• شهلا •
فجأة ودون سابق إنذار اختفت سَراب، بحثنا عنها كثيراً و لكننا لم نجدها، فجأة تذكر الربان اتفاقنا قبل ساعات باللقاء عند بوابة المدينة إذا ضاع أحدنا عن المجموعة، لذلك بعد ان كنا في داخل المدينة توجهنا لنخرج ونقف بجانب البوابة الضخمة ورائحة الياسمين تحطينا من كل الاتجاهات، مرور الوقت وانقضاء ما يقارب الساعتين مع عدم ظهور سراب جعل القلق يتسلل إلى قلوبنا.
قطع حاجز الصمت بيننا ظهور حارس من أحد حراس البوابة أمامنا. " يا سادة أرجو منكم إما الدخول إلى المدينة أو أن تذهبوا من أمام البوابة لأنكم و بوجودكم هنا تثيرون ريبة الحراس الآخرين ولا أضمن لكم تصرفاتهم." قال الحال بعد أن ألقى التحية ثم هم بالمغادرة بعد أن أخبره الربان بأننا سندخل.
"سراب لم تخرج، أنا شبه متيقن، لكنها وعلى ما يبدو فقدت طريقها إلينا، ونسيت أننا اتفقنا على اللقاء هنا، أو أن شيئاً ما قد شغلها وجعلها تنسى أن نلتقي هنا." قال الربان بتفكير وشعرت أن معه حق بشكل أو بآخر فنحن نقف هنا منذ ساعتين نراقب الداخلين والخارجين للمدينة ولم نرَ سراب تخرج من بينهم أبداً، على الرغم من خروج آلاف ودخول آلاف.
"سنأتي إلى هنا كل يوم لعلها تتذكر أمر اتفاقنا، أما الآن فيجب أن ندخل قبل أن تغلق البوابة أو يعود الحارس مع أصدقاىه وقد بدأوا يظننون أننا نخطط لفعل شيءٍ ما." قال والدي ليوافقه الرُبان شاهر.
عدنا مرة أخرى إلى طرق هذه المدينة الغريبة.
والجميلة أيضاً.
كان الناس قد بدأو بتوضيب أغراضهم استعداداً لإغلاق محالهم وأسواقهم، خصوصاً أن الشمس ستغرب بعد ما يقارب النصف ساعة، وعندها تغلق أبواب هذه المدينة كما قال الحارس لنا قبل دقائق.
انطلقنا بالاتجاه الشرقي من المدينة عكس الطريق الذي سلكناه في المرة الأولى لأننا كنا فيه ولم تكن سراب موجودة وهذا يعني أنها اخذت طريقاً مختلفاً.
سرنا مسافة طويلة والشمس كانت على وشك الاختفاء تماماً حتى وصلنا إلى نهر ذي لون أزرق صافي اللون. ورائحة الهواء من حوله مريحة للنفس وجميلة جداً.
كان هناك الكثير من البيوت بقرب بعضها البعض.
سمعنا صوتاً عالياً واصطداماً كبيراً فنظرنا باتجاه الصوت وإذا بها أبواب المدينة قد أغلقت.
" هيا إلى ساحة اللقاء، هيا إلى ساحة اللقاء." بدأ صوتٌ عالٍ ينادي بقوة وبدأ الناس يخرجون من منازلهم وهم يرتدون ملابس جميلة ويمشون باتجاه ما.
لم نعر الأمر اهتماماً فقد كنا منهكين وبلا طعام أو راحة ونوم لوقت طويل لذلك فقد اتجه والدي رفقة الربان إلى أحد البيوت وطرق بابه وأنا اتبعهم بدون أدنى طاقة في جسدي، وقفنا بانتظار الرد فترة لا بأس بها.
حتى فتح الباب رجل عجوز يبدو أنه في بداية السبعينات من عمره.
" مرحباً يا عم، نحن جدد في هذه المدينة ولا نعلم أين يمكن أن ننام، هل لك أن تدلنا.." قلتُ مسرعة وقد تملكني الانهاك وكل ما أريده أن أنام حتى الصباح لكن يبدو أن لهذا الرجل رأي آخر فقد قاطعني. " تفضلوا بالدخول، أنتم ضيوف في منزلي حتى مغادرتكم مدينتنا." قال بلطف شديد فابتسمت.
" شكراً يا سيد .." قال الربان شاهر وهو يسأل الرجل عن اسمه.
" عبيدة، اسمي عبيدة، والآن هيا تفضلوا فقد حل الظلام ويبدو عليكم التعب والجوع سأحضر لكم الطعام." قال وهو يدخلنا إلى كوخه ويخبر والدي أن يغلق الباب من خلفه.
"هذا لطف منك." قلت له وأنا أجلس على أحد الكراسي الموجودة في الغرفة التي أدخلنا إليها.
جاءت سيدة تبدو في الستينات من عمرها تبدو عليها ملامح التعب والتقدم في العمر لكنها جميلة التجاعيد تملأ وجهها اللطيف والسموح.
تضع وشاحاً ذو شكل غريب بألوان تناسق فستانها ذي اللون الأزرق الباهت الملئ بالزخارف الجميلة والمنمقة. رحبت بنا ترحبياً شديداً وغابت ما يقارب العشر دقائق وعادت لتحضر لما طعاماً وضعته فوق الطاولة التي قربها زوجها منا.
" أنا نجمة، زوجة عبيدة، نعيش في هذا المنزل منذ أربعين عاماً أو يزيد لم يشأ الله أن نرزق بطفل يملأ عليما حياتنا لذلك أصبح منزلنا مكاناً لكل الناس والضيوف التي تأتي من خارج مدينتنا.
لا بد أنكم سمعتم النداء في الخارج بعد وقت قريب سيجتمع الجميع في ساحة اللقاء، ولكن لن نذهب اليوم بأنكم ضيوفنا." قالت السيدة العجوز بابتسامة.
" مدينتنا الحبيبة آراتيا أقوى المدن في هذا العصر يعيش سكانها بانسجام ويكبر أطفالها بالتعاون والحب والألفة ونعتبر ضيوفنا أشخاصاً منا حتى يغادروننا، لذلك فأهلا وسهلا بكم في آراتيا خاصتنا أو كما يلقبها الجميع مدينة الياسمين." قال عبيدة بفخر وحب وهو يتحدث عن مدينته الحبيبة كما أسماها.
"لماذا يلقبها الجميع بمدينة الياسمين؟" سألت بعد أن أنهيت الطعام الذي كان في فمي.
" لأنها المدينة الوحيدة التي ينمو فيها الياسمين من بين كل المدن، المدينة الوحيدة التي يتقبل الياسمين العيش فيها وفي كل الفصول والأوقات، ولا يموت أبداً، ألم تري الأزهار التي تتسلق سور المدينة؟" سألني في نهاية حديثه.
هززتُ رأسي ليكمل." لقد زرع هذا الياسمين من أول أيام بناء هذه المديتة ولم يمت ولم يتكسر أو حتى يذبل." قال وتعجبت جداً.
"كيف ذلك؟" سألت لينظر نحو زوجته وكأنه يطلب منها أن تشرح عوضاً عنه.
" في مدينتنا هناك فصل واحد فقط ألا وهو فصل الربيع،دائماً ما ترين الأشجار مزهرة ومثمرة ويانعة لكنك لا ترينها أبداً متكسرة، لأن ذلك من أحد أغرب الأشياء التي وجدت في هذه المدينة، فعندما يحدث كره بين الأشخاص أو بغضاء أو حتى حروب سترين تحول الأشجار إلى صفراء متكسرة بل وأن أوراقها ستتساقط بشدة وتتيبس أما عند تواجد الألفة والمحبة بيننا ستكون الأشجار مزهرة ولا تتكسر أبداً." قالت وشعرت أن المدينة يحفها نوع ما من السحر الغريب.
" يا لها من مدينة سحرية." قلت بتعجب لتضحك على وصفي الشبه حقيقي.
" سأنام أنا وشهلا في غرفتي بينما سينام الرجال مع زوجي في غرفة الضيوف." قالت وهي تجمع الطعام لأساعدها في نقله إلى المطبخ.
بعد أن انتهينا من جمع الطعام وتوضيبه سرت مع السيدة نجمة إلى غرفتها اتجهت إلى خرانتها بعد دخولنا إلى الغرفة وأغلاق الباب خلفنا وأخرجت من الخزانة فستاناً بلون الزمرد جميل جداً ذي أكمام منفوخة قليلاً وعند رقبته يحوي القليل من اللؤلؤ المزين له.
" هذا الفستان كان لي عندما كنت في مثل سنك، والآن ارتديه وأعطني ملابسك لأغسلها لك." نظرت لملابسي المليئة بالغبار، هي حقاً تحتاج لذلك.
" حسناً لكن بشرط واحد، سأساعدك." قلت لتبتسم وتخرج من الغرفة.
ارتديت الفستان الذي كان من مقاسي تماماً، بطول متوسط يتجاوز ركبتي ببضع السنتيمرات.
خرجت من الغرفة لأجد نجمة تضيء مصباحاً قديماً يعمل بالغاز وهذا ما جعلني أتعجب، ألا يوجد عندهم كهرباء؟
" يا خالة ألا يوجد عندكم كهرباء؟" سألتها لتنظر لي بتعجب غريب.
" وماهي الكهرباء؟" قالت لأتعجب بشدة.
" ألا تعرفين ما هي الكهرباء ؟" سألتها لتنفي برأسها.
"أنها كوسيلة للإنارة والتدفئة والشحن والعمل تساعد كثيراً، تم اكتشافها منذ زمن طويل." قلت أشرح لها.
" إنها وسيلة عجيبة ولكنني لم أسمع بها من قبل." قالت تحمل المصباح لتسير وأسير بجانبها.
" في أي عام نحن يا خالة ؟" سألتها.
" في العام التاسع عشر بعد الألفين." قالت لأتوقف مكاني بغرابة وكل ما أفكر به هو 'مستحيل، كيف يمكن حدوث هذا؟'
"كيف هذا؟" لم أعلم أنني قلتها بصوت مسموع إلا عندما توقفت نجمة تنظر لي بغرابة وتعجب.
"ماذا حدث؟" سألت تقترب مني.
" لا تقلقي لا شي فقط سرحت بتفكيري." قلت أكمل المشي بجوارها.
سرنا بعدها حتى وصلنا إلى النهر وأحضرت هي عشبة ذات لون أصفر فاقع وبرائحة جميلة جداً، أظنها تستخدم للتنظيف مثل الصابون.
"أفعلي مثل ما أفعل." قالت وهي تمسك فستاني من الكتفين تسقطه في النهر عدة مرات حتى تبلل بالكامل ثم أحضرت ما يشبه الإناء الكبير الفارغ ووضعت في القليل من الماء وجلست تفرك العشبة الصفراء بملابسي حتى تأخد الملابس أكثر قدر ممكن من الرائحة.
فعلت مثلها بملابس والدي والربان وتساعدنا حتى انتهينا بعد فترة قليلة من غسل الملابس حملت هي إناء وبه نصف الملابس وأنا حملت الإناء الآخر ثم سرنا عائدين باتجاه المنزل خاصتها.
دخلنا الى الحديقة الخلفية ووضعت الإناء أرضاً ثم أحضرت حبلاً طويلاً وسميكاً ووصلت بين السور من المقدمة إلى النهاية بشكل مائل حتى تستطيع نشر الملابس فوقه.
نشرت الملابس وساعدته في ذلك وعندما انتهينا حملت الاناءين الفارغين وتبعتها للداخل.
" هيا الآن لتنامي فعينكي تغلق بمفردها يا ابنتي." قالت لابتسم لأنها محقة بشكل أو آخر.
دخلت إلى الغرفة وهي تتبعني واستلقيت على السرير من التعب لتعطيني لحافاً وتدثرني به لأشكرها وعندما أغمضت عيني سقطتُ في نوم عميق وطويل لم استيقظ منه إلا بعد وقت لا بأس به.
_
Marselinewrite