزيرة.
_فهمت، وماذا عن العلامة السوداء؟
استمرَّ راي باستخدام كلمة علامة فقد أعجبته أكثر من كلمة وشم.
_يكتب عليها كلمة مجرم، وهو ما يعني أنه كان مجرماً فاستحقَّ القدوم إلى هنا.
_هم يجبرون على القدوم هنا صحيح؟ على عكس المرافق الذي يحصل على حقّ الاختيار.
_لا يحصل المرافق على حق الاختيار دوماً ... قال "جين" ذلك بأسى وكأن "راي" قد لمس وتراً حساساً فيه.
_حقاً؟ هذا غريب اعتقدتُ أنَّ الأمر كذلك..
_على أي حال، أظنُّكَ بدأت تفهم الأمر، لكن توجد بعضُ القوانين التي يجب أن تعيرها اهتماماً، لن يخطر ببالك أن تسأل عنها لذا كوني صديقاً جيداً سأخبرك بها دون أن تسأل.
قال "جين" الجملة الأخيرة ببعضٍ من التردد، فقد كان يحاول التأكُّد ما إن كان "راي" ما يزال يعتبره صديقاً أم لا، لكنَّ "راي" لم يعترض على ما قاله فاطمأنَّ "جين" لذلك ثم تابع:
_فليكن في علمك أن أصحاب الوشم الأسود هم فقط من يُغطون وشومهم!
_هل تلمح إلى كون "غانبو" مجرمة ذات وشم أسود؟ يستحيل أن يكون ذلك صحيحاً! وليكن في علمك -صاح فيه "راي" متبعاً نفس أسلوبه- أنَّ السيدة "نينا" كانت تغطي وشمها بضمادات وقد كان أحمراً! هل سمعت؟ أحمر!
_"نينا"؟ أتقصدُ مُصففة الشعر وأختها؟ هل ذهبت إلى هناك؟
_نعم، ويالهُ من صديق سيء هذا الذي لا يلاحظ قصَّة شعر صديقه الجديدة!
ضحك "جين" من كلامه ثم قال: أنا آسف..
ابتسم له "راي" بِودّ، وقد شعر أن غيظه من "جين" قد ذهب للحظة.
_ألهذا كنت فظاً مع "غانبو"؟ هل ظننت أنَّها ذات علامة سوداء؟
_ربما ... لهذا علاقة بالقانون الثاني، يحظر حظراً باتاً ان يتعامل شخص بعلامةٍ حمراء مع شخصٍ بعلامةٍ سوداء! تتواجد بعض الاستثناءات أحياناً، مثلاً عندما يكون الشخص فرداً من العائلة، لكن بشكلٍ عام هذا ممنوع! سيُعرٍّضك هذا لخطر كبير!
_أؤكدُ لكَ أنَّ "غانبو" ليست ذات علامة سوداء.
_أؤكدُ لكَ أنَّها كذلك.
_سأسألها غداً، وحتَّى وإن كانت كذلك فلا بُدَّ أنَّ خطأ قد وقع، إنَّها بريئة لدرجة أنَّه ليس بوسعها إيذاء نملة!
_هل تظنُّ أنها ظُلِمت؟ "راي"! إنَّ المجرمين هنا ليسوا أنواعاً عادية من المجرمين! بل أسوأهم على الإطلاق! و"غانبو" منهم!
صاح "راي" نحوه بغضب:
_هل رأيتَ ذلك؟! هل رأيتَها تؤذي أحداً؟ أو هل رأيتَ علامتها حتَّى؟
_لا ... لكنِّي سمعتُ الكثيرين يتحدثون عنها!
_لا أصدقهم!
قالها "راي" وقد نفذ صبره، لماذا يصرُّ "جين" على كون "غانبو" مجرمة؟، إنها ألطف شخص قابلها في هذا المكان، وألطف من جين بحدِّ ذاته.
_هل تريد سماع القانون الثاني؟
_تفضل..
_أخبرتك للتوِّ بأنَّ أصحاب الوشوم المختلفة لا يختلطون، لكنهم يفعلون خلال المعارك، حيث يقتلون بعضهم بعضاً، لذا يجب أن تكون ضمن جماعة كيلا تموت بفعل الطرف الآخر، الجميع يسير بجماعات صغيرة لحماية أنفسهم، ألم تلحظ ألَّا أحد على الإطلاق في هذه الجزيرة، لا أحد، يسيرُ وحده؟
بالفعل لاحظ "راي" ذلك، كان الجميع يسير ضمن مجموعة مكونة من ثلاث أشخاص فما فوق، لكنَّه لاحظ بعض الحالات الشاذة مثل "غانبو" و"جين" فسأله بفضول:
_هل أنت منضمٌ لجماعة؟
_لا.. قالها "جين" بخيبة.
_ما رأيك بتشكيل جماعة إذاً؟ أنا وأنت و..
_لا تقل لي بأنك تريد تكوين جماعة مع تلك المجنونة!!
_نعم أريد ذلك! وهي ليست مجنونة!
_"راي" ... أظنني لم أوضح لك الأمور بشكلٍ جيدٍ بعد، "غانبو" تلك.. إنَّها منبوذة من الطرفين! أصحاب الوشوم الحمراء يكرهونها لأنها ذات وشم أسود، وأصحاب الوشوم السوداء يكرهونها أيضا! ويرفضون ضمَّها إلى جماعتهم، لأنهم يعتقدون جميعاً بأنَّهم أفضلُ منها، هيَ أصغرُ شخصٍ في هذا المكان يحمل وشماً أسوداً، لذا عندما ينظرون إليها تتبادر لعقولهم أفكار مثل، لقد ارتكبتُ جريمةً بشعة لكنِّي على الأقل كنتُ طفلاً بريئاً، أو لقد كنت مجرماً عنيفاً لكنِّي لم أتحول لذلك إلا بعدما قاسيت صعوبة الحياة، لكن ماذا قاست هي بهذا السن؟، هل فهمت الأمر الآن؟ جميعهم متأكدون بكون "غانبو" هي أسوأهم، بسبب صِغَرِ سنِّها وضياع براءة طفولتها.
تعجًّب "راي" من نفسه كونه لم يُقاطع "جين" خلال تلك المحاضرة الطويلة، إلا أنَّه استمع بآذانٍ مصغية ليقرٍّرَ موقفه مما يُقال.
_أنا متأكد أن "غانبو" بريئة! وسأثبت لك ذلك!
_حسناً كما تشاء، لكن لا تقل إني لم أحذرك.
_من سنَّ هذه القوانين بالمناسبة؟
_إنها قوانين مسنونة منذ زمن بعيد، وفي كل فترة نستنتج قانوناً جديداً، فحتَّى أنا مازلت أتعلم.
_بالمناسبة.. لماذا احترق شعرك؟
صُعق "جين" من سؤال "راي" فأجابه بغضب.
_إيَّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ أن تسألَ أحداً عن ماضيه! هل فهمت؟ الجميع هنا مجرمون ولا أحد سيكون فخوراً بحديثه عن ماضيه.
_لكنَّ علامتك حمراء، هذا يعني أنك لست مجرماً صحيح؟
_أحمق.. هل تظنُّ أن أصحاب العلامات الحمراء أشخاصٌ طيبون؟ الجميع أشرار هنا! إن لم يأتوا إلى هنا وهم أشرار فهم سيتحولون لذلك، ألم تلاحظ أني سارق؟ وأنت أيضاً ستكون مجرَّد مسألة وقت حتى تصير مثلهم، فهذا المكان يصيبك بالعدوى، وخروجك من هنا بريئاً أمرٌ مستحيل.
_غير صحيح... أنا لن أصير مجرماً أبداً.
_فهمت..
بدأ "جين" يملُّ من الحديث وشعر بالنعاس، فاستلقى على جنبه مديراً ظهره ل "راي" معلناً نهاية الحديث، لكنَّ "راي" استلقى بجانبه وقال دون أن يأبه لمحاولة "جين" الخلود للنوم: ذهبتُ إلى المكتبة اليومَ مع "غانبو"، وقرَّرنا أني سأذهب غداً لتعلم القراءة، بما أنك لا تجيدها أيضاً أتودُّ المجيء معي؟
استمرَّ "جين" في سكونه، وتظاهر بأنَّه لم يسمعه.
viloeto7789